Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:23–26
57:23Page 540
لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣
In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -
ثُمَّ قالَ تَعالى: (لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ اللّامُ تُفِيدُ جَعْلَ أوَّلِ الكَلامِ سَبَبًا لِآخِرِهِ، كَما تَقُولُ: قُمْتُ لِأضْرِبَكَ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِيامَ سَبَبٌ لِلضَّرْبِ، وهَهُنا كَذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إخْبارَ اللَّهِ عَنْ كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ واقِعَةً بِالقَضاءِ والقَدَرِ ومُثْبَتَةً في الكِتابِ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ يُوجِبُ أنْ لا يَشْتَدَّ فَرَحُ الإنْسانِ بِما وقَعَ، وأنْ لا يَشْتَدَّ حُزْنُهُ بِما لَمْ يَقَعْ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ وُقُوعَ كُلِّ ما وقَعَ واجِبٌ، وعَدَمُ كُلِّ ما لَمْ يَقَعْ واجِبٌ أيْضًا لِأسْبابٍ أرْبَعَةٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ وُقُوعَهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعِ انْقَلَبَ العِلْمُ جَهْلًا.
ثانِيها: أنَّ اللَّهَ أرادَ وُقُوعَهُ، فَلَوْ لَمْ يَقَعِ انْقَلَبَتِ
صفحة ٢٠٨
الإرادَةُ تَمَنِّيًا.
ثالِثُها: أنَّهُ تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى بِإيقاعِهِ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَتْ تِلْكَ القُدْرَةُ عَجْزًا.
رابِعُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِوُقُوعِهِ بِكَلامِهِ الَّذِي هو صِدْقٌ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ ذَلِكَ الخَبَرُ الصِّدْقُ كَذِبًا، فَإذَنْ هَذا الَّذِي وقَعَ لَوْ لَمْ يَقَعْ لَتَغَيَّرَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ مِن كَمالِها إلى النَّقْصِ، ومِن قِدَمِها إلى الحُدُوثِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا عَلِمْنا أنَّهُ لا دافِعَ لِذَلِكَ الوُقُوعِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ الغَمُّ والحُزْنُ عِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الخَواطِرِ، وهانَتْ عَلَيْهِ المِحَنُ والمَصائِبُ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهَبْ أنَّهم يُنازِعُونَ في القُدْرَةِ والإرادَةِ، ولَكِنَّهم يُوافِقُونَ في العِلْمِ والخَيْرِ، وإذا كانَ الجَبْرُ لازِمًا في هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أنْ يَلْزَمَ الجَبْرُ بِسَبَبِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وبَيْنَ أنْ يَلْزَمَ بِسَبَبِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ، وأمّا الفَلاسِفَةُ فالجَبْرُ مَذْهَبُهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهم رَبَطُوا حُدُوثَ الأفْعالِ الإنْسانِيَّةِ بِالتَّصَوُّراتِ الذِّهْنِيَّةِ والتَّخَيُّلاتِ الحَيَوانِيَّةِ، ثُمَّ رَبَطُوا تِلْكَ التَّصَوُّراتِ والتَّخَيُّلاتِ بِالأدْوارِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي لَها مَناهِجُ مُقَدَّرَةٌ ويَمْتَنِعُ وُقُوعُ ما يُخالِفُها. وأمّا الدَّهْرِيَّةُ الَّذِينَ لا يُثْبِتُونَ شَيْئًا مِنَ المُؤَثِّراتِ فَهم لا بُدَّ وأنْ يَقُولُوا بِأنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ اتِّفاقِيٌّ، وإذا كانَ اتِّفاقِيًّا لَمْ يَكُنِ اخْتِيارِيًّا، فَيَكُونُ الجَبْرُ لازِمًا، فَظَهَرَ أنَّهُ لا مَندُوحَةَ عَنْ هَذا لِأحَدٍ مِن فِرَقِ العُقَلاءِ، سَواءٌ أقَرُّوا بِهِ أوْ أنْكَرُوهُ، فَهَذا بَيانُ وجْهِ اسْتِدْلالِ أهْلِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مُخْتارًا، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْبَرَهم بِكَوْنِ تِلْكَ المَصائِبِ مُثْبَتَةً في الكِتابِ لِأجْلِ أنْ يَحْتَرِزُوا عَنِ الحُزْنِ والفَرَحِ، ولَوْلا أنَّهم قادِرُونَ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ لَما بَقِيَ لِهَذِهِ اللّامِ فائِدَةٌ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الحُزْنُ والفَرَحُ، وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ كُلَّ ذَلِكَ مِنهم.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ذَلِكَ لِأنَّ المَحَبَّةَ والإرادَةَ سَواءٌ، فَهو خِلافُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ: إنَّ كُلَّ واقِعٍ فَهو مُرادُ اللَّهِ تَعالى.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ عَلى فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالغَرَضِ، وأقُولُ: العاقِلُ يَتَعَجَّبُ جِدًّا مِن كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآياتِ بِالجَبْرِ والقَدَرِ وتَعَلُّقِ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ بِأكْثَرِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”بِما أتاكم“ قَصْرًا، وقَرَأ الباقُونَ: ”آتاكم“ مَمْدُودًا، حُجَّةُ أبِي عَمْرٍو أنَّ ”أتاكم“ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاتَكُمْ﴾ فَكَما أنَّ الفِعْلَ لِلْغائِبِ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَكُمْ﴾ كَذَلِكَ يَكُونُ الفِعْلُ لِلْآتِي في قَوْلِهِ: ﴿بِما آتاكُمْ﴾ والعائِدُ إلى المَوْصُولِ في الكَلِمَتَيْنِ الذِّكْرُ المَرْفُوعُ بِأنَّهُ فاعِلٌ، وحُجَّةُ الباقِينَ أنَّهُ إذا مُدَّ كانَ ذَلِكَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى وهو المُعْطِي لِذَلِكَ، ويَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ في: ﴿آتاكُمْ﴾ ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والهاءُ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الصِّلَةِ، تَقْدِيرُهُ بِما آتاكُمُوهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُبَرِّدُ: لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ نَفْيَ الأسى والفَرَحِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ مَعْناهُ: لا تَحْزَنُوا حُزْنًا يُخْرِجُكم إلى أنْ تُهْلِكُوا أنْفُسَكم ولا تَعْتَدُّوا بِثَوابٍ عَلى فَواتِ ما سُلِبَ مِنكم، ولا تَفْرَحُوا فَرَحًا شَدِيدًا يُطْغِيكم حَتّى تَأْشَرُوا فِيهِ وتَبْطُرُوا، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ﴾ فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ ذَمَّ الفَرَحَ الَّذِي يَخْتالُ فِيهِ صاحِبُهُ ويَبْطُرُ، وأمّا الفَرَحُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ والشُّكْرُ عَلَيْها فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا وهو يَفْرَحُ ويَحْزَنُ، ولَكِنِ اجْعَلُوا لِلْمُصِيبَةِ صَبْرًا ولِلْخَيْرِ شُكْرًا. واحْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ أفْعالَ العِبادِ، (والجَوابُ) عَنْهُ أنَّ كَثِيرًا مِن أصْحابِنا مَن فَرَّقَ بَيْنَ المَحَبَّةِ والإرادَةِ فَقالَ: المَحَبَّةُ إرادَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي إرادَةُ الثَّوابِ، فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ هَذِهِ الإرادَةِ نَفْيُ مُطْلَقِ الإرادَةِ.
57:24Page 540
ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤
[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لا يُحِبُّ المُخْتالَ ولا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، يُرِيدُ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ الفَرَحَ المُطْغِي، فَإذا رُزِقُوا مالًا وحَظًّا مِنَ الدُّنْيا فَلِحُبِّهِمْ لَهُ وعِزَّتِهِ عِنْدَهم يَبْخَلُونَ بِهِ، ولا يَكْفِيهِمْ أنَّهم بَخِلُوا بِهِ، بَلْ يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ فَرَحِهِمْ عِنْدَ إصابَتِهِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ ولَمْ يَنْتَهِ عَمّا نَهى عَنْهُ مِنَ الأسى عَلى الفائِتِ والفَرِحِ بِالآتِي، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وهو في صِفَةُ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَخِلُوا بِبَيانِ نَعْتِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ وحَذْفُ الخَبَرِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ“، وحَذَفُوا لَفْظَ ”هو“ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشَّأْمِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْبَغِي أنَّ ”هُوَ“ في هَذِهِ الآيَةِ فَصْلًا لا مُبْتَدَأً؛ لِأنَّ الفَصْلَ حَذْفُهُ أسْهَلُ، ألا تَرى أنَّهُ لا مَوْضِعَ لِلْفَصْلِ مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ يُحْذَفُ فَلا يُخِلُّ بِالمَعْنى كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، فَلا يَعُودُ ضَرَرٌ عَلَيْهِ بِبُخْلِ ذَلِكَ البَخِيلِ، وقَوْلُهُ: ﴿الحَمِيدُ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ عَنِ السُّؤالِ يُذْكَرُ هَهُنا، فَإنَّهُ يُقالُ: لَمّا كانَ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ يَبْخَلُ بِذَلِكَ المالِ ولا يَصْرِفُهُ إلى وُجُوهِ الطّاعاتِ، فَلِمَ أعْطاهُ ذَلِكَ المالَ ؟ فَأجابَ بِأنَّهُ تَعالى حَمِيدٌ في ذَلِكَ الإعْطاءِ، ومُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ حَيْثُ فَتَحَ عَلَيْهِ أبْوابَ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ، فَإنْ قَصَّرَ العَبْدُ في الطّاعَةِ فَإنَّ وبالَهُ عائِدٌ إلَيْهِ.
57:25Page 541
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥
We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ وفي تَفْسِيرِ البَيِّناتِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ: إنَّها هي المُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ والدَّلائِلُ القاهِرَةُ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أيْ أرْسَلْناهم بِالأعْمالِ الَّتِي تَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ وإلى الإعْراضِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ نُبُوَّتَهم إنَّما ثَبَتَتْ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقالَ:
صفحة ٢١٠
﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الكِتابِ والمِيزانِ والحَدِيدِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الَّذِي أقُولُهُ: أنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: فِعْلُ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ.
والثّانِي: تَرْكُ ما يَنْبَغِي تَرْكُهُ، والأوَّلُ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ لَوْ كانَ هو التَّرْكُ لَوَجَبَ أنْ لا يُخْلَقَ أحَدٌ؛ لَأنَّ التَّرْكَ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ، وأمّا فِعْلُ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالنَّفْيِ وهو المَعارِفُ، أوْ بِالبَدَنِ وهو أعْمالُ الجَوارِحِ، فالكِتابُ هو الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي مِنَ الأفْعالِ النَّفْسانِيَّةِ لِأنْ يَتَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ والحُجَّةُ مِنَ الشُّبْهَةِ، والمِيزانُ هو الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى فِعْلِ ما يَنْبَغِي مِنَ الأفْعالِ البَدَنِيَّةِ، فَإنَّ مُعْظَمَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ في الأعْمالِ هو ما يَرْجِعُ إلى مُعامَلَةِ الخَلْقِ، والمِيزانُ هو الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ العَدْلُ عَنِ الظُّلْمِ والزّائِدُ عَنِ النّاقِصِ، وأمّا الحَدِيدُ فَفِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، وهو زاجِرٌ لِلْخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والحاصِلُ أنَّ الكِتابَ إشارَةٌ إلى القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، والمِيزانَ إلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، والحَدِيدَ إلى دَفْعِ ما لا يَنْبَغِي، ولَمّا كانَ أشْرَفُ الأقْسامِ رِعايَةَ المَصالِحِ الرُّوحانِيَّةِ، ثُمَّ رِعايَةَ المَصالِحِ الجُسْمانِيَّةِ، ثُمَّ الزَّجْرَ عَمّا لا يَنْبَغِي - رُوعِيَ هَذا التَّرْتِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: المُعامَلَةُ إمّا مَعَ الخالِقِ وطَرِيقُها الكِتابُ، أوْ مَعَ الخَلْقِ وهم: إمّا الأحْبابُ والمُعامَلَةُ مَعَهم بِالسَّوِيَّةِ وهي بِالمِيزانِ، أوْ مَعَ الأعْداءِ والمُعامَلَةُ مَعَهم بِالسَّيْفِ والحَدِيدِ.
وثالِثُها: الأقْوامُ ثَلاثَةٌ: إمّا السّابِقُونَ وهم يُعامِلُونَ الخَلْقَ بِمُقْتَضى الكِتابِ، فَيُنْصِفُونَ ولا يَنْتَصِفُونَ، ويَحْتَرِزُونَ عَنْ مَواقِعِ الشُّبُهاتِ، وإمّا مُقْتَصِدُونَ وهُمُ الَّذِينَ يُنْصِفُونَ ويَنْتَصِفُونَ، فَلا بُدَّ لَهم مِنَ المِيزانِ، وإمّا ظالِمُونَ وهُمُ الَّذِينَ يَنْتَصِفُونَ ولا يُنْصِفُونَ، ولا بُدَّ لَهم مِنَ الحَدِيدِ والزَّجْرِ.
ورابِعُها: الإنْسانُ، إمّا أنْ يَكُونَ في مَقامِ الحَقِيقَةِ وهو مَقامُ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ ومَقامُ المُقَرَّبِينَ، فَهَهُنا لا يَسْكُنُ إلّا إلى اللَّهِ، ولا يَعْمَلُ إلّا بِكِتابِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وإمّا أنْ يَكُونَ في مَقامِ الطَّرِيقَةِ وهو مَقامُ النَّفْسِ اللَّوّامَةِ، ومَقامُ أصْحابِ اليَمِينِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ المِيزانِ في مَعْرِفَةِ الأخْلاقِ حَتّى يَحْتَرِزَ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ويَبْقى عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإمّا أنْ يَكُونَ في مَقامِ الشَّرِيعَةِ وهو مَقامُ النَّفْسِ الأمّارَةِ، وهَهُنا لا بُدَّ لَهُ مِن حَدِيدِ المُجاهَدَةِ والرِّياضاتِ الشّاقَّةِ.
وخامِسُها: الإنْسانُ إمّا أنْ يَكُونَ صاحِبَ المُكاشَفَةِ والوُصُولِ فَلا أُنْسَ لَهُ إلّا بِالكِتابِ، أوْ صاحِبَ الطَّلَبِ والِاسْتِدْلالِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مِيزانِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ، أوْ صاحِبَ العِنادِ واللِّجاجِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُنْفى مِنَ الأرْضِ بِالحَدِيدِ.
وسادِسُها: أنَّ الدِّينَ هو إمّا الأُصُولُ وإمّا الفُرُوعُ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إمّا المَعارِفُ وإمّا الأعْمالُ، فالأُصُولُ مِنَ الكِتابِ، وأمّا الفُرُوعُ: فالمَقْصُودُ الأفْعالُ الَّتِي فِيها عَدْلُهم ومَصْلَحَتُهم، وذَلِكَ بِالمِيزانِ، فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى رِعايَةِ العَدْلِ، والحَدِيدُ لِتَأْدِيبِ مَن تَرَكَ ذَيْنِكَ الطَّرِيقَيْنِ.
وسابِعُها: الكِتابُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ مِنَ الأحْكامِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَدْلِ والإنْصافِ، والمِيزانُ إشارَةٌ إلى حَمْلِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الأحْكامِ المَبْنِيَّةِ عَلى العَدْلِ والإنْصافِ، وهو شَأْنُ المُلُوكِ، والحَدِيدُ إشارَةٌ إلى أنَّهم لَوْ تَمَرَّدُوا لَوَجَبَ أنْ يُحْمَلُوا عَلَيْهِما بِالسَّيْفِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ العُلَماءِ وهم أرْبابُ الكِتابِ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ المُلُوكِ الَّذِينَ هم أرْبابُ السَّيْفِ، ووُجُوهُ المُناسَباتِ كَثِيرَةٌ، وفِيما ذَكَرْناهُ تَنْبِيهٌ عَلى الباقِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في إنْزالِ المِيزانِ وإنْزالِ الحَدِيدِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما مِنَ السَّماءِ، رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِنَ الحَدِيدِ: السَّنَدانُ، والكَلْبَتانُ، والمِقْمَعَةُ، والمِطْرَقَةُ، والإبْرَةُ، والمِقْمَعَةُ ما
صفحة ٢١١
يُحَدَّدُ بِهِ. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رَوى ابْنُ عُمَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ أرْبَعَ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ: أنْزَلَ الحَدِيدَ والنّارَ والماءَ والمِلْحَ» “ .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى هَذا الإنْزالِ الإنْشاءُ والتَّهْيِئَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] قالَ قُطْرُبٌ: ”أنْزَلْناها“ أيْ هَيَّأْناها، مِنَ النُّزُلِ، يُقالُ: أُنْزِلَ الأمِيرُ عَلى فُلانٍ نُزُلًا حَسَنًا. ومِنهم مَن قالَ: هَذا مِن جِنْسِ قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وأكَلْتُ خُبْزًا ولَبَنًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذُكِرَ في مَنافِعِ المِيزانِ أنْ يَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ، والقِسْطُ والإقْساطُ هو الإنْصافُ، وهو أنْ تُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِكَ كَما تَأْخُذُ قِسْطَ نَفْسِكَ، والعادِلُ مُقْسِطٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] وأمّا الحَدِيدُ فَفِيهِ البَأْسُ الشَّدِيدُ، فَإنَّ آلاتِ الحُرُوبِ مُتَّخَذَةٌ مِنهُ، وفِيهِ أيْضًا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ومِنها أنَّ مَصالِحَ العالَمِ إمّا أُصُولٌ، وإمّا فُرُوعٌ، أمّا الأُصُولُ فَأرْبَعَةٌ: الزِّراعَةُ، والحِياكَةُ، وبِناءُ البُيُوتِ، والسَّلْطَنَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مُضْطَرٌّ إلى طَعامٍ يَأْكُلُهُ، وثَوْبٍ يَلْبَسُهُ، وبِناءٍ يَجْلِسُ فِيهِ، والإنْسانُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، فَلا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ جَمْعٍ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ يَشْتَغِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِمُهِمٍّ خاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ مِنَ الكُلِّ مَصالِحُ الكُلِّ، وذَلِكَ الِانْتِظامُ لا بُدَّ وأنْ يُفْضِيَ إلى المُزاحَمَةِ، ولا بُدَّ مِن شَخْصٍ يَدْفَعُ ضَرَرَ البَعْضِ عَنِ البَعْضِ، وذَلِكَ هو السُّلْطانُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا تَنْتَظِمُ مَصْلَحَةُ العالَمِ إلّا بِهَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، أمّا الزِّراعَةُ فَمُحْتاجَةٌ إلى الحَدِيدِ، وذَلِكَ في كُرَبِ الأراضِي وحَفْرِها، ثُمَّ عِنْدَ تَكَوُّنِ هَذِهِ الحُبُوبِ وتَوَلُّدِها لا بُدَّ مِن خَبْزِها وتَنْقِيَتِها، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَدِيدِ، ثُمَّ الحُبُوبُ لا بُدَّ مِن طَحْنِها، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَدِيدِ، ثُمَّ لا بُدَّ مِن خَبْزِها، ولا يَتِمُّ إلّا بِالنّارِ، ولا بُدَّ مِنَ المِقْدَحَةِ الحَدِيدِيَّةِ، وأمّا الفَواكِهُ فَلا بُدَّ مِن تَنْظِيفِها عَنْ قُشُورِها، وقَطْعِها عَلى الوُجُوهِ المُوافِقَةِ لِلْأكْلِ، ولا يَتِمُّ ذَلِكَ إلّا بِالحَدِيدِ، وأمّا الحِياكَةُ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ يَحْتاجُ في آلاتِ الحِياكَةِ إلى الحَدِيدِ، ثُمَّ يَحْتاجُ في قَطْعِ الثِّيابِ وخِياطَتِها إلى الحَدِيدِ، وأمّا البِناءُ فَمَعْلُومٌ أنَّ كَمالَ الحالِ فِيهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالحَدِيدِ، وأمّا أسْبابُ السَّلْطَنَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّها لا تَتِمُّ ولا تَكْمُلُ إلّا بِالحَدِيدِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ أكْثَرَ مَصالِحِ العالَمِ لا تَتِمُّ إلّا بِالحَدِيدِ، ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ الذَّهَبَ لا يَقُومُ مَقامَ الحَدِيدِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَصالِحِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدِ الذَّهَبُ في الدُّنْيا ما كانَ يَخْتَلُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدُّنْيا، ولَوْ لَمْ يُوجَدِ الحَدِيدُ لاخْتَلَّ جَمِيعُ مَصالِحِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ الحَدِيدَ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ شَدِيدَةً جَعَلَهُ سَهْلَ الوِجْدانِ، كَثِيرَ الوُجُودِ، والذَّهَبُ لَمّا قَلَّتِ الحاجَةُ إلَيْهِ جَعَلَهُ عَزِيزَ الوُجُودِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أثَرُ جُودِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَلى عَبِيدِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما كانَتْ حاجَتُهم إلَيْهِ أكْثَرَ جَعَلَ وِجْدانَهُ أسْهَلَ؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: إنَّ أعْظَمَ الأُمُورِ حاجَةً إلَيْهِ هو الهَواءُ، فَإنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ وُصُولُهُ إلى القَلْبِ لَحْظَةً لَماتَ الإنْسانُ في الحالِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَهُ اللَّهُ أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، وهَيَّأ أسْبابَ التَّنَفُّسِ وآلاتِهِ، حَتّى إنَّ الإنْسانَ يَتَنَفَّسُ دائِمًا بِمُقْتَضى طَبْعِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ فِيهِ إلى تَكَلُّفِ عَمَلٍ، وبَعْدَ الهَواءِ الماءُ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى الماءِ أقَلَّ مِنَ الحاجَةِ إلى الهَواءِ جَعَلَ تَحْصِيلَ الماءِ أشَقَّ قَلِيلًا مِن تَحْصِيلِ الهَواءِ، وبَعْدَ الماءِ الطَّعامُ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى الطَّعامِ أقَلَّ مِنَ الحاجَةِ إلى الماءِ، جَعَلَ تَحْصِيلَ الطَّعامِ أشَقَّ مِن تَحْصِيلِ الماءِ، ثُمَّ تَتَفاوَتُ الأطْعِمَةُ في دَرَجاتِ الحاجَةِ والعِزَّةِ، فَكُلُّ ما كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أشَدَّ كانَ وِجْدانُهُ أسْهَلَ، وكُلُّ ما كانَ وِجْدانُهُ أعْسَرَ كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أقَلَّ، والجَواهِرُ لَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلَيْها قَلِيلَةً جِدًّا، لا جَرَمَ كانَتْ عَزِيزَةً جِدًّا، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَتِ الحاجَةُ إلَيْهِ أكْثَرَ كانَ وِجْدانُهُ أسْهَلَ، ولَمّا كانَتِ الحاجَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى أشَدَّ مِنَ الحاجَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ فَنَرْجُو مِن
صفحة ٢١٢
فَضْلِهِ أنْ يَجْعَلَها أسْهَلَ الأشْياءِ وِجْدانًا، قالَ الشّاعِرُ:
سُبْحانَ مَن خَصَّ العَزِيزَ بِعِزِّهِ والنّاسُ مُسْتَغْنُونَ عَنْ أجْناسِهِ
وأذَلَّ أنْفاسَ الهَواءِ وكُلُّ ذِي ∗∗∗ نَفْسٍ فَمُحْتاجٌ إلى أنْفاسِهِ
* * ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، أيْ يَنْصُرُ دِينَهُ ويَنْصُرُ رُسُلَهُ بِاسْتِعْمالِ السُّيُوفِ والرِّماحِ وسائِرِ السِّلاحِ في مُجاهَدَةِ أعْداءِ الدِّينِ بِالغَيْبِ، أيْ غائِبًا عَنْهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْصُرُونَهُ ولا يُبْصِرُونَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِحُدُوثِ عِلْمِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ والجَوابُ عَنْهُ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالعِلْمِ المَعْلُومَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِتَقَعَ نُصْرَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المِيزانَ والحَدِيدَ، ومُرادُهُ مِنَ العِبادِ أنْ يَقُومُوا بِالقِسْطِ وأنْ يَنْصُرُوا الرَّسُولَ، وإذا كانَ هَذا مُرادُهُ مِنَ الكُلِّ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُ المُجْبِرَةِ أنَّهُ أرادَ مِن بَعْضِهِمْ خِلافَ ذَلِكَ.
(جَوابُهُ) أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ مِنَ الكُلِّ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ضِدَّهُ مَوْجُودٌ، وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وأنَّ المُحالَ غَيْرُ مُرادٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَمّا كانَتِ النُّصْرَةُ قَدْ تَكُونُ ظاهِرَةً، كَما يَقَعُ مِن مُنافِقٍ أوْ مِمَّنْ مُرادُهُ المَنافِعُ في الدُّنْيا، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي أرادَهُ النُّصْرَةُ بِالغَيْبِ، ومَعْناهُ أنْ تَقَعَ عَنْ إخْلاصٍ بِالقَلْبِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَوِيٌّ عَلى الأُمُورِ عَزِيزٌ لا يُمانَعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، وأنَّهُ أنْزَلَ المِيزانَ والحَدِيدَ، وأمَرَ الخَلْقَ بِأنْ يَقُومُوا بِنُصْرَتِهِمْ -أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى شَرَّفَ نُوحًا وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ جَعَلَ في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ، فَما جاءَ بَعْدَهُما أحَدٌ بِالنُّبُوَّةِ إلّا وكانَ مِن أوْلادِهِما، وإنَّما قَدَّمَ النُّبُوَّةَ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ النَّبِيِّ أنْ يَصِيرَ صاحِبَ الكِتابِ والشَّرْعِ.
57:26Page 541
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦
And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٢١٣
المَسْألَةُ الأُولى: فَمِنهم مُهْتَدٍ، أيْ فَمِنَ الذُّرِّيَّةِ أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الإرْسالِ والمُرْسَلِينَ، والمَعْنى أنَّ مِنهم مُهْتَدٍ ومِنهم فاسِقٌ، والغَلَبَةُ لِلْفُسّاقِ، وفي الفاسِقِ هَهُنا قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي ارْتَكَبَ الكَبِيرَةَ سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ يُطْلَقُ عَلى الكافِرِ وعَلى مَن لا يَكُونُ، كَذَلِكَ إذا كانَ مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالفاسِقِ هَهُنا الكافِرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الفُسّاقَ بِالضِّدِّ مِنَ المُهْتَدِينَ، فَكَأنَّ المُرادَ أنَّ فِيهِمْ مَن قَبِلَ الدِّينَ واهْتَدى، ومِنهم مَن لَمْ يَقْبَلْ ولَمْ يَهْتَدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ كافِرًا، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ الَّذِي عَصى قَدْ يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إلى وجْهِ رُشْدِهِ ودِينِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وقَفَّيْنا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى قَفّاهُ: أتْبَعَهُ بَعْدَ أنْ مَضى، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ بَعْضَهم بَعْدَ بَعْضٍ إلى أنِ انْتَهى إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهم وآتاهُ الإنْجِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ جِنِّي: قَرَأ الحَسَنُ: ”وآتَيْناهُ الأنْجِيلَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ثُمَّ قالَ: هَذا مِثالٌ لا نَظِيرَ لَهُ؛ لِأنَّ أفْعِيلَ وهو عِنْدَهم مِن نَجَلْتُ الشَّيْءَ إذا اسْتَخْرَجْتَهُ؛ لِأنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ الأحْكامُ، والتَّوْراةُ فَوْعَلَةٌ مِن ورى الزَّنْدُ يَرى إذا أخْرَجَ النّارَ، ومِثْلُهُ الفُرْقانُ وهو فُعْلانٌ مِن فَرَّقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ فَتْحُ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ، وغالِبُ الظَّنِّ أنَّهُ ما قَرَأهُ إلّا عَنْ سَماعٍ ولَهُ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ شاذٌّ كَما حَكى بَعْضُهم في البَرْطِيلِ.
وثانِيهِما: أنَّهُ ظَنَّ الإنْجِيلَ أعْجَمِيًّا فَحَرَّفَ مِثالَهُ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ أعْجَمِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى وكَسْبٌ لِلْعَبْدِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَجْعُولَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وحَكَمَ بِأنَّهُمُ ابْتَدَعُوا تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ، قالَ القاضِي: المُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطَفَ بِهِمْ حَتّى قَوِيَتْ دَواعِيهِمْ إلى الرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي هي تَحَمُّلُ الكُلْفَةِ الزّائِدَةِ عَلى ما يَجِبُ مِنَ الخَلْوَةِ واللِّباسِ الخَشِنِ.
(والجَوابُ) أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، عَلى أنّا وإنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَهو يُحَصِّلُ مَقْصُودَنا أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ حالَ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الرُّجْحانِ، وإلّا فَقَدَ حَصَلَ الرُّجْحانُ عِنْدَ الِاسْتِواءِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، وإذا كانَ الحُصُولُ عِنْدَ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعًا، كانَ عِنْدَ المَرْجُوحِيَّةِ أوْلى أنْ يَصِيرَ مُمْتَنِعًا، وإذا امْتَنَعَ المَرْجُوحُ وجَبَ الرّاجِحُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خُرُوجَ عَنْ طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ مِنَ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ هو أنَّهم كانُوا مُتَوادِّينَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، كَما وصَفَ اللَّهُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”رَآفَةً“ عَلى فَعالَةٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الرَّهْبانِيَّةُ مَعْناها الفِعْلَةُ المَنسُوبَةُ إلى الرُّهْبانِ، وهو الخائِفُ، فَعْلانٌ مِن رَهَبَ، كَخَشْيانَ مِن خَشِيَ، وقُرِئَ: ”ورُهْبانِيَّةً“ بِالضَّمِّ كَأنَّها نِسْبَةٌ إلى الرُّهْبانِ، وهو جَمْعُ راهِبٍ، كَراكِبٍ ورُكْبانٍ،
صفحة ٢١٤
والمُرادُ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ تَرْهُّبُهم في الجِبالِ فارِّينَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ، مُخْلِصِينَ أنْفُسَهم لِلْعِبادَةِ ومُتَحَمِّلِينَ كُلَفًا زائِدَةً عَلى العِباداتِ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ مِنَ الخَلْوَةِ، واللِّباسِ الخَشِنِ، والِاعْتِزالِ عَنِ النِّساءِ، والتَّعَبُّدِ في الغِيرانِ والكُهُوفِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في أيّامِ الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ -عَلَيْهِما السَّلامُ- غَيَّرَ المُلُوكُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، فَساحَ قَوْمٌ في الأرْضِ ولَبِسُوا الصُّوفَ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«يا ابْنَ مَسْعُودٍ، أما عَلِمْتَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَفَرَّقُوا سَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النّارِ إلّا ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ آمَنَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقاتَلُوا أعْداءَ اللَّهِ في نُصْرَتِهِ حَتّى قُتِلُوا، وفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَها طاقَةٌ بِالقِتالِ، فَأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، وفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَها طاقَةٌ بِالأمْرَيْنِ، فَلَبِسُوا العَباءَ، وخَرَجُوا إلى القِفارِ والفَيافِي وهو قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» “ .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لَمْ يَعْنِ اللَّهُ تَعالى بِابْتَدَعُوها طَرِيقَةَ الذَّمِّ، بَلِ المُرادُ أنَّهم أحْدَثُوها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ونَذَرُوها؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ .
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿ورَهْبانِيَّةً﴾ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: ابْتَدَعُوا رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّهْبانِيَّةُ لا يَسْتَقِيمُ حَمْلُها عَلى (جَعَلْنا)؛ لِأنَّ ما يَبْتَدِعُونَهُ هم لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْعُولًا لِلَّهِ تَعالى، وأقُولُ: هَذا الكَلامُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ امْتِناعُ مَقْدُورٍ بَيْنَ قادِرَيْنِ، ومِن أيْنَ يَلِيقُ بِأبِي عَلِيٍّ أنْ يَخُوضَ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences