Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mujadila 58:12–22
58:12Page 544
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢
O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا التَّكْلِيفُ يَشْتَمِلُ عَلى أنْواعٍ مِنَ الفَوائِدِ:
أوَّلُها: إعْظامُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإعْظامُ مُناجاتِهِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا وجَدَ الشَّيْءَ مَعَ المَشَقَّةِ اسْتَعْظَمَهُ، وإنْ وجَدَهُ بِالسُّهُولَةِ اسْتَحْقَرَهُ.
وثانِيها:
صفحة ٢٣٦
نَفْعُ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَراءِ بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ المُقَدَّمَةِ قَبْلَ المُناجاةِ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُسْلِمِينَ أكْثَرُوا المَسائِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى شَقُّوا عَلَيْهِ، وأرادَ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَحَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَكَفُّوا عَنِ المَسْألَةِ.
ورابِعُها: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: إنَّ الأغْنِياءَ غَلَبُوا الفُقَراءَ عَلى مَجْلِسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأكْثَرُوا مِن مُناجاتِهِ حَتّى كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ طُولَ جُلُوسِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّدَقَةِ عِنْدَ المُناجاةِ، فَأمّا الأغْنِياءُ فامْتَنَعُوا، وأمّا الفُقَراءُ فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا، واشْتاقُوا إلى مَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَمَنَّوْا أنْ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ شَيْئًا فَيُنْفِقُونَهُ ويَصِلُونَ إلى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَعِنْدَ هَذا التَّكْلِيفِ ازْدادَتْ دَرَجَةُ الفُقَراءِ عِنْدَ اللَّهِ، وانْحَطَّتْ دَرَجَةُ الأغْنِياءِ.
وخامِسُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّخْفِيفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أرْبابَ الحاجاتِ كانُوا يُلِحُّونَ عَلى الرَّسُولِ، ويَشْغَلُونَ أوْقاتَهُ الَّتِي هي مَقْسُومَةٌ عَلى الإبْلاغِ إلى الأُمَّةِ وعَلى العِبادَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ في ذَلِكَ ما يَشْغَلُ قَلْبَ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ؛ لِظَنِّهِ أنَّ فُلانًا إنَّما ناجى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأمْرٍ يَقْتَضِي شَغْلَ القَلْبِ فِيما يَرْجِعُ إلى الدُّنْيا.
وسادِسُها: أنَّهُ يَتَمَيَّزُ بِهِ مُحِبُّ الآخِرَةِ عَنْ مُحِبِّ الدُّنْيا، فَإنَّ المالَ مِحَكُّ الدَّواعِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الصَّدَقَةِ كانَ واجِبًا؛ لِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُقالُ إلّا فِيما بِفَقْدِهِ يَزُولُ وُجُوبُهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ ما كانَ واجِبًا، بَلْ كانَ مَندُوبًا، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ وهَذا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّطَوُّعِ لا في الفَرْضِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ واجِبًا لَما أُزِيلَ وُجُوبُهُ بِكَلامٍ مُتَّصِلٍ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المَندُوبَ كَما يُوصَفُ بِأنَّهُ خَيْرٌ وأطْهَرُ فالواجِبُ أيْضًا يُوصَفُ بِذَلِكَ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الآيَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ في التِّلاوَةِ كَوْنُهُما مُتَّصِلَتَيْنِ في النُّزُولِ، وهَذا كَما قُلْنا في الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الِاعْتِدادِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ إنَّها ناسِخَةٌ لِلِاعْتِدادِ بِحَوْلٍ، وإنْ كانَ النّاسِخُ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ عَلى المَنسُوخِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ تَأخُّرِ النّاسِخِ عَنِ المَنسُوخِ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: ما بَقِيَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ثُمَّ نُسِخَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: بَقِيَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ نُسِخَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَةً ما عَمِلَ بِها أحَدٌ قَبْلِي، ولا يَعْمَلُ بِها أحَدٌ بَعْدِي، كانَ لِي دِينارٌ فاشْتَرَيْتُ بِهِ عَشَرَةَ دَراهِمَ، فَكُلَّما ناجَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوايَ دِرْهَمًا، ثُمَّ نُسِخَتْ فَلَمْ يَعْمَلْ بِها أحَدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والكَلْبِيِّ وعَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم نُهُوا عَنِ المُناجاةِ حَتّى يَتَصَدَّقُوا، فَلَمْ يُناجِهِ أحَدٌ إلّا عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَصَدَّقَ بِدِينارٍ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ.
قالَ القاضِي والأكْثَرُ في الرِّواياتِ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّدَ بِالتَّصَدُّقِ قَبْلَ مُناجاتِهِ، ثُمَّ ورَدَ النَّسْخُ، وإنْ كانَ قَدْ رُوِيَ أيْضًا أنَّ أفاضِلَ الصَّحابَةِ وجَدُوا الوَقْتَ وما فَعَلُوا ذَلِكَ، وإنْ ثَبَتَ أنَّهُ اخْتَصَّ بِذَلِكَ فَلِأنَّ الوَقْتَ لَمْ يَتَّسِعْ لِهَذا الغَرَضِ، وإلّا فَلا شُبْهَةَ أنَّ أكابِرَ الصَّحابَةِ لا يَقْعُدُونَ عَنْ مِثْلِهِ، وأقُولُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ أفاضِلَ الصَّحابَةِ وجَدُوا الوَقْتَ وما فَعَلُوا ذَلِكَ، فَهَذا لا يَجُرُّ إلَيْهِمْ طَعْنًا، وذَلِكَ الإقْدامُ عَلى هَذا العَمَلِ مِمّا يُضِيقُ قَلْبَ الفَقِيرِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ فَيَضِيقُ قَلْبُهُ، ويُوحِشُ الغَنِيَّ فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يَفْعَلِ الغَنِيُّ ذَلِكَ وفَعَلَهُ غَيْرُهُ صارَ ذَلِكَ الفِعْلُ سَبَبًا لِلطَّعْنِ فِيمَن لَمْ يَفْعَلْ، فَهَذا الفِعْلُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِحُزْنِ الفُقَراءِ ووَحْشَةِ الأغْنِياءِ، لَمْ يَكُنْ في تَرْكِهِ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِلْأُلْفَةِ أوْلى مِمّا يَكُونُ سَبَبًا لِلْوَحْشَةِ، وأيْضًا فَهَذِهِ المُناجاةُ لَيْسَتْ مِنَ الواجِباتِ
صفحة ٢٣٧
ولا مِنَ الطّاعاتِ المَندُوبَةِ، بَلْ قَدْ بَيَّنّا أنَّهم إنَّما كُلِّفُوا بِهَذِهِ الصَّدَقَةِ لِيَتْرُكُوا هَذِهِ المُناجاةَ، ولَمّا كانَ الأوْلى بِهَذِهِ المُناجاةِ أنْ تَكُونَ مَتْرُوكَةً لَمْ يَكُنْ تَرْكُها سَبَبًا لِلطَّعْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ دَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”ما تَقُولُ في دِينارٍ ؟ قُلْتُ: لا يُطِيقُونَهُ، قالَ: كَمْ ؟ قُلْتُ: حَبَّةٌ أوْ شَعِيرَةٌ، قالَ: إنَّكَ لَزَهِيدٌ“ والمَعْنى: إنَّكَ قَلِيلُ المالِ فَقَدَّرْتَ عَلى حَسَبِ حالِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ خَيْرٌ لَكم في دِينِكم وأطْهَرُ؛ لِأنَّ الصَّدَقَةَ طُهْرَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الفُقَراءُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَجِدْ ما يَتَصَدَّقُ بِهِ كانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ وُقُوعَ النَّسْخِ، وقالَ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ مِن بَذْلِ الصَّدَقاتِ، وإنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ تَرَكُوا النِّفاقَ وآمَنُوا ظاهِرًا وباطِنًا إيمانًا حَقِيقِيًّا، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُمَيِّزَهم عَنِ المُنافِقِينَ، فَأمَرَ بِتَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ عَلى النَّجْوى لِيَتَمَيَّزَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا حَقِيقِيًّا عَمَّنْ بَقِيَ عَلى نِفاقِهِ الأصْلِيِّ، وإذا كانَ هَذا التَّكْلِيفُ لِأجْلِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ لِذَلِكَ الوَقْتِ، لا جَرَمَ يُقَدَّرُ هَذا التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ الوَقْتِ. وحاصِلُ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ كانَ مُقَدَّرًا بِغايَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَوَجَبَ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الغايَةِ المَخْصُوصَةِ، فَلا يَكُونُ هَذا نَسْخًا، وهَذا الكَلامُ حَسَنٌ ما بِهِ بَأْسٌ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِوُجُوبِ الزَّكاةِ.
58:13–14Page 544
ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣
Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤
Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
والمَعْنى: أخِفْتُمْ تَقْدِيمَ الصَّدَقاتِ لِما فِيهِ مِن إنْفاقِ المالِ، فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم ورَخَّصَ لَكم في أنْ لا تَفْعَلُوهُ، فَلا تُفَرِّطُوا في الصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ الطّاعاتِ. فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ وهو يَدُلُّ عَلى تَقْصِيرِهِمْ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: لَيْسَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا كُلِّفُوا بِأنْ يُقَدِّمُوا الصَّدَقَةَ ويُشْغَلُوا بِالمُناجاةِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، فَمَن تَرَكَ
صفحة ٢٣٨
المُناجاةَ يَكُونُ مُقَصِّرًا، وأمّا لَوْ قِيلَ بِأنَّهم ناجَوْا مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، فَهَذا أيْضًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لَأنَّ المُناجاةَ لا تُمْكِنُ إلّا إذا مَكَّنَ الرَّسُولُ مِنَ المُناجاةِ، فَإذا لَمْ يُمَكِّنْهم مِن ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى المُناجاةِ، فَعَلِمْنا أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى صُدُورِ التَّقْصِيرِ مِنهم، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أأشْفَقْتُمْ﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ ضِيقَ صَدْرِ كَثِيرٍ مِنهم عَنْ إعْطاءِ الصَّدَقَةِ في المُسْتَقْبَلِ لَوْ دامَ الوُجُوبُ، فَقالَ هَذا القَوْلَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَلَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ تابَ عَلَيْكم مِن هَذا التَّقْصِيرِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أنَّكم إذا كُنْتُمْ تائِبِينَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ، وأقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ، فَقَدْ كَفاكم هَذا التَّكْلِيفَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي مُحِيطٌ بِأعْمالِكم ونِيّاتِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾
كانَ المُنافِقُونَ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ويَنْقُلُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ: ﴿ما هم مِنكُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ ولا مِنَ اليَهُودِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ والمُرادُ مِن هَذا الكَذِبِ إمّا ادِّعاؤُهم كَوْنَهم مُسْلِمِينَ، وإمّا أنَّهم كانُوا يَشْتُمُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَكِيدُونَ المُسْلِمِينَ، فَإذا قِيلَ لَهم: إنَّكم فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، خافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ القَتْلِ، فَيَحْلِفُونَ أنّا ما قُلْنا ذَلِكَ وما فَعَلْناهُ، فَهَذا هو الكَذِبُ الَّذِي يَحْلِفُونَ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ الجاحِظِ: إنَّ الخَبَرَ الَّذِي يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ إنَّما يَكُونُ كَذِبًا لَوْ عَلِمَ المُخْبِرُ كَوْنَ الخَبَرِ مُخالِفًا لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ؛ وذَلِكَ لَأنَّ لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ تَكْرارًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ، يُرْوى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَبْتَلٍ المُنافِقَ كانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلى اليَهُودِ، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حُجْرَتِهِ إذْ قالَ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ يَنْظُرُ بِعَيْنِ شَيْطانٍ - أوْ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ - فَدَخَلَ رَجُلٌ عَيْناهُ زَرْقاوانِ فَقالَ لَهُ: لِمَ تَسُبَّنِي ؟ فَجَعَلَ يَحْلِفُ. فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ .
58:15–18Page 544
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥
Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦
They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.
لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧
Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨
On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والمُرادُ مِنهُ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ عَذابُ القَبْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”اتَّخَذُوا إيمانَهم“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيِ اتَّخَذُوا ظِهارَ إيمانِهِمْ جُنَّةً عَنْ ظُهُورِ نِفاقِهِمْ وكَيْدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ جُنَّةً عَنْ أنْ يَقْتُلَهُمُ المُسْلِمُونَ، فَلَمّا أمِنُوا مِنَ القَتْلِ اشْتَغَلُوا بِصَدِّ النّاسِ عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ بِإلْقاءِ الشُّبُهاتِ في القُلُوبِ وتَقْبِيحِ حالِ الإسْلامِ.
صفحة ٢٣٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة: ١٥] عَلى عَذابِ القَبْرِ، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، لِئَلّا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ الكُلِّ عَذابُ الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ واحِدًا مِنهم قالَ: لَنُنْصَرَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْفُسِنا وأوْلادِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُنافِقَ يَحْلِفُ لِلَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَذِبًا كَما يَحْلِفُ لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا كَذِبًا.
أمّا الأوَّلُ: فَكَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
وأمّا الثّانِي: فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] والمَعْنى أنَّهم لِشِدَّةِ تَوَغُّلِهِمْ في النِّفاقِ ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ يُمْكِنُهم تَرْوِيجُ كَذِبِهِمْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، فَكانَ هَذا الحَلِفُ الذَّمِيمُ يَبْقى مَعَهم أبَدًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] قالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: إنَّ أهْلَ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهم يَحْلِفُونَ في الآخِرَةِ أنّا ما كُنّا كافِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ هَذا الحَلِفُ كَذِبًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِهَذا الوَجْهِ لا شَكَّ أنَّهُ يَقْتَضِي رَكاكَةً عَظِيمَةً في النَّظْمِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ .
58:19–21Page 544
ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩
Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠
Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.
كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١
Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَحْوَذَ في اللُّغَةِ اسْتَوْلى، يُقالُ: حاوَذْتُ الإبِلَ، وحُذْتُها إذا اسْتَوْلَيْتَ عَلَيْها وجَمَعْتَها، قالَ المُبَرِّدُ: اسْتَحْوَذَ عَلى الشَّيْءِ: حَواهُ وأحاطَ بِهِ. وقالَتْ عائِشَةُ في حَقِّ عُمَرَ: كانَ أحْوَذِيًّا، أيْ سائِسًا ضابِطًا لِلْأُمُورِ، وهو أحَدُ ما جاءَ عَلى الأصْلِ نَحْوَ: اسْتَصْوَبَ واسْتَنْوَقَ، أيْ مَلَكَهُمُ الشَّيْطانُ واسْتَوْلى عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ واحْتَجَّ القاضِي بِهِ في خَلْقِ الأعْمالِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ذَلِكَ النِّسْيانُ لَوْ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانَتْ إضافَتُها إلى الشَّيْطانِ كَذِبًا.
والثّانِي: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ لَكانُوا كالمُؤْمِنِينَ في كَوْنِهِمْ حِزْبَ اللَّهِ لا حِزْبَ الشَّيْطانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذُلَّ أحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلى حَسَبِ عِزِّ الخَصْمِ الثّانِي، فَلَمّا كانَتْ عِزَّةُ اللَّهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، كانَتْ ذِلَّةُ مَن يُنازِعُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ أيْضًا، ولَمّا شَرَحَ ذُلَّهم، بَيَّنَ عِزَّ المُؤْمِنِينَ
صفحة ٢٤٠
فَقالَ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: ”أنا ورُسُلِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ لا يُحَرِّكُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّحْرِيكُ والإسْكانُ جَمِيعًا جائِزانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: غَلَبَةُ جَمِيعِ الرُّسُلِ بِالحُجَّةِ مُفاضَلَةٌ، إلّا أنَّ مِنهم مَن ضَمَّ إلى الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ الغَلَبَةَ بِالسَّيْفِ، ومِنهم مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ عَلى نُصْرَةِ أنْبِيائِهِ: ﴿عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يَدْفَعُهُ أحَدٌ عَنْ مُرادِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ يَكُونُ غالِبًا لِلْمُمْكِنِ لِذاتِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنّا لَنَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ عَلى فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: أتَظُنُّونَ أنَّ فارِسَ والرُّومَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غَلَبْتُمُوهم، كَلّا واللَّهِ إنَّهم أكْثَرُ جَمْعًا وعُدَّةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
58:22Page 545
لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢
You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
المَعْنى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ مَعَ وِدادِ أعْداءِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أحَبَّ أحَدًا امْتَنَعَ أنْ يُحِبَّ مَعَ ذَلِكَ عَدُوَّهُ، وهَذا عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في القَلْبِ، فَإذا حَصَلَ في القَلْبِ وِدادُ أعْداءِ اللَّهِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الإيمانُ، فَيَكُونُ صاحِبُهُ مُنافِقًا.
والثّانِي: أنَّهُما يَجْتَمِعانِ ولَكِنَّهُ مَعْصِيَةٌ وكَبِيرَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ صاحِبُ هَذا الوِدادِ كافِرًا بِسَبَبِ هَذا الوِدادِ، بَلْ كانَ عاصِيًا في اللَّهِ، فَإنْ قِيلَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ مُخالَطَتُهم ومُعاشَرَتُهم، فَما هَذِهِ المَوَدَّةُ المُحَرَّمَةُ المَحْظُورَةُ ؟ قُلْنا: المَوَدَّةُ المَحْظُورَةُ هي إرادَةُ مُنافِسِهِ دِينًا ودُنْيا مَعَ كَوْنِهِ كافِرًا، فَأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَلا حَظْرَ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بالَغَ في المَنعِ مِن هَذِهِ المَوَدَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: ما ذُكِرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ مَعَ الإيمانِ لا يَجْتَمِعانِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ والمُرادُ أنَّ المَيْلَ إلى هَؤُلاءِ أعْظَمُ أنْواعِ المَيْلِ، ومَعَ هَذا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ هَذا المَيْلُ مَغْلُوبًا مَطْرُوحًا بِسَبَبِ الدِّينِ. «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ، وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَتَلَ خالَهُ العاصَ بْنَ هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وأبِي بَكْرٍ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مَتِّعْنا بِنَفْسِكَ“»، ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ [ وحَمْزَةَ ] وعُبَيْدَةَ قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يُوادُّوا أقارِبَهم
صفحة ٢٤١
وعَشائِرَهم غَضَبًا لِلَّهِ ودِينِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى عَدَّدَ نِعَمَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ مَوَدَّةُ أعْداءِ اللَّهِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ﴾ أمّا القاضِي فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ عَلى وفْقِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ:
أحَدُها: جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ عَلامَةً تَعْرِفُ بِها المَلائِكَةُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ.
وثانِيها: المُرادُ شَرَحَ صُدُورَهم لِلْإيمانِ بِالألْطافِ والتَّوْفِيقِ.
وثالِثُها: قِيلَ في: ﴿كَتَبَ﴾ قَضى أنَّ قُلُوبَهم بِهَذا الوَصْفِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ نُسَلِّمُها لِلْقاضِي ونُفَرِّعُ عَلَيْها صِحَّةَ قَوْلِنا، فَإنَّ الَّذِي قَضى اللَّهُ بِهِ أخْبَرَ عَنْهُ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، لَوْ لَمْ يَقَعْ لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وهَذا مُحالٌ، والمُؤَدِّي إلى المُحالِ مُحالٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْناهُ: جَمَعَ، والكَتِيبَةُ: الجَمْعُ مِنَ الجَيْشِ، والتَّقْدِيرُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ جَمَعَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، أيِ اسْتَكْمَلُوا فَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقُولُونَ: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] ومَتى كانُوا كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ في قُلُوبِهِمْ مَوَدَّةُ الكُفّارِ، وقالَ جُمْهُورُ أصْحابِنا: ﴿كَتَبَ﴾ مَعْناهُ أثْبَتَ وخَلَقَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لا يُمْكِنُ كَتْبُهُ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى الإيجادِ والتَّكْوِينِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ”كُتِبَ“ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والباقُونَ: ”كَتَبَ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ.
والنِّعْمَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ، وسَمّى تِلْكَ النُّصْرَةَ رُوحًا؛ لِأنَّ بِها يَحْيا أمْرُهم.
والثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾ عائِدٌ إلى الإيمانِ، والمَعْنى أيَّدَهم بِرُوحٍ مِنَ الإيمانِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] .
النِّعْمَةُ الثّالِثَةُ: ﴿ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ وهو إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الجَنَّةِ.
النِّعْمَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ وهي نِعْمَةُ الرِّضْوانِ، وهي أعْظَمُ النِّعَمِ وأجَلُّ المَراتِبِ، ثُمَّ لَمّا عَدَّدَ هَذِهِ النِّعَمَ ذَكَرَ الأمْرَ الرّابِعَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ تَرْكَ المُوادَّةِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وهو في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وإخْبارِهِ أهْلَ مَكَّةَ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لَمّا أرادَ فَتْحَ مَكَّةَ، وتِلْكَ القِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ زَجْرٌ عَنِ التَّوَدُّدِ إلى الكُفّارِ والفُسّاقِ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ”«اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفاجِرٍ ولا لِفاسِقٍ عِنْدِي نِعْمَةً فَإنِّي وجَدْتُ فِيما أوْحَيْتُ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ إلى آخِرِهِ» “ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وخاتَمِ النَّبِيِّينَ، سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences