Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:9–24
59:9Page 546
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أعْنِي بِأُولَئِكَ الأرْبَعَةِ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ والمُهاجِرِينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ كَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِأُمُورٍ:
أوَّلُها: أنَّهم فُقَراءُ.
وثانِيها: أنَّهم مُهاجِرُونَ.
وثالِثُها: أنَّهم أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ، يَعْنِي أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أحْوَجُوهم إلى الخُرُوجِ فَهُمُ الَّذِينَ أخْرَجُوهم.
ورابِعُها: أنَّهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا، والمُرادُ بِالفَضْلِ ثَوابُ الجَنَّةِ، وبِالرِّضْوانِ قَوْلُهُ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهم لَمّا هَجَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا وتَحَمَّلُوا شَدائِدَها لِأجْلِ الدِّينِ ظَهَرَ صِدْقُهم في دِينِهِمْ، وتَمَسَّكَ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إمامَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: هَؤُلاءِ الفُقَراءُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ كانُوا يَقُولُونَ لِأبِي بَكْرٍ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى كَوْنِهِمْ صادِقِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في قَوْلِهِمْ: يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وجَبَ الجَزْمُ بِصِحَّةِ إمامَتِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأنْصارَ وأثْنى عَلَيْهِمْ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، إذْ لِلْمُهاجِرِينَ دُونَهم، فَقالَ:
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾
والمُرادُ مِنَ الدّارِ المَدِينَةُ، وهي دارُ الهِجْرَةِ، تَبَوَّأها الأنْصارُ قَبْلَ المُهاجِرِينَ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا المَدِينَةَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ (فَإنْ قِيلَ) في الآيَةِ سُؤالانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لا يُقالُ: تَبَوَّأ الإيمانَ.
والثّانِي: بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الأنْصارَ ما تَبَوَّءُوا الإيمانَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.
(والجَوابُ) عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: تَبَوَّءُوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِهِ:
ولَقَدْ رَأيْتُكَ في الوَغى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
صفحة ٢٥٠
وثانِيها: جَعَلُوا الإيمانَ مُسْتَقِرًّا ووَطَنًا لَهم لِتَمَكُّنِهِمْ مِنهُ واسْتِقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، كَما أنَّهم لَمّا سَألُوا سَلْمانَ عَنْ نَسَبِهِ فَقالَ: أنا ابْنُ الإسْلامِ.
وثالِثُها: أنَّهُ سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ فِيها ظَهَرَ الإيمانُ وقَوِيَ.
(والجَوابُ) عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ والإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ وقالَ الحَسَنُ: أيْ حَسَدًا وحَرارَةً وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ مِن دُونِهِمْ، وأطْلَقَ لَفْظَ الحاجَةِ عَلى الحَسَدِ والغَيْظِ والحَرارَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الحاجَةِ، فَأطْلَقَ اسْمَ اللّامِ عَلى المَلْزُومِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ يُقالُ: آثَرَهُ بِكَذا إذا خَصَّهُ بِهِ، ومَفْعُولُ الإيثارِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ويُؤْثِرُونَهم بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْأنْصارِ: إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن دُورِكم وأمْوالِكم وقَسَمْتُ لَكم مِنَ الغَنِيمَةِ كَما قَسَمْتُ لَهم، وإنْ شِئْتُمْ كانَ لَهُمُ الغَنِيمَةُ، ولَكم دِيارُكم وأمْوالُكم، فَقالُوا: لا؛ بَلْ نَقْسِمُ لَهم مِن دِيارِنا وأمْوالِنا ولا نُشارِكُهم في الغَنِيمَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ»﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذا الإيثارَ لَيْسَ عَنْ غِنًى عَنِ المالِ، ولَكِنَّهُ عَنْ حاجَةٍ وخَصاصَةٍ وهي الفَقْرُ، وأصْلُها مِنَ الخَصاصِ وهي الفُرَجُ، وكُلُّ خَرْقٍ في مُنْخُلٍ أوْ بابٍ أوْ سَحابٍ أوْ بُرْقُعٍ فَهي خَصاصٌ، الواحِدُ خَصاصَةٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنْواعًا مِن إيثارِ الأنْصارِ لِلضَّيْفِ بِالطَّعامِ وتَعَلُّلِهِمْ عَنْهُ حَتّى يُشْبِعَ الضَّيْفَ، ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ الإيثارِ، والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ إيثارِهِمُ المُهاجِرِينَ بِالفَيْءِ، ثُمَّ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَدْخُلَ فِيها سائِرُ الإيثارِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الشُّحُّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما.
واعْلَمْ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الشُّحِّ والبُخْلِ هو أنَّ البُخْلَ نَفْسُ المَنعِ، والشُّحَّ هو الحالَةُ النَّفْسانِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ المَنعَ، فَلَمّا كانَ الشُّحُّ مِن صِفاتِ النَّفْسِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الظّافِرُونَ بِما أرادُوا، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَن لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا نَهاهُ اللَّهُ عَنْ أخْذِهِ ولَمْ يَمْنَعْ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِإعْطائِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ.
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ عَطْفٌ أيْضًا عَلى المُهاجِرِينَ وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدُ، وقِيلَ: التّابِعُونَ بِإحْسانٍ وهُمُ الَّذِينَ يَجِيئُونَ بَعْدَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ تَعالى أنَّهم يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولِمَن سَبَقَهم بِالإيمانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ غِشًّا وحَسَدًا وبُغْضًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم إمّا المُهاجِرُونَ أوِ الأنْصارُ أوِ الَّذِينَ جاءُوا مِن
صفحة ٢٥١
بَعْدِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ مِن شَأْنِ مَن جاءَ مِن بَعْدِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنْ يَذْكُرَ السّابِقِينَ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ بِالدُّعاءِ والرَّحْمَةِ فَمَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ ذَكَرَهم بِسُوءٍ كانَ خارِجًا مِن جُمْلَةِ أقْسامِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ نَصِّ هَذِهِ الآيَةِ.
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قالَ المُقاتِلانِ: يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَبْتَلَ، ورِفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، كانُوا مِنَ الأنْصارِ، ولَكِنَّهم نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ، وهَذِهِ الأُخُوَّةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: الأُخُوَّةُ في الكُفْرِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ كانُوا مُشْتَرِكِينَ في عُمُومِ الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وثانِيها: الأُخُوَّةُ بِسَبَبِ المُصادَقَةِ والمُوالاةِ والمُعاوَنَةِ.
وثالِثُها: الأُخُوَّةُ بِسَبَبِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا لِلْيَهُودِ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿أحَدًا أبَدًا﴾ ووَعَدُوهُمُ النَّصْرَ أيْضًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَهِدَ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في هَذا القَوْلِ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .
59:12–13Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
ولَمّا شَهِدَ عَلى كَذِبِهِمْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أتْبَعَهُ بِالتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، فَعَلِمَ المَوْجُوداتِ في الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، والمَعْدُوماتِ في الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، وعَلِمَ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلى خِلافِ ما وقَعَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَهَهُنا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ لَئِنْ أُخْرِجُوا فَهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لا يَخْرُجُونَ مَعَهم، وقَدْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُخْرِجُوا لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا أيْضًا فَما نَصَرُوهم، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ولَئِنْ نَصَرُوهم) فَتَقْدِيرُهُ كَما يَقُولُ المُعْتَرِضُ الطّاعِنُ في كَلامِ الغَيْرِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُ، لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ لَكَ فائِدَةً، فَكَذا هَهُنا ذَكَرَ تَعالى أنَّهم لا يَنْصُرُونَهم، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَنْصُرُوا إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتْرُكُوا تِلْكَ النُّصْرَةَ ويَنْهَزِمُوا، ويَتْرُكُوا أُولَئِكَ المَنصُورِينَ
صفحة ٢٥٢
فِي أيْدِي الأعْداءِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُنافِقِينَ يَعْنِي: لَيَنْهَزِمَنَّ المُنافِقُونَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهم لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ.
والثّانِي: لَيَنْهَزِمَنَّ اليَهُودُ ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المُنافِقِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ خَوْفَ المُنافِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أشَدُّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ:
﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ حَتّى يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ يُرِيدُ أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والمُنافِقِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى مُقاتَلَتِكم مُجْتَمِعِينَ إلّا إذا كانُوا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ بِالخَنادِقِ والدُّرُوبِ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأنَّ تَأْيِيدَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَعَكم، وقُرِئَ (جُدْرٍ) بِالتَّخْفِيفِ، وجِدارٍ، وجَدَرٍ وجَدْرٍ، وهُما الجِدارُ.
59:14–16Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي أنَّ البَأْسَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُوصَفُونَ بِهِ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، فَأمّا إذا قاتَلُوكم لَمْ يَبْقَ لَهم ذَلِكَ البَأْسُ والشِّدَّةُ؛ لِأنَّ الشُّجاعَ يَجْبُنُ، والعِزَّ يَذِلُّ عِنْدَ مُحارَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهم إذا اجْتَمَعُوا يَقُولُونَ: لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، فَهم يُهَدِّدُونَ المُؤْمِنِينَ بِبَأْسٍ شَدِيدٍ مِن وراءِ الحِيطانِ والحُصُونِ، ثُمَّ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخُرُوجِ لِلْقِتالِ فَبَأْسُهم فِيما بَيْنَهم شَدِيدٌ، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: بَعْضُهم عَدُوٌّ لِلْبَعْضِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ يَعْنِي تَحْسَبُهم في صُورَتِهِمْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، أمّا قُلُوبُهم فَشَتّى؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِنهم عَلى مَذْهَبٍ آخَرَ، وبَيْنَهم عَداوَةٌ شَدِيدَةٌ، وهَذا تَشْجِيعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم.
والثّانِي: لا يَعْقِلُونَ أنَّ تَشْتِيتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ مَثَلُهم كَمَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ في زَمانٍ قَرِيبٍ. فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ (قَرِيبًا)، قُلْنا: بِـ ”مَثَلِ“، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ مَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ﴾ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: كَلَأٌ وبِيلٌ، أيْ: وخِيمٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ، يَعْنِي: ذاقُوا عَذابَ القَتْلِ في الدُّنْيا (ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ ألِيمٌ) .
صفحة ٢٥٣
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مَثَلُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ غَرُّوا بَنِي النَّضِيرَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ثُمَّ خَذَلُوهم وما وفَّوْا بِعَهْدِهِمْ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ في العاقِبَةِ، والمُرادُ إمّا عُمُومُ دَعْوَةِ الشَّيْطانِ إلى الكُفْرِ، وإمّا إغْواءُ الشَّيْطانِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
59:17–20Page 548
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩
And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
ثُمَّ قالَ: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: قالَ مُقاتِلٌ: فَكانَ عاقِبَةُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ مِثْلَ عاقِبَةِ الشَّيْطانِ والإنْسانِ حَيْثُ صارا إلى النّارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”خالِدانِ فِيها“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”أنَّ“، و”في النّارِ“ لَغْوٌ، وعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ الخَبَرُ هو الظَّرْفُ، و”خالِدَيْنِ فِيها“ حالٌ، وقُرِئَ: ”عاقِبَتُهُما“ بِالرَّفْعِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى رَجَعَ إلى مَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . الغَدُ: يَوْمُ القِيامَةِ، سَمّاهُ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ تَقْرِيبًا لَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّفْسَ والغَدَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ. أمّا الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ النَّفْسِ فاسْتِقْلالُ الأنْفُسِ الَّتِي تَنْظُرُ فِيما قَدَّمَتْ لِلْآخِرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: فَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ واحِدَةٌ في ذَلِكَ، وأمّا تَنْكِيرُ الغَدِ فَلِتَعْظِيمِهِ وإبْهامِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الغَدُ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى تَأْكِيدًا، أوْ يُحْمَلُ الأوَّلُ عَلى أداءِ الواجِباتِ، والثّانِي عَلى تَرْكِ المَعاصِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ المُقاتِلانِ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَجَعَلَهم ناسِينَ حَقَّ أنْفُسِهِمْ حَتّى لَمْ يَسْعَوْا لَها بِما يَنْفَعُهم عِنْدَهُ.
الثّانِي: ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: أراهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ ما نَسُوا فِيهِ أنْفُسَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهُمْ﴾ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الذَّمُّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى ما هو مَصْلَحَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] وهَدَّدَ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فَقالَ:
59:21–22Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢
He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾
واعْلَمْ أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَذِكْرُ هَذا الفَرْقِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى عِظَمِ ذَلِكَ الفَرْقِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأوْلى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ أصْحابَ النّارِ وأصْحابَ الجَنَّةِ لا يَسْتَوِيانِ، فَلَوْ دَخَلَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ في الجَنَّةِ لَكانَ أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ يَسْتَوِيانِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وقَدْ بَيَّنّا وجْهَهُ في الخِلافِيّاتِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذِهِ البَياناتِ عَظَّمَ أمْرَ القُرْآنِ فَقالَ:
﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَوْ جُعِلَ في الجَبَلِ عَقْلٌ كَما جُعِلَ فِيكم، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَخَشَعَ وخَضَعَ وتَشَقَّقَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيِ الغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهُ عَلى قَساوَةِ قُلُوبِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وغِلَظِ طِباعِهِمْ، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا وصَفَ القُرْآنَ بِالعِظَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ عِظَمَ الصِّفَةِ تابِعٌ لِعِظَمِ المَوْصُوفِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ فَقالَ:
﴿هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقِيلَ: السِّرُّ والعَلانِيَةُ، وقِيلَ: الدُّنْيا والآخِرَةُ.
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الغَيْبَ عَلى الشَّهادَةِ في اللَّفْظِ وفِيهِ سِرٌّ عَقْلِيٌّ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا أقْوالًا في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، فَقِيلَ: الغَيْبُ المَعْدُومُ، والشَّهادَةُ المَوْجُودُ، ما غابَ عَنِ العِبادِ وما شاهَدُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿القُدُّوسُ﴾ قُرِئَ بِالضَّمِّ والفَتْحِ، وهو البَلِيغُ في النَّزاهَةِ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ والأحْكامِ والأسْماءِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ومَضى شَيْءٌ مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الَّذِي كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ.
صفحة ٢٥٥
وقَوْلُهُ: ﴿السَّلامُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى السَّلامَةِ، ومِنهُ دارُ السَّلامِ، وسَلامٌ عَلَيْكم. وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنَ النَّقائِصِ، كَما يُقالُ: رَجاءٌ، وغِياثٌ، وعَدْلٌ. فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَبْقى بَيْنَ القُدُّوسِ وبَيْنَ السَّلامِ فَرْقٌ، والتَّكْرارُ خِلافُ الأصْلِ ؟
قُلْنا: كَوْنُهُ قُدُّوسًا إشارَةٌ إلى بَراءَتِهِ عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ في الماضِي والحاضِرِ، وكَوْنُهُ سَلِيمًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العُيُوبِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ العُيُوبِ، فَإنَّهُ تَزُولُ سَلامَتُهُ، ولا يَبْقى سَلِيمًا.
الثّانِي: أنَّهُ سَلامٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلسَّلامَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿المُؤْمِنُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي آمَنَ أوْلِياءَهُ عَذابَهُ، يُقالُ: آمَنَهُ يُؤَمِّنُهُ، فَهو مُؤْمِنٌ.
والثّانِي: أنَّهُ المُصَدِّقُ، إمّا عَلى مَعْنى أنَّهُ يُصَدِّقُ أنْبِياءَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزَةِ لَهم، أوْ لِأجْلِ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ يَشْهَدُونَ لِسائِرِ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَصْدُقُهم في تِلْكَ الشَّهادَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، يَعْنِي المُؤْمِنَ بِهِ؛ عَلى حَذْفِ الجارِ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] .
وقَوْلُهُ: ﴿المُهَيْمِنُ﴾ قالُوا: مَعْناهُ الشّاهِدُ الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. ثُمَّ في أصْلِهِ قَوْلانِ، قالَ الخَلِيلُ وأبُو عُبَيْدَةَ: هَيْمَنَ، يُهَيْمِنُ، فَهو مُهَيْمِنٌ، إذا كانَ رَقِيبًا عَلى الشَّيْءِ.
وقالَ آخَرُونَ: مُهَيْمِنٌ أصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ، مِن آمَنَ يُؤْمِنُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى المُؤْمِنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِقْصاؤُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُهَيْمِنُ القائِمُ عَلى خَلْقِهِ بِرِزْقِهِ، وأنْشَدَ:
ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِ مُهَيْمِنُهُ التّالِيهِ في العُرْفِ والنُّكْرِ
قالَ: مَعْناهُ: القائِمُ عَلى النّاسِ بَعْدَهُ.
وأمّا ﴿العَزِيزُ﴾ فَهو إمّا الَّذِي لا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ، وإمّا الغالِبُ القاهِرُ.
وأمّا ﴿الجَبّارُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ فَعّالٌ مِن جَبَرَ إذا أغْنى الفَقِيرَ، وأصْلَحَ الكَسِيرَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وهو لَعَمْرِي جابِرُ كُلِّ كَسِيرٍ وفَقِيرٍ، وهو جابِرُ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضاهُ، قالَ العَجّاجُ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الجَبّارُ مِن: جَبَرَهُ عَلى كَذا، إذا أكْرَهَهُ عَلى ما أرادَهُ، قالَ السُّدِّيُّ: إنَّهُ الَّذِي يَقْهَرُ النّاسَ ويُجْبِرُهم عَلى ما أرادَهُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الحِجازِيِّينَ يَقُولُونَها، وكانَ الشّافِعِيُّ يَقُولُ: جَبَرَهُ السُّلْطانُ عَلى كَذا بِغَيْرِ ألِفٍ. وجَعَلَ الفَرّاءُ الجَبّارَ بِهَذا المَعْنى مِن أجْبَرَهُ، وهي اللُّغَةُ المَعْرُوفَةُ في الإكْراهِ، فَقالَ: لَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في حَرْفَيْنِ وهُما جَبّارٌ مِن أجْبَرَ، ودَرّاكٌ مِن أدْرَكَ، وعَلى هَذا القَوْلِ الجَبّارُ هو القَهّارُ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَبّارُ في صِفَةِ اللَّهِ الَّذِي لا يُنالُ، ومِنهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الَّتِي فاتَتْ يَدَ المُتَناوِلِ: جَبّارَةٌ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَبّارُ هو المَلِكُ العَظِيمُ. قالَ الواحِدِيُّ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن مَعانِي الجَبّارِ في صِفَةِ اللَّهِ، ولِلْجَبّارِ مَعانٍ في صِفَةِ الخَلْقِ:
أحَدُها: المُسَلَّطُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] .
والثّانِي: العَظِيمُ الجِسْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
والثّالِثُ: المُتَمَرِّدُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا﴾ [مريم: ٣٢] .
والرّابِعُ: القِتالُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] .
59:23–24Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣
He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤
He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5
أمّا قَوْلُهُ: ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِي تَكَبَّرَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فَلا شَيْءَ مِثْلُهُ.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: المُتَعَظِّمُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ.
وثالِثُها: قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِي تَعَظَّمَ عَنْ ظُلْمِ العِبادِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُتَكَبِّرُ ذُو الكِبْرِياءِ، والكِبْرِياءُ عِنْدَ العَرَبِ: المُلْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] .
واعْلَمْ أنَّ المُتَكَبِّرَ في حَقِّ الخَلْقِ اسْمُ ذَمٍّ؛ لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الَّذِي يُظْهِرُ مِن نَفْسِهِ الكِبْرَ، وذَلِكَ نَقْصٌ في حَقِّ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كِبْرٌ ولا عُلُوٌّ، بَلْ لَيْسَ مَعَهُ إلّا الحَقارَةُ والذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ، فَإذا أظْهَرَ العُلُوَّ كانَ كاذِبًا، فَكانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا في حَقِّهِ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَلَهُ جَمِيعُ أنْواعِ العُلُوِّ والكِبْرِياءِ، فَإذا أظْهَرَهُ فَقَدْ أرْشَدَ العِبادَ إلى تَعْرِيفِ جَلالِهِ وعُلُوِّهِ، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ المَدْحِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ؛ ولِهَذا السَّبَبِ لَمّا ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَخْلُوقِينَ قَدْ يَتَكَبَّرُونَ ويَدَّعُونَ مُشارَكَةَ اللَّهِ في هَذا الوَصْفِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّكَبُّرِ الَّذِي هو حاصِلٌ لِلْخَلْقِ؛ لِأنَّهم ناقِصُونَ بِحَسَبِ ذَواتِهِمْ، فادِّعاؤُهُمُ الكِبْرَ يَكُونُ ضَمَّ نُقْصانِ الكَذِبِ إلى النُّقْصانِ الذّاتِيِّ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَلَهُ العُلُوُّ والعِزَّةُ، فَإذا أظْهَرَهُ كانَ ذَلِكَ ضَمَّ كَمالٍ إلى كَمالٍ، فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ في إثْباتِ صِفَةِ المُتَكَبِّرِيَّةِ لِلْخَلْقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ والخَلْقُ هو التَّقْدِيرُ، مَعْناهُ أنَّهُ يُقَدِّرُ أفْعالَهُ عَلى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ، فالخالِقِيَّةُ راجِعَةٌ إلى صِفَةِ الإرادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿البارِئُ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: صانِعٌ ومُوجِدٌ، إلّا أنَّهُ يُفِيدُ اخْتِراعَ الأجْسامِ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ في الخَلْقِ: بَرِيَّةٌ، ولا يُقالُ في الأعْراضِ الَّتِي هي كاللَّوْنِ والطَّعْمِ.
وأمّا المُصَوِّرُ: فَمَعْناهُ أنَّهُ يَخْلُقُ صُوَرَ الخَلْقِ عَلى ما يُرِيدُ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الخالِقِ عَلى البارِئِ؛ لِأنَّ تَرْجِيحَ الإرادَةِ مُقَدَّمٌ عَلى تَأْثِيرِ القُدْرَةِ. وقَدَّمَ البارِئَ عَلى المُصَوِّرِ؛ لِأنَّ إيجادَ الذَّواتِ مُقَدَّمٌ عَلى إيجادِ الصِّفاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences