Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:103–107, continued
الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ لُطْفُ صُنْعِهِ في تَرْكِيبِ أبْدانِ الحَيَواناتِ مِنَ الأجْزاءِ الدَّقِيقَةِ، والأغْشِيَةِ الرَّقِيقَةِ، والمَنافِذِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَطِيفٌ في الإنْعامِ والرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، حَيْثُ يُثْنِي عَلَيْهِمْ عِنْدَ الطّاعَةِ، ويَأْمُرُهم بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ المَعْصِيَةِ، ولا يَقْطَعُ عَنْهم سَوادَ رَحْمَتِهِ، سَواءٌ كانُوا مُطِيعِينَ أوْ كانُوا عُصاةً.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ لَطِيفٌ بِهِمْ؛ حَيْثُ لا يَأْمُرُهم فَوْقَ طاقَتِهِمْ، ويُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِما هو فَوْقَ اسْتِحْقاقِهِمْ، وأمّا الخَبِيرُ: فَهو مِنَ الخَبَرِ وهو العِلْمُ، والمَعْنى أنَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا بِما هم عَلَيْهِ مِنَ ارْتِكابِ المَعاصِي والإقْدامِ عَلى القَبائِحِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”اللَّطِيفُ“ مَعْناهُ أنَّهُ يَلْطُفُ عَنْ أنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ، ”الخَبِيرُ“ بِكُلِّ لَطِيفٍ، فَهو يُدْرِكُ الأبْصارَ، ولا يَلْطُفُ شَيْءٌ عَنْ إدْراكِهِ، وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ.
6:104Page 141
قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤
There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ البَياناتِ الظّاهِرَةَ، والدَّلائِلَ القاهِرَةَ في هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ الإلَهِيَّةِ؛ عادَ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ الدَّعْوى والتَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ فَقالَ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ والبَصائِرُ جَمْعُ البَصِيرَةِ، وكَما أنَّ البَصَرَ اسْمٌ لِلْإدْراكِ التّامِّ الكامِلِ الحاصِلِ بِالعَيْنِ الَّتِي في الرَّأْسِ، فالبَصِيرَةُ اسْمٌ لِلْإدْراكِ التّامِّ الحاصِلِ في القَلْبِ؛ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أيْ لَهُ مِن نَفْسِهِ مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ، وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ، وهي في أنْفُسِها لَيْسَتْ بَصائِرَ إلّا أنَّها لِقُوَّتِها وجَلالَتِها تُوجِبُ البَصائِرَ لِمَن عَرَفَها، ووَقَفَ عَلى حَقائِقِها، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ أسْبابًا لِحُصُولِ البَصائِرِ؛ سُمِّيَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْفُسُها بِالبَصائِرِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ ما يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، فَهو الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وتَبْلِيغِ الدَّلالَةِ والبَيِّناتِ
صفحة ١١٠
فِيها، وهو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قَصَّرَ في تَبْلِيغِها وإيضاحِها وإزالَةِ الشُّبُهاتِ عَنْها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، فَإقْدامُهم عَلى الإيمانِ وتَرْكِ الكُفْرِ، فَإنَّ هَذا لا يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيارِهِمْ، ونَفْعُهُ وضَرُّهُ عائِدٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى مَن أبْصَرَ الحَقَّ وآمَنَ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ، وإيّاها نَفَعَ، ومَن عَمِيَ عَنْهُ فَعَلى نَفْسِهِ عَمِيَ وإيّاها ضَرَّ بِالعَمى؛ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُ أعْمالَكم وأُجازِيكم عَلَيْها، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ، وهي أرْبَعَةٌ ذَكَرَها القاضِي:
فالأوَّلُ: الغَرَضُ بِهَذِهِ البَصائِرِ أنْ يَنْتَفِعَ بِها اخْتِيارًا اسْتَحَقَّ بِها الثَّوابَ لا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ يَلْجَأ إلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ هَذا الغَرَضَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما دَلَّنا وبَيَّنَ لَنا مَنافِعَ، وأغْراضُ المَنافِعِ تَعُودُ إلَيْنا لا لِمَنافِعَ تَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: أنَّ المَرْءَ بِعُدُولِهِ عَنِ النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُؤْتَ إلّا مِن قِبَلِهِ لا مِن قِبَلِ رَبِّهِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ قالَ: وفِيهِ إبْطالُ قَوْلِ المُجْبِرَةِ في المَخْلُوقِ، وفي أنَّهُ تَعالى يُكَلِّفُ بِلا قُدْرَةٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ مَتى شَرَعَتِ المُعْتَزِلَةُ في الحِكْمَةِ والفَلْسَفَةِ والأمْرِ والنَّهْيِ، فَلا طَرِيقَ فِيهِ إلّا مُعارَضَتُهُ بِسُؤالِ الدّاعِي؛ فَإنَّهُ يَهْدِمُ كُلَّ ما يَذْكُرُونَهُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِنَ الإبْصارِ هاهُنا العِلْمُ، ومِنَ العَمى الجَهْلُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ مَعْناهُ لا آخُذُكم بِالإيمانِ أخْذَ الحَفِيظِ عَلَيْكم والوَكِيلِ؛ قالُوا: وهَذا إنَّما كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، فَلَمّا أمَرَ بِالقِتالِ صارَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، ومِنهم مَن يَقُولُ: آيَةُ القِتالِ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، وهو بَعِيدٌ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ المُفَسِّرِينَ مَشْغُوفُونَ بِتَكْثِيرِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلَيْهِ، والحَقُّ ما تُقَرِّرُهُ أصْحابُ أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ، فَوَجَبَ السَّعْيُ في تَقْلِيلِهِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
6:105Page 141
وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥
And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في الإلَهِيّاتِ إلى هَذا المَوْضِعِ شَرَعَ مِن هَذا المَوْضِعِ في إثْباتِ النُّبُوّاتِ، فَبَدَأ تَعالى بِحِكايَةِ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهم: يا مُحَمَّدُ، إنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتَنا بِهِ كَلامٌ تَسْتَفِيدُهُ مِن مُدارَسَةِ العُلَماءِ ومُباحَثَةِ الفُضَلاءِ، وتُنَظِّمُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ عَلَيْنا، وتَزْعُمُ أنَّهُ وحْيٌ نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى
صفحة ١١١
أجابَ عَنْهُ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ النَّظْمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها مُتَواتِرَةً حالًا بَعْدَ حالٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: حَكى الواحِدِيُّ: في قَوْلِهِ دَرَسَ الكِتابَ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الطَّعامَ إذا داسَهُ، يَدْرُسُهُ دِراسًا والدِّراسُ الدِّياسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، قالَ: ودَرَسَ الكَلامَ مِن هَذا أيْ يَدْرُسُهُ فَيَخِفُّ عَلى لِسانِهِ.
والثّانِي: قالَ أبُو الهَيْثَمِ دَرَسْتُ الكِتابَ أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ حَتّى خَفَّ حِفْظُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا فَهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ، أيْ أخَلَقْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَلِقِ دَرِيسٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ لانَ، والدِّراسَةُ الرِّياضَةُ، ومِنهُ دَرَسْتُ السُّورَةَ حَتّى حَفِظْتُها، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ بَلْ هو نَفْسُهُ؛ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ فِيهِ إلى التَّذْلِيلِ والتَّلْيِينِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو دارَسْتَ بِالألِفِ ونَصْبِ التّاءِ، وهو قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وتَفْسِيرُها قَرَأْتَ عَلى اليَهُودِ وقَرَءُوا عَلَيْكَ، وجَرَتْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم مُدارَسَةٌ ومُذاكَرَةٌ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (دَرَسَتْ) أيْ هَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي تَلَوْتَها عَلَيْنا قَدِيمَةٌ قَدْ دَرَسَتْ وانْمَحَتْ، ومَضَتْ مِنَ الدَّرْسِ الَّذِي هو تُعَفِّي الأثَرِ، وإمْحاءُ الرَّسْمِ، قالَ الأزْهَرِيُّ مَن قَرَأ: ”دَرَسَتْ“ فَمَعْناهُ تَقادَمَتْ أيْ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ عَلَيْنا قَدْ تَقادَمَ وتَطاوَلَ، وهو مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الأثَرُ يَدْرِسُ دُرُوسًا.
واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ رَوى هاهُنا قِراءاتٍ أُخْرى:
فَإحْداها: ”دَرُسَتْ“ بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةٌ في ”دَرَسَتْ“ أيِ اشْتَدَّ دُرُوسُها.
وثانِيها: ”دُرِسَتْ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قَدُمَتْ وعَفَتْ.
وثالِثُها: ”دارَسَتْ“ وفَسَّرُوها بِدارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا.
ورابِعُها: ”دَرَسَ“ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ.
وخامِسُها: ”دارِساتٌ“ عَلى مَعْنى هي دارِساتٌ أيْ قَدِيماتٌ، أوْ ذاتُ دَرْسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ.
البحُثُ الثّالِثُ: ”الواوُ“ في قَوْلِهِ: ”ولِيَقُولُوا“ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ؛ والتَّقْدِيرُ وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ولِيَقُولُوا: فَحُذِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِوُضُوحِ مَعْناهُ.
البَحْثُ الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ صَرَفَ هَذِهِ الآياتِ وهو أمْرانِ:
أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ .
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أمّا هَذا الوَجْهُ الثّانِي فَلا إشْكالَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الحِكْمَةَ في هَذا التَّصْرِيفِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ البَيانُ والفَهْمُ والعِلْمُ، وإنَّما الكَلامُ في الوَجْهِ الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهم لِلرَّسُولِ: دَرَسْتَ كُفْرٌ مِنهم بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، وعِنْدَ هَذا الكَلامِ عادَ بَحْثُ مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، فَأمّا أصْحابُنا فَإنَّهم أجْرَوُا الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ؛ فَقالُوا: مَعْناهُ أنّا ذَكَرْنا هَذِهِ الدَّلائِلَ حالًا بَعْدَ حالٍ لِيَقُولَ بَعْضُهم: دَرَسْتَ فَيَزْدادَ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ، وتَثْبِيتًا لِبَعْضِهِمْ فَيَزْدادَ إيمانًا عَلى إيمانٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ تَحَيَّرُوا؛ قالَ الجُبّائِيُّ والقاضِي: ولَيْسَ فِيهِ إلّا أحَدُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يُحْمَلَ هَذا الإثْباتُ عَلى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ
صفحة ١١٢
الآياتِ لِئَلّا يَقُولُوا دَرَسْتَ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ومَعْناهُ: لِئَلّا تَضِلُّوا.
والثّانِي: أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ اللّامُ عَلى لامِ العاقِبَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ عِنْدَ تَصْرِيفِنا هَذِهِ الآياتِ أنْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ مُسْتَنِدِينَ إلى اخْتِيارِهِمْ، عادِلِينَ عَمّا يَلْزَمُ مِنَ النَّظَرِ في هَذِهِ الدَّلائِلِ، هَذا غايَةُ كَلامِ القَوْمِ في هَذا البابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: أمّا الجَوابُ الأوَّلُ فَضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ حَمْلَ الإثْباتِ عَلى النَّفْيِ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ اللَّهِ وتَغْيِيرٌ لَهُ، وفَتْحُ هَذا البابِ يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى وُثُوقٌ لا بِنَفْيِهِ ولا بِإثْباتِهِ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً وأنَّهُ باطِلٌ.
والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَجُوزَ هَذا النَّوْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ في الجُمْلَةِ، إلّا أنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ البَتَّةَ بِهَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُظْهِرُ آياتِ القُرْآنِ نَجْمًا نَجْمًا، والكُفّارُ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا يَضُمُّ هَذِهِ الآياتِ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ويَتَفَكَّرُ فِيها ويُصْلِحُها آيَةً فَآيَةً ثُمَّ يُظْهِرُها، ولَوْ كانَ هَذا بِوَحْيٍ نازِلٍ إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ، فَلِمَ لا يَأْتِي بِهَذا القُرْآنِ دَفْعَةً واحِدَةً كَما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِالتَّوْراةِ دَفْعَةً واحِدَةً ؟
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ تَصْرِيفَ هَذِهِ الآياتِ حالًا فَحالًا هي الَّتِي أوْقَعَتِ الشُّبْهَةَ لِلْقَوْمِ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ، إنَّما يَأْتِي بِهَذا القُرْآنِ عَلى سَبِيلِ المُدارَسَةِ مَعَ التَّفَكُّرِ والمُذاكَرَةِ مَعَ أقْوامٍ آخَرِينَ، وعَلى ما يَقُولُ الجُبّائِيُّ والقاضِي فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَصْرِيفُ هَذِهِ الآياتِ حالًا بَعْدَ حالٍ يُوجِبُ أنْ يَمْتَنِعُوا مِنَ القَوْلِ بِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أتى بِهَذا القُرْآنِ عَلى سَبِيلِ المُدارَسَةِ والمُذاكَرَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الجَوابَ الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ جَعَلْنا تَصْرِيفَ الآياتِ عِلَّةً؛ لِأنْ يَمْتَنِعُوا مِن ذَلِكَ القَوْلِ، مَعَ أنّا بَيَّنّا أنَّ تَصْرِيفَ الآياتِ، هو المُوجِبُ لِذَلِكَ القَوْلِ فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ.
وأمّا الجَوابُ الثّانِي: وهو حَمْلُ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ، فَهو أيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ حَمْلَ هَذِهِ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ مَجازٌ، وحَمْلُهُ عَلى لامِ الغَرَضِ حَقِيقَةٌ، والحَقِيقَةُ أقْوى مِنَ المَجازِ، فَلَوْ قُلْنا: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ لامُ العاقِبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لِلْحَقِيقَةِ فَقَدْ حَصَلَ تَقْدِيمُ المَجازِ عَلى الحَقِيقَةِ في الذِّكْرِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا ضَعْفُ هَذَيْنِ الجَوابَيْنِ، وأنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ عَيْنُ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنّا ما بَيَّنّاهُ إلّا لِهَؤُلاءِ، فَأمّا الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فَما بَيَّنّا هَذِهِ الآياتِ لَهم، ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى ما جَعَلَهُ بَيانًا إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ ثَبَتَ أنَّهُ جَعَلَهُ ضَلالًا لِلْكافِرِينَ وذَلِكَ ما قُلْنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:106–107Page 141
ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦
Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧
But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ في إظْهارِ هَذا القُرْآنِ إلى الِافْتِراءِ، أوْ إلى أنَّهُ يُدارِسُ أقْوامًا ويَسْتَفِيدُ هَذِهِ العُلُومَ مِنهم ثُمَّ يَنْظِمُها قُرْآنًا، ويَدَّعِي أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾
صفحة ١١٣
لِئَلّا يَصِيرَ ذَلِكَ القَوْلُ سَبَبًا لِفُتُورِهِ في تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ والرِّسالَةِ، والمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ قَلْبِهِ وإزالَةُ الحُزْنِ الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ سَماعِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ واحِدًا في الإلَهِيَّةِ فَإنَّهُ يَجِبُ طاعَتُهُ، ولا يَجُوزُ الإعْراضُ عَنْ تَكالِيفِهِ بِسَبَبِ جَهْلِ الجاهِلِينَ وزَيْغِ الزّائِغِينَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ تَرْكُ المُقابَلَةِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ مَنسُوخٌ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِتَرْكِ المُقابَلَةِ في الحالِ لا يُفِيدُ الأمْرَ بِتَرْكِها دائِمًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبِ التِزامُ النَّسْخِ، وقِيلَ: المُرادُ تَرْكُ مُقابَلَتِهِمْ فِيما يَأْتُونَهُ مِن سَفَهٍ، وأنْ يَعْدِلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى الطَّرِيقِ الَّذِي يَكُونُ أقْرَبَ إلى القَبُولِ، وأبْعَدَ عَنِ التَّنْفِيرِ والتَّغْلِيظِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما جَمَعْتَ هَذا القُرْآنَ مِن مُدارَسَةِ النّاسِ ومُذاكَرَتِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُ: لا تَلْتَفِتْ إلى سَفاهاتِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُهم، فَإنِّي لَوْ أرَدْتُ إزالَةَ الكُفْرِ عَنْهم لَقَدَرْتُ، ولَكِنِّي تَرَكْتُهم مَعَ كُفْرِهِمْ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَشْغَلَ قَلْبَكَ بِكَلِماتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ والمَعْنى: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا يُشْرِكُوا ما أشْرَكُوا، وحَيْثُ لَمْ يَحْصُلِ الجَزاءُ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الشَّرْطُ، فَعَلِمْنا أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ إشْراكِهِمْ غَيْرُ حاصِلَةٍ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، وما شاءَ مِن أحَدٍ الكُفْرَ والشِّرْكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ، فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، فَيُحْمَلُ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ عَلى مَشِيئَةِ الإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ المُوجِبِ لِلثَّوابِ والثَّناءِ، ويُحْمَلُ عَدَمُ مَشِيئَتِهِ لِإيمانِهِمْ عَلى الإيمانِ الحاصِلِ بِالقَهْرِ والجَبْرِ والإلْجاءِ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهم أنْ يَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والإلْجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ ويُخْرِجُ الإنْسانَ عَنِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ.
هَذا ما عَوَّلَ القَوْمُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ، وهو في غايَةِ الضَّعْفِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لا شَكَّ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أقْدَرَ الكافِرَ عَلى الكُفْرِ، فَقُدْرَةُ الكُفْرِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ لِلْإيمانِ فَخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ، وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلْإيمانِ لَمْ يَتَرَجَّحْ جانِبُ الكُفْرِ عَلى جانِبِ الإيمانِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ داعٍ يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ، وإلّا لَزِمَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، ومَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي إلى الكُفْرِ يُوجِبُ الكُفْرَ، وإذا كانَ خالِقُ القُدْرَةِ والدّاعِي هو اللَّهَ تَعالى، وثَبَتَ أنَّ مَجْمُوعَهُما يُوجِبُ الكُفْرَ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ.
الثّانِي: في تَقْرِيرِ هَذا الكَلامِ أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا بِعَدَمِ الإيمانِ مِنَ الكافِرِ، ووُجُودُ الإيمانِ مَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ مُتَضادّانِ ومَعَ وُجُودِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ كانَ حُصُولُ الضِّدِّ الثّانِي مُحالًا، والمَحالُّ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُحالًا غَيْرُ مُرادٍ، فامْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ.
الثّالِثُ: هَبْ أنَّ الإيمانَ الِاخْتِيارِيَّ أفْضَلُ وأنْفَعُ مِنَ الإيمانِ الحاصِلِ بِالجَبْرِ والقَهْرِ إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الأنْفَعَ لا يَحْصُلُ البَتَّةَ، فَقَدْ كانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ أنْ يَخْلُقَ فِيهِ الإيمانَ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ؛ لِأنَّ هَذا الإيمانَ وإنْ كانَ لا يُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ، فَأقَلُّ ما فِيهِ أنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ العِقابِ العَظِيمِ، فَتَرْكُ إيجادِ هَذا الإيمانِ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ يُوجِبُ وُقُوعَهُ في أشَدِّ العَذابِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ؛ ومِثالُهُ أنَّ مَن كانَ لَهُ ولَدٌ عَزِيزٌ، وكانَ هَذا الأبُ في غايَةِ الشَّفَقَةِ وكانَ هَذا الوَلَدُ واقِفًا عَلى طَرَفِ البَحْرِ فَيَقُولُ الوالِدُ لَهُ: غُصْ في قَعْرِ هَذا البَحْرِ
صفحة ١١٤
لِتَسْتَخْرِجَ اللَّآلِئَ العَظِيمَةَ الرَّفِيعَةَ العالِيَةَ مِنهُ، وعَلِمَ الوالِدُ قَطْعًا أنَّهُ إذا غاصَ في البَحْرِ هَلَكَ وغَرِقَ، فَهَذا الأبُ إنْ كانَ ناظِرًا في حَقِّهِ مُشْفِقًا عَلَيْهِ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الغَوْصِ في قَعْرِ البَحْرِ، ويَقُولُ لَهُ: اتْرُكْ طَلَبَ تِلْكَ اللَّآلِئِ فَإنَّكَ لا تَجِدُها وتَهْلِكُ، ولَكِنَّ الأوْلى لَكَ أنْ تَكْتَفِيَ بِالرِّزْقِ القَلِيلِ مَعَ السَّلامَةِ، فَأمّا أنْ يَأْمُرَهُ بِالغَوْصِ في قَعْرِ البَحْرِ مَعَ اليَقِينِ التّامِّ بِأنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ مِنهُ إلّا الهَلاكَ فَهَذا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الرَّحْمَةِ وعَلى السَّعْيِ في الهَلاكِ فَكَذا هاهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى إزالَةِ الكُفْرِ عَنْهم خَتَمَ الكَلامَ بِما يَكْمُلُ مَعَهُ تَبْصِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُ قَدْرَ ما جُعِلَ إلَيْهِ فَذَكَرَ أنَّهُ تَعالى ما جَعَلَهُ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ولا وكِيلًا عَلى سَبِيلِ المَنعِ لَهم، وإنَّما فَوَّضَ إلَيْهِ البَلاغَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ في العَمَلِ والعِلْمِ، وفي البَيانِ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها، فَإنِ انْقادُوا لِلْقَبُولِ فَنَفْعُهُ عائِدٌ إلَيْهِ، وإلّا فَضَرَرُهُ عائِدٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَخْرُجُ ﷺ مِنَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والتَّبْلِيغِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences