Ar-RaziAl‑An'am · 6:6–12

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:6–12

6:6Page 128

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ الإعْراضِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ في هَذا البابِ فَوَعَظَهم بِسائِرِ القُرُونِ الماضِيَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ما القَرْنُ ؟ قُلْنا: قالَ الواحِدِيُّ: القَرْنُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ مِنَ الدَّهْرِ فالمُدَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها قَوْمٌ ثُمَّ يَفْتَرِقُونَ بِالمَوْتِ فَهي قَرْنٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهم أقْوامٌ آخَرُونَ اقْتَرَنُوا فَهم قَرْنٌ آخَرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» واشْتِقاقُهُ مِنَ الأقْرانِ، ولَمّا كانَ أعْمارُ النّاسِ في الأكْثَرِ السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ والثَّمانِينَ لا جَرَمَ قالَ بَعْضُهم: القَرْنُ هو السِّتُّونَ، وقالَ آخَرُونَ: هو السَّبْعُونَ، وقالَ قَوْمٌ: هو الثَّمانُونَ والأقْرَبُ أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ لا يَقَعُ فِيهِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ، بَلِ المُرادُ أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ فَإذا انْقَضى مِنهُمُ الأكْثَرُ قِيلَ: قَدِ انْقَضى القَرْنُ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرُونَ الماضِيَةَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا ونَحْوَهُ في أرْضٍ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص: ٥٧]، وأمّا مَكَّنْتُهُ في الأرْضِ، فَمَعْناهُ أثْبَتُّهُ فِيها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] ولِتَقارُبِ المَعْنَيَيْنِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ مِثْلَ ما أعْطَيْنا عادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والسَّعَةِ في الأمْوالِ والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ الغَيْثَ والمَطَرَ، فالسَّماءُ مَعْناهُ المَطَرُ هَهُنا، والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرِّ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَّ اللَّبَنُ إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ مِنهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ فالمِدْرارُ يَصْلُحُ أنْ

صفحة ١٣٢

يَكُونَ مِن نَعْتِ السَّحابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ المَطَرِ يُقالُ: سَحابٌ مِدْرارٌ إذا تَتابَعَ أمْطارُهُ، ومِفْعالٌ يَجِيءُ في نَعْتٍ يُرادُ المُبالَغَةُ فِيهِ، قالَ مُقاتِلٌ: (مِدْرارًا) مُتَتابِعًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ويَسْتَوِي في المِدْرارِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ كَثْرَةُ البَساتِينِ.

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الأوْصافِ أنَّهم وجَدُوا مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أكْثَرَ مِمّا وجَدَهُ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ مَزِيدِ العِزِّ في الدُّنْيا بِهَذِهِ الوُجُوهِ، ومَعَ كَثْرَةِ العَدَدِ والبَسْطَةِ في المالِ والجِسْمِ جَرى عَلَيْهِمْ عِنْدَ الكُفْرِ ما سَمِعْتُمْ، وهَذا المَعْنى يُوجِبُ الِاعْتِبارَ والِانْتِباهَ مِن نَوْمِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجَهالَةِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لَيْسَ في هَذا الكَلامِ إلّا أنَّهم هَلَكُوا، إلّا أنَّ هَذا الهَلاكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِمْ بَلِ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ كُلُّهم أيْضًا قَدْ هَلَكُوا فَكَيْفَ يَحْسُنُ إيرادُ هَذا الكَلامِ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ مَعَ أنَّهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الكافِرِ وبَيْنَ غَيْرِهِ.

والجَوابُ: لَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرَ بِمُجَرَّدِ المَوْتِ والهَلاكِ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَفاتَهم وبَقُوا في العَذابِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ الحِرْمانِ عَنِ الدِّينِ. وهَذا المَعْنى غَيْرُ مُشْتَرَكٍ فِيهِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ.

السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ (ألَمْ يَرَوْا) مَعَ أنَّ القَوْمَ ما كانُوا مُقِرِّينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُخْبِرُ عَنْهُ وهم أيْضًا ما شاهَدُوا وقائِعَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ؟

والجَوابُ: أنْ أقاصِيصَ المُتَقَدِّمِينَ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الخَلْقِ فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ما سَمِعُوا هَذِهِ الحِكاياتِ ولِمُجَرَّدِ سَماعِها يَكْفِي في الِاعْتِبارِ.

والسُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ إنْشاءِ قَرْنٍ آخَرِينَ بَعْدَهم ؟

والجَوابُ: أنَّ الفائِدَةَ هي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَتَعاظَمُهُ أنْ يُهْلِكَهم ويُخْلِيَ بِلادَهم مِنهم، فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْشِئَ مَكانَهم قَوْمًا آخَرِينَ يُعَمِّرُ بِهِمْ بِلادَهم كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾ [الشمس: ١٥] واللَّهُ أعْلَمُ.

6:7Page 128

وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ يَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ طَوائِفُ كَثِيرَةٌ

فالطّائِفَةُ الأُولى الَّذِينَ بالَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها وشَهَواتِها إلى أنِ اسْتَغْرَقُوا فِيها واغْتَنَمُوا وِجْدانَها، فَصارَ ذَلِكَ مانِعًا لَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وبَيَّنَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ذاهِبَةٌ وعَذابُ الكُفْرِ باقٍ ولَيْسَ مِنَ العَقْلِ تَحَمُّلُ العِقابِ الدّائِمِ لِأجْلِ اللَّذّاتِ المُنْقَرِضَةِ الخَسِيسَةِ، والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مُعْجِزاتِ

صفحة ١٣٣

الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّها مِن بابِ السِّحْرِ لا مِن بابِ المُعْجِزَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ

المَسْألَةُ الأُولى: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَوْ أنَّهم شاهَدُوا نُزُولَ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ دُفْعَةً واحِدَةً عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَلْ حَمَلُوهُ عَلى أنَّهُ سِحْرٌ ومَخْرَقَةٌ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ الكِتابُ جُمْلَةً واحِدَةً في صَحِيفَةٍ واحِدَةٍ، فَرَأوْهُ ولَمَسُوهُ وشاهَدُوهُ عِيانًا لَطَعَنُوا فِيهِ وقالُوا إنَّهُ سِحْرٌ.

فَإنْ قِيلَ: ظُهُورُ الكِتابِ ونُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ هَلْ هو مِن بابِ المُعْجِزاتِ أمْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِن بابِ المُعْجِزاتِ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم لِدَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ مُنْكَرًا، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن بابِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّ المَلِكَ يَقْدِرُ عَلى إنْزالِهِ مِنَ السَّماءِ، وقَبْلَ الإيمانِ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ لَمْ تَكُنْ عِصْمَةُ المَلائِكَةِ مَعْلُومَةً، وقَبْلَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ، لا شَكَّ أنّا نُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ ذَلِكَ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ مِن قِبَلِ بَعْضِ الجِنِّ والشَّياطِينِ، أوْ مِن قِبَلِ بَعْضِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهم، وإذا كانَ هَذا التَّجْوِيزُ قائِمًا فَقَدْ خَرَجَ نُزُولُ الكِتابِ مِنَ السَّماءِ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ.

قُلْنا: لَيْسَ المَقْصُودُ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّهم إذا رَأوْهُ بَقُوا شاكِّينَ فِيهِ، وقالُوا: إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا، فَإذا لَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ فَقَدْ يَقْوى الإدْراكُ البَصْرِيُّ بِالإدْراكِ اللَّمْسِيِّ، وبَلَغَ الغايَةَ في الظُّهُورِ والقُوَّةِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ يَبْقُونَ شاكِّينَ في أنَّ ذَلِكَ الَّذِي رَأوْهُ ولَمَسُوهُ هَلْ هو مَوْجُودٌ أمْ لا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الجَهالَةِ إلى حَدِّ السَّفْسَطَةِ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ لا ما ذَكَرْتُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ العَبْدَ لُطْفًا. عَلِمَ أنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَآمَنَ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما لا يُنَزِّلُ هَذا الكِتابَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوْ أنْزَلَهُ لَقالُوا هَذا القَوْلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ إلّا والمَعْلُومُ أنَّهم لَوْ قَبِلُوهُ وآمَنُوا بِهِ لِأنْزَلَهُ لا مَحالَةَ فَثَبَتَ بِهَذا وُجُوبُ اللُّطْفِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابَ لَقالُوا هَذا القَوْلَ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ لَوْ لَمْ يَقُولُوا هَذا القَوْلَ إلّا عَلى سَبِيلِ دَلِيلِ الخِطابِ، وهو عِنْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وأيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ إنْ دَلَّتْ فَإنَّما تَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ لا عَلى وُجُوبِ الوُقُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:8–9Page 128

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩

And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الثّالِثَ مِن شُبَهِ مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ إلى الخَلْقِ رَسُولًا لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّهم إذا كانُوا مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ كانَتْ عُلُومُهم أكْثَرَ، وقُدْرَتُهم أشَدَّ، ومَهابَتُهم أعْظَمَ، وامْتِيازُهم عَنِ الخَلْقِ أكْمَلَ، والشُّبُهاتُ والشُّكُوكُ في نُبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ أقَلَّ.

صفحة ١٣٤

والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ فَكُلُّ شَيْءٍ كانَ أشَدَّ إفْضاءً إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ كانَ أوْلى، فَلَمّا كانَ وُقُوعُ الشُّبُهاتِ في نُبُوَّةِ المَلائِكَةِ أقَلَّ، وجَبَ لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أمّا الأوَّلُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ومَعْنى القَضاءِ الإتْمامُ والإلْزامُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعانِيَ القَضاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ هَهُنا وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى البَشَرِ آيَةٌ باهِرَةٌ، فَبِتَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ فَرُبَّما لَمْ يُؤْمِنُوا كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١] وإذا لَمْ يُؤْمِنُوا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّ عِنْدَ ظُهُورِ الآيَةِ الباهِرَةِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا جاءَهم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، فَهَهُنا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَسْتَحِقُّوا هَذا العَذابَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم إذا شاهَدُوا المَلَكَ زَهَقَتْ أرْواحُهم مِن هَوْلِ ما يَشْهَدُونَ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ الآدَمِيَّ إذا رَأى المَلَكَ فَإمّا أنْ يَراهُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ عَلى صُورَةِ البَشَرِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَمْ يَبْقَ الآدَمِيُّ حَيًّا، ألا تَرى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ غُشِيَ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْئِيُّ شَخْصًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَتَفاوَتُ الحالُ فِيهِ سَواءٌ كانَ هو في نَفْسِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ عايَنُوا المَلائِكَةَ في صُورَةِ البَشَرِ كَأضْيافِ إبْراهِيمَ، وأضْيافِ لُوطٍ، وكالَّذِينِ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، وكَجِبْرِيلَ حَيْثُ تَمَثَّلَ لِمَرْيَمَ بَشَرًا سَوِيًّا.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ آيَةٌ باهِرَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الإلْجاءِ، وإزالَةِ الِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبُهاتِ المَذْكُورَةَ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي الشُّبُهاتِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّ أيَّ مُعْجِزَةٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ قالُوا: هَذا فِعْلُكَ فَعَلْتَهُ بِاخْتِيارِكَ وقُدْرَتِكَ، ولَوْ حَصَلَ لَنا مِثْلُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ والعِلْمِ لَفَعَلْنا مِثْلَ ما فَعَلْتَهُ أنْتَ، فَعَلِمْنا أنَّ إنْزالَ المَلَكِ وإنْ كانَ يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ لَكِنَّهُ يُقَوِّي الشُّبْهَةَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ فالفائِدَةُ في كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ عَدَمَ الإنْظارِ أشَدُّ مِن قَضاءِ الأمْرِ، لِأنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ.

وأمّا الثّانِي: فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَجَعَلْناهُ في صُورَةِ البَشَرِ. والحِكْمَةُ فِيهِ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمَيْلُ.

وثانِيها: أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ.

وثالِثُها: أنَّ طاعاتِ المَلائِكَةِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعَةَ البَشَرِ، ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي.

ورابِعُها: أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، سَواءٌ كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ لَبْسًا إذا شَبَّهْتَهُ عَلَيْهِمْ وجَعَلْتَهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ مِنَ التَّسَتُّرِ بِالثَّوْبِ، ومِنهُ لَبِسَ الثَّوْبَ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ سَتْرَ النَّفْسِ، والمَعْنى أنّا إذا جَعَلْنا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ فَهم يَظُنُّونَ كَوْنَ ذَلِكَ المَلَكِ بَشَرًا، فَيَعُودُ سُؤالُهم أنّا لا نَرْضى بِرِسالَةِ هَذا الشَّخْصِ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَصارَ فِعْلُ اللَّهِ نَظِيرًا لِفِعْلِهِمْ في التَّلْبِيسِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا؛ لِأنَّ النّاسَ يَظُنُّونَ أنَّهُ بَشَرٌ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما كانَ فِعْلُهم تَلْبِيسًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لِقَوْمِهِمْ: إنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكم والبَشَرُ لا يَكُونُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

6:10Page 129

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ الأقْوامِ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ كانُوا يَقُولُونَ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، وكانَ يَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ لِأنَّ أحَدَ ما يُخَفِّفُ عَنِ القَلْبِ المُشارَكَةُ في سَبَبِ المِحْنَةِ والغَمِّ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الكَثِيرَةَ مِن سُوءِ الأدَبِ الَّتِي يُعامِلُونَكَ بِها قَدْ كانَتْ مَوْجُودَةً في سائِرِ القُرُونِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فَلَسْتَ أنْتَ فَرِيدًا في هَذا الطَّرِيقِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ لِأهْلِ اللُّغَةِ وهي بِأسْرِها مُتَقارِبَةٌ:

قالَ النَّضْرُ: وجَبَ عَلَيْهِمْ.

قالَ اللَّيْثُ: ”الحَيْقُ“ ما حاقَ بِالإنْسانِ مِن مَكْرٍ أوْ سُوءٍ يَعْمَلُهُ فَنَزَلَ ذَلِكَ بِهِ، يَقُولُ أحاقَ اللَّهُ بِهِمْ مَكْرَهم وحاقَ بِهِمْ مَكْرُهم.

وقالَ الفَرّاءُ: ”حاقَ بِهِمْ“ عائِدٌ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: ”حاقَ بِهِمْ“ حَلَّ بِهِمْ ذَلِكَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ”حاقَ“ أيْ أحاطَ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: فَسَّرَ الزَّجّاجُ ”حاقَ“ بِمَعْنى أحاطَ وكانَ مَأْخَذُهُ مِنَ الحَوْقِ وهو ما اسْتَدارَ بِالكَمَرَةِ.

وفِي الآيَةِ بَحْثٌ آخَرُ وهو أنَّ لَفْظَةَ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ﴾ فِيها قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِهِ القُرْآنُ والشَّرْعُ وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَتَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ فَحاقَ بِهِمْ عِقابُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُخَوِّفُهُمُ الرَّسُولُ بِنُزُولِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ.

6:11Page 129

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما صَبَّرَ رَسُولَهُ بِالآيَةِ الأُولى، فَكَذَلِكَ حَذَّرَ القَوْمَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ لِرَسُولِهِ قُلْ لَهم لا تَغْتَرُّوا بِما وجَدْتُمْ مِنَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ووَصَلْتُمْ إلَيْهِ مِن لَذّاتِها وشَهَواتِها، بَلْ سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعْرِفُوا صِحَّةَ ما أخْبَرَكُمُ الرَّسُولُ عَنْهُ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في الأزْمِنَةِ السّالِفَةِ، فَإنَّكم عِنْدَ السَّيْرِ في الأرْضِ والسَّفَرِ في البِلادِ لا بُدَّ وأنْ تُشاهِدُوا تِلْكَ الآثارَ، فَيَكْمُلَ الِاعْتِبارُ، ويَقْوى الِاسْتِبْصارُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: (فانْظُرُوا) وبَيْنَ قَوْلِهِ: (ثُمَّ انْظُرُوا) .

قُلْنا: قَوْلُهُ: (فانْظُرُوا) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ النَّظَرَ سَبَبًا عَنِ السَّيْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سِيرُوا لِأجْلِ النَّظَرِ ولا تَسِيرُوا سَيْرَ الغافِلِينَ.

صفحة ١٣٦

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فَمَعْناهُ إباحَةُ السَّيْرِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وإيجابُ النَّظَرِ في آثارِ الهالِكِينَ، ثُمَّ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى هَذا الفَرْقِ بِكَلِمَةِ ”ثُمَّ“ لِتَباعُدِ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ واللَّهُ أعْلَمُ.

6:12Page 129

قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَقْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ إثْباتِ الصّانِعِ، وتَقْرِيرُ المَعادِ وتَقْرِيرُ النُّبُوَّةِ. وبَيانُهُ أنَّ أحْوالَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأجْسامِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفاتٍ كانَ يَجُوزُ عَلَيْها اتِّصافُها بِأضْدادِها ومُقابَلاتِها، ومَتى كانَ كَذَلِكَ، فاخْتِصاصُ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الأجْزاءِ الجُسْمانِيَّةِ بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ الصّانِعَ الحَكِيمَ القادِرَ المُخْتارَ خَصَّهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العالَمَ مَعَ كُلِّ ما فِيهِ مَمْلُوكٌ لِلَّهِ تَعالى.

وإذا ثَبَتَ هَذا، ثَبَتَ كَوْنُهُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ والحَشْرِ والنَّشْرِ، لِأنَّ التَّرْكِيبَ الأوَّلَ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، وهَذِهِ القُدْرَةُ والعِلْمُ يَمْتَنِعُ زَوالُهُما، فَوَجَبَ صِحَّةُ الإعادَةِ ثانِيًا. وأيْضًا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى مَلِكٌ مُطاعٌ، والمَلِكُ المُطاعُ مَن لَهُ الأمْرُ والنَّهْيُ عَلى عَبِيدِهِ، ولا بُدَّ مِن مُبَلِّغٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْثَةَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وافِيَةٌ بِإثْباتِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ. ولَمّا سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، ذَكَرَ اللَّهُ بَعْدَها هَذِهِ الآيَةَ لِتَكُونَ مُقَرِّرَةً لِمَجْمُوعِ تِلْكَ المَطالِبِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي شَرَحْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ سُؤالٌ. وقَوْلُهُ: (قُلْ لِلَّهِ) جَوابٌ فَقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالسُّؤالِ أوَّلًا ثُمَّ بِالجَوابِ ثانِيًا. وهَذا إنَّما يَحْسُنُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ الجَوابُ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ دافِعٌ. ولَمّا بَيَّنّا أنَّ آثارَ الحُدُوثِ والإمْكانِ ظاهِرَةٌ في ذَواتِ جَمِيعِ الأجْسامِ وفي جَمِيعِ صِفاتِها، لا جَرَمَ كانَ الِاعْتِرافُ بِأنَّها بِأسْرِها مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ ومَحِلُّ تَصَرُّفِهِ وقُدْرَتِهِ، لا جَرَمَ أمَرَهُ بِالسُّؤالِ أوَّلًا ثُمَّ بِالجَوابِ ثانِيًا؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِهَذا المَعْنى مِمّا لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ البَتَّةَ. وأيْضًا فالقَوْمُ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ كُلَّ العالَمِ مُلْكٌ لِلَّهِ، ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ بِهَذا المَعْنى كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُ

صفحة ١٣٧

تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ونَفاذَ تَصَرُّفِهِ في عالَمِ المَخْلُوقاتِ بِالكُلِّيَّةِ، أرْدَفَهُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّهُ لَمْ يَرْضَ مِن نَفْسِهِ بِأنْ لا يُنْعِمَ ولا بُدَّ أنْ يَعِدَ بِالإنْعامِ، بَلْ أبَدًا يُنْعِمُ وأبَدًا يُعِدُ في المُسْتَقْبَلِ بِالإنْعامِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ ذَلِكَ وأوْجَبَهُ إيجابَ الفَضْلِ والكَرَمِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ فَقالَ بَعْضُهم: تِلْكَ الرَّحْمَةُ هي أنَّهُ تَعالى يُمْهِلُهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ ويَرْفَعُ عَنْهم عَذابَ الِاسْتِئْصالَ ولا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لِمَن تَرَكَ التَّكْذِيبَ بِالرُّسُلِ وتابَ وأنابَ وصَدَّقَهم وقَبِلَ شَرِيعَتَهم.

واعْلَمْ أنَّهُ جاءَتِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَمّا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ كَتَبَ كِتابًا أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» “ .

فَإنْ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي إرادَةُ الخَيْرِ، والغَضَبُ هو إرادَةُ الِانْتِقامِ، وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ يَقْتَضِي كَوْنَ إحْدى الإرادَتَيْنِ سابِقَةً عَلى الأُخْرى، والمَسْبُوقُ بِالغَيْرِ مُحْدَثٌ، فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثَةً.

قُلْنا: المُرادُ بِهَذا السَّبْقِ سَبْقُ الكَثْرَةِ لا سَبْقُ الزَّمانِ. وعَنْ سَلْمانَ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ مَلْءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً، وقَسَّمَ رَحْمَةً واحِدَةً بَيْنَ الخَلائِقِ، فَبِها يَتَعاطَفُونَ ويَتَراحَمُونَ، فَإذا كانَ آخِرُ الأمْرِ قَصَرَها عَلى المُتَّقِينَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

الأوَّلُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لَيَجْمَعَنَّكم) لامُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم.

البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأٌ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ. فَقالَ بَعْضُهم إنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَمالَ إلَهِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَرْحَمُهم في الدُّنْيا بِالإمْهالِ ودَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْمَعُهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أنَّهُ يُمْهِلُهم وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أنَّهُ لا يُمْهِلُهم بَلْ يَحْشُرُهم ويُحاسِبُهم عَلى كُلِّ ما فَعَلُوا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. وكَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تِلْكَ الرَّحْمَةُ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ تَعالى ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْلا خَوْفُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ لَحَصَلَ الهَرَجُ والمَرَجُ ولارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ، فَصارَ التَّهْدِيدُ بِيَوْمِ القِيامَةِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الرَّحْمَةِ في الدُّنْيا، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ .

البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ كَلامٌ ورَدَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ ورَدَ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ. والمَقْصُودُ مِنهُ التَّأْكِيدُ في التَّهْدِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ المَلِكَ الحَكِيمَ لا يُهْمِلُ أمْرَ رَعِيَّتِهِ ولا

صفحة ١٣٨

يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي وبَيْنَ المُشْتَغِلِ بِالخِدْمَةِ والمُعْرِضِ عَنْها، فَهَلّا عَلِمْتُمْ أنَّهُ يُقِيمُ القِيامَةَ ويُحْضِرُ الخَلائِقَ ويُحاسِبُهم في الكُلِّ ؟

البَحْثُ الرّابِعُ: أنَّ كَلِمَةَ: (إلى يَوْمِ القِيامَةِ) فِيها أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّها صِلَةٌ والتَّقْدِيرُ: لَيَجْمَعَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: (إلى) بِمَعْنى في، أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ.

وقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ أيْ لَيَجْمَعَنَّكم إلى المَحْشَرِ في يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ يَكُونُ إلى المَكانِ لا إلى الزَّمانِ. وقِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكم في الدُّنْيا بِخَلْقِكم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

الأوَّلُ: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ) مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (لَيَجْمَعَنَّكم) والمَعْنى لَيَجْمَعَنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى الكُلِّ، عَلى الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وعَلى غَيْرِهِمْ ”والفاءُ“ في قَوْلِهِ: (فَهم) يُفِيدُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَقَوْلِهِمْ: الَّذِي يُكْرِمُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لِأنَّ الدِّرْهَمَ وجَبَ بِالإكْرامِ فَكانَ الإكْرامُ شَرْطًا والدِّرْهَمُ جَزاءً.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ خُسْرانَهم سَبَبٌ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، والأمْرُ عَلى العَكْسِ.

قُلْنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبْقَ القَضاءِ بِالخُسْرانِ والخِذْلانِ، هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى الِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ، وذَلِكَ عَيْنُ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском