Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:110–111
6:110Page 141
وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠
And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ هَذا أيْضًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا: إنَّ الكُفْرَ والإيمانَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والتَّقَلُّبَ والقَلْبَ واحِدٌ، وهو تَحْوِيلُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومَعْنى تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ: هو أنَّهُ إذا جاءَتْهُمُ الآياتُ القاهِرَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها وعَرَفُوا كَيْفِيَّةَ دَلالَتِها عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهُ تَعالى إذا قَلَّبَ قُلُوبَهم وأبْصارَهم عَنْ ذَلِكَ الوَجْهِ الصَّحِيحِ بَقُوا عَلى الكُفْرِ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الآياتِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ الأُولى مِن أنَّ تِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ لَوْ جاءَتْهم لَما آمَنُوا بِها ولَما انْتَفَعُوا بِظُهُورِها البَتَّةَ.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: المُرادُ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في جَهَنَّمَ عَلى لَهَبِ النّارِ وجَمْرِها لِنُعَذِّبَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ في دارِ الدُّنْيا.
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ بِأنّا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ هَذا الحَدِّ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
وأجابَ القاضِي: بِأنَّ المُرادَ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الآياتِ الَّتِي قَدْ ظَهَرَتْ، فَلا تَجِدُهم يُؤْمِنُونَ بِها آخِرًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوَّلًا.
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ في غايَةِ الضَّعْفِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعِيبَنا، فَيَقُولَ: إنَّكم تُكَرِّرُونَ هَذِهِ الوُجُوهَ في كُلِّ مَوْضِعٍ، فَإنّا نَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةَ لَهم وُجُوهٌ مَعْدُودَةٌ في تَأْوِيلاتِ آياتِ الجَزاءِ، فَهم يُكَرِّرُونَها في كُلِّ آيَةٍ، فَنَحْنُ أيْضًا نُكَرِّرُ الجَوابَ عَنْها في كُلِّ آيَةٍ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ القُدْرَةَ الأصْلِيَّةَ صالِحَةٌ لِلضِّدَّيْنِ ولِلطَّرَفَيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ. فَإذا لَمْ يَنْضَمَّ عَلى تِلْكَ القُدْرَةِ داعِيَةٌ مُرَجِّحَةٌ امْتَنَعَ حُصُولُ الرُّجْحانِ، فَإذا انْضَمَّتِ
صفحة ١٢١
الدّاعِيَةُ المُرَجِّحَةُ إمّا إلى جانِبِ الفِعْلِ أوْ إلى جانِبِ التَّرْكِ ظَهَرَ الرُّجْحانُ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وقَدْ ظَهَرَ صِحَّةُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ اليَقِينِيَّةِ الَّتِي لا يَشُكُّ فِيها العاقِلُ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﷺ: «قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ» فالقَلْبُ كالمَوْقُوفِ بَيْنَ داعِيَةِ الفِعْلِ وبَيْنَ داعِيَةِ التَّرْكِ، فَإنْ حَصَلَ في القَلْبِ داعِي الفِعْلِ تَرَجَّحَ جانِبُ الفِعْلِ، وإنْ حَصَلَ فِيهِ داعِي التَّرْكِ تَرَجَّحَ جانِبُ التَّرْكِ، وهاتانِ الدّاعِيَتانِ لَمّا كانَتا لا تَحْصُلانِ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ وتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ، عَبَّرَ عَنْهُما بِأُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ، والسَّبَبُ في حُسْنِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الإنْسانِ يَكُونُ كامِلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَإنْ شاءَ أمْسَكَهُ، وإنْ شاءَ أسْقَطَهُ، فَهاهُنا أيْضًا كَذَلِكَ القَلْبُ واقِفٌ بَيْنَ هاتَيْنِ الدّاعِيَتَيْنِ، وهاتانِ الدّاعِيَتانِ حاصِلَتانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والقَلْبُ مُسَخَّرٌ لِهاتَيْنِ الدّاعِيَتَيْنِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: «يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”مُقَلِّبَ القُلُوبِ“ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَلِّبُهُ تارَةً مِن داعِي الخَيْرِ إلى داعِي الشَّرِّ، وبِالعَكْسِ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ القاعِدَةَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى الظّاهِرِ الجَلِيِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ كُلُّ طَبْعٍ سَلِيمٍ وعَقْلٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا حاجَةَ البَتَّةَ إلى ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُسْتَكْرَهَةِ، وإنَّما قَدَّمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ عَلى تَقْلِيبِ الأبْصارِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ هو القَلْبُ، فَإذا حَصَلَتِ الدّاعِيَةُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ إلَيْهِ شاءَ أمْ أبى، وإذا حَصَلَتِ الصَّوارِفُ في القَلْبِ انْصَرَفَ البَصَرُ عَنْهُ، فَهو وإنْ كانَ يُبْصِرُهُ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ لا يَصِيرُ ذَلِكَ الإبْصارُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلى الفَوائِدِ المَطْلُوبَةِ. وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] فَلَمّا كانَ المَعْدِنُ هو القَلْبَ، وأمّا السَّمْعُ والبَصَرُ فَهُما آلَتانِ لِلْقَلْبِ، كانا لا مَحالَةَ تابِعَيْنِ لِأحْوالِ القَلْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ تَقْلِيبِ القُلُوبِ في هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ تَقْلِيبِ البَصَرِ، وفي الآيَةِ الأُخْرى وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ تَحْصِيلِ الكِنانِ في القَلْبِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّمْعِ، فَهَذا هو الكَلامُ القَوِيُّ العَقْلِيُّ البُرْهانِيُّ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مَعَ ذَلِكَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى التَّكَلُّفاتِ الَّتِي ذَكَرُوها ؟ ولْنَرْجِعْ إلى ما يَلِيقُ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الضَّعِيفَةِ فَنَقُولُ: أمّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فَمَدْفُوعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ إنَّما يَحْصُلُ في الدُّنْيا، فَلَوْ قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، كانَ هَذا سُوءًا لِلنَّظْمِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ حَيْثُ قَدَّمَ المُؤَخَّرَ، وأخَّرَ المُقَدَّمَ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وأمّا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الكَعْبِيُّ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إنَّما اسْتَحَقَّ الحِرْمانَ مِن تِلْكَ الألْطافِ والفَوائِدِ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى الكُفْرِ، فَهو الَّذِي أوْقَعَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ الحِرْمانِ والخُذْلانِ؛ فَكَيْفَ تَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ .
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي فَبَعِيدٌ أيْضًا؛ لِأنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ تَقْلِيبُ القَلْبِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، ونَقْلُهُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وعَلى ما يَقُولُهُ القاضِي فَلَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ القَلْبُ باقٍ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ إلّا أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ التَّقْلِيبَ والتَّبْدِيلَ في الدَّلائِلِ، فَثَبَتَ أنَّ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرُوها فاسِدَةٌ باطِلَةٌ بِالكُلِّيَّةِ.
صفحة ١٢٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ فِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: دَخَلَتِ الكافُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَلا يُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الآياتِ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِظُهُورِ الآياتِ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَتْهُمُ الآياتُ، مِثْلَ انْشِقاقِ القَمَرِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ، والتَّقْدِيرُ: فَلا يُؤْمِنُونَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مِن ظُهُورِ الآياتِ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ في المَرَّةِ الأُولى، وأمّا الكِنايَةُ في ”بِهِ“ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ إلى ما طَلَبُوا مِنَ الآياتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ بِمَعْنى الجَزاءِ، ومَعْنى الآيَةِ، ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عُقُوبَةً لَهم عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ في المَرَّةِ الأُولى، يَعْنِي كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَكَذَلِكَ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلَيْسَ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، ولا حاجَةَ فِيها إلى الإضْمارِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالجُبّائِيُّ قالَ: ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ أيْ لا نَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ اخْتِيارِهِمْ، ولا نَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ بِمُعاجَلَةِ الهَلاكِ وغَيْرِهِ، لَكِنّا نُمْهِلُهم؛ فَإنْ أقامُوا عَلى طُغْيانِهِمْ فَذَلِكَ مِن قِبَلِهِمْ، وهو يُوجِبُ تَأْكِيدَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وقالَ أصْحابُنا: مَعْناهُ إنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ ونَتْرُكُهم في ذَلِكَ الطُّغْيانِ، وفي ذَلِكَ الضَّلالِ والعَمَهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لِلْجُبّائِيِّ: إنَّكَ تَقُولُ: إنَّ إلَهَ العالَمِ ما أرادَ بِعَبِيدِهِ إلّا الخَيْرَ والرَّحْمَةَ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا المِسْكِينَ حَتّى عَمِهَ في طُغْيانِهِ ؟ ولِمَ لا يُخَلِّصُهُ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ والقَهْرِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ إنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ فَيَفُوتُهُ الِاسْتِحْقاقُ فَقَطْ، ولَكِنْ يَسْلَمُ مِنَ العِقابِ، أمّا إذا تَرَكَهُ في ذَلِكَ العَمَهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ يَمُوتُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ، ويَحْصُلُ لَهُ العِقابُ العَظِيمُ الدّائِمُ، فالمَفْسَدَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ خَلْقِ الإيمانِ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ مَفْسَدَةٌ واحِدَةٌ وهي فَوْتُ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أمّا المَفْسَدَةُ الحاصِلَةُ عِنْدَ إبْقائِهِ عَلى ذَلِكَ العَمَهِ والطُّغْيانِ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ فَهي فَوْتُ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ مَعَ اسْتِحْقاقِ العِقابِ الشَّدِيدِ، والرَّحِيمُ المُحْسِنُ النّاظِرُ لِعِبادِهِ لا بُدَّ وأنْ يُرَجِّحَ الجانِبَ الَّذِي هو أكْثَرُ صَلاحًا وأقَلُّ فَسادًا، فَعَلِمْنا أنَّ إبْقاءَ ذَلِكَ الكافِرِ في ذَلِكَ العَمَهِ والطُّغْيانِ يَقْدَحُ في أنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ إلّا الخَيْرَ والإحْسانَ.
6:111Page 142
۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١
And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِن إنْزالِ المَلائِكَةِ وإحْياءِ المَوْتى حَتّى كَلَّمُوهم بَلْ لَوْ زادَ في
صفحة ١٢٣
ذَلِكَ ما لا يَبْلُغُهُ اقْتِراحُهم بِأنْ يَحْشُرَ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «المُسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ كانُوا خَمْسَةً: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والحارِثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، ثُمَّ إنَّهم أتَوُا الرَّسُولَ ﷺ في رَهْطٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقالُوا لَهُ: أرِنا المَلائِكَةَ يَشْهَدُوا بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أوِ ابْعَثْ لَنا بَعْضَ مَوْتانا حَتّى نَسْألَهم أحَقٌّ ما تَقُولُهُ أمْ باطِلٌ ؟ أوِ ائْتِنا بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا أيْ كَفِيلًا عَلى ما تَدَّعِيهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّهم لَمّا اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دَفْعَةً واحِدَةً كانَ القَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ مُشْكِلًا صَعْبًا، فَأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ جَوابُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم، وهو أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَوْ جاءَتْهم آيَةٌ لَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ بَيانًا لِكَذِبِهِمْ، وأنَّهُ لا فائِدَةَ في إنْزالِ الآياتِ بَعْدَ الآياتِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ بَعْدَ المُعْجِزاتِ، بَلِ المُعْجِزَةُ الواحِدَةُ لا بُدَّ مِنها لِيَتَمَيَّزَ الصّادِقُ عَنِ الكاذِبِ، فَأمّا الزِّيادَةُ عَلَيْها فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وإلّا فَلَهم أنْ يَطْلُبُوا بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ الثّانِيَةِ ثالِثَةً، وبَعْدَ الثّالِثَةِ رابِعَةً، ويَلْزَمُ أنْ لا تَسْتَقِرَّ الحُجَّةُ وأنْ لا يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى مَقْطَعٍ ومَفْصِلٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ سَدَّ بابِ النُّبُوّاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”قِبَلًا“ هاهُنا وفي الكَهْفِ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالضَّمِّ فِيهِما في السُّورَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو هاهُنا وفي الكَهْفِ بِالكَسْرِ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا قِبَلا ومُقابَلَةً وقُبُلًا وقِبِلًا وقَبِيلًا كُلُّهُ واحِدٌ. وهو المُواجَهَةُ.
قالَ الواحِدِيُّ: فَعَلى قَوْلِ أبِي زَيْدٍ المَعْنى في القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، ومِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَفاوُتًا في المَعْنى، فَقالَ أمّا مَن قَرَأ: ”قِبَلًا“ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَعْناهُ عِيانًا، يُقالُ: لَقِيتُهُ قِبَلًا أيْ مُعايَنَةً، ورُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أكانَ آدَمُ نَبِيًّا ؟ قالَ: ”نَعَمْ كانَ نَبِيًّا كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى قِبَلًا» “ وأمّا مَن قَرَأ ”قُبُلًا“ فَلَهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ جَمْعَ قَبِيلٍ الَّذِي يُرادُ بِهِ الكَفِيلُ، يُقالُ: قَبِلْتُ بِالرَّجُلِ أُقْبِلُ قُبالَةً أيْ كُلِّفْتُ بِهِ. ويَكُونُ المَعْنى لَوْ حَشَرَ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ وكُفِلُوا بِصِحَّةِ ما يَقُولُ لَما آمَنُوا، ومَوْضِعُ الإعْجازِ فِيهِ أنَّ الأشْياءَ المَحْشُورَةَ مِنها ما يَنْطِقُ ومِنها ما لا يَنْطِقُ، فَإذا أنْطَقَ اللَّهُ الكُلَّ وأطْبَقُوا عَلى قَبُولِ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ ”قُبُلًا“ جَمْعَ قُبَيْلٍ بِمَعْنى الصِّنْفِ والمَعْنى: وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبَيْلًا قُبَيْلًا، ومَوْضِعُ الإعْجازِ فِيهِ هو حَشْرُها بَعْدَ مَوْتِها، ثُمَّ إنَّها عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِها تَكُونُ مُجْتَمِعَةً في مَوْقِفٍ واحِدٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ”قُبُلًا“ بِمَعْنى قِبَلًا أيْ مُواجَهَةً ومُعايَنَةً كَما فَسَّرَهُ أبُو زَيْدٍ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَ جَمِيعَ تِلْكَ الأشْياءِ العَجِيبَةِ الغَرِيبَةِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانَهم. قالَ أصْحابُنا: فَلَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا دَلَّ ذَلِكَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهُمُ الإيمانَ، وهَذا نَصٌّ في المَسْألَةِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، والجُبّائِيُّ ذَكَرَ الوُجُوهَ المَشْهُورَةَ الَّتِي لَهم في هَذِهِ المَسْألَةِ:
أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُرِدْ مِنهُمُ الإيمانَ لَما وجَبَ عَلَيْهِمُ الإيمانُ كَما لَوْ لَمْ يَأْمُرْهم لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ.
وثانِيها: لَوْ أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ لَكانَ الكافِرُ
صفحة ١٢٤
مُطِيعًا لِلَّهِ بِفِعْلِ الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلطّاعَةِ إلّا بِفِعْلِ المُرادِ.
وثالِثُها: لَوْ جازَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُرِيدَ الكُفْرَ لَجازَ أنْ يَأْمُرَ بِهِ.
ورابِعُها: لَوْ جازَ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ الكُفْرَ لَجازَ أنَّهُ يَأْمُرُنا بِأنْ نُرِيدَ مِنهُمُ الكُفْرَ. قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ أنَّهُ تَعالى ما شاءَ إلّا الإيمانَ مِنهم وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما شاءَ الإيمانَ مِنهم، والتَّناقُضُ بَيْنَ الدَّلائِلِ مُمْتَنِعٌ فَوَجَبَ التَّوْفِيقُ؛ وطَرِيقُهُ أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى شاءَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، وأنَّهُ تَعالى ما شاءَ مِنهُمُ الإيمانَ الحاصِلَ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ والقَهْرِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ زالَ الإشْكالُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ أيْضًا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الإيمانَ الَّذِي سَمَّوْهُ بِالإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ، إنْ عَنَوْا بِهِ أنَّ قُدْرَتَهُ صالِحَةٌ لِلْإيمانِ والكُفْرِ عَلى السَّوِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ يَصْدُرُ عَنْها الإيمانُ دُونَ الكُفْرِ لا لِداعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ ولا لِإرادَةٍ مُمَيِّزَةٍ، فَهَذا قَوْلٌ بِرُجْحانِ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ وهو مُحالٌ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْقُولًا في الجُمْلَةِ إلّا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الإيمانِ لا يَكُونُ مِنهُ، بَلْ يَكُونُ حادِثًا لا لِسَبَبٍ ولا مُؤَثِّرَ أصْلًا؛ لِأنَّ الحاصِلَ هُناكَ لَيْسَ إلّا القُدْرَةَ، وهي بِالنِّسْبَةِ إلى الضِّدَّيْنِ عَلى السَّوِيَّةِ، ولَمْ يَصْدُرْ مِن هَذا القَدْرِ تَخْصِيصٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ بِالوُقُوعِ والرُّجْحانِ، ثُمَّ إنَّ أحَدَ الطَّرَفَيْنِ قَدْ حَصَلَ بِنَفْسِهِ، فَهَذا لا يَكُونُ صادِرًا مِنهُ بَلْ يَكُونُ صادِرًا لا عَنْ سَبَبٍ البَتَّةَ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالفِعْلِ والفاعِلِ والتَّأْثِيرِ والمُؤَثِّرِ أصْلًا، ولا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذا الَّذِي سَمَّوْهُ بِالإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ هو أنَّ قُدْرَتَهُ وإنْ كانَتْ صالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ إلّا أنَّها لا تَصِيرُ مَصْدَرًا لِلْإيمانِ إلّا إذا انْضَمَّ إلى تِلْكَ القُدْرَةِ حُصُولُ داعِيَةِ الإيمانِ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ مَصْدَرَ الإيمانِ هو مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي، وذَلِكَ المَجْمُوعُ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ، فَذَلِكَ هو عَيْنُ ما يُسَمُّونَهُ بِالجَبْرِ وأنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الَّذِي سَمَّوْهُ بِالإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ هَذا الكَلامَ في غايَةِ القُوَّةِ.
والوَجْهُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ الإيمانَ الِاخْتِيارِيَّ مُمَيَّزٌ عَنِ الإيمانِ الحاصِلِ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنّا نَقُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ وكَذا وكَذا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا، مَعْناهُ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إيمانًا اخْتِيارِيًّا بِدَلِيلِ أنَّ عِنْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الأشْياءِ لا يَبْعُدُ أنْ يُؤْمِنُوا إيمانًا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ والقَهْرِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ المُرادُ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، ثُمَّ اسْتَثْنى عَنْهُ فَقالَ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والمُسْتَثْنى يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى عَنْهُ، والإيمانُ الحاصِلُ بِالإلْجاءِ والقَهْرِ لَيْسَ مِن جِنْسِ الإيمانِ الِاخْتِيارِيِّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِقَوْلِنا: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، الإيمانُ الِاضْطِرارِيُّ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإيمانَ الِاخْتِيارِيَّ، وحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ دَلِيلُ أصْحابِنا ويَسْقُطُ عَنْهُ سُؤالُ المُعْتَزِلَةِ بِالكُلِّيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ قَدِيمَةً لَمْ يُجِزْ أنْ يُقالَ ذَلِكَ، كَما لا يُقالُ: لا يَذْهَبُ زَيْدٌ إلى البَصْرَةِ إلّا أنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ تَعالى، وتَقْرِيرُهُ أنّا إذا قُلْنا: لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ فَهَذا يَقْتَضِي تَعْلِيقَ حُدُوثِ هَذا الجَزاءِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ فَلَوْ كانَتِ المَشِيئَةُ قَدِيمَةً لَكانَ الشَّرْطُ قَدِيمًا، ويَلْزَمُ مِن حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ المَشْرُوطِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ الجَزاءِ قَدِيمًا. والحِسُّ دَلَّ عَلى أنَّهُ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّرْطِ حادِثًا، وإذا كانَ الشَّرْطُ هو المَشِيئَةَ لَزِمَ القَوْلُ بِكَوْنِ المَشِيئَةِ حادِثَةً، هَذا تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ.
والجَوابُ: أنَّ المَشِيئَةَ وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً إلّا أنَّ تَعَلُّقَها بِإحْداثِ ذَلِكَ المُحْدَثِ في الحالِ إضافَةٌ حادِثَةٌ
صفحة ١٢٥
وهَذا القَدْرُ يَكْفِي لِصِحَّةِ هَذا الكَلامِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ، يَجْهَلُونَ بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ وبِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ، أنَّهم جَهِلُوا أنَّهم يَبْقَوْنَ كُفّارًا عِنْدَ ظُهُورِ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها، والمُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وكانَ أكْثَرُهم يَظُنُّونَ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences