Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:125–129, continued
الرّاحِمِينَ، كَما عَلِمْتَ مِن ذَلِكَ الأخِ الصَّغِيرِ أنَّهُ لَوْ بَلَغَ كَفَرَ عَلِمْتَ مِنِّي ذَلِكَ، فَلِمَ راعَيْتَ مَصْلَحَتَهُ وما راعَيْتَ مَصْلَحَتِي ؟ قالَ الرّاوِي: فَلَمّا وصَلَ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ انْقَطَعَ الجُبّائِيُّ. فَلَمّا نَظَرَ رَأى أبا الحَسَنِ، فَعَلِمَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنهُ، لا مِنَ العَجُوزِ، ثُمَّ إنَّ أبا الحُسَيْنِ البَصْرِيَّ جاءَ بَعْدَ أرْبَعَةِ أدْوارٍ أوْ أكْثَرَ مِن بَعْدِ الجُبّائِيِّ فَأرادَ أنْ يُجِيبَ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: نَحْنُ لا نَرْضى في حَقِّ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ بِهَذا الجَوابِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، بَلْ لَنا هاهُنا جَوابانِ آخَرانِ سِوى ما ذَكَرْتُمْ، ثُمَّ قالَ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَسْألَةٍ اخْتَلَفَ شُيُوخُنا فِيها، وهي أنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلى اللَّهِ أنْ يُكَلِّفَ العَبْدَ أمْ لا ؟ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: التَّكْلِيفُ مَحْضُ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ، وهو غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ البَغْدادِيُّونَ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ: فَإنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يَقُولَ لِذَلِكَ الصَّبِيِّ إنِّي طَوَّلْتُ عُمُرَ الأخِ الزّاهِدِ، وكَلَّفْتُهُ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ ولَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِي مُتَفَضِّلًا عَلى أخِيكَ الزّاهِدِ بِهَذا الفَضْلِ أنْ أكُونَ مُتَفَضِّلًا عَلَيْكَ بِمِثْلِهِ. وأمّا إنْ فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ البَغْدادِيِّينَ. فالجَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ إطالَةَ عُمُرِ أخِيكَ وتَوْجِيهَ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ كانَ إحْسانًا في حَقِّهِ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ عَوْدُ مَفْسَدَةٍ إلى الغَيْرِ فَلا جَرَمَ فَعَلْتُهُ، وأمّا إطالَةُ عُمُرِكَ وتَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلَيْكَ كانَ يَلْزَمُ مِنهُ عَوْدُ مَفْسَدَةٍ إلى غَيْرِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما فَعَلْتُ ذَلِكَ في حَقِّكَ فَظَهَرَ الفَرْقُ. هَذا تَلْخِيصُ كَلامِ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ شَيْخِهِ المُتَقَدِّمِ عَنْ سُؤالِ الأشْعَرِيِّ، بَلْ سَعْيًا مِنهُ في تَخْلِيصِ إلَهِهِ عَنْ سُؤالِ العَبْدِ، وأقُولُ قَبْلَ الخَوْضِ في الجَوابِ عَنْ كَلامِ أبِي الحُسَيْنِ: صِحَّةُ هَذِهِ المُناظَرَةِ الدَّقِيقَةِ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، إنَّما لَزِمَتْ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَلا مُناظَرَةَ البَتَّةَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الرَّبِّ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يَقُولَ لِرَبِّهِ، لِمَ فَعَلْتَ كَذا ؟ أوْ ما فَعَلْتَ كَذا. فَثَبَتَ أنَّ خُصَماءَ اللَّهِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، لا أهْلُ السُّنَّةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي غَرَضَنا ويُحَصِّلُ مَقْصُودَنا، ثُمَّ نَقُولُ:
أمّا الجَوابُ الأوَّلُ: وهو أنَّ إطالَةَ العُمُرِ وتَوْجِيهَ التَّكْلِيفِ تَفَضُّلٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَخُصَّ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ. فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ مَدْفُوعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أوْصَلَ التَّفَضُّلَ إلى أحَدِهِما، فالِامْتِناعُ مِن إيصالِهِ إلى الثّانِي قَبِيحٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الإيصالَ إلى هَذا الثّانِي، لَيْسَ فِعْلًا شاقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى، ولا يُوجِبُ دُخُولَ نُقْصانٍ في مُلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا الثّانِي يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّفَضُّلِ، ومِثْلُ هَذا الِامْتِناعِ قَبِيحٌ في الشّاهِدِ. ألا تَرى أنَّ مَن مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ النَّظَرِ في مِرْآتِهِ المَنصُوبَةِ عَلى الجِدارِ لِعامَّةِ النّاسِ قَبُحَ ذَلِكَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ مَنعٌ مِنَ النَّفْعِ مِن غَيْرِ انْدِفاعِ ضَرَرٍ إلَيْهِ، ولا وُصُولِ نَفْعٍ إلَيْهِ، فَإنْ كانَ حُكْمُ العَقْلِ بِالتَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ مَقْبُولًا، فَلْيَكُنْ مَقْبُولًا هاهُنا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا لَمْ يَكُنْ مَقْبُولًا البَتَّةَ في شَيْءٍ مِنَ المَواضِعِ، وتَبْطُلُ كُلِّيَّةُ مَذْهَبِكم. فَثَبَتَ أنَّ هَذا الجَوابَ فاسِدٌ.
وأمّا الجَوابُ الثّانِي: فَهو أيْضًا فاسِدٌ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَنا: تَكْلِيفُهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ يُوجِبُ لِذاتِهِ حُصُولَ تِلْكَ المَفْسَدَةِ، وإلّا لَزِمَ أنْ تَحْصُلَ هَذِهِ المَفْسَدَةُ أبَدًا في حَقِّ الكُلِّ وأنَّهُ باطِلٌ، بَلْ مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ إذا كَلَّفَ هَذا الشَّخْصَ، فَإنَّ إنْسانًا آخَرَ يَخْتارُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ فِعْلًا قَبِيحًا، فَإنِ اقْتَضى هَذا القَدَرُ أنْ يَتْرُكَ اللَّهُ تَكْلِيفَهُ، فَكَذَلِكَ قَدْ عَلِمَ مِن ذَلِكَ الكافِرِ أنَّهُ إذا كَلَّفَهُ فَإنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ أنْ يَتْرُكَ تَكْلِيفَهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ قُبْحَ تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ اللَّهُ مِن حالِهِ أنَّهُ يَكْفُرُ، وإنْ لَمْ يَجِبْ هاهُنا لَمْ يَجِبْ هُنالِكَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى تَرْكُ التَّكْلِيفِ إذا عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ يَخْتارُ فِعْلًا قَبِيحًا عِنْدَ
صفحة ١٥٣
ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ إذا عَلِمَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ يَخْتارُ القَبِيحَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، فَهَذا مَحْضُ التَّحَكُّمِ. فَثَبَتَ أنَّ الجَوابَ الَّذِي اسْتَخْرَجَهُ أبُو الحُسَيْنِ بِلَطِيفِ فِكْرِهِ، ودَقِيقِ نَظَرِهِ بَعْدَ أرْبَعَةِ أدْوارٍ ضَعِيفٌ، وظَهَرَ أنَّ خُصَماءَ اللَّهِ هُمُ المُعْتَزِلَةُ، لا أصْحابُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
6:126Page 144
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى مَذْكُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ وقَرَّرَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهو أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي وحُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ كَوْنُ الفِعْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ وهو كَوْنُهُ تَعالى مُبْدِئًا لِجَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، وإنَّما سَمّاهُ صِراطًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ الحَقِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا لِأنَّ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ لَزِمَ أنْ يُقالَ الفِعْلُ لا يَصْدُرُ عَنِ القادِرِ إلّا عِنْدَ انْضِمامِ الدّاعِي إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتِمُّ قَوْلُنا ويَكُونُ الكُلُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ويَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإمّا أنْ لا يَتَوَقَّفَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ عَلى مُرَجِّحٍ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا الِاسْتِغْناءُ في كُلِّ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ الصُّنْعِ والصّانِعِ، وإبْطالُ القَوْلِ بِالفِعْلِ والفاعِلِ والتَّأْثِيرِ والمُؤَثِّرِ. فَأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا الرُّجْحانَ يَحْتاجُ إلى المُؤَثِّرِ في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ البَعْضِ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ فَهو مُعْوَجٌّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، إنَّما المُسْتَقِيمُ هو الحُكْمُ بِثُبُوتِ الحاجَةِ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَيْنَ مَذْهَبِنا. فَهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ في كُلِّ القُرْآنِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ هَذا الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ دِينُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَعْنِي القُرْآنَ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى. لِأنَّ عَوْدَ الإشارَةِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ أوْلى.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِمُتابَعَةِ ما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ مِنَ المُحْكَماتِ لا مِنَ المُتَشابِهاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا ذَكَرَ شَيْئًا وبالَغَ في الأمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ والتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْكَماتِ. فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ مِنَ المُحْكَماتِ وأنَّهُ يَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها ويَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيها بِالتَّأْوِيلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: انْتَصَبَ مُسْتَقِيمًا عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى ”هَذا“ وذَلِكَ لِأنَّ ”ذا“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الإشارَةِ، كَقَوْلِكَ: هَذا زِيدٌ قائِمًا مَعْناهُ أُشِيرُ إلَيْهِ في حالِ قِيامِهِ، وإذا كانَ العامِلُ في الحالِ
صفحة ١٥٤
مَعْنى الفِعْلِ لا الفِعْلُ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الحالِ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ قائِمًا هَذا زِيدٌ، ويَجُوزُ ضاحِكًا جاءَ زَيْدٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ .
فَنَقُولُ: أمّا تَفْصِيلُ الآياتِ فَمَعْناهُ ذِكْرُها فَصْلًا فَصْلًا بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ واحِدٌ مِنها بِالآخَرِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ بَيَّنَ صِحَّةَ القَوْلِ بِالقَضاءِ والقَدَرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مُتَوالِيَةٍ مُتَعاقِبَةٍ، بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ ووُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فالَّذِي أظُنُّهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَ مَقْطَعَ هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في عَقْلِ كُلِّ واحِدٍ أنَّ أحَدَ طَرَفَيِ المُمْكِنِ لا يَتَرَجَّحُ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُعْتَزِلِيِّ: أيُّها المُعْتَزِلِيُّ تَذَكَّرْ ما تَقَرَّرَ في عَقْلِكَ أنَّ المُمْكِنَ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ، إلّا لِمُرَجِّحٍ، حَتّى تَزُولَ الشُّبْهَةُ عَنْ قَلْبِكَ بِالكُلْيَةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ.
6:127Page 144
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِمَن يَكُونُ مِنَ المَذْكُورِينَ بَيَّنَ الفائِدَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي تَحْصُلُ مِنَ التَمَسُّكِ بِذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَقالَ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفاتٌ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ وهَذا يُوجِبُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ: لَهم دارُ السَّلامِ لا لِغَيْرِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ السَّلامَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَدارُ السَّلامِ هي الدّارُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ تَعالى ولِلْخَلِيفَةِ عَبْدُ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّلامَ صِفَةُ الدّارِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى دارُ السَّلامَةِ، والعَرَبُ تُلْحِقُ هَذِهِ الهاءَ في كَثِيرٍ مِنَ المَصادِرِ وتَحْذِفُها، يَقُولُونَ ضَلالٌ وضَلالَةٌ، وسَفاهٌ وسَفاهَةٌ، ولَذاذٌ ولَذاذَةٌ، ورَضاعٌ ورَضاعَةٌ.
الثّانِي: أنَّ السَّلامَ جَمْعُ السَّلامَةِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ أنْواعَ السَّلامَةِ حاصِلَةٌ فِيها بِأسْرِها.
إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ أوْلى؛ لِأنَّ إضافَةَ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى نِهايَةٌ في تَشْرِيفِها وتَعْظِيمِها وإكْبارِ قَدْرِها، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الإضافَةِ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِ الأمْرِ والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي رَجَّحُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ وصْفَ الدّارِ بِكَوْنِها دارَ السَّلامَةِ أدْخَلُ في التَّرْغِيبِ مِن إضافَةِ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ السَّلامُ في الأصْلِ مَجازٌ، وإنَّما وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ
صفحة ١٥٥
تَعالى ذُو السَّلامِ، فَإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أوْلى.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الفَوائِدِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ مَعَدٌّ عِنْدَهُ تَعالى كَما تَكُونُ الحُقُوقُ مُعَدَّةً مُهَيَّأةً حاضِرَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وذَلِكَ نِهايَةٌ في بَيانِ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وكَوْنِهِمْ عَلى ثِقَةٍ مِن ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ أنَّ قَوْلَهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُدَّخَرَ مَوْصُوفٌ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا القُرْبُ لا يَكُونُ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِالشَّرَفِ والعُلُوِّ والرُّتْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ وقالَ أيْضًا ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ في صِفَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقالَ في دارِهِمْ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقالَ في ثَوابِهِمْ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: ٨] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ كَمالِ صِفَةِ العُبُودِيَّةِ بِواسِطَةِ صِفَةِ العِنْدِيَّةِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّشْرِيفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ والوَلِيُّ مَعْناهُ القَرِيبُ، فَقَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ اللَّهِ مِنهم، ولا نَرى في العَقْلِ دَرَجَةً لِلْعَبْدِ أعْلى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا ولِيَّ لَهم إلّا هو، وكَيْفَ وهَذا التَّشْرِيفُ إنَّما حَصَلَ عَلى التَّوْحِيدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ قَدْ عَرَفُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُدَبِّرَ والمُقَدِّرَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ النّافِعَ والضّارَّ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ المُسْعِدَ والمُشْقِيَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّهُ لا مُبْدِئَ لِلْكائِناتِ والمُمْكِناتِ إلّا هو، فَلَمّا عَرَفُوا هَذا انْقَطَعُوا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَما كانَ رُجُوعُهم إلّا إلَيْهِ، وما كانَ تَوَكُّلُهم إلّا عَلَيْهِ، وما كانَ أُنْسُهم إلّا بِهِ، وما كانَ خُضُوعُهم إلّا لَهُ، فَلَمّا صارُوا بِالكُلِّيَّةِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ وهَذا إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيها الحِفْظُ والحِراسَةُ والمَعُونَةُ والنُّصْرَةُ وإيصالُ الخَيْراتِ ودَفْعُ الآفاتِ والبَلِيّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِئَلّا يَنْقَطِعَ المَرْءُ عَنِ العَمَلِ، فَإنَّ العَمَلَ لا بُدَّ مِنهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ تَعَلُّقًا شَدِيدًا، فَكَما أنَّ الهَيْئاتِ النَّفْسانِيَّةَ قَدْ تَنْزِلُ مِنَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ، مِثْلَ ما إذا تَصَوَّرَ أمْرًا مُغْضِبًا ظَهَرَ الأثَرُ عَلَيْهِ في البَدَنِ، فَيَسْخَنُ البَدَنُ ويَحْمى، فَكَذَلِكَ الهَيْئاتُ البَدَنِيَّةُ قَدْ تَصْعَدُ مِنَ البَدَنِ إلى النَّفْسِ، فَإذا واظَبَ الإنْسانُ عَلى أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ ظَهَرَتِ الآثارُ المُناسِبَةُ لَها في جَوْهَرِ النَّفْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّالِكَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَمَلِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَرْكِهِ البَتَّةَ.
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَمَسَّكُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، بَيَّنَ بَعْدَهُ حالَ مَن يَكُونُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ لِتَكُونَ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ مُرْدَفَةً بِقِصَّةِ أهْلِ النّارِ، ولِيَكُونَ الوَعِيدُ مَذْكُورًا بَعْدَ الوَعْدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم، أوْ يَوْمَ نَحْشُرُهم قُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ، أوْ يَوْمَ نَحْشُرُهم وقُلْنا يا مَعْشَرَ الجِنِّ، كانَ ما لا يُوصَفُ لِفَظاعَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: يَعُودُ إلى المَعْلُومِ، لا إلى المَذْكُورِ، وهو الثَّقَلانِ، وجَمِيعُ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهم. والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّياطِينِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا فَنَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، فَيَكُونُ هَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما أنَّهُ الحاشِرُ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الحَشْرِ لا يَكُونُ إلّا تَبْكِيتًا وبَيانًا لِجِهَةِ أنَّهم وإنْ تَمَرَّدُوا في الدُّنْيا فَيَنْتَهِي حالُهم في الآخِرَةِ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ والِاعْتِرافِ بِالجُرْمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ فَيُقالُ لَهم يا مَعْشَرَ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ مَعَ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ. لِأنَّ الجِنَّ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِن نَفْسِ الإنْسِ؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الجِسْمِ وعَلى الإحْياءِ والفِعْلِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الدُّعاءِ إلى الضَّلالِ مَعَ مُصادَفَةِ القَبُولِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ﴾ فالأقْرَبُ أنَّ فِيهِ حَذْفًا، فَكَما قالَ لِلْجِنِّ تَبْكِيتًا، فَكَذَلِكَ قالَ لِلْإنْسِ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ حَصَلَ مِنَ الجِنِّ الدُّعاءُ، ومِنَ الإنْسِ القَبُولُ، والمُشارَكَةُ حاصِلَةٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فَلَمّا بَكَّتَ تَعالى كِلا الفَرِيقَيْنِ حَكى هاهُنا جَوابَ الإنْسِ، وهو قَوْلُهم: رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ فَوَصَفُوا أنْفُسَهم بِالتَّوَفُّرِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، والِاسْتِمْتاعِ بِلَذّاتِها إلى أنْ بَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ الَّذِي عِنْدَهُ أيْقَنُوا بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ. ثُمَّ
صفحة ١٥٧
هاهُنا قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُمُ اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، المُرادُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَمْتَعَ الجِنُّ بِالإنْسِ والإنْسُ بِالجِنِّ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي المُرادِ بِذَلِكَ الِاسْتِمْتاعِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى هَذا الِاسْتِمْتاعِ هو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا سافَرَ فَأمْسى بِأرْضٍ قَفْرٍ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي مِن سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ آمِنًا في نَفْسِهِ، فَهَذا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ، وأمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو أنَّ الإنْسِيَّ إذا عاذَ بِالجِنِّيِّ، كانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا مِنهم لِلْجِنِّ، وذَلِكَ الجِنِّيُّ يَقُولُ: قَدْ سُدْتُ الجِنَّ والإنْسَ؛ لِأنَّ الإنْسِيَّ قَدِ اعْتَرَفَ لَهُ بِأنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ واحْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] .
والوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الِاسْتِمْتاعِ: أنَّ الإنْسَ كانُوا يُطِيعُونَ الجِنَّ ويَنْقادُونَ لِحُكْمِهِمْ فَصارَ الجِنُّ كالرُّؤَساءِ، والإنْسُ كالأتْباعِ والخادِمِينَ المُطِيعِينَ المُنْقادِينَ الَّذِينَ لا يُخالِفُونَ رَئِيسَهم ومَخْدُومَهم في قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الرَّئِيسَ قَدِ انْتَفَعَ بِهَذا الخادِمِ، فَهَذا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ. وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ، فَهو أنَّ الجِنَّ كانُوا يَدُلُّونَهم عَلى أنْواعِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ ويُسَهِّلُونَ تِلْكَ الأُمُورَ عَلَيْهِمْ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ ومَن كانَ يَقُولُ مِنَ الإنْسِ أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي، قَلِيلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ هو كَلامُ الإنْسِ خاصَّةً؛ لِأنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ قَلِيلٌ نادِرٌ لا يَكادُ يَظْهَرُ. أمّا اسْتِمْتاعُ بَعْضِ الإنْسِ بِبَعْضٍ، فَهو أمْرٌ ظاهِرٌ. فَوَجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ كَلامُ الإنْسِ الَّذِينَ هم أوْلِياءُ الجِنِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ اسْتِمْتاعَ بَعْضِ أُولَئِكَ القَوْمِ بِبَعْضٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ فالمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِمْتاعَ كانَ حاصِلًا إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ ووَقْتٍ مَحْدُودٍ، ثُمَّ جاءَتِ الخَيْبَةُ والحَسْرَةُ والنَّدامَةُ مِن حَيْثُ لا تَنْفَعُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ الأجَلَ أيُّ الأوْقاتِ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: هو وقْتُ المَوْتِ. وقالَ آخَرُونَ: هو وقْتُ التَّخْلِيَةِ والتَّمْكِينِ. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ وقْتُ المُحاسَبَةِ في القِيامَةِ، والَّذِينَ قالُوا بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ماتَ مِن مَقْتُولٍ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ يَمُوتُ بِأجَلِهِ؛ لِأنَّهم أقَرُّوا أنّا بَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا، وفِيهِمُ المَقْتُولُ وغَيْرُ المَقْتُولِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ المَثْوى: المَقامُ والمَقَرُّ والمَصِيرُ، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ مَقامٌ ومَقَرٌّ ثُمَّ يَمُوتُ ويَتَخَلَّصُ بِالمَوْتِ عَنْ ذَلِكَ المَثْوى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ المَقامَ والمَثْوى مَخَلَّدٌ مُؤَبَّدٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ اسْتِثْناءُ أوْقاتِ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الأحْوالِ لَيْسُوا بِخالِدِينَ في النّارِ.
الثّانِي: المُرادُ، الأوْقاتُ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ. ورُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ فَهم يَطْلُبُونَ الرَّدَّ مِن ذَلِكَ البَرْدِ إلى حَرِّ الجَحِيمِ.
الثّالِثُ:
صفحة ١٥٨
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى قَوْمًا سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى ”مَن“ قالَ الزَّجّاجُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ إنَّما هو مِن يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُنْذُ يُبْعَثُونَ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في مُحاسَبَتِهِمْ.
الرّابِعُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا الِاسْتِثْناءُ غَيْرُ راجِعٍ إلى الخُلُودِ، وإنَّما هو راجِعٌ إلى الأجَلِ المُؤَجَّلِ لَهم، فَكَأنَّهم قالُوا: وبَلَغْنا الأجَلَ الَّذِي أجَّلْتَ لَنا، أيِ الَّذِي سَمَّيْتَهُ لَنا إلّا مَن أهْلَكْتَهُ قَبْلَ الأجَلِ المُسَمّى. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] وكَما فَعَلَ في قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ مِمِن أهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ الأجَلِ الَّذِي لَوْ آمَنُوا، لَبَقُوا إلى الوُصُولِ إلَيْهِ فَتَلْخِيصُ الكَلامِ أنْ يَقُولُوا: اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، وبَلَغْنا ما سَمَّيْتَ لَنا مِنَ الأجَلِ إلّا مَن شِئْتَ أنْ تَخْتَرِمَهُ فاخْتَرَمْتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ وضَلالِهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّهُ تَرْكٌ لِظاهِرِ تَرْتِيبِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَمّا أمْكَنَ إجْراءُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها فَلا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ فِيما يَفْعَلُهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ وسائِرِ وُجُوهِ المُجازاةِ، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما حَكَمْتُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ بِعَذابِ الأبَدِ لِعِلْمِي أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ المَثْوى اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ دُونَ المَكانِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ واسْمُ المَوْضِعِ لا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مَعْناهُ: النّارُ أهْلٌ أنْ تُقِيمُوا فِيها خالِدِينَ.
6:129Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الجِنِّ والإنْسِ أنَّ بَعْضَهم يَتَوَلّى بَعْضًا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ. أنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أعْنِي العَداوَةَ والصَّداقَةَ، فَلَوْلا حُصُولُ الدّاعِيَةِ إلى الصَّداقَةِ لَما حَصَلَتِ الصَّداقَةُ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ. فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا. وبِهَذا التَّقْرِيرِ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا لَنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في أهْلِ الجَنَّةِ أنْ لَهم دارَ السَّلامِ، بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى ولِيُّهم بِمَعْنى الحِفْظِ والحِراسَةِ والمَعُونَةِ والنُّصْرَةِ، فَكَذَلِكَ لَمّا بَيَّنَ حالَ أهْلِ النّارِ ذَكَرَ أنَّ مَقَرَّهم ومَثْواهُمُ النّارُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أوْلِياءَهم مَن يُشْبِهُهم في الظُّلْمِ والخِزْيِ والنَّكالِ وهَذِهِ مُناسَبَةٌ حَسَنَةٌ لَطِيفَةٌ.
صفحة ١٥٩
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: كافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي﴾ تَقْتَضِي شَيْئًا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قالَ كَما أنْزَلْتَ بِالجِنِّ والإنْسِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمُ العَذابَ الألِيمَ الدّائِمَ الَّذِي لا مُخَلِّصَ مِنهُ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ .
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فالأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَنْضَمُّ إلى ما يُشاكِلُها في الخُبْثِ، وكَذا القَوْلُ في الأرْواحِ الطّاهِرَةِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَهْتَمُّ بِشَأْنِ مَن يُشاكِلُهُ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والتَّقْوِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّعِيَّةَ مَتى كانُوا ظالِمِينَ، فاللَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظالِمًا مِثْلَهم فَإنْ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّصُوا مِن ذَلِكَ الأمِيرِ الظّالِمِ فَلْيَتْرُكُوا الظُّلْمَ. وأيْضًا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الخَلْقِ مِن أمِيرٍ وحاكِمٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى إذا كانَ لا يُخَلِّي أهْلَ الظُّلْمِ مِن أمِيرٍ ظالِمٍ، فَبِأنْ لا يُخَلِّي أهْلَ الصَّلاحِ مِن أمِيرٍ يَحْمِلُهم عَلى زِيادَةِ الصَّلاحِ كانَ أوْلى. قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا يَصْلُحُ لِلنّاسِ إلّا أمِيرٌ عادِلٌ أوْ جائِرٌ، فَأنْكَرُوا قَوْلَهُ: أوْ جائِرٌ فَقالَ: نَعَمْ يُؤَمِّنُ السَّبِيلَ، ويُمَكِّنُ مِن إقامَةِ الصَّلَواتِ، وحَجِّ البَيْتِ. ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ الرَّسُولَ ﷺ الإمارَةَ، فَقالَ لَهُ: ”إنَّكَ ضَعِيفٌ وإنَّها أمانَةٌ وهي في القِيامَةِ خِزْيٌ ونَدامَةٌ إلّا مَن أخَذَها بِحَقِّها وأدّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيها» “ وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: جاءَ في بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أنا اللَّهُ مالِكُ المُلُوكِ قُلُوبُ المُلُوكِ ونَواصِيها بِيَدِي فَمَن أطاعَنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ رَحْمَةً ومَن عَصانِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ نِقْمَةً لا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ لَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أُعَطِّفُهم عَلَيْكم.
أمّا قَوْلُهُ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فالمَعْنى نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِسَبَبِ كَوْنِ ذَلِكَ البَعْضِ مُكْتَسِبًا لِلظُّلْمِ، والمُرادُ مِنهُ ما بَيَّنّا أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةٌ لِلضَّمِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences