Ar-RaziAl‑An'am · 6:130–134

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:130–134

6:130Page 144

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠

"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ ما يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعالى في تَوْبِيخِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم إلى الجُحُودِ سَبِيلٌ، فَيَشْهَدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ، وإنَّهم لَمْ يُعَذَّبُوا إلّا بِالحُجَّةِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: المَعْشَرُ. كُلُّ جَماعَةٍ أمْرُهم واحِدٌ، ويَحْصُلُ بَيْنَهم مُعاشَرَةٌ ومُخالَطَةٌ، والجَمْعُ: المَعاشِرُ. وقَوْلُهُ: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا هَلْ كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ أمْ لا ؟ فَقالَ الضَّحّاكُ:

صفحة ١٦٠

أُرْسِلَ مِنَ الجِنِّ رُسُلٌ كالإنْسِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ وتَلا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَحْتَجَّ الضَّحّاكُ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ اسْتِئْناسَ الإنْسانِ بِالإنْسانِ أكْمَلُ مِنَ اسْتِئْناسِهِ بِالمَلَكِ، فَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَ رَسُولَ الإنْسِ مِنَ الإنْسِ لِيَكْمُلَ هَذا الِاسْتِئْناسُ.

إذا ثَبَتَ هَذا المَعْنى، فَهَذا السَّبَبُ حاصِلٌ في الجِنِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ رَسُولُ الجِنِّ مِنَ الجِنِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: أنَّهُ ما كانَ مِنَ الجِنِّ رَسُولٌ البَتَّةَ، وإنَّما كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ. وما رَأيْتُ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ حُجَّةً إلّا ادِّعاءَ الإجْماعِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّهُ كَيْفَ يَنْعَقِدُ الإجْماعُ مَعَ حُصُولِ الِاخْتِلافِ، ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ إنَّما هو النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ كَوْنُ النُّبُوَّةِ مَخْصُوصَةً بِهَؤُلاءِ القَوْمِ فَقَطْ، فَأمّا تَمَسُّكُ الضَّحّاكِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فالكَلامُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ رُسُلَ الجِنِّ والإنْسِ تَكُونُ بَعْضًا مِن أبْعاضِ هَذا المَجْمُوعِ، وإذا كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ كانَ الرُّسُلُ بَعْضًا مِن أبْعاضِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ، فَكانَ هَذا القَدْرُ كافِيًا في حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ رَسُولٍ مِنَ الجِنِّ.

الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرُّسُلَ كانُوا مِنَ الإنْسِ إلّا أنَّهُ تَعالى كانَ يُلْقِي الدّاعِيَةَ في قُلُوبِ قَوْمٍ مِنَ الجِنِّ حَتّى يَسْمَعُوا كَلامَ الرُّسُلِ ويَأْتُوا قَوْمَهم مِنَ الجِنِّ ويُخْبِرُونَهم بِما سَمِعُوهُ مِنَ الرُّسُلِ ويُنْذِرُونَهم بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فَأُولَئِكَ الجِنُّ كانُوا رُسُلَ الرُّسُلِ، فَكانُوا رُسُلًا لِلَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى سَمّى رُسُلَ عِيسى رُسُلَ نَفْسِهِ. فَقالَ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى إنَّما بَكَّتَ الكُفّارَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى أزالَ العُذْرَ وأزاحَ العِلَّةَ، بِسَبَبِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الكُلِّ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، فَإذا وصَلَتِ البِشارَةُ والنِّذارَةُ إلى الكُلِّ بِهَذا الطَّرِيقِ، فَقَدْ حَصَلَ ما هو المَقْصُودُ مِن إزاحَةِ العُذْرِ وإزالَةِ العِلَّةِ، فَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا.

الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أرادَ مِن أحَدِكم وهو الإنْسُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أيْ مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ الَّذِي لَيْسَ بِعَذْبٍ.

واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لا حاجَةَ مَعَهُما إلى تَرْكِ الظّاهِرِ. أمّا هَذا الثّالِثُ فَإنَّهُ يُوجِبُ تَرْكَ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا بِالدَّلِيلِ المُنْفَصِلِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الأدِلَّةِ بِالتِّلاوَةِ وبِالتَّأْوِيلِ ﴿ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ يُخَوِّفُونَكم عَذابَ هَذا اليَوْمِ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِرافَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا.

فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم أقَرُّوا في هَذِهِ الآيَةِ بِالكُفْرِ وجَحَدُوهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .

قُلْنا: يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ والأحْوالُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَتارَةً يُقِرُّونَ، وأُخْرى يَجْحَدُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ

صفحة ١٦١

خَوْفِهِمْ واضْطِرابِ أحْوالِهِمْ، فَإنَّ مَن عَظُمَ خَوْفُهُ كَثُرَ الِاضْطِرابُ في كَلامِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: وإنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ الكُفْرِ بِسَبَبِ أنَّهم غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهم وإنْ بالَغُوا في عَداوَةِ الأنْبِياءِ والطَّعْنِ في شَرائِعِهِمْ ومُعْجِزاتِهِمْ، إلّا أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ أنَّهم أقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ بِأنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ والكُفْرِ، ومَقْصُودُهم دَفْعُ التَّكْرارِ عَنِ الآيَةِ، وكَيْفَما كانَ، فالمَقْصُودُ مِن شَرْحِ أحْوالِهِمْ في القِيامَةِ زَجْرُهم في الدُّنْيا عَنِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الوُجُوبُ البَتَّةَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَإنَّهُ لَوْ حَصَلَ الوُجُوبُ واسْتِحْقاقُ العِقابِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّعْلِيلِ والذِّكْرِ فائِدَةٌ.

6:131Page 144

ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما عَذَّبَ الكُفّارَ إلّا بَعْدَ أنْ بَعَثَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا هو العَدْلُ والحَقُّ والواجِبُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن بَعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإنْذارِهِمْ سُوءَ العاقِبَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعْلِيلٌ، والمَعْنى: الأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ، وكَلِمَةُ ”أنْ“ هاهُنا هي الَّتِي تَنْصِبُ الأفْعالَ.

وثانِيها: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لِأنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والحَدِيثِ؛ والتَّقْدِيرُ: لِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ: لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ.

وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (ذَلِكَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] .

وأمّا قَوْلُهُ: (بِظُلْمٍ) فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى، وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمٍ أقْدَمُوا عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ. وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى ظُلْمًا عَلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] في سُورَةِ هُودٍ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ الظُّلْمُ فِعْلًا لِلْكُفّارِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ عائِدًا إلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، والوَجْهُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِقَوْلِنا؛ لِأنَّ القَوْلَ الثّانِيَ يُوهِمُ أنَّهُ

صفحة ١٦٢

تَعالى لَوْ أهْلَكَهم قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ كانَ ظالِمًا، ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدَنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَهَذا القَوْلُ الثّانِي مُطابِقٌ لِمَذْهَبِهِمْ مُوافِقٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ. وأمّا أصْحابُنا فَمَن فَسَّرَ الآيَةَ بِهَذا الوَجْهِ الثّانِي. قالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا لَكِنَّهُ يَكُونُ في صُورَةِ الظّالِمِ فِيما بَيَّنّا، فَوُصِفَ بِكَوْنِهِ ظالِمًا مَجازًا، وتَمامُ الكَلامِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ هُودٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الغَفْلَةِ أنْ يَتَغافَلَ المَرْءُ عَمّا يُوعَظُ بِهِ، بَلْ مَعْناها أنْ لا يُبَيِّنَ اللَّهُ لَهم كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولا أنْ يُزِيلَ عُذْرَهم وعِلَّتَهم.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ، وأنَّ العَقْلَ المَحْضَ لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ البَتَّةَ. قالُوا: لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ لِلرَّسُولِ. والمُعْتَزِلَةُ قالُوا: إنَّها تَدُلُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَلى أنَّ الوُجُوبَ قَدْ يَتَقَرَّرُ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ فَهَذا الظُّلْمُ إمّا أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العَبْدِ أوْ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهَذا يَدُلُّ عَلى إمْكانِ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ الظُّلْمُ قَبْلَ البَعْثَةِ، وإنَّما يَكُونُ الفِعْلُ ظُلْمًا قَبْلَ البَعْثَةِ، لَوْ كانَ قَبِيحًا وذَنْبًا قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الفِعْلُ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الِاعْتِرافِ بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ.

6:132Page 145

وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢

And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”تَعْمَلُونَ“ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ والدَّرَجاتِ، وأحْوالَ أهْلِ العِقابِ والدَّرَكاتِ ذَكَرَ كَلامًا كُلِّيًّا، فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ وفي الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ عامٌّ في المُطِيعِ والعاصِي، والتَّقْدِيرُ:

ولِكُلِّ عامِلٍ عَمِلَ فَلَهُ في عَمَلِهِ دَرَجاتٌ، فَتارَةً يَكُونُ في دَرَجَةٍ ناقِصَةٍ، وتارَةً يَتَرَقّى مِنها إلى دَرَجَةٍ كامِلَةٍ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِها عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، فَرَتَّبَ عَلى كُلِّ دَرَجَةٍ مِن تِلْكَ الدَّرَجاتِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الدَّرَجَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ والصَّوابُ هو الأوَّلُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ

صفحة ١٦٣

تَعالى حَكَمَ لِكُلِّ واحِدٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ بِحَسَبِ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ بِدَرَجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وعَلِمَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِعَيْنِها وأثْبَتَ تِلْكَ الدَّرَجَةَ المُعَيَّنَةَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأشْهَدَ عَلَيْهِ زُمَرَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ تِلْكَ الدَّرَجَةُ لِذَلِكَ الإنْسانِ لَبَطَلَ ذَلِكَ الحُكْمُ، ولَصارَ ذَلِكَ العِلْمُ جَهْلًا، ولَصارَ ذَلِكَ الإشْهادُ كَذِبًا وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ والشَّقِيُّ مِن شِقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.

6:133–134Page 145

وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ثَوابَ أصْحابِ الطّاعاتِ وعِقابَ أصْحابِ المَعاصِي والمُحَرَّماتِ وذَكَرَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ دَرَجَةً مَخْصُوصَةً ومَرْتَبَةً مُعَيَّنَةً، بَيَّنَ أنَّ تَخْصِيصَ المُطِيعِينَ بِالثَّوابِ، والمُذْنِبِينَ بِالعَذابِ، لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى طاعَةِ المُطِيعِينَ أوْ يَنْتَقِصُ بِمَعْصِيَةِ المُذْنِبِينَ. فَإنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ لِذاتِهِ عَنْ جَمِيعِ العالَمِينَ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا فَإنَّ رَحْمَتَهُ عامَّةٌ كامِلَةٌ، ولا سَبِيلَ إلى تَرْتِيبِ هَذِهِ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ والنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ وإيصالِها إلى دَرَجاتِ السُّعَداءِ الأبْرارِ، إلّا بِتَرْتِيبِ التَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ والتَّرْهِيبِ عَنِ المَحْظُوراتِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ عَلى الخَلْقِ تَرْتِيبُ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، فَنَفْتَقِرُ هاهُنا إلى بَيانِ أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: إلى بَيانِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا. فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِذَلِكَ الفِعْلِ، والمُسْتَكْمِلُ بِغَيْرِهِ ناقِصٌ بِذاتِهِ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأيْضًا فَكُلُّ إيجابٍ أوْ سَلْبٍ يُفْرَضُ، فَإنْ كانَتْ ذاتُهُ كافِيَةً في تَحَقُّقِهِ، وجَبَ دَوامُ ذَلِكَ الإيجابِ أوْ ذَلِكَ السَّلْبِ بِدَوامِ ذاتِهِ. وإنْ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً، فَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَمُها عَلى وُجُودِ سَبَبٍ مُنْفَصِلٍ أوْ عَدَمِهِ، فَذاتُهُ لا تَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ الثُّبُوتِ والعَدَمِ وهُما مَوْقُوفانِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ المُنْفَصِلِ وعَدَمِهِ، والمَوْقُوفُ عَلى المَوْقُوفِ عَلى الشَّيْءِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُ ذاتِهِ مَوْقُوفَةً عَلى الغَيْرِ، والمَوْقُوفُ عَلى الغَيْرِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالواجِبُ لِذاتِهِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ بِهَذا

صفحة ١٦٤

البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وأمّا إثْباتُ أنَّهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا شَكَّ في وُجُودِ خَيْراتٍ وسَعاداتٍ ولَذّاتٍ وراحاتٍ، إمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الجِسْمانِيَّةِ، وإمّا بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ. فَثَبَتَ بِالبُرْهانِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في الوُجُودِ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ. فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ الخَيْراتِ والرّاحاتِ والكَراماتِ والسَّعاداتِ فَهو مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ، وبِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ الخَيْرَ غالِبٌ عَلى الشَّرِّ فَإنَّ المَرِيضَ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالصَّحِيحُ أكْثَرُ مِنهُ، والجائِعُ وإنْ كانَ كَثِيرًا فالشَّبْعانُ أكْثَرُ مِنهُ، والأعْمى وإنْ كانَ كَثِيرًا، إلّا أنَّ البَصِيرَ أكْثَرُ مِنهُ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِحُصُولِ الرَّحْمَةِ والرّاحَةِ، وثَبَتَ أنَّ الخَيْرَ أغْلَبُ مِنَ الشَّرِّ والألَمِ والآفَةِ، وثَبَتَ أنَّ مَبْدَأ تِلْكَ الرّاحاتِ والخَيْراتِ بِأسْرِها هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ تَعالى هُوَ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ فَكُلُّ ما سِواهُ فَهو مِنهُ، والرَّحْمَةُ داخِلَةٌ فِيما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ الحَقِّ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ هَذا الحَصْرِ فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يُمْكِنُنا إنْكارُ رَحْمَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ والمَوْلى عَلى عَبْدِهِ، وكَذَلِكَ سائِرُ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ كُلَّها عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى ألْقى في قَلْبِ هَذا الرَّحِيمِ داعِيَةَ الرَّحْمَةِ، لَما أقْدَمَ عَلى الرَّحْمَةِ، فَلَمّا كانَ مُوجِدُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ، كانَ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ. ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الغَضَبِ عَلى إنْسانٍ قاسِي القَلْبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ رَءُوفًا رَحِيمًا عَطُوفًا؟ فانْقِلابُهُ مِنَ الحالَةِ الأُولى إلى الثّانِيَةِ لَيْسَ إلّا بِانْقِلابِ تِلْكَ الدَّواعِي، فَثَبَتَ أنَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى بِالبُرْهانِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وبِالقُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ اللَّهِ.

والثّانِي: هَبْ أنَّ ذَلِكَ الرَّحِيمَ أعْطى الطَّعامَ والثَّوْبَ والذَّهَبَ، ولَكِنْ لا صِحَّةَ لِلْمِزاجِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفاعِ بِتِلْكَ الأشْياءِ، وإلّا فَكَيْفَ الِانْتِفاعُ ؟ فالَّذِي أعْطى صِحَّةَ المِزاجِ والقُدْرَةَ والمُكْنَةَ هو الرَّحِيمُ في الحَقِيقَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَن أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا فَهو إنَّما يُعْطِي لِطَلَبِ عِوَضٍ، وهو إمّا الثَّناءُ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابُ في الآخِرَةِ، أوْ دَفْعُ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ عَنِ القَلْبِ، وهو تَعالى يُعْطِي لا لِغَرَضٍ أصْلًا، فَكانَ تَعالى هو الرَّحِيمُ الكَرِيمُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ القَطْعِيَّةِ صِحَّةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ لا غَنِيَّ ولا رَحِيمَ إلّا هو، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ، ثَبَتَ أنَّهُ لا يَسْتَكْمِلُ بِطاعاتِ المُطِيعِينَ ولا يَنْتَقِصُ بِمَعاصِي المُذْنِبِينَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ثَبَتَ أنَّهُ ما رَتَّبَ العَذابَ عَلى الذُّنُوبِ، ولا الثَّوابَ عَلى الطّاعاتِ، إلّا لِأجْلِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ والجُودِ والإحْسانِ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] فَهَذا البَيانُ الإجْمالِيُّ كافٍ في هَذا البابِ، وأمّا تَفْصِيلُ تِلْكَ الحالَةِ وشَرْحُها عَلى البَيانِ التّامِّ، فَمِمّا لا يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ عادِلًا مُنَزَّهًا عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ، وعَلى كَوْنِهِ رَحِيمًا مُحْسِنًا بِعِبادِهِ. أمّا المَطْلُوبُ الأوَّلُ فَقالَ: تَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالِمٌ

صفحة ١٦٥

بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَتَعالى عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ.

أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى، فَتَقْرِيرُها إنَّما يَتِمُّ بِمَجْمُوعِ مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ:

أوَّلُها: أنَّ في الحَوادِثِ ما يَكُونُ قَبِيحًا، نَحْوَ: الظُّلْمُ، والسَّفَهُ، والكَذِبُ، والغِيبَةُ، وهَذِهِ المُقَدِّمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في الآيَةِ لِغايَةِ ظُهُورِها.

وثانِيها: كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ .

وثالِثُها: كَوْنُهُ تَعالى غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ وإذا ثَبَتَ مَجْمُوعُ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الثَّلاثَةِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، فَإذا ثَبَتَ هَذا امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لَها؛ لِأنَّ المُقْدِمَ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ إنَّما يُقْدِمُ عَلَيْهِ إمّا لِجَهْلِهِ بِكَوْنِهِ قَبِيحًا، وإمّا لِاحْتِياجِهِ، فَإذا كانَ عالِمًا بِالكُلِّ امْتَنَعَ كَوْنُهُ جاهِلًا بِقُبْحِ القَبائِحِ. وإذا كانَ غَنِيًّا عَنِ الكُلِّ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مُحْتاجًا إلى فِعْلِ القَبائِحِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ القَبائِحِ مُتَعالٍ عَنْها، فَحِينَئِذٍ يُقْطَعُ بِأنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَلَمّا كَلَّفَ عَبِيدَهُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ وجَبَ أنْ يُثِيبَهم عَلَيْها، ولَمّا رَتَّبَ العِقابَ والعَذابَ عَلى فِعْلِ المَعاصِي وجَبَ أنْ يَكُونَ عادِلًا فِيها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عادِلًا في الكُلِّ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَبْ أنَّ بِهَذا الطَّرِيقِ انْتَفى الظُّلْمُ عَنْهُ تَعالى، فَما الفائِدَةُ في التَّكْلِيفِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ التَّكْلِيفَ إحْسانٌ ورَحْمَةٌ عَلى ما هو مُقَرَّرٌ في ”كُتُبِ الكَلامِ“ فَقَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ إشارَةٌ إلى المَقامِ الثّانِي. فَهَذا تَقْرِيرُ الدَّلائِلِ الَّتِي اسْتَنْبَطَها طَوائِفُ العُقَلاءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ.

واعْلَمْ يا أخِي أنَّ الكُلَّ لا يُحاوِلُونَ إلّا التَّقْدِيسَ والتَّعْظِيمَ، وسَمِعْتُ الشَّيْخَ الإمامَ الوالِدَ ضِياءَ الدِّينِ عُمَرَ بْنَ الحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا القاسِمِ سُلَيْمانَ بْنَ ناصِرٍ الأنْصارِيَّ، يَقُولُ: نَظَرَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ في جانِبِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ، ونَظَرَ المُعْتَزِلَةُ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ في جانِبِ العَدْلِ والبَراءَةِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَصِفِ اللَّهَ إلّا بِالتَّعْظِيمِ والإجْلالِ والتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ، ولَكِنْ مِنهم مَن أخْطَأ ومِنهم مَن أصابَ، ورَجاءُ الكُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ وإنْ كانَ ذا الرَّحْمَةِ إلّا أنَّ لِرَحْمَتِهِ مَعْدِنًا مَخْصُوصًا ومَوْضِعًا مُعَيَّنًا فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قادِرٌ عَلى وضْعِ الرَّحْمَةِ في هَذا الخَلْقِ، وقادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ قَوْمًا آخَرِينَ ويَضَعَ رَحْمَتَهُ فِيهِمْ وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ العالَمِينَ أكْمَلَ وأتَمَّ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ الرَّحْمَةِ بِهَؤُلاءِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إظْهارُ رَحْمَتِهِ إلّا بِخَلْقِ هَؤُلاءِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ الإهْلاكُ ويُحْتَمَلُ الإماتَةُ أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُبْلِغَهم مَبْلَغَ التَّكْلِيفِ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ إذْهابِكم؛ لِأنَّ الِاسْتِخْلافَ لا يَكُونُ إلّا عَلى طَرِيقِ البَدَلِ مِن فائِتٍ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما يَشاءُ﴾ فالمُرادُ مِنهُ خَلْقٌ ثالِثٌ ورابِعٌ، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خَلْقًا آخَرَ مِن أمْثالِ الجِنِّ والإنْسِ يَكُونُونَ أطْوَعَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا ثالِثًا مُخالِفًا لِلْجِنِّ والإنْسِ قالَ القاضِي: وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ لِأنَّ القَوْمَ

صفحة ١٦٦

يَعْلَمُونَ بِالعادَةِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إنْشاءِ أمْثالِ هَذا الخَلْقِ فَمَتى حُمِلَ عَلى خَلْقٍ ثالِثٍ ورابِعٍ يَكُونُ أقْوى في دَلالَةِ القُدْرَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلى جِنْسٍ دُونَ جِنْسٍ مِنَ الخَلْقِ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِرَحْمَتِهِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي الثَّوابُ، فَبَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّهُ تَعالى لِرَحْمَتِهِ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ الحاضِرِينَ أبْقاهم وأمْهَلَهم ولَوْ شاءَ لَأماتَهم وأفْناهم وأبْدَلَ بِهِمْ سِواهم، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عِلَّةَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لِأنَّ المَرْءَ العاقِلَ إذا تَفَكَّرَ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ لَيْسَ فِيها مِن صُورَتِهِ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَحْضِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَما قَدَرَ تَعالى عَلى تَصْوِيرِ هَذِهِ الأجْسامِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ الخاصَّةِ، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى تَصْوِيرِهِمْ بِصُورَةٍ مُخالِفَةٍ لَها. وقَرَأ القُرّاءُ كُلُّهم ”ذُرِّيَّةِ“ بِضَمِّ الذّالِ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ بِكَسْرِ الذّالِ. قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ القِيامَةَ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ: وهو أنَّ الوَعْدَ مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ الثَّوابِ، وأمّا الوَعِيدُ فَهو مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ العِقابِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ ما تَعَلَّقُ بِالوَعْدِ بِالثَّوابِ فَهو آتٍ لا مَحالَةَ، فَتَخْصِيصُ الوَعْدِ بِهَذا الجَزْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ آخِرُ الآيَةِ، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يَعْنِي لا تَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِنا وحُكْمِنا، فالحاصِلُ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ جَزْمَ بِكَوْنِهِ آتِيًا، ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ، ما زادَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنْ جانِبَ الرَّحْمَةِ والإحْسانِ غالِبٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском