Ar-RaziAl‑An'am · 6:135–140

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:135–140

6:135Page 145

قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ أمَرَ رَسُولَهُ مِن بَعْدِهِ أنْ يُهَدِّدَ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ مِنَ الكُفّارِ، فَقالَ ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”مَكاناتِكم“ بِالألِفِ، عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ ”عَلى مَكانَتِكم“ قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ الإفْرادُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ في أكْثَرِ الأمْرِ مُفْرَدَةٌ، وقَدْ تُجْمَعُ أيْضًا في بَعْضِ الأحْوالِ، إلّا أنَّ الغالِبَ هو الأوَّلُ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَكانَةُ تَكُونُ مَصْدَرًا، يُقالُ: مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، وبِمَعْنى المَكانِ، يُقالُ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، ومُقامٌ ومُقامَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أُمِرَ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالَةٍ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، أيِ اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا

صفحة ١٦٧

تَنْحَرِفْ عَنْهُ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ أنا عامِلٌ عَلى مَكانَتِي، الَّتِي عَلَيْها، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ، وعَلى مَضارَّتِكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا لُهُ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ، وطَرِيقَةُ هَذا الأمْرِ طَرِيقَةُ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ وهي تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: مَن في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ ذَكَرَ الفَرّاءُ في مَوْضِعِهِ مِنَ الإعْرابِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ نَصْبٌ لِوُقُوعِ العِلْمِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى مَعْنى: تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢] .

البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ يُوهِمُ أنَّ الكافِرَ لَيْسَتْ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وذَلِكَ مُشْكِلٌ.

قُلْنا: العاقِبَةُ تَكُونُ عَلى الكافِرِ ولا تَكُونُ لَهُ، كَما يُقالُ: لَهُ الكَثْرَةُ ولَهُمُ الظَّفَرُ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: عَلَيْكُمُ الكَثْرَةُ والظَّفَرُ.

البَحْثُ الخامِسُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿مَن يَكُونُ﴾ بِالياءِ وفي القَصَصِ أيْضًا والباقُونَ بِالتّاءِ في السُّورَتَيْنِ. قالَ الواحِدِيُّ: العاقِبَةُ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ، وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَمَن أنَّثَ، فَكَقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] ومَن ذَكَّرَ فَكَقَوْلِهِ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧] وقالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ لا أنَّهُ أمْرٌ وطَلَبٌ، ومَعْناهُ: أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لا يُفْلِحُونَ ولا يَفُوزُونَ بِمَطالِبِهِمُ البَتَّةَ.

6:136Page 145

وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦

And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ قُبْحَ طَرِيقَتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والقِيامَةَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنْواعًا مِن جَهالاتِهِمْ ورَكاكاتِ أقْوالِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وقِلَّةِ مَحْصُولِهِمْ، وتَنْفِيرًا لِلْعُقَلاءِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى كَلِماتِهِمْ، فَمِن جُمْلَتِها أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ، كالتَّمْرِ والقَمْحِ، ومِن أنْعامِهِمْ كالضَّأْنِ والمَعَزِ والإبِلِ والبَقَرِ، نَصِيبًا، فَقالُوا: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ يُرِيدُ بِكَذِبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ لِلَّهِ فَكَيْفَ نُسِبُوا إلى الكَذِبِ في قَوْلِهِمْ: هَذا لِلَّهِ ؟

صفحة ١٦٨

قُلْنا: إفْرازُهم النَّصِيبَيْنِ نَصِيبًا لِلَّهِ؛ ونَصِيبًا لِلشَّيْطانِ هو الكَذِبُ. قالَ الزَّجّاجُ: وتَقْدِيرُ الكَلامِ جَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا ولِشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ تَفْصِيلُهُ القِسْمَيْنِ فِيما بَعْدُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وجَعَلَ الأوْثانَ شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَها نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ يُنْفِقُونَها عَلَيْها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ وأنْعامِهِمْ نَصِيبًا، ولِلْأوْثانِ نَصِيبًا، فَما كانَ لِلصَّنَمِ أنْفَقُوهُ عَلَيْهِ، وما كانَ لِلَّهِ أطْعَمُوهُ الصِّبْيانَ والمَساكِينَ، ولا يَأْكُلُونَ مِنهُ البَتَّةَ. ثُمَّ إنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأوْثانِ تَرَكُوهُ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذا، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلْأوْثانِ في نَصِيبِ اللَّهِ أخَذُوهُ ورَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الصَّنَمِ، وقالُوا: إنَّهُ فَقِيرٌ.

الثّانِي: قالَ الحَسَنُ والسَّدِّيُّ: كانَ إذا هَلَكَ ما لِأوْثانِهِمْ أخَذُوا بَدَلَهُ مِمّا لِلَّهِ، ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيما لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى أنَّهُ إذا انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ سَدُّوهُ، وإنْ كانَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ تَرَكُوهُ.

الرّابِعُ: قالَ قَتادَةُ: إذا أصابَهُمُ القَحْطُ اسْتَعانُوا بِما لِلَّهِ ووَفَّرُوا ما جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ.

الخامِسُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنْ زَكا ونَما نَصِيبُ الآلِهَةِ ولَمْ يَزْكُ نَصِيبُ اللَّهِ تَرَكُوا نَصِيبَ الآلِهَةِ لَها، وقالُوا لَوْ شاءَ زَكّى نَصِيبَ نَفْسِهِ وإنْ زَكا نَصِيبُ اللَّهِ ولَمْ يَزْكُ نَصِيبُ الآلِهَةِ، قالُوا لا بُدَّ لِآلِهَتِنا مِن نَفَقَةٍ، فَأخَذُوا نَصِيبَ اللَّهِ فَأعْطَوْهُ السَّدَنَةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ يَعْنِي مِن نَماءِ الحَرْثِ والأنْعامِ ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي المَساكِينَ وإنَّما قالَ: (إلى اللَّهِ) لِأنَّهم كانُوا يَفْرِزُونَهُ لِلَّهِ ويُسَمُّونَهُ نَصِيبَ اللَّهِ، وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ هَذا الفِعْلَ فَقالَ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وذَكَرَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الإساءَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

الأوَّلُ: أنَّهم رَجَّحُوا جانِبَ الأصْنامِ في الرِّعايَةِ والحِفْظِ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وهو سَفَهٌ.

الثّانِي: أنَّهم جَعَلُوا بَعْضَ النَّصِيبِ لِلَّهِ وجَعَلُوا بَعْضَهُ لِغَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ تَعالى الخالِقُ لِلْجَمِيعِ، وهَذا أيْضًا سَفَهٌ.

الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمٌ أحْدَثُوهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَشْهَدْ بِصِحَّتِهِ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ، فَكانَ أيْضًا سَفَهًا.

الرّابِعُ: أنَّهُ لَوْ حَسُنَ إفْرازُ نَصِيبِ الأصْنامِ لَحَسُنَ إفْرازُ النَّصِيبِ لِكُلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ، الخامِسُ: أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِلْأصْنامِ في حُصُولِ الحَرْثِ والأنْعامِ، ولا قُدْرَةَ لَها أيْضًا عَلى الِانْتِفاعِ بِذَلِكَ النَّصِيبِ فَكانَ إفْرازُ النَّصِيبِ لَها عَبَثًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ أمْثالِ هَذِهِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ، أنْ يَعْرِفَ النّاسُ قِلَّةَ عُقُولِ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَذاهِبِ، وأنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَحْقِيرِهِمْ في أعْيُنِ العُقَلاءِ، وأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى كَلامِهِمْ أحَدٌ البَتَّةَ.

6:137Page 145

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧

And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾

صفحة ١٦٩

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن أحْكامِهِمُ الفاسِدَةِ، ومَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ، وقَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ أيْ كَما فَعَلُوا ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنهم شُرَكاؤُهم قَتْلَ الأوْلادِ، والمَعْنى: أنَّ جَعْلَهم لِلَّهِ نَصِيبًا، ولِلشُّرَكاءِ نَصِيبًا نِهايَةٌ في الجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ الخالِقِ المُنْعِمِ، وإقْدامَهِمْ عَلى قَتْلِ أوْلادِ أنْفُسِهِمْ نِهايَةٌ في الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ أحْكامَ هَؤُلاءِ وأحْوالَهم يُشاكِلُ بَعْضُها بَعْضًا في الرَّكاكَةِ والخَساسَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَدْفِنُونَ بَناتِهم أحْياءً خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ أوْ مِنَ التَّزْوِيجِ، وهو المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالشُّرَكاءِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: شُرَكاؤُهم شَياطِينُهم أمَرُوهم بِأنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَشْيَةَ العَيْلَةِ، وسُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءً؛ لِأنَّهم أطاعُوهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وأُضِيفَتِ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ، لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ لِآلِهَتِهِمْ سَدَنَةٌ وخُدّامٌ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُزَيِّنُونَ لِلْكَفّارِ قَتْلَ أوْلادِهِمْ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُومُ في الجاهِلِيَّةِ فَيَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا وكَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: الشُّرَكاءُ هُمُ السَّدَنَةُ، سُمُّوا شُرَكاءً كَما سُمِّيَتِ الشَّياطِينُ شُرَكاءً في قَوْلِ مُجاهِدٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ ”زُيِّنَ“ بِضَمِّ الزّاءِ وكَسْرِ الياءِ، وبِضَمِّ اللّامِ مِن ”قَتْلُ“ و”أوْلادَهم“ بِنَصْبِ الدّالِّ ”شُرَكائِهِمْ“ بِالخَفْضِ والباقُونَ ”زَيَّنَ“ بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ ”قَتْلَ“ بِفَتْحِ اللّامِ ”أوْلادِهِمْ“ بِالجَرِّ ”شُرَكاؤُهم“ بِالرَّفْعِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فالتَّقْدِيرُ: زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ شُرَكائِهِمْ أوْلادَهم، إلّا أنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ المُضافِ، والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ وهو الأوْلادُ، وهو مَكْرُوهٌ في الشِّعْرِ كَما في قَوْلِهِ: [: ]

فَزَجَجْتُها بِمِزَجَّةٍ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ

وإذا كانَ مُسْتَكْرَهًا في الشِّعْرِ فَكَيْفَ في القُرْآنِ الَّذِي هو مُعْجِزٌ في الفَصاحَةِ. قالُوا: والَّذِي حَمَلَ ابْنَ عامِرٍ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ”شُرَكائِهِمْ“ مَكْتُوبًا بِالياءِ، ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، لِأجْلِ أنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم في أمْوالِهِمْ لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فَلَيْسَ فِيها إلّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] والسَّبَبُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ هو أنَّهم يُقَدِّمُونَ الأهَمَّ، والَّذِي هم بِشَأْنِهِ أعَنى، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ هاهُنا إقْدامُهم عَلى قَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا التَّقْدِيرُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: (لِيُرْدُوهم) والإرْداءُ في اللُّغَةِ الإهْلاكُ، وفي القُرْآنِ ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيُرْدُوهم في النّارِ، واللّامُ هاهُنا مَحْمُولَةٌ عَلى لامِ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] أيْ لِيَخْلِطُوا؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينِ إسْماعِيلَ، فَهَذا الَّذِي أتاهم بِهَذِهِ الأوْضاعِ الفاسِدَةِ، أرادَ أنْ يُزِيلَهم عَنْ ذَلِكَ الدِّينِ الحَقِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ فَهو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ مِرارًا ﴿فَذَرْهم وما﴾

صفحة ١٧٠

(يَفْتَرُونَ) وهَذا عَلى قانُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِقَتْلِ أوْلادِهِمْ، فَكانُوا كاذِبِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ.

6:138Page 146

وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨

And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ ثالِثٌ مِن أحْكامِهِمُ الفاسِدَةِ، وهي أنَّهم قَسَّمُوا أنْعامَهم أقْسامًا: فَأوَّلُها: أنْ قالُوا: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ فَقَوْلُهُ: (حِجْرٌ) فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذَّبْحِ والطَّحْنِ، ويَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ، وأصْلُ الحِجْرِ المَنعُ، وسُمِّيَ العَقْلُ حِجْرًا لِمَنعِهِ عَنِ القَبائِحِ، وفُلانٌ في حِجْرِ القاضِي: أيْ في مَنعِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ”حُجْرٌ“ بِضَمِّ الحاءِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”حَرَجٌ“ وهو مِنَ الضِّيقِ، وكانُوا إذا عَيَّنُوا شَيْئًا مِن حَرْثِهِمْ وأنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ قالُوا: ﴿لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ خَدَمَ الأوْثانِ، والرِّجالَ دُونَ النِّساءِ.

والقِسْمُ الثّانِي مِن أنْعامِهِمُ الَّذِي قالُوا فِيهِ: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهي البَحائِرُ والسَّوائِبُ والحَوامِي، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ.

والقِسْمُ الثّالِثُ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في الذَّبْحِ، وإنَّما يَذْكُرُونَ عَلَيْها أسْماءَ الأصْنامِ، وقِيلَ لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ عَلى ظُهُورِها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ فانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ في مَعْنى الِافْتِراءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الوَعِيدُ.

6:139Page 146

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩

And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

صفحة ١٧١

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا نَوْعٌ رابِعٌ مِن أنْواعِ قَضاياهُمُ الفاسِدَةِ، كانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ما وُلِدَ مِنها حَيًّا فَهو خالِصٌ لِلذُّكُورِ لا تَأْكُلُ مِنها الإناثُ، وما وُلِدَ مَيِّتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الوَعِيدُ ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ لِيَكُونَ الزَّجْرُ واقِعًا عَلى حَدِّ الحِكْمَةِ وبِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في تَأْنِيثِ ”خالِصَةٌ“ ثَلاثَةَ أقْوالٍ: قَوْلَيْنِ لِلْفَرّاءِ وقَوْلًا لِلْكِسائِيِّ: أحَدُها: أنَّ الهاءَ لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، وإنَّما هي لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَما قالُوا: راوِيَةٌ، وعَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، والدّاهِيَةُ، والطّاغِيَةُ، كَذَلِكَ يَقُولُ: هو خالِصَةٌ لِي، وخالِصٌ لِي، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ، وإذا كانَ عِبارَةً عَنْ مُؤَنَّثٍ جازَ تَأْنِيثُهُ عَلى المَعْنى، وتَذْكِيرُهُ عَلى اللَّفْظِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ أُنِّثَ خَبَرُهُ الَّذِي هو (خالِصَةٌ) لِمَعْناهُ، وذُكِّرَ في قَوْلِهِ: (ومُحَرَّمٌ) عَلى اللَّفْظِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا والتَّقْدِيرُ: ذُو خالِصَةٍ كَقَوْلِهِمْ: عَطاؤُكَ عافِيَةٌ، والمَطَرُ رَحْمَةُ، والرُّخَصُ نِعْمَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”وإنْ تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ ”يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ. أمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، فَوَجْهُها أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَوَجْهُها أنَّ قَوْلَهُ: ”مَيْتَةً“ اسْمُ ”يَكُنْ“ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ يَكُنْ لَهم مَيْتَةٌ أوْ وإنْ يَكُنْ هُناكَ مَيْتَةٌ، وذُكِّرَ لِأنَّ المَيِّتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ الفاعِلُ المُسْنَدُ إلَيْهِ تَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولا يَحْتاجُ الكَوْنُ إلى خَبَرٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ. وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ ”تَكُنْ“ بِالتّاءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ فالتَّقْدِيرُ وإنْ تَكُنِ المَذْكُورُ مَيْتَهً فَأنَّثَ الفِعْلَ لِهَذا السَّبَبِ وأمّا قِراءَةُ الباقِينَ ”وإنْ يَكُنْ“ بِالياءِ ”مَيْتَةً“ بِالنَّصْبِ. فَتَأْوِيلُها، وإنْ يَكُنِ المَذْكُورُ مَيْتَةً ذَكَّرُوا الفِعْلَ لِأنَّهُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ وهو مُذَكَّرٌ، وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ”مَيْتَةً“ لَمّا كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى الضَّمِيرِ.

6:140Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ قَتْلَهم أوْلادَهم وتَحْرِيمَهم ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَمَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ وبَيَّنَ ما لَزِمَهم عَلى هَذا الحُكْمِ، وهو الخُسْرانُ والسَّفاهَةُ، وعَدَمُ العِلْمِ، وتَحْرِيمُ

صفحة ١٧٢

ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ، والضَّلالُ وعَدَمُ الِاهْتِداءِ، فَهَذِهِ أُمُورٌ سَبْعَةٌ وكُلُّ واحِدٍ مِنها سَبَبٌ تامٌّ في حُصُولِ الذَّمِّ.

أمّا الأوَّلُ: وهو الخُسْرانُ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَلَدَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ، فَإذا سَعى في إبْطالِهِ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا عَظِيمًا لا سِيَّما ويَسْتَحِقُّ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ الذَّمَّ العَظِيمَ في الدُّنْيا، والعُقابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ، أمّا الذَّمُّ في الدُّنْيا فَلِأنَّ النّاسَ يَقُولُونَ قَتَلَ ولَدَهُ خَوْفًا مِن أنْ يَأْكُلَ طَعامَهُ ولَيْسَ في الدُّنْيا ذَمٌّ أشَدُّ مِنهُ. وأمّا العِقابُ في الآخِرَةِ، فَلِأنَّ قَرابَةَ الوِلادَةِ أعْظَمُ مُوجِباتِ المَحَبَّةِ فَمَعَ حُصُولِها إذا أقْدَمَ عَلى إلْحاقِ أعْظَمِ المَضارِّ بِهِ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ أنْواعِ الذُّنُوبِ، فَكانَ مُوجِبًا لِأعْظَمِ أنْواعِ العِقابِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: السَّفاهَةُ وهي عِبارَةٌ عَنِ الخِفَّةِ المَذْمُومَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَتْلَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ لِلْخَوْفِ مِنَ الفَقْرِ، والفَقْرُ وإنْ كانَ ضَرَرًا إلّا أنَّ القَتْلَ أعْظَمُ مِنهُ ضَرَرًا، وأيْضًا فَهَذا القَتْلُ ناجِزٌ وذَلِكَ الفَقْرُ مَوْهُومٌ فالتِزامُ أعْظَمِ المَضارِّ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ حَذَرًا مِن ضَرَرٍ قَلِيلٍ مَوْهُومٍ، لا شَكَّ أنَّهُ سَفاهَةٌ.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فالمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ السَّفاهَةَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن عَدَمِ العِلْمِ ولا شَكَّ أنَّ الجَهْلَ أعْظَمُ المُنْكَراتِ والقَبائِحِ.

والنَّوْعُ الرّابِعُ: تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم، وهو أيْضًا مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحَماقَةِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ تِلْكَ المَنافِعَ والطَّيِّباتِ، ويَسْتَوْجِبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَنعِ أعْظَمَ أنْواعِ العَذابِ والعِقابِ.

والنَّوْعُ الخامِسُ: الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجَراءَةَ عَلى اللَّهِ، والِافْتِراءَ عَلَيْهِ أعْظَمُ الذُّنُوبِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ.

والنَّوْعُ السّادِسُ: الضَّلالُ عَنِ الرُّشْدِ في مَصالِحِ الدِّينِ ومَنافِعِ الدُّنْيا.

والنَّوْعُ السّابِعُ: أنَّهم ما كانُوا مُهْتَدِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قَدْ يَضِلُّ الإنْسانُ عَنِ الحَقِّ إلّا أنْ يَعُودَ إلى الِاهْتِداءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ولَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الِاهْتِداءُ قَطُّ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ذَمَّ المَوْصُوفِينَ بِقَتْلِ الأوْلادِ وتَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ السَّبْعَةِ المُوجِبَةِ لِأعْظَمِ أنْواعِ الذَّمِّ، وذَلِكَ نِهايَةُ المُبالَغَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском