Ar-RaziAl‑An'am · 6:158–165

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:158–165

6:158Page 150

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs1 of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَأْتِيَهم) بِالياءِ وفي النَّحْلِ مِثْلَهُ، والباقُونَ (تَأْتِيَهم) بِالتّاءِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ إزالَةً لِلْعُذْرِ، وإزاحَةً لِلْعِلَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ألْبَتَّةَ وشَرَحَ أحْوالًا تُوجِبُ اليَأْسَ عَنْ دُخُولِهِمْ في الإيمانِ فَقالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] ومَعْنى يَنْظُرُونَ يَنْتَظِرُونَ، و(هَلِ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِكَ إلّا إذا جاءَهم أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ،

صفحة ٧

وهِيَ مَجِيءُ المَلائِكَةِ، أوْ مَجِيءُ الرَّبِّ، أوْ مَجِيءُ الآياتِ القاهِرَةِ مِنَ الرَّبِّ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى جَوازِ المَجِيءِ والغَيْبَةِ عَلى اللَّهِ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: إنَّ هَذا حِكايَةً عَنْهم، وهم كانُوا كُفّارًا، واعْتِقادُ الكافِرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.

والثّانِي: إنَّ هَذا مَجازٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحْزابِ: ٥٧] .

والثّالِثُ: قِيامُ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى أنَّ المَجِيءَ والغَيْبَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، وأقْرَبُها قَوْلُ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في الرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الكَواكِبِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى إثْباتِ أثَرٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَصِيرُ هَذا عَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ إتْيانُ الرَّبِّ.

قُلْنا: الجَوابُ المُعْتَمَدُ أنَّ هَذا حِكايَةُ مَذْهَبِ الكُفّارِ، فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وقِيلَ: يَأْتِي رَبُّكَ بِالعَذابِ، أوْ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، وهو المُعْجِزاتُ القاهِرَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآياتِ عَلاماتُ القِيامَةِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كُنّا نَتَذاكَرُ أمْرَ السّاعَةِ؛ إذْ أشْرَفَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: ما تَتَذاكَرُونَ ؟ قُلْنا: نَتَذاكَرُ السّاعَةَ قالَ: إنَّها لا تَقُومُ حَتّى تَرَوْا قَبْلَها عَشْرَ آياتٍ: الدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وخَسْفًا بِالمَشْرِقِ، وخَسْفًا بِالمَغْرِبِ، وخَسْفًا بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونُزُولَ عِيسى، ونارًا تَخْرُجُ مِن عَدَنَ» وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (نَفْسًا) وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّفَةِ الأُولى، والمَعْنى: إنَّ أشْراطَ السّاعَةِ إذا ظَهَرَتْ ذَهَبَ أوانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَها، فَلَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ نَفْسًا ما آمَنَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وما كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا قَبْلَ ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ.

6:159Page 150

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muḥammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allāh; then He will inform them about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (فارَقُوا) بِالألِفِ، والباقُونَ (فَرَّقُوا) ومَعْنى القِراءَتَيْنِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ واحِدٌ: لِأنَّ الَّذِي فَرَّقَ دِينَهُ بِمَعْنى أنَّهُ أقَرَّ بِبَعْضٍ وأنْكَرَ بَعْضًا، فَقَدْ فارَقَهُ في الحَقِيقَةِ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ سائِرُ المِلَلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المُشْرِكِينَ؛ بَعْضُهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويَزْعُمُونَ

صفحة ٨

أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وبَعْضُهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا، أيْ فِرَقًا وأحْزابًا في الضَّلالَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ لِأنَّ النَّصارى تَفَرَّقُوا فِرَقًا، وكَفَّرَ بَعْضُهم بَعْضًا، وكَذَلِكَ اليَهُودُ، وهم أهْلُ كِتابٍ واحِدٍ، واليَهُودُ تُكَفِّرُ النَّصارى.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أخَذُوا بِبَعْضٍ وتَرَكُوا بَعْضًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٨٥] وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ .

والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، هم أهْلُ البِدَعِ والشُّبَهاتِ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ الحَثُّ عَلى أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةً، وأنْ لا يَتَفَرَّقُوا في الدِّينِ ولا يَبْتَدِعُوا البِدَعَ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنْتَ مِنهم بَرِيءٌ وهم مِنكَ بُرَآءُ وتَأْوِيلُهُ: إنَّكَ بَعِيدٌ عَنْ أقْوالِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، والعِقابُ اللّازِمُ عَلى تِلْكَ الأباطِيلِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ ولا يَتَعَدّاهم.

والثّانِي: لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ. قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُونَ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِمْ، فَلَمّا أمَرَ بِقِتالِهِمْ نُسِخَ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ المَعْنى لَسْتَ مِن قِتالِهِمْ في هَذا الوَقْتِ في شَيْءٍ، فَوُرُودُ الأمْرِ بِالقِتالِ في وقْتٍ آخَرَ لا يُوجِبُ النَّسْخَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ أيْ فِيما يَتَّصِلُ بِالإمْهالِ والإنْظارِ، والِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ والمُرادُ الوَعِيدُ.

6:160Page 150

مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦٠

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: الحَسَنَةُ قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والسَّيِّئَةُ هي الشِّرْكُ، وهَذا بَعِيدٌ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى العُمُومِ إمّا تَمَسُّكًا بِاللَّفْظِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّهُ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلى وصْفٍ مُناسِبٍ لَهُ: فَيَقْتَضِي كَوْنَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ. فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ لِعُمُومِ العِلَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: حُذِفَتِ الهاءُ مِن عَشْرٍ، والأمْثالُ جَمْعُ مِثْلٍ، والمِثْلُ مُذَكَّرٌ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالِها، ثُمَّ حُذِفَتِ الحَسَناتُ وأُقِيمَتِ الأمْثالُ الَّتِي هي صِفَتُها مَقامَها، وحَذْفُ المَوْصُوفِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، ويُقَوِّي هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ (عَشْرٌ أمْثالُها) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَذْهَبُنا أنَّ الثَّوابَ تَفَضَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم فَرَّقُوا بَيْنَ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ بِأنَّ الثَّوابَ هو المَنفَعَةُ المُسْتَحَقَّةُ، والتَّفَضُّلَ هو المَنفَعَةُ الَّتِي لا تَكُونُ مُسْتَحَقَّةً، ثُمَّ إنَّهم عَلى تَفْرِيعِ مَذاهِبِهِمُ اخْتَلَفُوا. فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ العَشَرَةُ تَفَضُّلٌ، والثَّوابُ غَيْرُها، وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ الواحِدُ ثَوابًا، وكانَتِ التِّسْعَةُ تَفَضُّلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ الثَّوابُ دُونَ التَّفَضُّلِ، وذَلِكَ لا

صفحة ٩

يَجُوزُ، لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ التَّفَضُّلُ مُساوِيًا لِلثَّوابِ في الكَثْرَةِ والشَّرَفِ، لَمْ يَبْقَ في التَّكْلِيفِ فائِدَةٌ أصْلًا فَيَصِيرُ عَبَثًا وقَبِيحًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الثَّوابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أعْظَمَ في القَدْرِ وفي التَّعْظِيمِ مِنَ التَّفَضُّلِ.

وقالَ آخَرُونَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِن هَذِهِ التِّسْعَةِ ثَوابًا، وتَكُونَ التِّسْعَةُ الباقِيَةُ تَفَضُّلًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ الواحِدَ يَكُونُ أوْفَرَ وأعْظَمَ وأعْلى شَأْنًا مِنَ التِّسْعَةِ الباقِيَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: التَّقْدِيرُ بِالعَشَرَةِ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ التَّحْدِيدَ، بَلْ أرادَ الأضْعافَ مُطْلَقًا، كَقَوْلِ القائِلِ: لَئِنْ أسْدَيْتَ إلَيَّ مَعْرُوفًا لَأُكافِئَنَّكَ بِعَشْرِ أمْثالِهِ، وفي الوَعِيدِ يُقالُ: لَئِنْ كَلَّمْتَنِي واحِدَةً لَأُكَلِّمَنَّكَ عَشْرًا، ولا يُرِيدُ التَّحْدِيدَ فَكَذا هَهُنا. والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّحْدِيدِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ أيِ الإجْزاءُ يُساوِيها ويُوازِيها. رَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: الحَسَنَةُ عَشْرٌ أوْ أزِيدُ، والسَّيِّئَةُ واحِدَةٌ أوْ أعْفُو، فالوَيْلُ لِمَن غَلَبَ آحادُهُ أعْشارَهُ» وقالَ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ إذا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فاكْتُبُوها لَهُ حَسَنَةً وإنْ لَمْ يَعْمَلْها، فَإنْ عَمِلَها فَعَشْرٌ أمْثالُها. وإنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوها، وإنَّ عَمِلَها فَسَيِّئَةً واحِدَةً» وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يُنْقَصُ مِن ثَوابِ طاعَتِهِمْ، ولا يُزادُ عَلى عِقابِ سَيِّئاتِهِمْ.

فِي الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كُفْرُ ساعَةٍ كَيْفَ يُوجِبُ عِقابَ الأبَدِ عَلى نِهايَةِ التَّغْلِيظِ.

جَوابُهُ: أنَّهُ كانَ الكافِرُ عَلى عَزْمٍ أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ العَزْمُ مُؤَبَّدًا عُوقِبَ بِعِقابِ الأبَدِ خِلافَ المُسْلِمِ المُذْنِبِ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى عَزْمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ عُقُوبَتُهُ مُنْقَطِعَةً.

السُّؤالُ الثّانِي: إعْتاقُ الرَّقَبَةِ الواحِدَةِ تارَةً جُعِلَ بَدَلًا عَنْ صِيامِ سِتِّينَ يَوْمًا، وهو في كَفّارَةِ الظِّهارِ، وتارَةً جُعِلَ بَدَلًا عَنْ صِيامِ أيّامٍ قَلائِلَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُساواةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.

جَوابُهُ: إنَّ المُساواةَ إنَّما تَحْصُلُ بِوَضْعِ الشَّرْعِ وحُكْمِهِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: إذا أحْدَثَ في رَأْسِ إنْسانٍ مُوضِحَتَيْنِ: وجَبَ فِيهِ أرْشانِ، فَإنْ رَفَعَ الحاجِزَ بَيْنَهُما صارَ الواجِبُ أرْشَ مُوضِحَةٍ واحِدَةٍ، فَهَهُنا ازْدادَتِ الجِنايَةُ، وقَلَّ العِقابُ، فالمُساواةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ.

وجَوابُهُ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَعَبُّداتِ الشَّرْعِ وتَحَكُّماتِهِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّهُ يَجِبُ في مُقابَلَةِ تَفْوِيتِ أكْثَرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأعْضاءِ دِيَةٌ كامِلَةٌ، ثُمَّ إذا قَتَلَهُ وفَوَّتَ كُلَّ الأعْضاءِ، وجَبَتْ دِيَةٌ واحِدَةٌ، وذَلِكَ يَمْنَعُ القَوْلَ مِن رِعايَةِ المُماثَلَةِ.

جَوابُهُ: أنَّهُ مِن بابِ تَحَكُّماتِ الشَّرِيعَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:161–163Page 150

قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٦١

Say, "Indeed, my Lord has guided me to a straight path - a correct religion - the way of Abraham, inclining toward truth. And he was not among those who associated others with Allāh."

قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢

Say, "Indeed, my prayer, my rites of sacrifice, my living and my dying are for Allāh, Lord of the worlds.

لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣

No partner has He. And this I have been commanded, and I am the first [among you] of the Muslims."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ رَسُولَهُ أنْواعَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى القائِلِينَ بِالشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ وبالَغَ في تَقْرِيرِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنّافِينَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ورَدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أباطِيلِهِمْ، أمَرَهُ أنْ يَخْتِمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِاللَّهِ، وانْتَصَبَ ”دِينًا“ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: عَلى البَدَلِ مِن مَحَلِّ صِراطٍ؛ لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَما قالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفَتْحِ: ٢] .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الزَمُوا دِينًا، وقَوْلُهُ: (قِيَمًا) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَيِّمُ فَيْعِلٌ مِن قامَ كَسَيِّدٍ مِن سادَ وهو أبْلَغُ مِنَ القائِمِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ: (قِيَمًا) مَكْسُورَةَ القافِ خَفِيفَةَ الياءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ كالصِّغَرِ والكِبَرِ والحِوَلِ والشِّبَعِ، والتَّأْوِيلُ: دِينًا ذا قِيَمٍ، ووَصَفَ الدِّينَ بِهَذا الوَصْفِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ فَقَوْلُهُ: (مِلَّةَ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ وحَنِيفًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ، والمَعْنى: هَدانِي رَبِّي وعَرَّفَنِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في صِفَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَهُ الدِّينَ المُسْتَقِيمَ عَرَّفَهُ كَيْفَ يَقُومُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُؤَدِّيهِ مَعَ الإخْلاصِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في العِباداتِ أنْ يُؤْتى بِها كَيْفَ كانَتْ بَلْ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِها مَعَ تَمامِ الإخْلاصِ، وهَذا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الصَّلاةِ أنْ يُؤْتى بِها مَقْرُونَةً بِالإخْلاصِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونُسُكِي﴾ فَقِيلَ: المُرادُ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةُ بِعَيْنِها، يَقُولُ: مَن فَعَلَ كَذا فَعَلَيْهِ نُسُكٌ؛ أيْ: دَمٌ يُهَرِيقُهُ، وجَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ والذَّبْحِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكَوْثَرِ: ٢] ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: النُّسُكُ سَبائِكُ الفِضَّةِ، كُلُّ سَبِيكَةٍ مِنها نَسِيكَةٌ، وقِيلَ لِلْمُتَعَبِّدِ ناسِكٌ؛ لِأنَّهُ خَلَّصَ نَفْسَهُ مِن دَنَسِ الآثامِ، وصَفّاها كالسَّبِيكَةِ المُخَلَّصَةِ مِنَ الخَبَثِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ، فالنُّسُكُ كُلُّ ما تَقَرَّبْتَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. إلّا أنَّ الغالِبَ عَلَيْهِ في العُرْفِ الذَّبْحُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ حَياتِي ومَوْتِي لِلَّهِ.

صفحة ١١

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَ الكُلِّ لِلَّهِ، والمَحْيا والمَماتُ لَيْسا لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ يُؤْتى بِهِما لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ، بَلْ مَعْنى كَوْنِهِما لِلَّهِ أنَّهُما حاصِلانِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذَلِكَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الصَّلاةِ والنُّسُكِ لِلَّهِ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِما واقِعَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ طاعاتِ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى.

وقَرَأ نافِعٌ (مَحْيايْ) ساكِنَةَ الياءِ ونَصَبَها في مَماتِي، وإسْكانُ الياءِ في مَحْيايَ شاذٌّ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، لِأنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَلْتَقِيانِ عَلى هَذا الحَدِّ في نَثْرٍ ولا نَظْمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وحاصِلُ الكَلامِ، أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ صَلاتَهُ وسائِرَ عِباداتِهِ وحَياتَهُ ومَماتَهُ كُلَّها واقِعَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيرِهِ وقَضائِهِ وحُكْمِهِ، ثُمَّ نَصَّ عَلى أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ يَقُولُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ: أيْ وبِهَذا التَّوْحِيدِ أُمِرْتُ.

ثُمَّ يَقُولُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهُ أوَّلًا لِمُسْلِمِي زَمانِهِ.

6:164Page 150

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ١٦٤

Say, "Is it other than Allāh I should desire as a lord while He is the Lord of all things? And every soul earns not [blame] except against itself, and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you concerning that over which you used to differ."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّوْحِيدِ المَحْضِ، وهو أنْ يَقُولَ: ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ ما يَجْرِي مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّوْحِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ أصْنافَ المُشْرِكِينَ أرْبَعَةٌ؛ لِأنَّ عَبْدَةَ الأصْنامِ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وعَبَدَةَ الكَواكِبِ أشْرَكُوا بِاللَّهِ، والقائِلُونَ بِيَزْدانُ، وأهْرَمَنُ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٠] أشْرَكُوا بِاللَّهِ، والقائِلُونَ: بِأنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ والمَلائِكَةَ بَناتُهُ، أشْرَكُوا أيْضًا بِاللَّهِ، فَهَؤُلاءِ هم فِرَقُ المُشْرِكِينَ، وكُلُّهم مُعْتَرِفُونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ عَبْدَةَ الأصْنامِ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولِكُلِّ ما في العالَمِ مِنَ المَوْجُوداتِ، وهو الخالِقُ لِلْأصْنامِ والأوْثانِ بِأسْرِها.

وأمّا عَبْدَةُ الكَواكِبِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُها ومُوجِدُها. وأمّا القائِلُونَ بِيَزْدانُ وأهْرَمَنُ، فَهم أيْضًا مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ الشَّيْطانَ مُحْدَثٌ، وأنَّ مُحْدِثَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ. وأمّا القائِلُونَ بِالمَسِيحِ والمَلائِكَةِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ الكُلِّ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ طَوائِفَ المُشْرِكِينَ أطْبَقُوا واتَّفَقُوا عَلى أنَّ اللَّهَ خالِقُ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فاللَّهُ سُبْحانَهُ قالَ لَهُ: يا مُحَمَّدُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ تِلْكَ الأشْياءِ، وهَلْ يَدْخُلُ في العَقْلِ جَعْلُ المَرْبُوبِ شَرِيكًا لِلرَّبِّ وجَعْلُ العَبْدِ شَرِيكًا لِلْمَوْلى، وجَعْلُ المَخْلُوقِ شَرِيكًا لِلْخالِقِ ؟

ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ثَبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ أنَّ اتِّخاذَ رَبٍّ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى قَوْلٌ فاسِدٌ، ودِينٌ باطِلٌ.

صفحة ١٢

الوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ هَذا الكَلامِ أنَّ المَوْجُودَ، إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ.

وثَبَتَ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ واحِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وثَبَتَ أنَّ المُمْكِنَ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ تَعالى رَبًّا لِكُلِّ شَيْءٍ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ جَعْلُ المَرْبُوبِ شَرِيكًا لِلرَّبِّ وجَعْلُ المَخْلُوقِ شَرِيكًا لِلْخالِقِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِهَذا الدَّلِيلِ القاهِرِ القاطِعِ هَذا التَّوْحِيدَ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ ذَمٌّ ولا عِقابٌ، فَقالَ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ ومَعْناهُ: أنَّ إثْمَ الجانِي عَلَيْهِ، لا عَلى غَيْرِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ آثِمَةٌ بِإثْمِ أُخْرى، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ رُجُوعَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إلى مَوْضِعٍ لا حاكِمَ فِيهِ ولا آمِرَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ .

6:165Page 150

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ ١٦٥

And it is He who has made you successors upon the earth and has raised some of you above others in degrees [of rank] that He may try you through what He has given you. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ وُجُوهًا:

أحَدُها: جَعَلَهم خَلائِفَ الأرْضِ؛ لِأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَخَلَفَتْ أُمَّتُهُ سائِرَ الأُمَمِ.

وثانِيها: جَعَلَهم يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

وثالِثُها: أنَّهم خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ يَمْلِكُونَها ويَتَصَرَّفُونَ فِيها.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في الشَّرَفِ، والعَقْلِ، والمالِ، والجاهِ، والرِّزْقِ، وإظْهارُ هَذا التَّفاوُتِ لَيْسَ لِأجْلِ العَجْزِ والجَهْلِ والبُخْلِ، فَإنَّهُ تَعالى مُتَعالٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفاتِ، وإنَّما هو لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَقِيقَةَ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، إلّا أنَّ المُرادَ هو التَّكْلِيفُ وهو عَمَلٌ لَوْ صَدَرَ مِنَ الواحِدِ مِنّا لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، فَسُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأجْلِ هَذِهِ المُشابَهَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذا المُكَلَّفَ إمّا أنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا فِيما كُلِّفَ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُوَفِّرًا فِيهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ نَصِيبُهُ مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ، هو قَوْلَهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ ووَصَفَ العِقابَ بِالسُّرْعَةِ؛ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ، وهو أنْ يَكُونَ مُوَفِّرًا في تِلْكَ الطّاعاتِ كانَ نَصِيبُهُ مِنَ التَّشْرِيفِ والتَّرْغِيبِ هو قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ويَسْتُرُ العُيُوبَ في الدُّنْيا بِسَتْرِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ، وفي الآخِرَةِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ أنْواعَ نِعَمِهِ، وهَذا الكَلامُ بَلَغَ في شَرْحِ الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ، وهَذا آخِرُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْعامِ، والحَمْدُ لِلَّهِ المَلِكِ العَلّامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском