Ar-RaziAl‑An'am · 6:19–22

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:19–22

6:19Page 130

قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أكْبَرَ الشَّهاداتِ وأعْظَمَها شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ حاصِلَةٌ إلّا أنَّ الآيَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ حَصَلَتْ في إثْباتِ أيِّ المَطالِبِ، فَنَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ شَهادَةِ اللَّهِ في ثُبُوتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ هَذِهِ الشَّهادَةِ في ثُبُوتِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.

أمّا الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: فَقَدْ رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما وجَدَ اللَّهُ غَيْرَكَ رَسُولًا ! وما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ، وقَدْ سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْكَ فَزَعَمُوا أنَّهُ لا ذِكْرَ لَكَ عِنْدَهم بِالنُّبُوَّةِ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ حَتّى يَعْتَرِفُوا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ أكْبَرَ الأشْياءِ شَهادَةً هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإذا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ فَقُلْ إنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ لِي بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ أوْحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ وهَذا القُرْآنُ مُعْجِزٌ، لِأنَّكم أنْتُمُ الفُصَحاءُ والبُلَغاءُ وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَإذا كانَ مُعْجِزًا، كانَ إظْهارُ اللَّهِ إيّاهُ عَلى وفْقِ دَعْوايَ شَهادَةً مِنَ اللَّهِ عَلى كَوْنِي صادِقًا في دَعْوايَ. والحاصِلُ: أنَّهم طَلَبُوا شاهِدًا

صفحة ١٤٦

مَقْبُولَ القَوْلِ يَشْهَدُ عَلى نُبُوَّتِهِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ أكْبَرَ الأشْياءِ شَهادَةً هو اللَّهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ شَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ فَهَذا تَقْرِيرٌ واضِحٌ.

وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ حُصُولَ هَذِهِ الشَّهادَةِ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.

فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِمُقَدِّمَةٍ، وهي أنّا نَقُولُ: المَطالِبُ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ: مِنها ما يَمْتَنِعُ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ السَّمْعِ عَلى صِحَّتِهِ امْتَنَعَ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ، وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ. ومِنها ما يَمْتَنِعُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ وهو كُلُّ شَيْءٍ يَصِحُّ وُجُودُهُ ويَصِحُّ عَدَمُهُ عَقْلًا، فَلا امْتِناعَ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أصْلًا، فالقَطْعُ عَلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِعَيْنِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، ومِنها ما يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالعَقْلِ والسَّمْعِ مَعًا، وهو كُلُّ أمْرٍ عَقْلِيٍّ لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِهِ، فَلا جَرَمَ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ والأمْثالِ والأشْباهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ أيْ إنَّ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الواجِبُ، وإنَّ القَوْلَ بِالشِّرْكِ باطِلٌ مَرْدُودٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ جَهْمٍ أنَّهُ يُنْكِرُ كَوْنَهُ تَعالى شَيْئًا.

واعْلَمْ أنَّهُ لا يُنازِعُ في كَوْنِهِ تَعالى ذاتًا مَوْجُودًا وحَقِيقَةً إلّا أنَّهُ يُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ تَعالى بِكَوْنِهِ شَيْئًا، فَيَكُونُ هَذا خِلافًا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ. واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعالى بِالشَّيْءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: أيُّ الأشْياءِ أكْبَرُ شَهادَةً. ثُمَّ ذَكَرَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ قَوْلَهُ: (قُلِ اللَّهُ) وهَذا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى شَيْئًا، كَما أنَّهُ لَوْ قالَ: أيُّ النّاسِ أصْدَقُ، فَلَوْ قِيلَ: جِبْرِيلُ، كانَ هَذا الجَوابُ خَطَأً؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ مِنَ النّاسِ فَكَذا هَهُنا.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ كَلامٌ تامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: (اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وهو جُمْلَةٌ تامَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها لا تَعَلُّقُ لَها بِما قَبْلَها.

قُلْنا: الجَوابُ في وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ لا شَكَّ أنَّهُ سُؤالٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن جَوابٍ: إمّا مَذْكُورٍ، وإمّا مَحْذُوفٍ.

فَإنْ قُلْنا: الجَوابُ مَحْذُوفٌ فَنَقُولُ: هَذا عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ المَحْذُوفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا يَدُلُّ المَذْكُورُ عَلَيْهِ ويَكُونَ لائِقًا بِذَلِكَ المَوْضِعِ.

والجَوابُ اللّائِقُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ هو أنْ يُقالَ: هو اللَّهُ، ثُمَّ يُقالُ بَعْدَهُ ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى أنَّهُ تَعالى يُسَمّى باسْمِ الشَّيْءِ فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.

صفحة ١٤٧

وفِي المَسْألَةِ دَلِيلٌ آخَرُ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] والمُرادُ بِوَجْهِهِ ذاتُهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى ذاتَ نَفْسِهِ مِن قَوْلِهِ: (كُلُّ شَيْءٍ) والمُسْتَثْنى يَجِبُ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُسَمّى باسْمِ الشَّيْءِ. واحْتَجَّ جَهْمٌ عَلى فَسادِ هَذا الِاسْمِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] والمُرادُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُسَمّى باسِمِ الشَّيْءِ، ولا يُقالُ: الكافُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ كَلِمَةٍ مِن كَلِماتِ القُرْآنِ عَبَثًا باطِلًا لا يَلِيقُ بِأهْلِ الدِّينِ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] .

ولَوْ كانَ تَعالى مُسَمّى بِالشَّيْءِ لَزِمَ كَوْنُهُ خالِقًا لِنَفْسِهِ، وهو مُحالٌ لا يُقالُ، هَذا عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ لِأنّا نَقُولُ إدْخالُ التَّخْصِيصِ إنَّما يَجُوزُ في صُورَةٍ نادِرَةٍ شاذَّةٍ لا يُؤْبَهُ بِها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها، فَيَجْرِي وُجُودُها مَجْرى عَدَمِها فَيُطْلَقُ لَفْظُ الكُلِّ عَلى الأكْثَرِ تَنْبِيهًا، عَلى أنَّ البَقِيَّةَ جارِيَةٌ مَجْرى العَدَمِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ البارِي تَعالى لَوْ كانَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ لَكانَ هو تَعالى أعْظَمَ الأشْياءِ وأشْرَفَها، وإطْلاقُ لَفْظِ الكُلِّ مَعَ أنْ يَكُونَ هَذا القِسْمُ خارِجًا عَنْهُ يَكُونُ مَحْضَ كَذِبٍ ولا يَكُونُ مِن بابِ التَّخْصِيصِ.

الثّالِثُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والِاسْمُ إنَّما يَحْسُنُ لِحُسْنِ مُسَمّاهُ وهو أنْ يَدُلَّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ونَعَتٍ مِن نُعُوتِ الجَلالِ، ولَفَظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الأشْياءِ فَيَكُونُ مُسَمّاهُ حاصِلًا في أحْسَنِ الأشْياءِ وفي أرْذَلِها، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ المُسَمّى بِهَذا اللَّفْظِ صِفَةً مِن صِفاتِ الكَمالِ ولا نَعْتًا مِن نُعُوتِ الجَلالِ. فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دَعْوَةُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّ هَذا الِاسْمَ لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى واللَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ يُدْعى بِالأسْماءِ الحُسْنى، وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دُعاءُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ، وكُلُّ مَن مَنَعَ مِن دُعاءِ اللَّهِ بِهَذا الِاسْمِ قالَ: إنَّ هَذا اللَّفْظَ لَيْسَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى البَتَّةَ.

الرّابِعُ: أنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَتَناوَلُ المَعْدُومَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

بَيانُ الأوَّلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] سَمّى الشَّيْءَ الَّذِي سَيَفْعَلُهُ غَدًا بِاسْمِ الشَّيْءِ في الحالِ والَّذِي سَيَفْعَلُهُ غَدًا يَكُونُ مَعْدُومًا في الحالِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اسْمَ الشَّيْءِ يَقَعُ عَلى المَعْدُومِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُنا: إنَّهُ شَيْءٌ لا يُفِيدُ امْتِيازَ ذاتِهِ عَنْ سائِرِ الذَّواتِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ ولا بِخاصَّةِ مُتَمَيِّزَةٍ، ولا يُفِيدُ كَوْنَهُ مَوْجُودًا فَيَكُونُ هَذا لَفْظًا لا يُفِيدُ فائِدَةً في حَقِّ اللَّهِ تَعالى ألْبَتَّةَ، فَكانَ عَبَثًا مُطْلَقًا، فَوَجَبَ أوْ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ أنْ يُقالَ: لَمّا تَعارَضَتِ الدَّلائِلُ فَنَقُولُ: لَفْظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الألْفاظِ، ومَتى صَدَقَ الخاصُّ صَدَقَ العامُّ، فَمَتى صَدَقَ فِيهِ كَوْنُهُ ذاتًا وحَقِيقَةً وجَبَ أنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ شَيْئًا وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ لِأُنْذِرَكم بِهِ، وهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وقَوْلُهُ: (ومَن بَلَغَ) عَطْفٌ عَلى المُخاطَبِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ أيْ لِأُنْذِرَكم بِهِ، وأُنْذِرَ كُلَّ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، وقِيلَ: مِنَ الثَّقَلَيْنِ، وقِيلَ: مَن بَلَغَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ، فَكَأنَّما رَأى مُحَمَّدًا ﷺ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَيَحْصُلُ في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ، ومَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ. إلّا أنَّ هَذا العائِدَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ

صفحة ١٤٨

عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: الَّذِي رَأيْتُ زَيْدٌ، والَّذِي ضَرَبْتُ عَمْرٌو. وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (ومَن بَلَغَ) قَوْلٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ومَن بَلَغَ) أيْ ومَنِ احْتَلَمَ وبَلَغَ حَدَّ التَّكْلِيفِ، وعِنْدَ هَذا لا يُحْتاجُ إلى إضْمارِ العائِدِ إلّا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فَنَقُولُ: فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”أيِنَّكم“ بِهَمْزَةٍ وكَسْرَةٍ بَعْدَها خَفِيفَةٍ مُشْبِهَةٍ ياءً ساكِنَةً بِلا مَدٍّ، وأبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ يَمُدُّ والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ.

والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الجَحْدُ والإنْكارُ. قالَ الفَرّاءُ: ولَمْ يَقُلْ آخَرُ لِأنَّ الآلِهَةَ جَمْعٌ والجَمْعُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ كَما قالَ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ولَمْ يَقُلِ الأوَّلِ ولا الأوَّلِينَ وكُلُّ ذَلِكَ صَوابٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ دالٌّ عَلى إيجابِ التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنِ الشِّرْكِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ أيْ لا أشْهَدُ بِما تَذْكُرُونَهُ مِن إثْباتِ الشُّرَكاءِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وكَلِمَةُ: ”إنَّما“ تُفِيدُ الحَصْرَ، ولَفْظُ الواحِدِ صَرِيحٌ في التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِالبَراءَةِ عَنْ إثْباتِ الشُّرَكاءِ. فَثَبَتَ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى إيجابِ التَّوْحِيدِ بِأعْظَمِ طُرُقِ البَيانِ وأبْلَغِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ. قالَ العُلَماءُ: المُسْتَحَبُّ لِمَن أسْلَمَ ابْتِداءً أنْ يَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ ويَتَبَرَّأ مِن كُلِّ دِينٍ سِوى دِينِ الإسْلامِ. ونَصَّ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى اسْتِحْبابِ ضَمِّ التَّبَرِّي إلى الشَّهادَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ عُقَيْبَ التَّصْرِيحِ بِالتَّوْحِيدِ.

6:20Page 130

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠

Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا رُوِّينا في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ سَألُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْكَرُوا دَلالَةَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ كافِيَةٌ في ثُبُوتِها وتَحَقُّقِها، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ أنّا لا نَعْرِفُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ قالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ: يا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ فِيكم حِينَ رَأيْتُهُ كَما أعْرِفُ ابْنِي ولَأنا أشَدُّ مَعْرِفَةً بِمُحَمَّدٍ مِنِّي بِابْنِي لِأنِّي لا أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٤٩

واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَ عِلْمِهِمْ بِأبْنائِهِمْ، وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: المَكْتُوبُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُجَرَّدُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ في آخِرِ الزَّمانِ يَدْعُو الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أوِ المَكْتُوبُ فِيهِ هَذا المَعْنى مَعَ تَعَيُّنِ الزَّمانِ والمَكانِ والنَّسَبِ والصِّفَةِ والحِلْيَةِ والشَّكْلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَذَلِكَ القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: عِلْمُهم بِنُبُوَّتِهِ مِثْلُ عِلْمِهِمْ بِبُنُوَّةِ أبْنائِهِمْ، وإنْ كانَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى عالِمِينَ بِالضَّرُورَةِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِكَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والكَذِبُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ لا يَجُوزُ لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ما كانا مُشْتَمِلَيْنِ عَلى هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ الكامِلَةِ، لِأنَّ هَذا التَّفْصِيلَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ باقِيًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ حالَ ظُهُورِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ ما بَقِيَتْ هَذِهِ التَّفاصِيلُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في وقْتِ ظُهُورِهِ لِأجْلِ أنَّ التَّحْرِيفَ قَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِما قَبْلَ ذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ إخْفاءَ مِثْلِ هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ في كِتابٍ وصَلَ إلى أهْلِ الشَّرْقِ والغَرْبِ مُمْتَنِعٌ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَكُنْ يَهُودُ ذَلِكَ الزَّمانِ ونَصارى ذَلِكَ الزَّمانِ عالِمِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمَهم بِبُنُوَّةِ أبْنائِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا الكَلامُ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنْ يُقالَ المُرادُ بِـ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى، وهم كانُوا أهْلًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانُوا قَدْ شاهَدُوا ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَعَرَفُوا بِواسِطَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِن تَشْبِيهِ إحْدى المَعْرِفَتَيْنِ بِالمَعْرِفَةِ الثّانِيَةِ هَذا القَدْرُ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِلَّذِينِ الأُولى، فَيَكُونُ عامِلُهُما واحِدًا ويَكُونُ المَقْصُودُ وعِيدَ المُعانِدِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ويَجْحَدُونَ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ ابْتِداءٌ، وقَوْلَهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِمَعْنى الهَلاكِ الدّائِمِ الَّذِي حَصَلَ لَهم بِسَبَبِ الكُفْرِ.

والثّانِي: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ ولا مُؤْمِنٍ إلّا ولَهُ مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ فَمَن كَفَرَ صارَتْ مَنزِلَتُهُ إلى مَن أسْلَمَ فَيَكُونُ قَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ بِأنْ ورِثَ مَنزِلَتَهُ غَيْرُهُ

6:21–22Page 130

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلى أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ بِالخُسْرانِ في الآيَةِ الأُولى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ ذَلِكَ الخُسْرانِ، وهو أمْرانِ:

أحَدُهُما أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وهَذا الِافْتِراءُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ كُفّارَ

صفحة ١٥٠

مَكَّةَ كانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ الأصْنامُ شُرَكاءُ اللَّهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِعِبادَتِها والتَّقَرُّبِ إلَيْها، وكانُوا أيْضًا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ ثُمَّ نَسَبُوا إلى اللَّهِ تَحْرِيمَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ.

وثانِيها: أنِ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا يَقُولُونَ حَصَلَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ هاتَيْنِ الشَّرِيعَتَيْنِ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما النَّسْخُ والتَّغْيِيرُ، وأنَّهُما لا يَجِيءُ بَعْدَهُما نَبِيٌّ.

وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] .

ورابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وكانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] .

وخامِسُها: أنَّ بَعْضَ الجُهّالِ مِنهم كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وأمْثالُ هَذِهِ الأباطِيلِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى اللَّهِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّها افْتِراءٌ مِنهم عَلى اللَّهِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِن أسْبابِ خُسْرانِهِمْ تَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنهُ قَدْحُهم في مُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وطَعْنُهم فِيها وإنْكارُهم كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزَةً قاهِرَةً بَيِّنَةً، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ فَفي ناصِبِ قَوْلِهِ: (ويَوْمَ) أقْوالٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ.

والثّانِي: التَّقْدِيرُ اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ أبَدًا ويَوْمَ نَحْشُرُهم.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ لا السُّؤالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أيْنَ نَفْسُ الشُّرَكاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أيْنَ شَفاعَتُهم لَكم وانْتِفاعُكم بِهِمْ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: لا يَكُونُ الكَلامُ إلّا تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا وتَقْرِيرًا في نُفُوسِهِمْ أنَّ الَّذِي كانُوا يَظُنُّونَهُ مَأْيُوسٌ عَنْهُ، وصارَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاءُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ الزَّعْمِ لِدَلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ زَعْمٍ في كِتابِ اللَّهِ كَذِبٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском