Ar-RaziAl‑An'am · 6:23–26

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:23–26

6:23–24Page 130

ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."

ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾“ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ، وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ“ بِالياءِ وفِتْنَتَهم بِالنَّصْبِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتّاءِ المُنْقَطَةِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الفِتْنَةِ، فَهَهُنا قَوْلُهُ أنْ قالُوا: في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ تَكُنْ، وإنَّما أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ مَن كانَتْ أُمُّكَ

صفحة ١٥١

أوْ لِأنَّ ما قالُوا فِتْنَةٌ في المَعْنى، ويَجُوزُ تَأْوِيلُ إلّا أنْ قالُوا لا مَقالَتُهم. وأمّا القِراءَةُ بِالياءِ المُنْقَطَةِ مِن تَحْتُ، ونَصْبِ فِتْنَتَهم، فَهَهُنا قَوْلُهُ: (أنْ قالُوا) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ يَكُنْ، وفِتْنَتَهم هو الخَبَرُ. قالَ الواحِدِيُّ: الِاخْتِيارُ قِراءَةُ مَن جَعَلَ أنْ قالُوا الِاسْمَ دُونَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ أنْ إذا وُصِلَتْ بِالفِعْلِ لَمْ تُوصَفْ فَأشْبَهَتْ بِامْتِناعِ وصْفِها المُضْمَرَ، فَكَما أنَّ المُظْهَرَ والمُضْمَرَ إذا اجْتَمَعا كانَ جَعْلُ المُضْمَرِ اسْمًا أوْلى مِن جَعْلِهِ خَبَرًا، فَكَذا هَهُنا تَقُولُ كُنْتُ القائِمَ، فَجَعَلْتَ المُضْمَرَ اسْمًا والمُظْهَرَ خَبَرًا فَكَذا هَهُنا، ونَقُولُ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: واللَّهِ رَبَّنا بِنَصْبِ قَوْلِهِ رَبَّنا لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: بِإضْمارٍ أعْنِي وأذْكُرُ.

والثّانِي: عَلى النِّداءِ، أيْ واللَّهِ يا رَبَّنا، والباقُونَ بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّأُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ: ومِثالُهُ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ عارِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ، فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ هَهُنا افْتِتانُهم بِالأوْثانِ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْناهُ شِرْكُهم في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ إلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ إلّا البَراءَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ، إلّا أنْ فَرَرْتَ مِنهُ وتَرَكْتَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي: أنَّهم حَلَفُوا في القِيامَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ، وهَذا يَقْتَضِي إقْدامَهم عَلى الكَذِبِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، والقاضِي: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ واحْتَجّا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِالِاضْطِرارِ، إذْ لَوْ عَرَفُوهُ بِالِاسْتِدْلالِ لَصارَ مَوْقِفُ القِيامَةِ دارَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وإذا كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرارِ وجَبَ أنْ يَكُونُوا مُلْجَئِينَ إلى أنْ لا يَفْعَلُوا القَبِيحَ بِمَعْنى أنَّهم لَوْ رامُوا فِعْلَ القَبِيحِ لَمَنَعَهُمُ اللَّهُ مِنهُ؛ لَأنَّ مَعَ زَوالِ التَّكْلِيفِ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَعْنى لَكانَ ذَلِكَ إطْلاقَهم في فِعْلِ القَبِيحِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ أنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَعْلَمُونَ اللَّهَ بِالِاضْطِرارِ، وثَبَتَ أنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ كانُوا مُلْجَئِينَ إلى تَرْكِ القَبِيحِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُقْدِمُ أحَدٌ مِن أهْلِ القِيامَةِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ مِنهم فِعْلُ القَبِيحِ، إذا كانُوا عُقَلاءَ، إلّا أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ مِنهم هَذا الكَذِبُ لِأنَّهم لَمّا عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ اضْطَرَبَتْ عُقُولُهم، فَقالُوا هَذا القَوْلَ الكَذِبَ عِنْدَ اخْتِلالِ عُقُولِهِمْ ؟ أوْ يُقالُ: إنَّهم نَسُوا كَوْنَهم مُشْرِكِينَ في الدُّنْيا.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ يَحْشُرَهم: ويُورِدَ عَلَيْهِمُ التَّوْبِيخَ بِقَوْلِهِ: (أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) ثُمَّ يَحْكِي عَنْهم ما يَجْرِي مَجْرى الِاعْتِذارِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ عُقَلاءٍ، لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وأيْضًا فالمُكَلَّفُونَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا عُقَلاءَ يَوْمَ القِيامَةِ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم بِما يُعامِلُهُمُ اللَّهُ بِهِ غَيْرُ مَظْلُومِينَ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ النِّسْيانَ لِما كانُوا عَلَيْهِ في دارِ الدُّنْيا مَعَ كَمالِ العَقْلِ بَعِيدٌ لِأنَّ العاقِلَ لا

صفحة ١٥٢

يَجُوزُ أنْ يَنْسى مِثْلَ هَذِهِ الأحْوالِ، وإنْ بَعُدَ العَهْدُ، وإنَّما يَجُوزُ أنْ يَنْسى اليَسِيرَ مِنَ الأُمُورِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَجَوَّزْنا أنْ يَكُونَ العاقِلُ قَدْ مارَسَ الوِلاياتِ العَظِيمَةَ دَهْرًا طَوِيلًا، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَسِيَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ السَّفْسَطَةَ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ أوْ كانُوا عُقَلاءَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهم ما كانُوا عُقَلاءَ فَهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ كَلامَ المَجانِينِ في مَعْرِضِ تَمْهِيدِ العُذْرِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهم كانُوا عُقَلاءَ فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ، مُطَّلِعٌ عَلى أفْعالِهِمْ ويَعْلَمُونَ أنَّ تَجْوِيزَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وأنَّهم لا يَسْتَفِيدُونَ بِذَلِكَ الكَذِبِ إلّا زِيادَةَ المَقْتِ والغَضَبِ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إقْدامُهم في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ عَلى الكَذِبِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهم لَوْ كَذَبُوا في مَوْقِفِ القِيامَةِ ثُمَّ حَلَفُوا عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ لَكانُوا قَدْ أقْدَمُوا عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ القُبْحِ والذَّنْبِ وذَلِكَ يُوجِبُ العِقابَ، فَتَصِيرُ الدّارُ الآخِرَةُ دارَ التَّكْلِيفِ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وأمّا إنْ قِيلَ: إنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ الكَذِبِ، وعَلى ذَلِكَ الحَلِفِ الكاذِبِ عِقابًا وذَمًّا، فَهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ الإذْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في ارْتِكابِ القَبائِحِ والذُّنُوبِ، وأنَّهُ باطِلٌ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إقْدامُ أهْلِ القِيامَةِ عَلى القَبِيحِ والكَذِبِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا: فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ أيْ ما كُنّا مُشْرِكِينَ في اعْتِقادِنا وظُنُونِنا، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا مُوَحِّدِينَ مُتَباعِدِينَ مِنَ الشِّرْكِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما أخْبَرُوا عَنْهُ لِأنَّهم أخْبَرُوا بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، فَلِماذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ولَنا أنَّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّهم كَذَبُوا فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ حَتّى يَلْزَمَنا هَذا السُّؤالُ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في دارِ الدُّنْيا في أُمُورٍ كانُوا يُخْبِرُونَ عَنْها كَقَوْلِهِمْ: إنَّهم عَلى صَوابٍ وإنَّ ما هم عَلَيْهِ لَيْسَ بِشِرْكٍ، والكَذِبُ يَصِحُّ عَلَيْهِمْ في دارِ الدُّنْيا، وإنَّما يُنْفى ذَلِكَ عَنْهم في الآخِرَةِ، والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ اخْتِلافُ الحالَيْنِ، وأنَّهم في دارِ الدُّنْيا كانُوا يَكْذِبُونَ ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْهُ وأنَّهم في الآخِرَةِ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الكَذِبِ ولَكِنْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الصِّدْقُ، فَلِتَعَلُّقِ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى لِلرَّسُولِ ذَلِكَ وبَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لِأجْلِ شِرْكِهِمْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهم في الآخِرَةِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مَعَ أنَّهم كانُوا في دارِ الدُّنْيا يَكْذِبُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى صَوابٍ. هَذا جُمْلَةُ كَلامِ القاضِي في تَقْرِيرِ القَوْلِ الَّذِي اخْتارَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكُفّارَ يَكْذِبُونَ في هَذا القَوْلِ قالُوا: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الكُفّارَ قَدْ يَكْذِبُونَ في القِيامَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٣٨] .

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾ [المجادلة: ١٤] فَشَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا.

والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] وكُلُّ

صفحة ١٥٣

ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إقْدامِهِمْ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى الكَذِبِ.

والرّابِعُ: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْهم: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ تَعالى لا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ.

والخامِسُ: أنَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وحَمْلُ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ ما كُنّا مُشْرِكِينَ في ظُنُونِنا وعَقائِدِنا مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ. ثُمَّ حَمْلُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ عَلى أنَّهم كَذَبُوا في الدُّنْيا يُوجِبُ فَكَّ نَظْمِ الآيَةِ، وصَرْفَ أوَّلِ الآيَةِ إلى أحْوالِ القِيامَةِ وصَرْفَ آخِرِها إلى أحْوالِ الدُّنْيا وهو في غايَةِ البُعْدِ.

أمّا قَوْلُهُ: إمّا أنْ يَكُونُوا قَدْ كَذَبُوا حالَ كَمالِ العَقْلِ أوْ حالَ نُقْصانِ العَقْلِ فَنَقُولُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهم حالَ ما عايَنُوا أهْوالَ القِيامَةِ، وشاهَدُوا مُوجِباتِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ اخْتَلَّتْ عُقُولُهم فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَوْلُهُ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ ما ذَكَرُوهُ في حالِ اضْطِرابِ العُقُولِ، فَهَذا يُوجِبُ الخَوْفَ الشَّدِيدَ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا، ولا مَقْصُودَ مِن تَنْزِيلِ هَذِهِ الآياتِ إلّا ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ ثانِيًا المُكَلَّفُونَ لا بُدَّ أنْ يَكُونُوا عُقَلاءَ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَقُولُ: اخْتِلالُ عُقُولِهِمْ ساعَةً واحِدَةً حالَ ما يَتَكَلَّمُونَ بِهَذا الكَلامِ لا يَمْنَعُ مِن كَمالِ عُقُولِهِمْ في سائِرِ الأوْقاتِ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فالمُرادُ إنْكارُهم كَوْنَهم مُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: (وضَلَّ عَنْهم) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: (كَذَبُوا) تَقْدِيرُهُ: وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَرْجُونَ شَفاعَتَها ونُصْرَتَها لَهم.

6:25Page 130

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥

And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ أتْبَعَهُ بِما يُوجِبُ اليَأْسَ عَنْ إيمانِ بَعْضِهِمْ فَقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ وأُمَيَّةُ وأُبَيٌّ ابْنا خَلَفٍ والحارِثُ بْنُ عامِرٍ وأبُو جَهِلٍ واسْتَمَعُوا إلى حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي ما يَقُولُ لَكِنِّي أراهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ويَتَكَلَّمُ بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ كالَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكم بِهِ عَنْ أخْبارِ القُرُونِ الأُولى. وقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ وهو ما وقى شَيْئًا وسَتَرَهُ، مِثْلُ عِنانٍ وأعِنَّةٍ، والفِعْلُ مِنهُ كَنَنْتُ وأكْنَنْتُ. وأمّا قَوْلُهُ: (أنْ يَفْقَهُوهُ) فَقالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَعْنى: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لِكَراهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ ”اللّامُ“ نُصِبَتِ الكَراهَةُ، ولَمّا حُذِفَتِ الكَراهَةُ انْتَقَلَ نَصْبُها إلى ”أنْ“ وقَوْلُهُ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ

صفحة ١٥٤

ابْنُ السِّكِّيتِ: الوَقْرُ الثِّقَلُ في الأُذُنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَصْرِفُ عَنِ الإيمانِ، ويَمْنَعُ مِنهُ ويَحُولُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَعَلَ القَلْبَ في الكِنانِ الَّذِي يَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيَكُونَ حُجَّةً لِلرَّسُولِ عَلى الكُفّارِ لا لِيَكُونَ حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى الرَّسُولِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا لِلرَّسُولِ لَمّا حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مَنَعَنا مِنَ الإيمانِ فَلِمَ يَذُمُّنا عَلى تَرْكِ الإيمانِ، ولِمَ يَدْعُونا إلى فِعْلِ الإيمانِ ؟

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ ثُمَّ دَعاهم إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا لِلْعاجِزِ وهو مَنفِيٌّ بِصَرِيحِ العَقْلِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكى صَرِيحَ هَذا الكَلامِ عَنِ الكُفّارِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨] وإذا كانَ قَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى هَذا المَذْهَبَ عَنْهم في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمُ امْتَنَعَ أنْ يَذْكُرَهُ هَهُنا في مَعْرِضِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا لَزِمَ التَّناقُضُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَفْهَمُونَ ويَسْمَعُونَ ويَعْقِلُونَ.

والخامِسُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ ولَوْ كانَ هَذا الصَّدُّ والمَنعُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لَما كانُوا مَذْمُومِينَ بَلْ كانُوا مَعْذُورِينَ.

والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَفْقَهُونَ ويُمَيِّزُونَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، وعِنْدَ هَذا قالُوا لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يَسْتَمِعُونَ لِقِراءَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَتَوَسَّلُوا بِسَماعِ قِراءَتِهِ إلى مَعْرِفَةِ مَكانِهِ بِاللَّيْلِ فَيَقْصِدُوا قَتْلَهُ وإيذاءَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُلْقِي عَلى قُلُوبِهِمُ النَّوْمَ وهو المُرادُ مِنَ الأكِنَّةِ، ويَثْقُلُ أسْماعُهم عَنِ اسْتِماعِ تِلْكَ القِراءَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّوْمِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ فَإنَّهُ تَعالى يَسِمُ قَلْبَهُ بِعَلامَةٍ مَخْصُوصَةٍ يَسْتَدِلُّ المَلائِكَةُ بِرُؤْيَتِها عَلى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، فَصارَتْ تِلْكَ العَلامَةُ دَلالَةً عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَبْعُدُ تَسْمِيَةُ تِلْكَ العَلامَةِ بِالكِنانِ والغِطاءِ المانِعِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ العَلامَةَ في نَفْسِها لَيْسَتْ مانِعَةً عَنِ الإيمانِ.

والتَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّهم لَمّا أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وعانَدُوا وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، فَصارَ عُدُولُهم عَنِ الإيمانِ والحالَةُ هَذِهِ كالكِنانِ المانِعِ عَنِ الإيمانِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الكِنانَ كِنايَةً عَنْ هَذا المَعْنى.

والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَهُمُ الألْطافَ الَّتِي إنَّما تَصْلُحُ أنْ تُفْعَلَ بِمَن قَدِ اهْتَدى فَأخْلاهم مِنها، وفَوَّضَ أمْرَهم إلى أنْفُسِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُضِيفَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ .

والتَّأْوِيلُ الخامِسُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ ورَدَ حِكايَةً لِما كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .

والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في بَيانِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ الكِنانِ والوَقْرِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهم عَنِ الإيمانِ، وهو أنْ نَقُولَ: بَلِ البُرْهانُ العَقْلِيُّ السّاطِعُ قائِمٌ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ

صفحة ١٥٥

الَّذِي أتى بِالكُفْرِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإتْيانِ بِالإيمانِ، فَقَدْ صَحَّ قَوْلُنا إنَّهُ تَعالى هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى الكُفْرِ وصَدَّهُ عَنِ الإيمانِ. وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ القادِرَ عَلى الكُفْرِ كانَ قادِرًا عَلى الإيمانِ فَنَقُولُ: يَمْتَنِعُ صَيْرُورَةُ تِلْكَ القُدْرَةِ مَصْدَرًا لِلْكُفْرِ دُونَ الإيمانِ، إلّا عِنْدَ انْضِمامِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ، وقَدْ عَرَفْتَ في هَذا الكِتابِ أنَّ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ مَعَ الدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ، فَيَكُونُ الكُفْرُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَكُونُ تِلْكَ الدّاعِيَةُ الجارَّةُ إلى الكُفْرِ كِنانًا لِلْقَلْبِ عَنِ الإيمانِ، ووَقْرًا لِلسَّمْعِ عَنِ اسْتِماعِ دَلائِلِ الإيمانِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ البُرْهانَ العَقْلِيَّ مُطابِقٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ.

وإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ صِحَّةُ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالبُرْهانِ وبِظاهِرِ القُرْآنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ ثُمَّ قالَ: (عَلى قُلُوبِهِمْ) فَذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ صِيغَةَ ”مَن“ واحِدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وإنْ يَرَوْا كُلَّ دَلِيلٍ وحُجَّةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ الجُبّائِيِّ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ إلْقاءَ النَّوْمِ عَلى قُلُوبِ الكُفّارِ لِئَلّا يُمْكِنُهُمُ التَّوَسُّلُ بِسَماعِ صَوْتِهِ عَلى وِجْدانِ مَكانِهِ لَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لائِقًا بِهَذا الكَلامِ، وأيْضًا لَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ لَكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَسْمَعُوهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَحْصُلُ بِالمَنعِ مِن سَماعِ صَوْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا المَنعُ مِن نَفْسِ كَلامِهِ ومِن فَهْمِ مَقْصُودِهِ، فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ فَظَهَرَ سُقُوطُ قَوْلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ جُمْلَةٌ أُخْرى مُرَتَّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها و”حَتّى“ في هَذا المَوْضِعِ هي الَّتِي يَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمْلَةُ هي قَوْلُهُ: ﴿إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ويُجادِلُونَكَ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: (يُجادِلُونَكَ) والمَعْنى أنَّهُ بَلَغَ بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ إلى أنَّهم يُجادِلُونَكَ ويُناكِرُونَكَ، وفَسَّرَ مُجادَلَتَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ الأساطِيرِ مِنَ السَّطْرِ، وهو أنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مُمْتَدًّا مُؤَلَّفًا ومِنهُ سَطْرُ الكِتابِ وسَطْرٌ مِن شَجَرٍ مَغْرُوسٍ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ سَطْرٌ وسَطَرٌ، فَمَن قالَ: سَطْرٌ فَجَمْعُهُ في القَلِيلِ أسْطُرٌ والكَثِيرِ سُطُورٌ، ومَن قالَ: سَطَرٌ فَجَمْعُهُ أسْطارٌ، والأساطِيرُ جَمْعُ الجَمْعِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: واحِدُ الأساطِيرِ أُسْطُورٌ وأُسْطُورَةٌ وأسْطِيرٌ وأسْطِيرَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: واحِدُ الأساطِيرِ أُسْطُورَةٌ مِثْلَ أحادِيثَ وأُحْدُوثَةٍ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: الأساطِيرُ مِنَ الجَمْعِ الَّذِي لا واحِدَ لَهُ مِثْلَ عَبادِيدَ. ثُمَّ قالَ الجُمْهُورُ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ ما سَطَرَهُ الأوَّلُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ أحادِيثُ الأوَّلِينَ الَّتِي كانُوا يَسْطُرُونَها أيْ يَكْتُبُونَها. فَأمّا قَوْلُ مَن فَسَّرَ الأساطِيرَ بِالتُّرَّهاتِ، فَهو مَعْنًى ولَيْسَ مُفَسِّرًا. ولَمّا كانَتْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ مِثْلَ حَدِيثِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ كَلامًا لا فائِدَةَ فِيهِ لا جَرَمَ فُسِّرَتْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ بِالتُّرَّهاتِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ كانَ مَقْصُودُ القَوْمِ مِن ذِكْرِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ القَدْحَ في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الكَلامَ مِن جِنْسِ سائِرِ الحِكاياتِ المَكْتُوبَةِ، والقِصَصِ المَذْكُورَةِ

صفحة ١٥٦

لِلْأوَّلِينَ، وإذا كانَ هَذا مِن جِنْسِ تِلْكَ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى حِكاياتِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا خارِقًا لِلْعادَةِ. وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنْ قالَ: هَذا السُّؤالُ مَدْفُوعٌ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ في مَقْدُورِكم مُعارَضَتُهُ لَوَجَبَ أنْ تَأْتُوا بِتِلْكَ المُعارَضَةِ، وحَيْثُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْها ظَهَرَ أنَّها مُعْجِزَةٌ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا نَحْنُ وإنْ كُنّا أرْبابَ هَذا اللِّسانِ العَرَبِيِّ إلّا أنّا لا نَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ تَصْنِيفِ الكُتُبِ وتَأْلِيفِها ولَسْنا أهْلًا لِذَلِكَ. ولا يَلْزَمُ مِن عَجْزِنا عَنِ التَّصْنِيفِ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ مَن جِنْسِ سائِرِ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ عَلى أخْبارِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ سَيَأْتِي في الآيَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.

6:26Page 130

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم طَعَنُوا في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِأنْ قالُوا: إنَّهُ مِن جِنْسِ أساطِيرِ الأوَّلِينَ وأقاصِيصِ الأقْدَمِينَ؛ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القُرْآنِ وذِكْرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (عَنْهُ) مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى القُرْآنِ وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ والِاسْتِماعِ لَهُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ يَنْهَوْنَ عَنِ الرَّسُولِ.

واعْلَمْ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحالٌ بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فَلا جَرَمَ حَصَلَ فِيهِ قَوْلانِ: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أنَّهم يَنْهَوْنَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِهِ والإقْرارِ بِرِسالَتِهِ. وقالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ إيذاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ يَتَباعَدُ عَنْهُ ولا يَتْبَعُهُ عَلى دِينِهِ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ جَمِيعَ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي ذَمَّ طَرِيقَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى أمْرٍ مَذْمُومٍ، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يَنْهى عَنْ إيذائِهِ، لَما حَصَلَ هَذا النَّظْمُ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ولا يَلِيقُ ذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النَّهْيَ عَنْ أذِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لا يُوجِبُ الهَلاكَ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ لا إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّهم يَبْعُدُونَ عَنْهُ بِمُفارَقَةِ دِينِهِ، وتَرْكِ المُوافَقَةِ لَهُ وذَلِكَ ذَمٌّ فَلا يَصِحُّ ما رَجَّحْتُمْ بِهِ هَذا القَوْلَ.

صفحة ١٥٧

قُلْنا: إنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ فَلانًا يَبْعُدُ عَنِ الشَّيْءِ الفُلانِيِّ ويَنْفُرُ عَنْهُ ولا يَضُرُّ بِذَلِكَ إلّا نَفْسَهُ، فَلا يَكُونُ هَذا الضَّرَرُ مُتَعَلِّقًا بِأحَدِ الأمْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَوْعَيْنِ مِنَ القَبِيحِ:

الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنْ قَبُولِ دِينِهِ والإقْرارِ بِنُبُوَّتِهِ.

والثّانِي: كانُوا يَنْأوْنَ عَنْهُ، والنَّأْيُ البُعْدُ يُقالُ: نَأى يَنْأى إذا بَعُدَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ وما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الكُفْرِ وغُلُوِّهِمْ فِيهِ وما يَشْعُرُونَ أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم ويُذْهِبُونَها إلى النّارِ بِما يَرْتَكِبُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском