Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:31–32
6:31Page 131
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ شَرْحُ حالَةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ مُنْكِرِي البَعْثِ والقِيامَةِ وهي أمْرانِ:
أحَدُهُما: حُصُولُ الخُسْرانِ.
والثّانِي: حَمْلُ الأوْزارِ العَظِيمَةِ.
أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ: وهو حُصُولُ الخُسْرانِ فَتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ القُدْسِيَّةِ الجُسْمانِيَّ وأعْطاهُ هَذِهِ الآلاتِ الجُسْمانِيَّةَ والأدَواتِ الجَسَدانِيَّةَ، وأعْطاهُ العَقْلَ والتَّفَكُّرَ لِأجْلِ أنْ يَتَوَصَّلَ بِاسْتِعْمالِ هَذِهِ الآلاتِ والأدَواتِ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي يَعْظُمُ مَنافِعُها بَعْدَ المَوْتِ فَإذا اسْتَعْمَلَ الإنْسانُ هَذِهِ الآلاتِ والأدَواتِ والقُوَّةَ العَقْلِيَّةَ والقُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ في تَحْصِيلِ هَذِهِ اللَّذّاتِ الدّائِرَةِ والسَّعاداتِ المُنْقَطِعَةِ ثُمَّ انْتَهى الإنْسانُ إلى آخِرِ عُمُرِهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا؛ لِأنَّ رَأْسَ المالِ قَدْ فَنِيَ والرِّبْحَ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ هو المَطْلُوبُ فَنِيَ أيْضًا وانْقَطَعَ، فَلَمْ يَبْقَ في يَدِهِ لا مِن رَأْسِ المالِ أثَرٌ ولا مِنَ الرِّبْحِ شَيْءٌ. فَكانَ هَذا هو الخُسْرانُ المُبِينُ. وهَذا الخُسْرانُ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ وكانَ يَعْتَقِدُ أنَّ مُنْتَهى السَّعاداتِ ونِهايَةَ الكَمالاتِ هو هَذِهِ السَّعاداتُ العاجِلَةُ الفانِيَةُ. أمّا مَن كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والقِيامَةِ فَإنَّهُ لا يَغْتَرُّ
صفحة ١٦٣
بِهَذِهِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ، ولا يَكْتَفِي بِهَذِهِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ بَلْ يَسْعى في إعْدادِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الخُسْرانُ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وأنْكَرُوا البَعْثَ والقِيامَةَ قَدْ خَسِرُوا خُسْرانًا مُبِينًا وأنَّهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى مَوْقِفِ القِيامَةِ يَتَحَسَّرُونَ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في تَحْصِيلِ الزّادِ لِيَوْمِ المَعادِ.
والنَّوْعُ الثّانِي مِن وُجُوهِ خُسْرانِهِمْ: أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ. وتَقْرِيرُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ في الإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِاشْتِغالِ بِعُبُودِيَّتِهِ والِاجْتِهادِ في حُبِّهِ وخِدْمَتِهِ وأيْضًا في الِانْقِطاعِ عَنِ الدُّنْيا وتَرْكِ مَحَبَّتِها وفي قَطْعِ العَلاقَةِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَها، فَمَن كانَ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، فَإنَّهُ لا يَسْعى في إعْدادِ الزّادِ لِمَوْقِفِ القِيامَةِ، ولا يَسْعى في قَطْعِ العَلاقَةِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الدُّنْيا، فَإذا ماتَ بَقِيَ كالغَرِيبِ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وكالمُنْقَطِعِ عَنْ أحْبابِهِ وأقارِبِهِ الَّذِينَ كانُوا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ فَيَحْصُلُ لَهُ الحَسَراتُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ فُقْدانِ الزّادِ وعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى المُخالَطَةِ بِأهْلِ ذَلِكَ العالَمِ ويَحْصُلُ لَهُ الآلامُ العَظِيمَةُ بِسَبَبِ الِانْقِطاعِ عَنْ لَذّاتِ هَذا العالَمِ والِامْتِناعِ عَنِ الِاسْتِسْعادِ بِخَيْراتِ هَذا العالَمِ.
فالأوَّلُ: هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ .
والثّانِي: هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ فَهَذا تَقْرِيرُ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الخُسْرانِ فَوْتُ الثَّوابِ العَظِيمِ وحُصُولُ العِقابِ العَظِيمِ و﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ المُرادُ مِنهُ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ والقِيامَةَ، وقَدْ بالَغْنا في شَرْحِ هَذِهِ الكَلِمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ لِأنَّ مَوْقِفَ القِيامَةِ مَوْقِفٌ لا حُكْمَ فِيهِ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ تَعالى، ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ والرَّفْعِ والخَفْضِ إلّا لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ اعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”حَتّى“ غايَةٌ لِقَوْلِهِ: (كَذَّبُوا) لا لِقَوْلِهِ: (قَدْ خَسِرَ) لِأنَّ خُسْرانَهم لا غايَةَ لَهُ ومَعْنى ”حَتّى“ هَهُنا أنَّ مُنْتَهى تَكْذِيبِهِمُ الحَسْرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ والمَعْنى أنَّهم كَذَّبُوا إلى أنْ ظَهَرَتِ السّاعَةُ بَغْتَةً.
فَإنْ قِيلَ: إنَّما يَتَحَسَّرُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ.
قُلْنا: لَمّا كانَ المَوْتُ وُقُوعًا في أحْوالِ الآخِرَةِ ومُقَدِّماتِها جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ وسُمِّيَ بِاسْمِها ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ والمُرادُ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ، وفي تَسْمِيَةِ يَوْمِ القِيامَةِ بِهَذا الِاسْمِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَوْمَ القِيامَةِ يُسَمّى السّاعَةَ لِسُرْعَةِ الحِسابِ فِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هي إلّا ساعَةُ الحِسابِ.
الثّانِي: السّاعَةُ هي الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ القِيامَةُ سُمِّيَتْ ساعَةً لِأنَّها تَفْجَأُ النّاسَ في ساعَةٍ لا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: (بَغْتَةً) والبَغْتُ والبَغْتَةُ هو الفَجْأةُ والمَعْنى: أنَّ السّاعَةَ لا تَجِيءُ إلّا دَفْعَةً لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدٌ مَتى يَكُونُ مَجِيئُها، وفي أيِّ وقْتٍ يَكُونُ حُدُوثُها وقَوْلُهُ: (بَغْتَةً) انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِمَعْنى: باغِتَةً أوْ عَلى المَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَغَتَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياحَسْرَتَنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى دُعاءِ الحَسْرَةِ تَنْبِيهٌ لِلنّاسِ عَلى ما سَيَحْصُلُ لَهم مِنَ الحَسْرَةِ والعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ تَعْظِيمِ أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] و﴿ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ﴾ [هود: ٧٢] وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: الحَسْرَةُ عَلَيْنا في تَفْرِيطِنا، ومِثْلُهُ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] تَأْوِيلُهُ يا أيُّها النّاسُ تَنَبَّهُوا عَلى ما وقَعَ بِي مِنَ الأسَفِ فَوَقَعَ النِّداءُ عَلى غَيْرِ المُنادى في الحَقِيقَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّكَ إذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ فَكَأنَّكَ قُلْتَ: يا عَجَبُ احْضَرْ وتَعالَ فَإنَّ هَذا زَمانُكَ.
صفحة ١٦٤
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حَصَلَ لِلنِّداءِ هَهُنا تَأْوِيلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ النِّداءَ لِلْحَسْرَةِ، والمُرادُ مِنهُ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّ المُنادى هو نَفْسُ الحَسْرَةِ عَلى مَعْنى: أنَّ هَذا وقْتُكِ فاحْضَرِي وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ يُقالُ: فَرَّطْتُ في الشَّيْءِ أيْ ضَيَّعْتُهُ فَقَوْلُهُ: (فَرَّطْنا) أيْ تَرَكْنا وضَيَّعْنا وقالَ الزَّجّاجُ: فَرَّطْنا أيْ قَدَّمْنا العَجْزَ، جَعَلَهُ مِن قَوْلِهِمْ فَرَطَ فُلانٌ إذا سَبَقَ وتَقَدَّمَ، وفَرَّطَ الشَّيْءَ إذا قَدَّمَهُ. قالَ الواحِدِيُّ: فالتَّفْرِيطُ عِنْدَهُ تَقْدِيمُ التَّقْصِيرِ.
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فِيها) إلى ماذا يَعُودُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الدُّنْيا، والسُّؤالُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلدُّنْيا ذِكْرٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْها. وجَوابُهُ: أنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ التَّقْصِيرِ لَيْسَ إلّا الدُّنْيا، فَحَسُنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها لِهَذا المَعْنى.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ المُرادُ يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا في السّاعَةِ، والمَعْنى: عَلى ما فَرَّطْنا في إعْدادِ الزّادِ لِلسّاعَةِ وتَحْصِيلِ الأُهْبَةِ لَها.
والثّالِثُ: أنْ تَعُودَ الكِنايَةُ إلى مَعْنى ما في قَوْلِهِ: (فَرَّطْنا) أيْ حَسْرَتُنا عَلى الأعْمالِ والطّاعاتِ الَّتِي فَرَّطْنا فِيها.
والرّابِعُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الكِنايَةُ تَعُودُ إلى الصَّفْقَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الخُسْرانَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى حُصُولِ الصَّفْقَةِ والمُبايَعَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِمْ يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمْ يَحْصُلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما بِهِ يَسْتَحِقُّونَ الثَّوابَ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم حَصَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ما بِهِ اسْتَحَقُّوا العَذابَ العَظِيمَ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ نِهايَةُ الخُسْرانِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوْزارُ الآثامُ والخَطايا. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الوِزْرُ الثِّقَلُ وأصْلُهُ مِنَ الحَمْلِ يُقالُ: وزَرْتُ الشَّيْءَ أيْ حَمَلْتُهُ أزِرُهُ وِزْرًا، ثُمَّ قِيلَ لِلذُّنُوبِ: أوْزارٌ؛ لِأنَّها تُثْقِلُ ظَهْرَ مَن عَمِلَها، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا بَسَطَ ثَوْبَهُ فَجَعَلَ فِيهِ المَتاعَ: احْمِلْ وِزْرَكَ، وأوْزارُ الحَرْبِ: أثْقالُها مِنَ السِّلاحِ، ووَزِيرُ السُّلْطانِ الَّذِي يَزِرُ عَنْهُ أثْقالَ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ مِن تَدْبِيرِ الوِلايَةِ أيْ يَحْمِلُ. قالَ الزَّجّاجُ: وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم أيْ يَحْمِلُونَ ثِقَلَ ذُنُوبِهِمْ، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ حَمْلِهِمُ الأوْزارِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ شَيْءٌ هو أحْسَنُ الأشْياءِ صُورَةً وأطْيَبُها رِيحًا ويَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ طالَما رَكِبْتُكَ في الدُّنْيا فارْكَبْنِي أنْتَ اليَوْمَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] قالُوا رُكْبانًا، وإنَّ الكافِرَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ شَيْءٌ هو أقْبَحُ الأشْياءِ صُورَةً وأخْبَثُها رِيحًا، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الفاسِدُ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُّنْيا فَأنا أرْكَبُكَ اليَوْمَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: الثِّقَلُ كَما يُذْكَرُ في المَنقُولِ، فَقَدْ يُذْكَرُ أيْضًا في الحالِ والصِّفَةِ يُقالُ: ثَقُلَ عَلَيَّ خِطابُ فُلانٍ، والمَعْنى كَرِهْتُهُ فالمَعْنى أنَّهم يُقاسُونَ عَذابَ ذُنُوبِهِمْ مُقاساةَ ثِقَلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ أيْ لا تُزايِلُهم أوْزارُهم كَما تَقُولُ: شَخْصُكَ نُصْبَ عَيْنِي أيْ ذِكْرُكَ مُلازِمٌ لِي.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ والمَعْنى بِئْسَ الشَّيْءُ الَّذِي يَزِرُونَهُ أيْ يَحْمِلُونَهُ، والِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ٢٢] .
6:32Page 131
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ تَعْظُمُ رَغْبَتُهم في الدُّنْيا وتَحْصِيلِ لَذّاتِها، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَنْبِيهًا عَلى خَساسَتِها ورَكاكَتِها.
واعْلَمْ أنَّ نَفْسَ هَذِهِ الحَياةِ لا يُمْكِنُ ذَمُّها؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ العاجِلَةَ لا يَصِحُّ اكْتِسابُ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ إلّا فِيها، فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ حَياةُ الكافِرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَياةَ أهْلِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، والسَّبَبُ في وصْفِ حَياةِ هَؤُلاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أنَّ حَياةَ المُؤْمِنِ يَحْصُلُ فِيها أعْمالٌ صالِحَةٌ فَلا تَكُونُ لَعِبًا ولَهْوًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا عامٌّ في حَياةِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، والمُرادُ مِنهُ اللَّذّاتُ الحاصِلَةُ في هَذِهِ الحَياةِ والطَّيِّباتُ المَطْلُوبَةُ في هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما سَمّاها بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ، لِأنَّ الإنْسانَ حالَ اشْتِغالِهِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ يَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِراضِهِ وانْقِضائِهِ لا يَبْقى مِنهُ إلّا النَّدامَةُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الحَياةُ لا يَبْقى عِنْدَ انْقِراضِها إلّا الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ.
واعْلَمْ أنَّ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الحَياةِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ مُدَّةَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ قَلِيلَةٌ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ والزَّوالِ، ومُدَّةَ هَذِهِ الحَياةِ كَذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لا بُدَّ وأنْ يَنْساقا في أكْثَرِ الأمْرِ إلى شَيْءٍ مِنَ المَكارِهِ، ولَذّاتُ الدُّنْيا كَذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ، إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، وأمّا عِنْدَ التَّأمُّلِ التّامِّ والكَشْفِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ، لا يَبْقى اللَّعِبُ واللَّهْوُ أصْلًا، وكَذَلِكَ اللَّهْوُ واللَّعِبُ، فَإنَّهُما لا يَصْلُحانِ إلّا لِلصِّبْيانِ والجُهّالِ المُغَفَّلِينَ، أمّا العُقَلاءُ والحُصَفاءُ، فَقَلَّما يَحْصُلُ لَهم خَوْضٌ في اللَّعِبِ واللَّهْوِ، فَكَذَلِكَ الِالتِذاذُ بِطَيِّباتِ الدُّنْيا والِانْتِفاعِ بِخَيْراتِها لا يَحْصُلُ إلّا لِلْمُغَفَّلِينَ الجاهِلِينَ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، وأمّا الحُكَماءُ المُحَقِّقُونَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الخَيْراتِ غُرُورٌ، ولَيْسَ لَها في نَفْسِ الأمْرِ حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ.
الرّابِعُ: أنَّ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لَيْسَ لَهُما عاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ، فَثَبَتَ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ اللَّذّاتِ والأحْوالَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَيْسَ لَهُما حَقِيقَةٌ مُعْتَبَرَةٌ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وصَفَ الآخِرَةَ بِكَوْنِها خَيْرًا، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ حُصُولُ التَّفاوُتِ بَيْنَ أحْوالِ الدُّنْيا وأحْوالِ الآخِرَةِ في أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ.
بَيانُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا لَيْسَتْ إلّا قَضاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وهو في نِهايَةِ الخَساسَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ تُشارِكُ الإنْسانَ فِيهِ، بَلْ رُبَّما كانَ أمْرُ تِلْكَ الحَيَواناتِ فِيها أكْمَلَ مِن أمْرِ الإنْسانِ، فَإنَّ الجَمَلَ أكْثَرُ أكْلًا، والدِّيكَ والعُصْفُورَ أكْثَرُ وِقاعًا، والذِّئْبَ أقْوى عَلى الفَسادِ والتَّمْزِيقِ، والعَقْرَبَ أقْوى عَلى الإيلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى خَساسَتِها أنَّها لَوْ كانَتْ شَرِيفَةً لَكانَ الإكْثارُ مِنها يُوجِبُ زِيادَةَ الشَّرَفِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ
صفحة ١٦٦
الَّذِي وقَّفَ كُلَّ عُمْرِهِ عَلى الأكْلِ والوِقاعِ أشْرَفَ النّاسِ، وأعْلاهم دَرَجَةً، ومَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ مِثْلُ هَذا الإنْسانِ يَكُونُ مَمْقُوتًا مُسْتَقْذَرًا مُسْتَحْقَرًا يُوصَفُ بِأنَّهُ بَهِيمَةٌ أوْ كَلْبٌ أوْ أخَسُّ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ النّاسَ لا يَفْتَخِرُونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ بَلْ يُخْفُونَها، ولِذَلِكَ كانَ العُقَلاءُ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالوِقاعِ يَخْتَفُونَ ولا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ الأفْعالِ بِمَحْضَرٍ مِنَ النّاسِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ لا تُوجِبُ الشَّرَفَ بَلِ النَّقْصَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ النّاسَ إذا شَتَمَ بَعْضُهم بَعْضًا لا يَذْكُرُونَ فِيهِ إلّا الألْفاظَ الدّالَّةَ عَلى الوِقاعِ، ولَوْلا أنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ مِن جِنْسِ النُّقْصاناتِ، وإلّا لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ تَرْجِعُ حَقِيقَتُها إلى دَفْعِ الآلامِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ أشَدَّ جُوعًا وأقْوى حاجَةً كانَ التِذاذُهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ أكْمَلَ لَهُ وأقْوى، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ في نَفْسِ الأمْرِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ هَذِهِ اللَّذّاتِ سَرِيعَةُ الِاسْتِحالَةِ سَرِيعَةُ الزَّوالِ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ خَساسَةُ هَذِهِ اللَّذّاتِ. وأمّا السَّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها سَعاداتٌ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ باقِيَةٌ مُقَدَّسَةٌ، ولِذَلِكَ فَإنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في الإنْسانِ كَثْرَةَ العِلْمِ وشِدَّةَ الِانْقِباضِ عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَإنَّهم بِالطَّبْعِ يُعَظِّمُونَهُ ويَخْدِمُونَهُ ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عَبِيدًا لِذَلِكَ الإنْسانِ وأشْقِياءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شَهادَةِ الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ بِخَساسَةِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وكَمالِ مَرْتَبَةِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ أفْضَلُ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا، وهو أنْ نَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ تَشارَكا في الفَضْلِ والمَنقَبَةِ، إلّا أنَّ الوُصُولَ إلى الخَيْراتِ المَوْعُودَةِ في غَدِ القِيامَةِ مَعْلُومٌ قَطْعًا. وأمّا الوُصُولُ إلى الخَيْراتِ المَوْعُودَةِ في غَدِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ ولا مَظْنُونٍ، فَكَمْ مِن سُلْطانٍ قاهِرٍ في بُكْرَةِ اليَوْمَ صارَ تَحْتَ التُّرابِ في آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وكَمْ مِن أمِيرٍ كَبِيرٍ أصْبَحَ في المُلْكِ والإمارَةِ، ثُمَّ أمْسى أسِيرًا حَقِيرًا، وهَذا التَّفاوُتُ أيْضًا يُوجِبُ المُبايَنَةَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّهُ وجَدَ الإنْسانُ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ يَوْمًا آخَرَ في الدُّنْيا، إلّا أنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يُمْكِنُهُ الِانْتِفاعُ بِما جَمَعَهُ مِنَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ أمْ لا ؟ أمّا كُلُّ ما جَمَعَهُ مِن مُوجِباتِ السَّعاداتِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: هَبْ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها إلّا أنَّ انْتِفاعَهُ بِخَيْراتِ الدُّنْيا لا يَكُونُ خالِيًا عَنْ شَوائِبِ المَكْرُوهاتِ، ومُمازَجَةِ المُحَرَّماتِ المُخَوَّفاتِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: «مَن طَلَبَ ما لَمْ يُخْلَقْ أتْعَبَ نَفْسَهُ ولَمْ يُرْزَقْ. فَقِيلَ: وما هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: ”سُرُورُ يَوْمٍ بِتَمامِهِ» “ .
الوَجْهُ الخامِسُ: هَبْ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ في الغَدِ، إلّا أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ مُنْقَرِضَةٌ ذاهِبَةٌ باطِلَةٌ، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ المَنافِعُ أقْوى وألَذَّ وأكْمَلَ وأفْضَلَ كانَتِ الأحْزانُ الحاصِلَةُ عِنْدَ انْقِراضِها وانْقِضائِها أقْوى وأكْمَلَ كَما قالَ الشّاعِرُ المُتَنَبِّي:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
صفحة ١٦٧
فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ سَعاداتِ الدُّنْيا وخَيْراتِها مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ العُيُوبِ العَظِيمَةِ، والنُّقْصاناتِ الكامِلَةِ، وسَعاداتِ الآخِرَةِ مُبَرَّأةٌ عَنْها، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الآخِرَةَ أكْمَلُ وأفْضَلُ وأبْقى وأتْقى وأحْرى وأوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ولَدارُ الآخِرَةِ) بِإضافَةِ الدّارِ إلى الآخِرَةِ، والباقُونَ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ عَلى جَعْلِ الآخِرَةِ نَعْتًا لِلدّارِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَهو أنَّ الصِّفَةَ في الحَقِيقَةِ مُغايِرَةٌ لِلْمَوْصُوفِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ مِن هَذا الوَجْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم بارِحَةُ الأُولى، ويَوْمُ الخَمِيسَ وحَقُّ اليَقِينِ، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا تَجُوزُ هَذِهِ الإضافَةُ، قالُوا: لِأنَّ الصِّفَةَ نَفْسُ المَوْصُوفِ، وإضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ مُمْتَنِعَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا بِناءً عَلى أنَّ الصِّفَةَ نَفْسُ المَوْصُوفِ وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّهُ يُعْقَلُ تَصَوُّرُ المَوْصُوفِ مُنْفَكًّا عَنِ الصِّفَةِ، ولَوْ كانَ المَوْصُوفُ عَيْنَ الصِّفَةِ لَكانَ ذَلِكَ مُحالًا، ولِقَوْلِهِمْ وجْهٌ دَقِيقٌ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهَذا المَكانِ، ثُمَّ إنَّ البَصْرِيِّينَ ذَكَرُوا في تَصْحِيحِ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وجْهًا آخَرَ، فَقالُوا: لَمْ يَجْعَلِ الآخِرَةَ صِفَةً لِلدّارِ، لَكِنَّهُ جَعَلَها صِفَةً لِلسّاعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولَدارُ السّاعَةِ الآخِرَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ تَكُونُ قَدْ أُقِيمَتِ الآخِرَةُ الَّتِي هي الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ الَّذِي هو السّاعَةُ وذَلِكَ قَبِيحٌ. قُلْنا لا يَقْبُحُ ذَلِكَ إذا كانَتِ الصِّفَةُ قَدِ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ ولَفْظُ الآخِرَةِ قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] وأمّا قِراءَةُ العامَّةِ فَهي ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي جَعْلَ الآخِرَةِ صِفَةً لِلدّارِ وذَلِكَ هو الحَقِيقَةُ ومَتى أمْكَنَ إجْراءُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَلا حاجَةَ إلى العُدُولِ عَنْهُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالدّارِ الآخِرَةِ عَلى وُجُوهٍ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجَنَّةُ، وإنَّها خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والمَعاصِيَ.
وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ نَفْسُ الآخِرَةِ خَيْرٌ.
وقالَ الأصَمُّ: التَّمَسُّكُ بِعَمَلِ الآخِرَةِ خَيْرٌ.
وقالَ آخَرُونَ: نَعِيمُ الآخِرَةِ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا، مِن حَيْثُ إنَّها باقِيَةٌ دائِمَةٌ مَصُونَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ آمِنَةٌ مِنَ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مِنَ المُتَّقِينَ مِنَ المَعاصِي والكَبائِرِ. فَأمّا الكافِرُ والفاسِقُ فَلا ! لِأنَّ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الآخِرَةِ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» .
ثُمَّ قالَ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (أفَلا تَعْقِلُونَ) بِالتّاءِ هَهُنا وفي سُورَةِ الأعْرافِ ويُوسُفَ ويس. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في: ”يس“ بِالياءِ والباقِي بِالتّاءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ يَحْيى في يُوسُفَ بِالتّاءِ والباقِي بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى والبُرْجُمِيِّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالياءِ. قالَ الواحِدِيُّ: مَن قَرَأ بِالياءِ مَعْناهُ: أفَلا يَعْقِلُونَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهم مِن هَذِهِ الدّارِ ؟ فَيَعْمَلُونَ لِما يَنالُونَ بِهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ والنَّعِيمَ الدّائِمَ فَلا يَفْتُرُونَ في طَلَبِ ما يُوصِلُ إلى ذَلِكَ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم أفَلا تَعْقِلُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences