Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:39–46
6:39Page 132
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩
But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ النَّظْمِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ مِن حالِ الكُفّارِ أنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ إلى حَيْثُ كَأنَّ قُلُوبَهم قَدْ صارَتْ مَيِّتَةً عَنْ قَبُولِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ تَقْرِيرًا لِذَلِكَ المَعْنى الثّانِي أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ في كَوْنِها دالَّةً عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ وتَحْتَ تَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ، وفي أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ورَحْمَتَهُ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ، قالَ بَعْدَهُ والمُكَذِّبُونَ لِهَذِهِ الدَّلائِلِ والمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ العَجائِبِ صُمٌّ لا يَسْمَعُونَ كَلامًا البَتَّةَ، بُكْمٌ لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ، خائِضُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، غافِلُونَ عَنْ تَأمُّلِ هَذِهِ الدَّلائِلِ.
صفحة ١٨٢
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ صُمًّا وبُكْمًا وبِكَوْنِهِمْ في الظُّلُماتِ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ عُمْيًا فَهو بِعَيْنِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْ هَذا مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهم صُمًّا وبُكْمًا يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ. ويَكُونُونَ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ بِأنْ يَجْعَلَهم في الآخِرَةِ صُمًّا وبُكْمًا في الظُّلُماتِ، ويُضِلَّهم بِذَلِكَ عَنِ الجَنَّةِ وعَنْ طَرِيقِها ويُصَيِّرَهم إلى النّارِ، وأكَّدَ القاضِي هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في سائِرِ الآياتِ أنَّهُ يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ.
والوَجْهُ الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ أيْضًا ويُحْتَمَلُ أنَّهم كَذَلِكَ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ جُعِلُوا بِتَكْذِيبَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى في الظُّلُماتِ لا يَهْتَدُونَ إلى مَنافِعِ الدِّينِ، كالصُّمِّ والبُكْمِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا. فَشَبَّهَهم مِن هَذا الوَجْهِ بِهِمْ، وأجْرى عَلَيْهِمْ مِثْلَ صِفاتِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الكَعْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الشَّتْمِ والإهانَةِ، لا عَلى أنَّهم كانُوا كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فَقالَ الكَعْبِيُّ: لَيْسَ هَذا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وإنْ أجْمَلَ القَوْلَ فِيهِ هَهُنا، فَقَدْ فَصَّلَهُ في سائِرِ الآياتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ [المائدة: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَثَبْتَ بِهَذِهِ الآياتِ أنَّ مَشِيئَةَ الهُدى والضَّلالِ وإنْ كانَتْ مُجْمَلَةً في هَذِهِ الآيَةِ، إلّا أنَّها مُخَصَّصَةٌ مُفَصَّلَةٌ في سائِرِ الآياتِ، فَيَجِبُ حَمْلُ هَذا المُجْمَلِ عَلى تِلْكَ المُفَصَّلاتِ، ثُمَّ إنَّ المُعْتَزِلَةَ ذَكَرُوا تَأْوِيلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَنعِ الألْطافِ فَصارُوا عِنْدَها كالصُّمِّ والبُكْمِ.
والثّانِي: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ وعَنْ وِجْدانِ الثَّوابِ ومَن يَشَأْ أنْ يَهْدِيَهُ إلى الجَنَّةِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو الصِّراطُ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ.
وقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ هَذا الإضْلالَ إلّا لِمَن يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةً كَما لا يَشاءُ الهُدى إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي تَكَلَّفَها هَؤُلاءِ الأقْوامُ إنَّما يَحْسُنُ المَصِيرُ إلَيْها لَوْ ثَبَتَ في العَقْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ. وأمّا لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الكَلامِ إلّا عَلى ظاهِرِهِ كانَ العُدُولُ إلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُتَكَلِّفَةِ بَعِيدًا جِدًّا، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِي، وبَيَّنّا أنَّ خالِقَ ذَلِكَ الدّاعِي هو اللَّهُ، وبَيَّنّا أنَّ عِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ، فَهَذِهِ المُقَدِّماتُ الثَّلاثَةُ تُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ الكُفْرَ والإيمانَ مِنَ اللَّهِ، وبِتَخْلِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ وتَكْوِينِهِ، ومَتى ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ صِحَّةُ هَذا الظّاهِرِ، كانَ الذَّهابُ إلى هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ فاسِدًا قَطْعًا، وأيْضًا فَقَدْ تَتَبَّعْنا هَذِهِ الوُجُوهَ بِالإبْطالِ والنَّقْضِ في
صفحة ١٨٣
تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] وفي سائِرِ الآياتِ، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ، وأقْرَبُها أنَّ هَذا الإضْلالَ والهِدايَةَ مُعَلَّقانِ بِالمَشِيئَةِ، وعَلى ما قالُوهُ: فَهو أمْرٌ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَهُ شاءَ أمْ أبى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِتِلْكَ الآياتِ، فَمِنهم مَن قالَ: القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ، ومِنهم مَن قالَ: يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وهَذا هو الأصَحُّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:40–41Page 132
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠
Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"
بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١
No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ غايَةَ جَهْلِ أُولَئِكَ الكُفّارِ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ أيْضًا أنَّهم إذا نَزَلَتْ بِهِمْ بَلِيَّةٌ أوْ مِحْنَةٌ يَفْزَعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَلْجَأُونَ إلَيْهِ، ولا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طاعَتِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ لِلْعَرَبِ في ”أرَأيْتَ“ لُغَتانِ:
إحْداهُما: رُؤْيَةُ العَيْنِ، فَإذا قُلْتَ لِلرَّجُلِ: أرَأيْتَكَ. كانَ المُرادُ: أهَلْ رَأيْتَ نَفْسَكَ ؟ ثُمَّ يُثَنّى ويُجْمَعُ. فَنَقُولُ: أرَأيْتَكُما أرَأيْتَكم.
والمَعْنى الثّانِي: أنْ تَقُولَ أرَأيْتَكَ، وتُرِيدَ: أخْبِرْنِي، وإذا أرَدْتَ هَذا المَعْنى تَرَكْتَ التّاءَ مَفْتُوحَةً عَلى كُلِّ حالٍ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، أرَأيْتَكُما، أرَأيْتَكم، أرَأيْتَكُنَّ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ وهو الكافُ في قَوْلِكَ: أرَأيْتَكَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ويُقالُ أيْضًا: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، ولَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَحَلًّا لَكُنْتَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ، وذَلِكَ كَلامٌ فاسِدٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكافَ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، بَلْ هو حَرْفٌ لِأجْلِ الخِطابِ، وقالَ الفَرّاءُ: لَوْ كانَتِ الكافُ تَوْكِيدًا لَوَقَعَتِ التَّثْنِيَةُ والجَمْعُ عَلى التّاءِ، كَما يَقَعانِ عَلَيْها عِنْدَ عَدَمِ الكافِ، فَلَمّا فُتِحَتِ التّاءُ في خِطابِ الجَمْعِ، ووَقَعَتْ عَلامَةُ الجَمْعِ عَلى الكافِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكافَ غَيْرُ مَذْكُورٍ لِلتَّوْكِيدِ. ألا تَرى أنَّ الكافَ لَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُقالَ لِجَماعَةٍ: أرَأيْتَ، فَثَبَتَ بِهَذا انْصِرافُ الفِعْلِ إلى الكافِ، وأنَّها واجِبَةٌ لازِمَةٌ مُفْتَقَرٌ إلَيْها.
أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ تَبْطُلُ بِكافِ ذَلِكَ وأُولَئِكَ، فَإنَّ عَلامَةَ الجَمْعِ تَقَعُ عَلَيْها مَعَ أنَّها حَرْفٌ لِلْخِطابِ، مُجَرَّدٌ عَنِ الِاسْمِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ”أرَأيْتَكم. وأرَأيْتَ. وأفَرَأيْتَ. وأرَأيْتَكَ. وأفَرَأيْتَكَ“ وأشْباهُ ذَلِكَ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، والكِسائِيُّ تَرَكَ الهَمْزَةَ في كُلِّ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالهَمْزَةِ. أمّا تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ، فالمُرادُ جَعْلُها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألْفِ عَلى التَّخْفِيفِ القِياسِيِّ. وأمّا مَذْهَبُ الكِسائِيِّ فَحَسَنٌ، وبِهِ قَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ وهو
صفحة ١٨٤
كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، وقَدْ تَكَلَّمَتِ العَرَبُ في مِثْلِهِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: وسَلْهُ، وكَما أنْشَدَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى:
وإنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبِسُونِي بُرْقُعًا
بِحَذْفِ الهَمْزَةِ. أرادَ فَألْبِسُونِي بِإثْباتِ الهَمْزَةِ. وأمّا الَّذِينَ قَرَءُوا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ فالسَّبَبُ أنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا وأتاكُمُ العَذابُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ، أتَرْجِعُونَ إلى غَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ ذَلِكَ البَلاءِ والضُّرِّ أوْ تَرْجِعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّهم إنَّما يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى في دَفْعِ البَلاءِ والمِحْنَةِ لا إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، لا جَرَمَ قالَ ﴿تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم لا تَرْجِعُونَ في طَلَبِ دَفْعِ البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ فَيَكْشِفُ الضُّرَّ الَّذِي مِن أجْلِهِ دَعَوْتُمْ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ تَتْرُكُونَ الأصْنامَ ولا تَدْعُونَهم لِعِلْمِكم أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّكم في تَرْكِكم دُعاءَهم بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ نَسِيَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ لِأنَّهُ قالَ: يُعْرِضُونَ إعْراضَ النّاسِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [يونس: ٢٢] ولا يَذْكُرُونَ الأوْثانَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُجِيبُ الدُّعاءَ إنْ شاءَ وقَدْ لا يُجِيبُهُ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] يُفِيدُ الجَزْمَ بِحُصُولِ الإجابَةِ، فَكَيْفَ الطَّرِيقُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
والجَوابُ أنْ نَقُولَ: تارَةً يَجْزِمُ تَعالى بِالإجابَةِ وتارَةً لا يَجْزِمُ، إمّا بِحَسَبِ مَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُ أصْحابِنا، أوْ بِحَسَبِ رِعايَةِ المَصْلَحَةِ كَما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، ولَمّا كانَ كِلا الأمْرَيْنِ حاصِلًا لا جَرَمَ ورَدَتِ الآيَتانِ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: حاصِلُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِعَبَدَةُ الأوْثانِ: إذا كُنْتُمْ تَرْجِعُونَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى الأصْنامِ والأوْثانِ، فَلِمَ تُقْدِمُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُونَ بِعِبادَتِها ألْبَتَّةَ ؟ وهَذا الكَلامُ إنَّما يُفِيدُ لَوْ كانَ ذِكْرُ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ مَقْبُولًا. أمّا لَوْ كانَ ذَلِكَ مَرْدُودًا وكانَ الواجِبُ هو مَحْضُ التَّقْلِيدِ، كانَ هَذا الكَلامُ ساقِطًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ أصْلَ الدِّينِ هو الحُجَّةُ والدَّلِيلُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:42–43Page 132
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢
And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].
فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣
Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الكُفّارَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ ما كانَ مِن جِنْسِ الشَّدائِدِ، بَلْ قَدْ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مُنْجَمِدِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ راجِعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا لَمْ يَهْدِهِ لَمْ يَهْتَدِ، سَواءٌ شاهَدَ الآياتِ الهائِلَةَ، أوْ لَمْ يُشاهِدْها، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ رُسُلًا فَخالَفُوهم فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنَ الكَلامِ المَذْكُورِ. وقالَ الحَسَنُ ”البَأْساءُ“ شِدَّةُ الفَقْرِ مِنَ البُؤْسِ ”والضَّرّاءُ“ الأمْراضُ والأوْجاعُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ والمَعْنى: إنَّما أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلَيْهِمْ وإنَّما سَلَّطْنا البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَتَضَرَّعُوا. ومَعْنى التَّضَرُّعِ التَّخَشُّعُ وهو عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ وتَرَكِ التَّمَرُّدِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذِّلَّةُ، يُقالُ ضَرَعَ الرَّجُلُ يَضْرَعُ ضَراعَةً فَهو ضارِعٌ أيْ ذَلِيلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ نَبِيَّهُ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ قَبْلَهُ إلى أقْوامٍ بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا ولَمْ يَتَضَرَّعُوا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّسْلِيَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَضَرَّعُوا ؟ وهَهُنا يَقُولُ: قَسَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يَتَضَرَّعُوا.
قُلْنا: أُولَئِكَ أقْوامٌ، وهَؤُلاءِ أقْوامٌ آخَرُونَ. أوْ نَقُولُ أُولَئِكَ تَضَرَّعُوا لِطَلَبِ إزالَةِ البَلِيَّةِ ولَمْ يَتَضَرَّعُوا عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ لِلَّهِ تَعالى فَلِهَذا الفَرْقِ حَسُنَ النَّفْيُ والإثْباتُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ مَعْناهُ نَفْيُ التَّضَرُّعِ. والتَّقْدِيرُ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إذْ جاءَهم بَأْسُنا. وذِكْرُ كَلِمَةِ ”لَوْلا“ يُفِيدُ أنَّهُ ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهم وقَسْوَتُهم وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ فَقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ، وإنَّما سَلَّطَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ عَلَيْهِمْ، لِإرادَةِ أنْ يَتَضَرَّعُوا ويُؤْمِنُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ الكُلِّ.
والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”لَعَلَّ“ تُفِيدُ التَّرَجِّي والتَّمَنِّيَ؛ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى
صفحة ١٨٦
إرادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهم مُعامَلَةً لَوْ صَدَرَتْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ المَقْصُودُ مِنهُ هَذا المَعْنى، فَأمّا تَعْلِيلُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ فَذَلِكَ مُحالٌ عَلى ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ. ثُمَّ نَقُولُ إنْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِكم مِن هَذا الوَجْهِ فَإنَّها تَدُلُّ عَلى ضِدِّ قَوْلِكم مِن وجْهٍ آخَرَ، وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَتَضَرَّعُوا لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ ولِأجْلِ أنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم أعْمالَهم.
فَنَقُولُ: تِلْكَ القَسْوَةُ إنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِمُ احْتاجُوا في إيجادِها إلى سَبَبٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ حَصَلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ فالقَوْلُ قَوْلُنا، وأيْضًا هَبْ أنَّ الكُفّارَ إنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ بِسَبَبِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، إلّا أنْ نَقُولَ: ولِمَ بَقِيَ الشَّيْطانُ مُصِرًّا عَلى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ شَيْطانٍ آخَرَ تَسَلْسَلَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ، وإنْ بَطَلَتْ هَذِهِ المَقادِيرُ انْتَهَتْ بِالآخِرَةِ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُقْدِمُ تارَةً عَلى الخَيْرِ وأُخْرى عَلى الشَّرِّ، لِأجْلِ الدَّواعِي الَّتِي تَحْصُلُ في قَلْبِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الدَّواعِيَ لا تَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ قَوْلُنا ويَفْسُدُ بِالكُلِّيَّةِ قَوْلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
6:44–45Page 132
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤
So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥
So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مِن تَمامِ القِصَّةِ الأُولى فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أخَذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لِكَيْ لا يَتَضَرَّعُوا، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا نَسُوا ما ذِكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، ونَقَلْناهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ إلى الرّاحَةِ والرَّخاءِ وأنْواعِ الآلاءِ والنَّعْماءِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ تَعالى عامَلَهم بِتَسْلِيطِ المَكارِهِ والشَّدائِدِ عَلَيْهِمْ تارَةً فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَنَقَلَهم مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى ضِدِّها وهو فَتْحُ أبْوابِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ وتَسْهِيلُ مُوجِباتِ المَسَرّاتِ والسَّعاداتِ لَدَيْهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ أيْضًا، وهَذا كَما يَفْعَلُهُ الأبُ المُشْفِقُ بِوَلَدِهِ يُخاشِنُهُ تارَةً ويُلاطِفُهُ أُخْرى طَلَبًا لِصَلاحِهِ. حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ، لَمْ يَزِيدُوا عَلى الفَرَحِ والبَطَرِ مِن غَيْرِ انْتِدابٍ لِشُكْرٍ ولا إقْدامٍ عَلى اعْتِذارٍ وتَوْبَةٍ، فَلا جَرَمَ أخَذْناهم بَغْتَةً.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَنْهم مِنَ الخَيْرِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ مِنَ البَأْساءِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الِانْتِقامِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْراتِ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قُلُوبَهم قَسَتْ وماتَتْ، وأنَّهُ لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، لا جَرَمَ فاجَأهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ قالَ الحَسَنُ: في هَذِهِ الآيَةِ مَكْرٌ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، وقالَ ﷺ «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي عَلى المَعاصِي فَإنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما أُخِذُوا في حالِ الرَّخاءِ والرّاحَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ عَلى ما فاتَهم مِن حالِ السَّلامَةِ والعافِيَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ. قالَ
صفحة ١٨٧
الفَرّاءُ: المُبْلِسُ الَّذِي انْقَطَعَ رَجاؤُهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي سَكَتَ عِنْدَ انْقِطاعِ حُجَّتِهِ قَدْ أبْلَسَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُبْلِسُ الشَّدِيدُ الحَسْرَةِ الحَزِينُ، والإبْلاسُ في اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنى اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ عِنْدَ وُرُودِ الهَلَكَةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى انْقِطاعِ الحُجَّةِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الحَيْرَةِ بِما يَرِدُ عَلى النَّفْسِ مِنَ البَلِيَّةِ. وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الدّابِرُ التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ كالوَلَدِ لِلْوالِدِ يُقالُ: دَبَرَ فُلانٌ القَوْمَ يَدْبُرُهم دُبُورًا ودَبَرًا إذا كانَ آخِرَهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ الدّابِرُ الأصْلُ يُقالُ قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ اللَّهُ أصْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى أنْ قَطَعَ دابِرَهم واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ جارِيًا مَجْرى النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ عَلى أُولَئِكَ الرُّسُلِ في إزالَةِ شَرِّهِمْ عَنْ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ لَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كُلَّما ازْدادَتْ مُدَّةُ حَياتِهِمُ ازْدادَتْ أنْواعُ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فَكانُوا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مَزِيدَ العِقابِ والعَذابِ. فَكانَ إفْناؤُهم وإماتَتُهم في تِلْكَ الحالَةِ مُوجِبًا أنْ يَصِيرُوا مُسْتَوْجِبِينَ لِتِلْكَ الزِّياداتِ مِنَ العِقابِ. فَكانَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الإنْعامِ عَلَيْهِمْ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا الحَمْدُ والثَّناءُ إنَّما حَصَلَ عَلى وُجُودِ إنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في أنْ كَلَّفَهم وأزالَ العُذْرَ والعِلَّةَ عَنْهم ودَبَّرَهم بِكُلِّ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ في التَّدْبِيرِ الحَسَنِ، وذَلِكَ بِأنْ أخْذَهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ نَقَلَهم إلى الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأمْهَلَهم وبَعَثَ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ إلَيْهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَزْدادُوا إلّا انْهِماكًا في الغَيِّ والكُفْرِ، أفْناهُمُ اللَّهُ وطَهَّرَ وجْهَ الأرْضِ مِن شَرِّهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
6:46Page 133
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦
Say, "Have you considered:1 if Allāh should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allāh could bring them [back] to you?" Look how We diversify2 the verses; then they [still] turn away.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ المُخْتارِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ هو السَّمْعُ والبَصَرُ والقَلْبُ فالأُذُنُ مَحَلُّ القُوَّةِ السّامِعَةِ والعَيْنُ مَحَلُّ القُوَّةِ الباصِرَةِ، والقَلْبُ مَحَلُّ الحَياةِ والعَقْلِ والعِلْمِ. فَلَوْ زالَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ عَنْ هَذِهِ الأعْضاءِ اخْتَلَّ أمْرُ الإنْسانِ وبَطَلَتْ مَصالِحُهُ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ. ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ القادِرَ عَلى تَحْصِيلِ هَذِهِ القُوى فِيها
صفحة ١٨٨
وصَوْنِها عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ المُنْعِمُ بِهَذِهِ النِّعَمِ العالِيَةِ والخَيْراتِ الرَّفِيعَةِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والعُبُودِيَّةِ لَيْسَ إلّا اللَّهَ تَعالى وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طَرِيقَةٌ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ وطَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَعْقِلُوا الهُدى.
الثّانِي: مَعْناهُ وأزالَ عُقُولَكم حَتّى تَصِيرُوا كالمَجانِينِ.
والثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا الخَتْمِ الإماتَةُ أيْ يُمِيتُ قُلُوبَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ”مَن“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ”إلَهٌ“ و”غَيْرُ“ صِفَةٌ لَهُ وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾ هَذِهِ الهاءُ تَعُودُ عَلى مَعْنى الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِما أُخِذَ مِنكم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: رُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ”بِهُ انْظُرْ“ بِضَمِّ الهاءِ وهو عَلى لُغَةِ مَن يَقْرَأْ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ [القصص: ٨١] فَحَذَفَ الواوَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَصارَ ”بِهُ انْظُرْ“ والباقُونَ بِكَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَصْدِفُونَ“ بِإشْمامِ الزّايِ. والباقُونَ بِالصّادِ أيْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ. يُقالُ: صَدَفَ عَنْهُ أيْ أعْرَضَ والمُرادُ مِن تَصْرِيفِ الآياتِ إيرادُها عَلى الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ المُتَكاثِرَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنها يُقَوِّي ما قَبْلَهُ في الإيصالِ إلى المَطْلُوبِ فَذَكَرَ تَعالى أنَّ مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ في التَّفْهِيمِ والتَّقْرِيرِ والإيضاحِ والكَشْفِ، انْظُرْ يا مُحَمَّدُ أنَّهم كَيْفَ يَصْدِفُونَ ويُعْرِضُونَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الكَعْبِيُّ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى مَكَّنَهم مِنَ الفَهْمِ، ولَمْ يَخْلُقْ فِيهِمُ الإعْراضَ والصَّدَّ، ولَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِعَيْنِ هَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ بالَغَ في إظْهارِ هَذِهِ الدَّلالَةِ وفي تَقْرِيرِها وتَنْقِيحِها وإزالَةِ جِهاتِ الشُّبُهاتِ عَنْها، ثُمَّ إنَّهم مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ القاطِعَةِ لِلْعُذْرِ ما زادُوا إلّا تَمادِيًا في الكُفْرِ والغَيِّ والعِنادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِهِدايَةِ اللَّهِ وإلّا بِإضْلالِهِ. فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلالَتُها عَلى قَوْلِنا أقْوى مِن دَلالَتِها عَلى قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences