Ar-RaziAl‑An'am · 6:53–58

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:53–58

6:53Page 134

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣

And thus We have tried some of them through others that they [i.e., the disbelievers] might say, "Is it these whom Allāh has favored among us?" Is not Allāh most knowing of those who are grateful?1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُبْتَلًى بِصاحِبِهِ، فَأُولَئِكَ الكُفّارُ الرُّؤَساءُ الأغْنِياءُ كانُوا يَحْسُدُونَ فُقَراءَ الصَّحابَةِ عَلى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ في الإسْلامِ مُسارِعِينَ إلى قَبُولِهِ فَقالُوا: لَوْ دَخَلْنا في الإسْلامِ لَوَجَبَ عَلَيْنا أنْ نَنْقادَ لِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ، وأنْ نَعْتَرِفَ لَهم بِالتَّبَعِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] وأمّا فُقَراءُ الصَّحابَةِ فَكانُوا يَرَوْنَ أُولَئِكَ الكُفّارَ في الرّاحاتِ والمَسَرّاتِ والطَّيِّباتِ والخِصْبِ والسَّعَةِ، فَكانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ لِهَؤُلاءِ مَعَ أنّا بَقِينا في هَذِهِ الشِّدَّةِ والضِّيقِ والقِلَّةِ ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ يَرى الآخَرَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ، والفَرِيقُ الآخَرُ يَرى الفَرِيقَ الأوَّلَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ في المَناصِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكانُوا يَقُولُونَ: أهَذا هو الَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْنا ! وأمّا المُحَقِّقُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو حَقٌّ وصِدْقٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ عَلى ما هو قَوْلُ أصْحابِنا أوْ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ عَلى ما هو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، فَكانُوا صابِرِينَ في وقْتِ البَلاءِ، شاكِرِينَ في وقْتِ الآلاءِ والنَّعْماءِ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إلْقاءَ تِلْكَ الفِتْنَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لَيْسَ إلّا اعْتِراضَهم عَلى اللَّهِ في أنْ جَعَلَ أُولَئِكَ الفُقَراءَ رُؤَساءَ في الدِّينِ، والِاعْتِراضُ عَلى اللَّهِ كُفْرٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِلْكُفْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو أنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْإيمانِ هو العَبْدَ، فاللَّهُ ما مَنَّ عَلَيْهِ بِهَذا الإيمانِ، بَلِ العَبْدُ هو الَّذِي مَنَّ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ مِن هَذَيْنِ

صفحة ١٩٧

الوَجْهَيْنِ. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ، بِأنَّ الفِتْنَةَ في التَّكْلِيفِ ما يُوجِبُ التَّشْدِيدَ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ ؟ أيْ: لِيَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ اسْتِفْهامًا لا إنْكارًا ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ بِالإيمانِ ؟ وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ لِيَصْبِرُوا أوْ لِيَشْكُرُوا، فَكانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ عَلى مِيثاقِ قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .

والجَوابُ عَنِ الوَجْهَيْنِ: أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، لا سِيَّما والدَّلِيلُ العَقْلِيُّ قائِمٌ عَلى صِحَّةِ هَذا الظّاهِرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ مُشاهَدَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ الأنَفَةَ، والأنَفَةُ تُوجِبُ العِصْيانَ والإصْرارَ عَلى الكُفْرِ، ومُوجَبُ المُوجَبِ مُوجَبٌ، كانَ الإلْزامُ وارِدًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في كَيْفِيَّةِ افْتِتانِ البَعْضِ بِالبَعْضِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الغِنى والفَقْرَ كانا سَبَبَيْنِ لِحُصُولِ هَذا الِافْتِتانِ كَما ذَكَرْنا في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَما قالَ في قِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦] .

والثّانِي: ابْتِلاءُ الشَّرِيفِ بِالوَضِيعِ.

والثّالِثُ: ابْتِلاءُ الذَّكِيِّ بِالأبْلَهِ.

وبِالجُمْلَةِ فَصِفاتُ الكَمالِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، ولا تَجْتَمِعُ في إنْسانٍ واحِدٍ البَتَّةَ، بَلْ هي مُوَزَّعَةٌ عَلى الخَلْقِ، وصِفاتُ الكَمالِ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، فَكُلُّ أحَدٍ يَحْسُدُ صاحِبَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ.

فَأمّا مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ تَعالى في القَضاءِ والقَدَرِ رَضِيَ بِنَصِيبِ نَفْسِهِ وسَكَتَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْخَلْقِ، وعاشَ عَيْشًا طَيِّبًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ: إنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ إلّا عِنْدَ حُدُوثِها، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ الِافْتِتانَ هو الِاخْتِبارُ والِامْتِحانُ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا لِطَلَبِ العِلْمِ. وجَوابُهُ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

6:54Page 134

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٤

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو عَلى إطْلاقِهِ في كُلِّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ.

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ في أهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ سَألَ المُشْرِكُونَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْدَهم وإبْعادَهم، فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهَذا الإكْرامِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى نَهى الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلًا عَنْ طَرْدِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُكْرِمَهم بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الإكْرامِ.

قالَ عِكْرِمَةُ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا رَآهم بَدَأهم بِالسَّلامِ ويَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أبْدَأهُ بِالسَّلامِ» «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أنَّ عُمَرَ لَمّا اعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنها. وقالَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ما أرَدْتُ بِذَلِكَ إلّا الخَيْرَ. نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وقالَ بَعْضُهم: بَلْ نَزَلَتْ في قَوْمٍ أقْدَمُوا عَلى ذُنُوبٍ، ثُمَّ جاءُوهُ ﷺ مُظْهِرِينَ لِلنَّدامَةِ والأسَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ، والأقْرَبُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى عُمُومِها، فَكُلُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ دَخَلَ تَحْتَ هَذا التَّشْرِيفِ.

ولِي هَهُنا إشْكالٌ، وهو أنَّ النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها هو الأمْرُ الفُلانِيُّ بِعَيْنِهِ ؟

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى أسْرارٍ عالِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو آياتُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى، وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وكِبْرِيائِهِ، وآياتُ وحْدانِيَّتِهِ، وما سِوى اللَّهِ فَلا نِهايَةَ لَهُ، وما لا نِهايَةَ لَهُ فَلا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ في الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ويَتَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِها إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يُؤْمِنَ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ مُدَّةَ حَياتِهِ كالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ، وكالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ. ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِتَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا مُشَرَّعٌ جُمَلِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ. ثُمَّ إنَّ العَبْدَ إذا صارَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ

صفحة ٤

فَعِنْدَ هَذا أمَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً لِحُصُولِ السَّلامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بِشارَةً لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ عَقِيبَ تِلْكَ السَّلامَةِ. أمّا السَّلامَةُ فَبِالنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمُخالَفاتِ ومَوْضِعِ التَّغْيِيراتِ والتَّبْدِيلاتِ، وأمّا الكَراماتُ فَبِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ والمُجَرَّداتِ المُقَدَّساتِ، والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ السَّلامَةَ في اللُّغَةِ أرْبَعَةُ أشْياءٍ، فَمِنها سَلَّمْتُ سَلامًا وهو مَعْنى الدُّعاءِ، ومِنها أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الإسْلامُ، ومِنها اسْمٌ لِلشَّجَرِ العَظِيمِ، أحْسَبُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسَلامَتِهِ مِنَ الآفاتِ، وهو أيْضًا اسْمٌ لِلْحِجارَةِ الصُّلْبَةِ، وذَلِكَ أيْضًا لِسَلامَتِها مِنَ الرَّخاوَةِ. ثُمَّ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ السَّلامُ هَهُنا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ سَلَّمْتُ تَسْلِيمًا وسَلامًا مِثْلَ السَّراحِ مِنَ التَّسْرِيحِ، ومَعْنى سَلَّمْتُ عَلَيْهِ سَلامًا، دَعَوْتُ لَهُ بِأنْ يَسْلَمَ مِنَ الآفاتِ في دِينِهِ ونَفْسِهِ؛ فالسَّلامُ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ السَّلامُ جَمْعَ السَّلامَةِ، فَمَعْنى قَوْلِكَ: السَّلامُ عَلَيْكم، السَّلامَةُ عَلَيْكم. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ قَوْمٌ السَّلامُ هو اللَّهُ تَعالى، فَمَعْنى ”السَّلامُ عَلَيْكم“ يَعْنِي: اللَّهُ عَلَيْكم أيْ عَلى حِفْظِكم وهَذا بِعِيدٌ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَنْكِيرِ السَّلامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ولَوْ كانَ مُعَرَّفًا لَصَحَّ هَذا الوَجْهُ. وأقُولُ كَتَبْتُ فُصُولًا مُشْبِعَةً كامِلَةً في قَوْلِنا سَلامٌ عَلَيْكم وكَتَبْتُها في سُورَةِ التَّوْبَةِ، وهي أجْنَبِيَّةٌ عَنْ هَذا المَوْضِعِ فَإذا نَقَلْتُهُ إلى هَذا المَوْضِعِ كَمُلَ البَحْثُ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ كُتِبَ كَذا عَلى فُلانٍ يُفِيدُ الإيجابَ. وكَلِمَةُ ”عَلى“ أيْضًا تُفِيدُ الإيجابَ، ومَجْمُوعُهُما مُبالَغَةٌ في الإيجابِ. فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهُ سُبْحانَهُ راحِمًا لِعِبادِهِ رَحِيمًا بِهِمْ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، واخْتَلَفَ العُقَلاءُ في سَبَبِ ذَلِكَ الوُجُوبِ فَقالَ أصْحابُنا: لَهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في عَبِيدِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، إلّا أنَّهُ أوْجَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والكَرَمِ.

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ كَوْنَهُ عالِمًا بِقُبْحِ القَبائِحِ وعالَمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْها، يَمْنَعُهُ مِنَ الإقْدامِ عَلى القَبائِحِ ولَوْ فَعَلَهُ كانَ ظُلْمًا، والظُّلْمُ قَبِيحٌ، والقَبِيحُ مِنهُ مُحالٌ. وهَذِهِ المَسْألَةُ مِنَ المَسائِلِ الجَلِيَّةِ في عِلْمِ الأُصُولِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّفْسِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] يَدُلُّ عَلَيْهِ، والنَّفْسُ هَهُنا بِمَعْنى الذّاتِ والحَقِيقَةِ، وأمّا بِمَعْنى الجِسْمِ والدَّمِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُقَدَّسٌ عَنْهُ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مُرَكَّبًا والمُرَكَّبُ مُمْكِنٌ وأيْضًا أنَّهُ أحَدٌ، والأحَدُ لا يَكُونُ مُرَكَّبًا، وما لا يَكُونُ مُرَكَّبًا لا يَكُونُ جِسْمًا وأيْضًا أنَّهُ غَنِيٌّ كَما قالَ: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٨] والغَنِيُّ لا يَكُونُ مُرَكَّبًا وما لا يَكُونُ مُرَكَّبًا لا يَكُونُ جِسْمًا، وأيْضًا الأجْسامُ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَ جِسْمًا لَحَصَلَ لَهُ مِثْلٌ، وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] فَأمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ فَكَثِيرَةٌ ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ قَوِيَّةٌ جَلِيَّةٌ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ يُنافِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ في الكافِرِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ أبَدَ الآبادِ، ويُنافِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ حالَ ذَلِكَ المَنعِ

صفحة ٥

بِالإيمانِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الإيمانِ.

وجَوابُ أصْحابِنا: أنَّهُ ضارٌّ نافِعٌ مُحْيٍ مُمِيتٌ، فَهو تَعالى فَعَلَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ البالِغَةَ وفَعَلَ هَذا القَهْرَ البالِغَ ولا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كانَ هَذا مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ومِن كَلامِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ لَهم في الدُّنْيا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وتَحْقِيقُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى وعَدَ أقْوامًا بِأنَّهُ يَقُولُ لَهم بَعْدَ المَوْتِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ثُمَّ إنَّ أقْوامًا أفْنَوْا أعْمارَهم في العُبُودِيَّةِ حَتّى صارُوا في حَياتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ كَأنَّهُمُ انْتَقَلُوا إلى عالَمِ القِيامَةِ، لا جَرَمَ صارَ التَّسْلِيمُ المَوْعُودُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ في حَقِّ هَؤُلاءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا، ومِنهم مَن قالَ: لا، بَلْ هَذا كَلامُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وقَوْلُهُ: وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو دَرَجَةٌ عالِيَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا لا يَتَناوَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ هَذا الكَلامَ خِطابٌ مَعَ الَّذِينَ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ تَوْبَةُ المُسْلِمِ عَنِ المَعْصِيَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ لَيْسَ هو الخَطَأ والغَلَطَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّوْبَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ، أنْ تُقْدِمَ عَلى المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ بَيانَ أنَّ المُسْلِمَ إذا أقْدَمَ عَلى الذَّنْبِ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ مِنهُ تَوْبَةً حَقِيقِيَّةً فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ (أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم) بِفَتْحِ الألِفِ (فَإنَّهُ غَفُورٌ) بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ فِيهِما، والباقُونَ بِالكَسْرِ فِيهِما. أمّا فَتْحُ الأُولى فَعَلى التَّفْسِيرِ لِلرَّحْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم. وأمّا فَتْحُ الثّانِيَةِ فَعَلى أنْ يَجْعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الأُولى كَقَوْلِهِ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] وقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن فَتَحَ الأُولى فَقَدْ جَعَلَها بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، وأمّا الَّتِي بَعْدَ الفاءِ فَعَلى أنَّهُ أضْمَرَ لَهُ خَبَرًا تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أيْ فَلَهُ غُفْرانُهُ، أوْ أضْمَرَ مُبْتَدَأً يَكُونُ ”أنَّ“ خَبَرَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

وأمّا مَن كَسَرَهُما جَمِيعًا فَلِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فَقَدْ تَمَّ هَذا الكَلامُ، ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَدَخَلَتِ الفاءُ جَوابًا لِلْجَزاءِ، وكُسِرَتْ إنَّ لِأنَّها دَخَلَتْ عَلى مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ كَأنَّكَ قُلْتَ فَهو غَفُورٌ رَحِيمٌ. إلّا أنَّ الكَلامَ بِأنَّ أوْكَدُ هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقَرَأ نافِعٌ الأُولى بِالفَتْحِ والثّانِيَةَ بِالكَسْرِ؛ لِأنَّهُ أبْدَلَ الأُولى مِنَ الرَّحْمَةِ، واسْتَأْنَفَ ما بَعْدَ الفاءِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ قالَ الحَسَنُ: كُلُّ مَن عَمِلَ مَعْصِيَةً فَهو جاهِلٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: إنَّهُ جاهِلٌ بِمِقْدارِ ما فاتَهُ مِنَ الثَّوابِ وما اسْتَحَقَّهُ مِنَ العِقابِ، وقِيلَ: إنَّهُ وإنْ عَلِمَ أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الفِعْلِ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ آثَرَ اللَّذَّةَ العاجِلَةَ عَلى الخَيْرِ الكَثِيرِ الآجِلِ، ومَن آثَرَ القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ قِيلَ في العُرْفِ إنَّهُ جاهِلٌ.

صفحة ٦

وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ جاهِلًا إلّا أنَّهُ لَمّا فَعَلَ ما يَلِيقُ بِالجُهّالِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجاهِلِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمَرَ حِينَ أشارَ بِإجابَةِ الكَفَرَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ، ولَمْ يَعْلَمْ بِأنَّها مَفْسَدَةٌ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ﴾ فَقَوْلُهُ: (تابَ) إشارَةٌ إلى النَّدَمِ عَلى الماضِي، وقَوْلُهُ: (وأصْلَحَ) إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَهو غَفُورٌ بِسَبَبِ إزالَةِ العِقابِ، رَحِيمٌ بِسَبَبِ إيصالِ الثَّوابِ الَّذِي هو النِّهايَةُ في الرَّحْمَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:55Page 134

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٥٥

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ .

المُرادُ كَما فَصَّلْنا لَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ دَلائِلَنا عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدْرِ، فَكَذَلِكَ نُمَيِّزُ ونُفَصِّلُ لَكَ دَلائِلَنا وحُجَجَنا في تَقْرِيرِ كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ، وحَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (لِتَسْتَبِينَ) فَقَرَأ نافِعٌ (لِتَسْتَبِينَ) بِالتّاءِ ”وسَبِيلَ“ بِالنَّصْبِ والمَعْنى لِتَسْتَبِينَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”لِيَسْتَبِينَ“ بِالياءِ، (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ والباقُونَ بِالتّاءِ و(سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ عَلى تَأْنِيثِ سَبِيلٍ. وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَ السَّبِيلَ، وبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَهُ. وقَدْ نَطَقَ القُرْآنُ بِهِما فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقالَ: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [إبراهيم: ٣] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ ؟

قُلْنا: ذِكْرُ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَدُلُّ عَلى الثّانِي. كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ. وأيْضًا فالضِّدّانِ إذا كانا بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ بَيْنَهُما واسِطَةٌ، فَمَتى بانَتْ خاصِّيَّةُ أحَدِ القِسْمَيْنِ بانَتْ خاصِّيَّةُ القِسْمِ الآخَرِ والحَقُّ والباطِلُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، فَمَتى اسْتَبانَتْ طَرِيقَةُ المُجْرِمِينَ فَقَدِ اسْتَبانَتْ طَرِيقَةُ المُحِقِّينَ أيْضًا لا مَحالَةَ.

6:56–58Page 134

قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allāh." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient.1 The decision is only for Allāh. He relates the truth, and He is the best of deciders."

قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٥٨

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allāh is most knowing of the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .

صفحة ٧

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَصِّلُ الآياتِ لِيَظْهَرَ الحَقُّ ولِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى نَهى عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَها إنَّما يَعْبُدُونَها بِناءً عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ، لا عَلى سَبِيلِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ وأجْحارٌ وهي أخَسُّ مَرْتَبَةً مِنَ الإنْسانِ بِكَثِيرٍ، وكَوْنُ الأشْرَفِ مُشْتَغِلًا بِعِبادَةِ الأخَسِّ أمْرٌ يَدْفَعُهُ صَرِيحُ العَقْلِ. وأيْضًا إنَّ القَوْمَ كانُوا يَنْحِتُونَ تِلْكَ الأصْنامَ ويُرَكِّبُونَها، ومِنَ المَعْلُومِ بِالبَدِيهَةِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِن هَذا العامِلِ الصّانِعِ أنَّهُ يَعْبُدُ مَعْمُولَهُ ومَصْنُوعَهُ. فَثَبَتَ أنَّ عِبادَتَها مَبْنِيَّةٌ عَلى الهَوى، ومُضادَّةٌ لِلْهُدى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَأنا ضالٌّ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ في شَيْءٍ. والمَقْصُودُ كَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أنْتُمْ كَذَلِكَ. ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ الهَوى مُتَّبَعًا، نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ في أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، وكَذَّبْتُمْ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْرَهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذا الشِّرْكِ. والقَوْمُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ ذَلِكَ العَذابِ. فَقالَ تَعالى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي قَوْلَهم: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يُنْزِلُهُ اللَّهُ في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ إنْزالَهُ فِيهِ، ولا قُدْرَةَ لِي عَلى تَقْدِيمِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ الكُلُّ. والمُرادُ هَهُنا إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ فَقَطْ في تَأْخِيرِ عَذابِهِمْ ”يَقْضِي الحَقَّ“ أيِ القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي مِنَ التَّأْخِيرِ والتَّعْجِيلِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيِ القاضِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنهُ فِعْلُ الكُفْرِ إلّا إذا قَضى اللَّهُ بِهِ وحَكَمَ بِهِ. وكَذَلِكَ في جَمِيعِ الأفْعالِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، بِمَعْنى أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ. واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ”يَقْضِي الحَقَّ“ ومَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما قَضى بِهِ فَهو الحَقُّ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يُرِيدَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ. ولا المَعْصِيَةَ مِنَ العاصِي لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ الحَقَّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ (يَقُصُّ الحَقَّ) بِالصّادِ مِنَ القَصَصِ، يَعْنِي أنَّ كُلَّ ما أنْبَأ بِهِ وأمَرَ بِهِ فَهو مِن أقاصِيصِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقَرَأ الباقُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ والمَكْتُوبُ في المَصاحِفِ ”يَقْضِ“ بِغَيْرِ ياءٍ؛ لِأنَّها سَقَطَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما كَتَبُوا ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾، ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ وقَوْلُهُ: (يَقْضِ الحَقَّ) قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ وجْهانِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”الحَقُّ“ صِفَةَ المَصْدَرِ والتَّقْدِيرُ: يَقْضِ القَضاءَ الحَقَّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَقْضِ الحَقَّ“ يَصْنَعُ الحَقَّ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ فَهو حَقٌّ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ”الحَقَّ“ يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وقَضى بِمَعْنى صَنَعَ. قالَ الهُذَلِيُّ:

وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ

أيْ صَنَعَهُما داوُدُ. واحْتَجَّ أبُو عَمْرٍو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ قالَ: والفَصْلُ يَكُونُ في القَضاءِ، لا في القَصَصِ.

صفحة ٨

أجابَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ فَقالَ: القَصَصُ هَهُنا بِمَعْنى القَوْلِ. وقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطّارِقِ: ١٣] وقالَ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وقالَ: ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском