Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:63–70
6:63–64Page 135
قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣
Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤
Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ لُغَتانِ مَنقُولَتانِ مِن نَجا، فَإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِالهَمْزَةِ، وإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، مِثْلُ: أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ، وأغْرَمْتُهُ وغَرَّمْتُهُ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٧٢] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] ولَمّا جاءَ التَّنْزِيلُ بِاللُّغَتَيْنِ مَعًا ظَهَرَ اسْتِواءُ القِراءَتَيْنِ في الحُسْنِ، غَيْرَ أنَّ الِاخْتِيارَ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كانَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأيْضًا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”خِفْيَةً“ بِكَسْرِ الخاءِ والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَنِ الأخْفَشِ في ”خُفْيَةٍ وخِفْيَةٍ“ أنَّهُما لُغَتانِ، وأيْضًا الخُفْيَةُ مِنَ الإخْفاءِ، والخِيفَةُ مِنَ الرَّهَبِ، وأيْضًا ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ مِن هَذِهِ. قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَئِنْ أنْجانا) عَلى المُغايَبَةِ، والباقُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ عَلى الخِطابِ، فَأمّا الأوَّلُونَ: وهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلى المُغايَبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا؛ قَرَأ عاصِمٌ بِالتَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالإمالَةِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ أنَّ ما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ وما بَعْدَهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، فَأمّا ما قَبْلَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ وأيْضًا فالقِراءَةُ بِلَفْظِ الخِطابِ تُوجِبُ الإضْمارَ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُخاطَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ. ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَتْ كاللَّيْلِ، وحَقِيقَةُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ يَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ الخُرُوجِ، ويُظْلِمُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ وعِظَمَ الخَوْفِ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إذا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والخِلْقَةُ الأصْلِيَّةُ في هَذِهِ الحالَةِ بِأنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا
صفحة ١٩
إلى اللَّهِ، ولا تَعْوِيلَ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَبَ أنْ يَبْقى هَذا الإخْلاصُ عِنْدَ كُلِّ الأحْوالِ والأوْقاتِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الفَوْزِ بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ. يُحِيلُ تِلْكَ السَّلامَةَ إلى الأسْبابِ الجُسْمانِيَّةِ، ويُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ والأوْثانِ، وأنا أقُولُ: التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ في طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ تَعَلُّقًا بِالوَثَنِ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ يُسَمُّونَهُ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ، ولَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّدائِدِ يَأْتِي الإنْسانُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: الدُّعاءُ.
وثانِيها: التَّضَرُّعُ.
وثالِثُها: الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخُفْيَةً﴾ .
ورابِعُها: التِزامُ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ، ومِن سائِرِ مُوجِباتِ الخَوْفِ والكَرْبِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسْراءِ: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] وبِالجُمْلَةِ فَعادَةُ أكْثَرِ الخَلْقِ ذَلِكَ، إذا شاهَدُوا الأمْرَ الهائِلَ أخْلَصُوا، وإذا انْتَقَلُوا إلى الأمْنِ والرَّفاهِيَةِ أشْرَكُوا بِهِ.
6:65Page 135
قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥
Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو مَمْزُوجٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّخْوِيفِ، فَبَيَّنَ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ مِن هَذِهِ الطُّرُقِ المُخْتَلِفَةِ، وأمّا إرْسالُ العَذابِ عَلَيْهِمْ تارَةً مِن فَوْقِهِمْ، وتارَةً مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَنَقُولُ: العَذابُ النّازِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ مِثْلُ المَطَرِ النّازِلِ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ كَما في قِصَّةِ نُوحٍ، والصّاعِقَةُ النّازِلَةُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ، وكَذا الصَّيْحَةُ النّازِلَةُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقُ كَما حُصِبَ قَوْمُ لُوطٍ، وكَما رُمِيَ أصْحابُ الفِيلِ. وأمّا العَذابُ الَّذِي ظَهَرَ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، فَمِثْلُ الرَّجْفَةِ، ومِثْلُ خَسْفِ قارُونَ. وقِيلَ: هو حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ العَذابِ الَّتِي يُمْكِنُ نُزُولُها مِن فَوْقُ، وظُهُورُها مِن أسْفَلُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ هَذا اللَّفْظُ عَلى مَجازِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: عَذابًا مِن فَوْقِكم أيْ مِنَ الأُمَراءِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم مِنَ العَبِيدِ والسَّفَلَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ الشِّيَعَ جَمْعُ الشِّيعَةِ، وكُلُّ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ فَهم شِيعَةٌ والجُمَعُ شِيَعٌ وأشْياعٌ. قالَ تَعالى: ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] وأصْلُهُ مِنَ الشِّيَعِ وهو التَّبَعُ، ومَعْنى الشِّيعَةِ الَّذِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا. قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾
صفحة ٢٠
﴿شِيَعًا﴾ يَخْلِطَ أمْرَكم خَلْطَ اضْطِرابٍ لا خَلْطَ اتِّفاقٍ، فَيَجْعَلَكم فِرَقًا ولا تَكُونُونَ فِرْقَةً واحِدَةً، فَإذا كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ قاتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا وهو مَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «لَمّا نَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ: ما بَقاءُ أُمَّتِي إنْ عُومِلُوا بِذَلِكَ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ لِأُمَّتِكَ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ لا يَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَّنَهم مِن خَصْلَتَيْنِ أنْ لا يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ كَما بَعَثَهُ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ولُوطٍ، ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ كَما خَسَفَ بِقارُونَ، ولَمْ يُجِرْهم مِن أنْ يَلْبِسَهم شِيَعًا بِالأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ» . وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً النّاجِيَةُ فِرْقَةٌ» وفي رِوايَةٍ أُخْرى «كُلُّهم في الجَنَّةِ إلّا الزَّنادِقَةَ»
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ هو أنَّهُ تَعالى يَحْمِلُهم عَلى الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ والمَذاهِبِ المُتَنافِيَةِ. وظاهِرٌ أنَّ الحَقَّ مِنها لَيْسَ إلّا الواحِدُ، وما سِواهُ فَهو باطِلٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ يَحْمِلُ المُكَلَّفَ عَلى الِاعْتِقادِ الباطِلِ وقَوْلُهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لا شَكَّ أنَّ أكْثَرَها ظُلْمٌ ومَعْصِيَةٌ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْخَيْرِ والشَّرِّ. أجابَ الخَصْمُ عَنْهُ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، وعِنْدَنا اللَّهُ قادِرٌ عَلى القَبِيحِ. إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ تَعالى هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أمْ لا ؟
والجَوابُ: أنَّ وجْهَ التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ فَإنَّهُ قالَ: ﴿هُوَ القادِرُ﴾ عَلى ذَلِكَ وهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى ذَلِكَ، وهَذا الِاخْتِلافُ بَيْنَ النّاسِ حاصِلٌ، وثَبَتَ بِمُقْتَضى الحَصْرِ المَذْكُورِ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ صادِرًا عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صادِرًا عَنِ اللَّهِ وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُقَلِّدَةُ والحَشْوِيَّةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى المَنعِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ لِأنَّ فَتْحَ تِلْكَ الأبْوابِ يُفِيدُ وُقُوعَ الِاخْتِلافِ والمُنازَعَةِ في الأدْيانِ وتُفَرُّقَ الخَلْقِ إلى المَذاهِبِ والأدْيانِ، وذَلِكَ مَذْمُومٌ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُفْضِي إلى المَذْمُومِ مَذْمُومٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فَتْحُ بابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في الدِّينِ مَذْمُومًا. وجَوابُهُ سَهْلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ قالَ القاضِي: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِتَصْرِيفِ هَذِهِ الآياتِ وتَقْرِيرِ هَذِهِ البَيِّناتِ، أنْ يَفْهَمَ الكُلُّ تِلْكَ الدَّلائِلَ، ويَفْقَهَ الكُلُّ تِلْكَ البَيِّناتِ. وجَوابُنا: بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما صَرَّفَ هَذِهِ الآياتِ إلّا لِمَن فَقُهَ وفَهِمَ، فَأمّا مَن أعْرَضَ وتَمَرَّدَ فَهو تَعالى ما صَرَّفَ هَذِهِ الآياتِ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.
6:66–67Page 135
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦
But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."
لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧
For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى العَذابِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.
الثّانِي: الضَّمِيرُ في ”بِهِ“ لِلْقُرْآنِ وهو الحَقُّ أيْ في كَوْنِهِ كِتابًا
صفحة ٢١
مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: يَعُودُ إلى تَصْرِيفِ الآياتِ وهو الحَقُّ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا كَوْنَ هَذِهِ الأشْياءِ دَلالاتٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ عَلَيْكم بِحافِظٍ حَتّى أُجازِيَكم عَلى تَكْذِيبِكم وإعْراضِكم عَنْ قَبُولِ الدَّلائِلِ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ هو المُجازِي لَكم بِأعْمالِكم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والمُفَسِّرُونَ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ؛ وهو بَعِيدٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ والمُسْتَقَرُّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ الِاسْتِقْرارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّ ما زادَ عَلى الثُّلاثِيِّ كانَ المَصْدَرُ مِنهُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ نَحْوَ المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، بِمَعْنى الإدْخالِ والإخْراجِ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ تَعالى وقْتًا أوْ مَكانًا يَحْصُلُ فِيهِ مِن غَيْرِ خُلْفٍ ولا تَأْخِيرٍ، وإنْ جَعَلْتَ المُسْتَقِرَّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كانَ المَعْنى لِكُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى اسْتِقْرارٌ ولا بُدَّ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ ظُهُورِهِ ونُزُولِهِ. وهَذا الَّذِي خَوَّفَ الكُفّارَ بِهِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ عَذابَ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِيلاءَ المُسْلِمِينَ عَلى الكُفّارِ بِالحَرْبِ والقَتْلِ والقَهْرِ في الدُّنْيا.
6:68Page 135
وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨
And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَبَيَّنَ بِهِ أنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهَذا الدِّينِ فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ أنْ يُلازِمَهم، وأنْ يَكُونَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ إنْ ضَمُّوا إلى كُفْرِهِمْ وتْكَذِّبِيهِمْ الِاسْتِهْزاءَ بِالدِّينِ والطَّعْنَ في الرَّسُولِ فَإنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْ مُقارَنَتِهِمْ وتَرْكُ مُجالَسَتَهم، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِغَيْرِهِ أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا. ونَقَلَ الواحِدِيُّ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا جالَسُوا المُؤْمِنِينَ وقَعُوا في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُرْآنِ، فَشَتَمُوا واسْتَهْزَءُوا فَأمَرَهم أنْ لا يَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ. ولَفْظُ الخَوْضِ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُفاوَضَةِ عَلى وجْهِ العَبَثِ واللَّعِبِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٥] وإذا سُئِلَ الرَّجُلُ عَنْ قَوْمٍ فَقالَ: تَرَكْتُهم يَخُوضُونَ. أفادَ ذَلِكَ أنَّهم شَرَعُوا في كَلِماتٍ لا يَنْبَغِي ذِكْرُها، ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ. قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ، والخَوْضُ في آياتِ اللَّهِ حَرامٌ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، والجَوابُ عَنْهُ: أنّا نَقَلْنا عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ مِن ”الخَوْضِ“ الشُّرُوعُ في آياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الطَّعْنِ والِاسْتِهْزاءِ. وبَيَّنّا أيْضًا أنَّ لَفْظَ ”الخَوْضِ“ وُضِعَ في أصْلِ اللُّغَةِ لِهَذا المَعْنى فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وفَعَلَ وأفْعَلَ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في
صفحة ٢٢
مَواضِعَ. وفي التَّنْزِيلِ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ والِاخْتِيارُ قِراءَةُ العامَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ [الكهف: ٦٣] ومَعْنى الآيَةِ: إنْ نَسِيتَ وقَعَدْتَ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى، وقُمْ إذا ذَكَرْتَ. والذِّكْرى اسْمٌ لِلتَّذْكِرَةِ قالَهُ اللَّيْثُ. وقالَ الفَرّاءُ: الذِّكْرى يَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي مَعَ المُشْرِكِينَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا الإعْراضُ يُحْتَمَلُ أنْ يَحْصُلَ بِالقِيامِ عَنْهم ويُحْتَمَلُ بِغَيْرِهِ. فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ صارَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُرادَ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم بِالقِيامِ مِن عِنْدِهِمْ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلْ يَجُوزُ هَذا الإعْراضُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوى القِيامِ عَنْهم ؟ والجَوابُ: الَّذِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِظَواهِرِ الألْفاظِ ويَزْعُمُونَ وُجُوبَ إجْرائِها عَلى ظَواهِرِها لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ، والَّذِينَ يَقُولُونَ المَعْنى هو المُعْتَبَرُ جَوَّزُوا ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ المَطْلُوبَ إظْهارُ الإنْكارِ، فَكُلُّ طَرِيقٍ أفادَ هَذا المَقْصُودَ فَإنَّهُ يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَوْ خافَ الرَّسُولُ مِنَ القِيامِ عَنْهم، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ القِيامُ مَعَ ذَلِكَ ؟
الجَوابُ: كُلُّ ما أوْجَبَ عَلى الرَّسُولِ فِعْلَهُ وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ سَواءٌ ظَهَرَ أثَرُ الخَوْفِ أوْ لَمْ يَظْهَرْ فَإنّا إنْ جَوَّزْنا مِنهُ تَرْكَ الواجِبِ بِسَبَبِ الخَوْفِ، سَقَطَ الِاعْتِمادُ عَلى التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها إلَيْنا. أمّا غَيْرُ الرَّسُولِ فَإنَّهُ عِنْدَ شِدَّةِ الخَوْفِ قَدْ يَسْقُطُ عَنْهُ الفَرْضُ؛ لِأنَّ إقْدامَهُ عَلى التَّرْكِ لا يُفْضِي إلى المَحْذُورِ المَذْكُورِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ يُفِيدُ أنَّ التَّكْلِيفَ ساقِطٌ عَنِ النّاسِي قالَ الجُبّائِيُّ: إذا كانَ عَدَمُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ، فَعَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الشَّيْءِ أوْلى بِأنْ يُوجِبَ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ لا يَقَعُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ حاصِلَةٌ قَبْلَ الفِعْلِ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَحْصُلْ إلّا مَعَ الفِعْلِ لَما كانَتْ حاصِلَةً قَبْلَ الفِعْلِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الكافِرُ قادِرًا عَلى الإيمانِ فَوَجَبَ أنْ لا يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالإيمانِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ كَثُرَ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ مَعَ الجَوابِ فَلا نُطَوِّلُ الكَلامَ بِذِكْرِ الجَوابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:69–70Page 136
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩
And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.
وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ وخاضُوا فِيهِ قُمْنا عَنْهم لَما قَدَرْنا
صفحة ٢٣
عَلى أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ وأنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِيها لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقْعُدُوا مَعَهم ويُذَكِّرُونَهم ويُفَهِّمُونَهم. قالَ: ومَعْنى الآيَةِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ والكَبائِرَ والفَواحِشَ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ مِن آثامِهِمْ ﴿مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ (ذِكْرى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. أمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: ولَكِنْ عَلَيْكم ذِكْرى أيْ أنْ تُذَكِّرُوهم، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ولَكِنَّ الَّذِي تَأْمُرُونَهم بِهِ ذِكْرى، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي الذِّكْرى تَكُونُ بِمَعْنى الذِّكْرِ، وأمّا كَوْنُهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، فالتَّقْدِيرُ ذَكِّرُوهم ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ. والمَعْنى لَعَلَّ ذَلِكَ الذِّكْرى يَمْنَعُهم مِنَ الخَوْضِ في ذَلِكَ الفُضُولِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَذْكُورُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ ومَعْنى (ذِرْهم) أعْرِضْ عَنْهم ولَيْسَ المُرادُ أنْ يَتْرُكَ إنْذارَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٣] والمُرادُ تَرْكُ مُعاشَرَتِهم ومُلاطَفَتِهم ولا يَتْرُكُ إنْذارَهم وتَخْوِيفَهم.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتْرُكَ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِصِفَتَيْنِ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنْ يَكُونَ مِن صِفَتِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ ودُعُوا إلَيْهِ وهو دِينُ الإسْلامِ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ.
الثّانِي: اتَّخَذُوا ما هو لَعِبٌ ولَهْوٌ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها دِينًا لَهم.
الثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَحْكُمُونَ في دِينِ اللَّهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والتَّمَنِّي، مِثْلَ تَحْرِيمِ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وما كانُوا يَحْتاطُونَ في أمْرِ الدِّينِ البَتَّةَ، ويَكْتَفُونَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا.
والرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا يُعَظِّمُونَهُ ويُصَلُّونَ فِيهِ ويُعَمِّرُونَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّ النّاسَ أكْثَرُهم مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلُ الكِتابِ اتَّخَذُوا عِيدَهم لَهْوًا ولَعِبًا غَيْرُ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّخَذُوا عِيدَهم كَما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى.
والخامِسُ: وهو الأقْرَبُ، أنَّ المُحَقِّقَ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنَّهُ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ. فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ عَلى الدُّنْيا في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ. وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الحالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ وهَذا يُؤَكِّدُ الوَجْهَ الخامِسَ الَّذِي ذَكَرْناهُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّما اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا لِأجْلِ أنَّهم غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا. فَلِأجْلِ اسْتِيلاءِ حُبِّ الدُّنْيا عَلى قُلُوبِهِمْ أعْرَضُوا عَنْ حَقِيقَةِ الدِّينِ واقْتَصَرُوا عَلى تَزْيِينِ الظَّواهِرِ لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى حُطامِ الدُّنْيا.
إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ مَعْناهُ أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ ولا تُقِمْ لَهم في نَظَرِكَ وزْنًا ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟
صفحة ٢٤
قِيلَ: وذَكِّرْ بِالقُرْآنِ وقِيلَ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ والمُرادُ الدِّينُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ ويَعْتَقِدُوا صِحَّتَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الدِّينِ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُورِ. والدِّينُ أقْرَبُ المَذْكُورِ، فَوَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ الإبْسالِ المَنعُ ومِنهُ، هَذا عَلَيْكَ بَسْلٌ أيْ حَرامٌ مَحْظُورٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن خَصْمِهِ، أوْ لِأنَّهُ شَدِيدُ البُسُورِ، يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ إذا اشْتَدَّ عُبُوسُهُ، وإذا زادَ قالُوا بَسَلَ، والعابِسُ مُنْقَبِضُ الوَجْهِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُرْتَهَنُ في جَهَنَّمَ بِما كَسَبَتْ في الدُّنْيا. وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: تُسَلَّمُ لِلْمَهْلَكَةِ أيْ تُمْنَعُ عَنْ مُرادِها وتُخْذَلُ. وقالَ قَتادَةُ: تُحْبَسُ في جَهَنَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تُبْسَلَ﴾ تُفْضَحَ و﴿أُبْسِلُوا﴾ فُضِحُوا، ومَعْنى الآيَةِ وذَكِّرْهم بِالقُرْآنِ ومُقْتَضى الدِّينِ مَخافَةَ احْتِباسِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ جِناياتِهِمْ لَعَلَّهم يَخافُونَ فَيَتَّقُونَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: (لَيْسَ لَها) أيْ لَيْسَ لِلنَّفْسِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ أيْ وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ الفِدْيَةُ لا يُؤْخَذُ ذَلِكَ العَدْلُ وتِلْكَ الفِدْيَةُ مِنها. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فاعِلُ يُؤْخَذُ لَيْسَ هو قَوْلَهُ: (عَدْلٌ) لِأنَّ العَدْلَ هَهُنا مَصْدَرٌ، فَلا يُسْنَدُ إلَيْهِ الأخْذُ. وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ فَبِمَعْنى المُفْدى بِهِ، فَصَحَّ إسْنادُهُ إلَيْهِ. فَنَقُولُ: الأخْذُ بِمَعْنى القَبُولِ وارِدٌ. قالَ تَعالى: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٤] أيْ يَقْبَلُها. وإذا ثَبَتَ هَذا فَيُحْمَلُ الأخْذُ هَهُنا عَلى القَبُولِ، ويَزُولُ السُّؤالُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: بَيانُ أنَّ وُجُوهَ الخَلاصِ عَلى تِلْكَ النَّفْسِ مُنْسَدَّةٌ، فَلا ولِيَّ يَتَوَلّى دَفْعَ ذَلِكَ المَحْذُورِ، ولا شَفِيعَ يَشْفَعُ فِيها، ولا فِدْيَةَ تُقْبَلُ لِيَحْصُلَ الخَلاصُ بِسَبَبِ قَبُولِها حَتّى لَوْ جُعِلَتِ الدُّنْيا بِأسْرِها فَدِيَةً مِن عَذابِ اللَّهِ لَمْ تَنْفَعْ. فَإذا كانَتْ وُجُوهُ الخَلاصِ هي هَذِهِ الثَّلاثَةُ في الدُّنْيا، وثَبَتَ أنَّها لا تُفِيدُ في الآخِرَةِ البَتَّةَ، وظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا الإبْسالُ الَّذِي هو الِارْتِهانُ والِانْغِلاقُ والِاسْتِسْلامُ، فَلَيْسَ لَها البَتَّةَ دافِعٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، وإذا تَصَوَّرَ المَرْءُ كَيْفِيَّةَ العِقابِ عَلى هَذا الوَجْهِ يَكادُ يُرْعِدُ إذا أقْدَمَ عَلى مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ما بِهِ صارُوا مُرْتَهَنِينَ وعَلَيْهِ مَحْبُوسِينَ، فَقالَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في صِفَةِ الإيلامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences