Ar-RaziAl‑An'am · 6:76–83

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:76–83, continued

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ كَوْنُ بَعْضِ الكَواكِبِ مُوجِدَةً وخالِقَةً، لَبَقِيَ هَذا الِاحْتِمالُ في الكُلِّ وحِينَئِذٍ لا يَعْرِفُ الإنْسانُ أنَّ خالِقَهُ هَذا الكَوْكَبُ. أوْ ذَلِكَ الآخَرُ أوْ مَجْمُوعُ الكَواكِبِ فَيَبْقى شاكًّا في مَعْرِفَةِ خالِقِهِ. أمّا لَوْ عَرَفْنا الكُلَّ وأسْنَدْنا الخَلْقَ والإيجادَ والتَّدْبِيرَ إلى خالِقِ الكُلِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُنا مَعْرِفَةُ الخالِقِ والمُوجِدِ، ويُمْكِنُنا الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ وشُكْرِهِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ أُفُولَ الكَواكِبِ كَما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها قَدِيمَةً فَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ كَوْنِها آلِهَةً لِهَذا العالَمِ وأرْبابًا لِلْحَيَوانِ والإنْسانِ. واللَّهُ أعْلَمُ. فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ.

فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَتْ مَسْبُوقَةً بِنَهارٍ ولَيْلٍ، وكانَ أُفُولُ الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ حاصِلًا في اللَّيْلِ السّابِقِ والنَّهارِ السّابِقِ، وبِهَذا التَّقْرِيرِ لا يَبْقى لِلْأُفُولِ الحاصِلِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَزِيدُ فائِدَةٍ.

والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما أوْرَدَ هَذا الدَّلِيلَ عَلى الأقْوامِ الَّذِينَ كانَ يَدْعُوهم مِن عِبادَةِ النُّجُومِ إلى التَّوْحِيدِ. فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ جالِسًا مَعَ أُولَئِكَ الأقْوامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي وزَجَرَهم عَنْ عِبادَةِ الكَواكِبِ، فَبَيْنَما هو في تَقْرِيرِ ذَلِكَ الكَلامِ إذْ وقَعَ بَصَرُهُ عَلى كَوْكَبٍ مُضِيءٍ، فَلَمّا أفَلَ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَوْ كانَ هَذا الكَوْكَبُ إلَهًا لَما انْتَقَلَ مِنَ الصُّعُودِ إلى الأُفُولِ ومِنَ القُوَّةِ إلى الضَّعْفِ. ثُمَّ في أثْناءِ ذَلِكَ الكَلامِ طَلَعَ القَمَرُ وأفَلَ. فَأعادَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الكَلامَ، وكَذا القَوْلُ في الشَّمْسِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما يَحْضُرُنا في تَقْرِيرِ دَلِيلِ إبْراهِيمَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: تَفَلْسَفَ الغَزالِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ وحَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الحَيَوانِيَّةِ الَّتِي لِكُلِّ كَوْكَبٍ، والقَمَرَ عَلى النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي لِكُلِّ فَلَكٍ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ المُجَرَّدِ الَّذِي لِكُلِّ ذَلِكَ، وكانَ أبُو عَلِيِّ بْنُ سَيْناءَ يُفَسِّرُ الأُفُولَ بِالإمْكانِ، فَزَعَمَ الغَزالِيُّ أنَّ المُرادَ بِأُفُولِها إمْكانُها في نَفْسِها، وزَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ بِأسْرِها مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُؤَثِّرٍ، ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى واجِبِ الوُجُودِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لا بَأْسَ بِهِ. إلّا أنَّهُ يَبْعُدُ حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الكَوْكَبَ عَلى الحِسِّ والقَمَرَ عَلى الخَيالِ والوَهْمِ، والشَّمْسَ عَلى العَقْلِ، والمُرادُ أنَّ هَذِهِ القُوى المُدْرِكَةَ الثَّلاثَةَ قاصِرَةٌ مُتَناهِيَةٌ، ومُدَبِّرُ العالَمِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها قاهِرٌ لَها. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ عَلى أحْكامٍ:

صفحة ٤٦

الحُكْمُ الأوَّلُ

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ إذْ لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ غائِبًا عَنّا أبَدًا فَكانَ آفِلًا أبَدًا، وأيْضًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ تَعالى يَنْزِلُ مِنَ العَرْشِ إلى السَّماءِ تارَةً، ويَصْعَدُ مِنَ السَّماءِ إلى العَرْشِ أُخْرى، وإلّا لَحَصَلَ مَعْنى الأُفُولِ.

الحُكْمُ الثّانِي

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مَحَلًّا لِلصِّفاتِ المُحْدَثَةِ كَما تَقُولُهُ الكَرامِيَّةُ، وإلّا لَكانَ مُتَغَيِّرًا، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مَعْنى الأُفُولِ، وذَلِكَ مُحالٌ.

الحُكْمُ الثّالِثُ

تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدِّينَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلى الدَّلِيلِ لا عَلى التَّقْلِيدِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ فائِدَةٌ البَتَّةَ.

الحُكْمُ الرّابِعُ

تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَعارِفَ الأنْبِياءِ بِرَبِّهِمِ اسْتِدْلالِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ، وإلّا لَما احْتاجَ إبْراهِيمُ إلى الِاسْتِدْلالِ.

الحُكْمُ الخامِسُ

تَدُلُّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في أحْوالِ مَخْلُوقاتِهِ، إذْ لَوْ أمْكَنَ تَحْصِيلُها بِطَرِيقٍ آخَرَ لَما عَدَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ .

فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، وبَزَغَتِ الشَّمْسُ إذا بَدَأ مِنها طُلُوعٌ، ونُجُومٌ بِوازِغُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ في البَزْغِ وهو الشَّقُّ كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ اعْتَبَرَ في القَمَرِ مِثْلَ ما اعْتَبَرَ في الكَوْكَبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولا يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ الهِدايَةِ عَلى التَّمَكُّنِ وإزاحَةِ الأعْذارِ ونَصْبِ الدَّلائِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ حاصِلًا، فالهِدايَةُ الَّتِي كانَ يَطْلُبُها بَعْدَ حُصُولِ تِلْكَ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ زائِدَةٌ عَلَيْها.

واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مَذْهَبِنا أظْهَرُ مِن أنْ يَشْتَبِهَ عَلى العاقِلِ؛ لِأنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ أضافَ الهِدايَةَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٨] وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٥] .

* * *

صفحة ٤٧

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ في الشَّمْسِ هَذا مَعَ أنَّها مُؤَنَّثَةٌ، ولَمْ يَقُلْ هَذِهِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الشَّمْسَ بِمَعْنى الضِّياءِ والنُّورِ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلى التَّأْوِيلِ فَذُكِرَ.

وثانِيها: أنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، فَلَمّا أشْبَهَ لَفْظُها لَفْظَ المُذَكَّرِ وكانَ تَأْوِيلُها تَأْوِيلًا لِلنُّورِ صَلَحَ التَّذْكِيرُ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ.

وثالِثُها: أرادَ هَذا الطّالِعَ أوْ هَذا الَّذِي أراهُ.

ورابِعُها: المَقْصُودُ مِنهُ رِعايَةُ الأدَبِ، وهو تَرْكُ التَّأْنِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ المُرادُ مِنهُ أكْبَرُ الكَواكِبِ جِرْمًا وأقْواها قُوَّةً، فَكانَ أوْلى بِالإلَهِيَّةِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الأُفُولُ حاصِلًا في الشَّمْسِ والأُفُولُ يَمْنَعُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ امْتِناعُ صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلشَّمْسِ كانَ امْتِناعُ حُصُولِها لِلْقَمَرِ ولِسائِرِ الكَواكِبِ أوْلى. وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ أنَّ ذِكْرَ هَذا الكَلامِ في الشَّمْسِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ في القَمَرِ والكَواكِبِ. فَلِمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ الشَّمْسِ رِعايَةً لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ ؟

قُلْنا: إنَّ الأخْذَ مِنَ الأدْوَنِ فالأدْوَنِ، مُتَرَقِّيًا إلى الأعْلى فالأعْلى، لَهُ نَوْعُ تَأْثِيرٍ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ والتَّأْكِيدِ لا يَحْصُلُ مِن غَيْرِهِ، فَكانَ ذِكْرُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، لا جَرَمَ تَبَرَّأ مِنَ الشِّرْكِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ لا تَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ نَفْيُ الشَّرِيكِ مُطْلَقًا وإثْباتُ التَّوْحِيدِ، فَلِمَ فَرَّعَ عَلى قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ هَذِهِ الكَواكِبِ غَيْرَ صالِحَةٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ الجَزْمُ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ مُطْلَقًا ؟

والجَوابُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا مُساعِدِينَ عَلى نَفْيِ سائِرِ الشُّرَكاءِ، وإنَّما نازَعُوا في هَذِهِ الصُّورَةِ المُعَيَّنَةِ فَلَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ أرْبابًا ولا آلِهَةً، وثَبَتَ بِالِاتِّفاقِ نَفْيُ غَيْرِها لا جَرَمَ حَصَلَ الجَزْمُ بِنَفْيِ الشُّرَكاءِ عَلى الإطْلاقِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَتَحَ الياءَ مِن ”وجْهِيَ“ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والباقُونَ تَرَكُوا هَذا الفَتْحَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا الكَلامُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ؛ بَلِ المُرادُ وجَّهْتُ عِبادَتِي وطاعَتِي، وسَبَبُ جَوازِ هَذا المَجازِ أنَّ مَن كانَ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ مُنْقادًا لِأمْرِهِ، فَإنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ إلَيْهِ، فَجُعِلَ تَوْجِيهُ الوَجْهِ إلَيْهِ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَفِيهِ دَقِيقَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَقُلْ وجَّهَتْ وجْهِي إلى الَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ. بَلْ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وذَكَرَ قَوْلَهُ: (﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي﴾ والمَعْنى: أنَّ تَوْجِيهَ وجْهِ القَلْبِ لَيْسَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، بَلْ تَوْجِيهُ وجْهِ القَلْبِ إلى خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ لِأجْلِ عُبُودِيَّتِهِ، فَتَرْكُ كَلِمَةِ ”إلى“ هُنا والِاكْتِفاءُ بِحَرْفِ اللّامِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى كَوْنِ المَعْبُودِ مُتَعالِيًا عَنِ الحَيِّزِ والجِهَةِ، ومَعْنى فَطَرَ أخْرَجَهُما

صفحة ٤٨

إلى الوُجُودِ، وأصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ، يُقالُ: تَفَطَّرَ الشَّجَرُ بِالوَرَقِ والوَرْدِ إذا أظْهَرَهُما، وأمّا الحَنِيفُ فَهو المائِلُ قالَ أبُو العالِيَةِ: الحَنِيفُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ البَيْتَ في صِلاتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ العادِلُ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَ اللَّهِ تَعالى.

6:80Page 137

وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٨٠

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allāh while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أوْرَدَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ المَذْكُورَةَ، فالقَوْمُ أوْرَدُوا عَلَيْهِ حُجَجًا عَلى صِحَّةِ أقْوالِهِمْ، مِنها أنَّهم تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] وكَقَوْلِهِمْ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] ومِنها: أنَّهم خَوَّفُوهُ بِأنَّكَ لَمّا طَعَنْتَ في إلَهِيَّةِ هَذِهِ الأصْنامِ وقَعْتَ مِن جِهَةِ هَذِهِ الأصْنامِ في الآفاتِ والبَلِيّاتِ، ونَظِيرُهُ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] فَذَكَرُوا هَذا الجِنْسَ مِنَ الكَلامِ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

فَأجابَ اللَّهُ عَنْ حُجَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾، يَعْنِي لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ المُوجِبِ لِلْهِدايَةِ واليَقِينِ صِحَّةُ قَوْلِي، فَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إلى حُجَّتِكُمُ العَلِيلَةِ، وكَلِماتِكُمُ الباطِلَةِ.

وأجابَ عَنْ حُجَّتِهِمُ الثّانِيَةِ وهي أنَّهم خَوَّفُوهُ بِالأصْنامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لِأنَّ الخَوْفَ إنَّما يَحْصُلُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، والأصْنامُ جَماداتٌ لا تَقْدِرُ ولا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الخَوْفُ مِنها ؟

فَإنْ قِيلَ: لا شَكَّ أنَّ لِلطَّلْسَماتِ آثارًا مَخْصُوصَةً، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الخَوْفُ مِنها مِن هَذِهِ الجِهَةِ ؟

قُلْنا: الطَّلْسَمُ يَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى تَأْثِيراتِ الكَواكِبِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قُوى الكَواكِبِ عَلى التَّأْثِيراتِ إنَّما يَحْصُلُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ الرَّجاءُ والخَوْفُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إلّا أنْ أُذْنِبَ فَيَشاءُ إنْزالَ العُقُوبَةِ بِي.

وثانِيها: إلّا أنْ يَشاءَ أنْ يَبْتَلِيَنِي بِمِحَنِ الدُّنْيا فَيَقْطَعَ عَنِّي بَعْضَ عاداتِ نِعَمِهِ.

وثالِثُها: إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي فَأخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ بِأنْ يُحْيِيَها ويُمَكِّنَها مِن ضُرِّي ونَفْعِي، ويُقَدِّرَها عَلى إيصالِ الخَيْرِ والشَّرِّ إلَيَّ.

واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْدُثَ لِلْإنْسانِ في مُسْتَقْبَلِ عُمْرِهِ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ، والحَمْقى مِنَ النّاسِ يَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما حَدَثَ ذَلِكَ المَكْرُوهُ بِسَبَبِ أنَّهُ طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، فَذَكَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ حَتّى لَوْ أنَّهُ حَدَثَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَكارِهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلى هَذا السَّبَبِ.

صفحة ٤٩

ثُمَّ قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ فَلا يَفْعَلُ إلّا الصَّلاحَ والخَيْرَ والحِكْمَةَ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَحْدُثَ مِن مَكارِهِ الدُّنْيا فَذاكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى عُرِفَ وجْهُ الصَّلاحِ والخَيْرِ فِيهِ لا لِأجْلِ أنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلى الطَّعْنِ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أفَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ نَفْيَ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لا يُوجِبُ حُلُولَ العِقابِ ونُزُولَ العَذابِ، والسَّعْيُ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ لا يُوجِبُ اسْتِحْقاقَ العِقابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”أتُحاجُّونِي“ خَفِيفَةَ النُّونِ عَلى حَذْفِ أحَدِ النُّونَيْنِ، والباقُونَ عَلى التَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ هَدانِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (هَدانِي) بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ والباقُونَ بِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حاجَّهم في اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ والقَوْمُ أيْضًا حاجُّوهُ في اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى خَبَرًا عَنْهم: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ فَحَصَلَ لَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُحاجَّةَ في اللَّهِ تارَةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْمَدْحِ العَظِيمِ والثَّناءِ البالِغِ، وهي المُحاجَّةُ الَّتِي ذَكَرَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ المَدْحُ والثَّناءُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وتارَةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلذَّمِّ وهو قَوْلُهُ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ البابَيْنِ إلّا أنَّ المُحاجَّةَ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ تُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ المَدْحِ والثَّناءِ، والمُحاجَّةُ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الباطِلِ تُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الذَّمِّ والزَّجْرِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ صارَ هَذا قانُونًا مُعْتَبَرًا، فَكُلُّ مَوْضِعٍ جاءَ في القُرْآنِ والأخْبارِ يَدُلُّ عَلى تَهْجِينِ أمْرِ المُحاجَّةِ والمُناظَرَةِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى تَقْرِيرِ الدِّينِ الباطِلِ، وكُلُّ مَوْضِعٍ جاءَ يَدُلُّ عَلى مَدْحِهِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ والمَذْهَبِ الصِّدْقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:81–82Page 137

وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨١

And how should I fear what you associate while you do not fear that you have associated with Allāh that for which He has not sent down to you any authority? So which of the two parties has more right to security, if you should know?"

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٨٢

They who believe and do not mix their belief with injustice1 - those will have security, and they are [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والتَّقْدِيرُ: وكَيْفَ أخافُ الأصْنامَ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ الذُّنُوبِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ فِيهِ

صفحة ٥٠

وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ امْتِناعِ وُجُودِ الحُجَّةِ والسُّلْطانِ في مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] والمُرادُ مِنهُ امْتِناعُ حُصُولِ البُرْهانِ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أنْ يُؤْمَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ قِبْلَةً لِلدُّعاءِ والصَّلاةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَعْناهُ: عَدَمُ وُرُودِ الأمْرِ بِهِ. وحاصِلُ هَذا الكَلامِ: ما لَكم تُنْكِرُونَ عَلَيَّ الأمْنَ في مَوْضِعِ الأمْنِ، ولا تُنْكِرُونَ عَلى أنْفُسِكُمُ الأمْنَ في مَوْضِعِ الخَوْفِ ؟ ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ ؟ احْتِرازًا مِن تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَعَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ يَعْنِي فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُوَحِّدِينَ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهَذا مِن تَمامِ كَلامِ إبْراهِيمَ في المُحاجَّةِ، والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الأمْنُ المُطْلَقُ هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ مُسْتَجْمِعِينَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ:

أوَّلُهُما: الإيمانُ وهو كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ.

وثانِيهِما: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ وهو كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهٍ، والمُعْتَزِلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِها مِن وجْهٍ آخَرَ.

أمّا وجْهُ تَمَسُّكِ أصْحابِنا فَهو أنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ في الإيمانِ المُوجِبِ لِلْأمْنِ عَدَمَ الظُّلْمِ، ولَوْ كانَ تَرْكُ الظُّلْمِ أحَدَ أجْزاءِ مُسَمّى الإيمانِ لَكانَ هَذا التَّقْيِيدُ عَبَثًا، فَثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ مُؤْمِنٌ وبَطَلَ بِهِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا وجْهُ تَمَسُّكِ المُعْتَزِلَةِ بِها فَهو أنَّهُ تَعالى شَرَطَ في حُصُولِ الأمْنِ حُصُولَ الأمْرَيْنِ، الإيمانِ وعَدَمِ الظُّلْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الأمْنُ لِلْفاسِقِ وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الوَعِيدِ لَهُ.

وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ الشِّرْكُ، لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ لُقْمانَ إذْ قالَ لِابْنِهِ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فالمُرادُ هَهُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ولَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما ورَدَتْ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ والأنْدادِ، ولَيْسَ فِيها ذِكْرُ الطّاعاتِ والعِباداتِ، فَوَجَبَ حَمْلُ الظُّلْمِ هَهُنا عَلى ذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ وعِيدَ الفاسِقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُعَذِّبَهُ اللَّهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ: فالأمْنُ زائِلٌ والخَوْفُ حاصِلٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِ الأمْنِ القِطَعُ بِحُصُولِ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

6:83Page 138

وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٨٣

And that was Our [conclusive] argument which We gave Abraham against his people. We raise by degrees whom We will. Indeed, your Lord is Wise and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى قَوْلُهُ: (وتِلْكَ) إشارَةٌ إلى كَلامٍ تَقَدَّمَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ﴾

صفحة ٥١

﴿الآفِلِينَ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ قالُوا لَهُ: أما تَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا لِأجْلِ أنَّكَ شَتَمْتَهم. فَقالَ لَهم: أفَلا تَخافُونَ أنْتُمْ حَيْثُ أقْدَمْتُمْ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وسَوَّيْتُمْ في العِبادَةِ بَيْنَ خالِقِ العالَمِ ومُدَبِّرِهِ وبَيْنَ الخَشَبِ المَنحُوتِ والصَّنَمِ المَعْمُولِ ؟

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ هو الكُلُّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: (وتِلْكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ صِفَةٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الحُجَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في عَقْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإيتاءِ اللَّهِ وبِإظْهارِهِ تِلْكَ الحُجَّةَ في عَقْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى. ويَتَأكَّدُ هَذا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ فَإنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى رَفَعَ دَرَجاتِ إبْراهِيمَ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى آتاهُ تِلْكَ الحُجَّةَ، ولَوْ كانَ حُصُولُ العِلْمِ بِتِلْكَ الحُجَّةِ إنَّما كانَ مِن قِبَلِ إبْراهِيمَ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي رَفَعَ دَرَجاتِ نَفْسِهِ وحِينَئِذٍ كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ باطِلًا. فَثَبَتَ أنَّ هَذا صَرِيحُ قَوْلِنا في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ قَوْلِ الحَشْوِيَّةِ في الطَّعْنِ في النَّظَرِ وتَقْرِيرِ الحُجَّةِ وذِكْرِ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُصُولَ الرِّفْعَةِ والفَوْزَ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ، لِأجْلِ أنَّهُ ذَكَرَ الحُجَّةَ في التَّوْحِيدِ وقَرَّرَها وذَبَّ عَنْها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَرْتَبَةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ أعْلى وأشْرَفُ مِن هَذِهِ المَرْتَبَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”دَرَجاتٍ“ بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ والباقُونَ بِالإضافَةِ، فالقِراءَةُ الأُولى مَعْناها: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ دَرَجاتٍ كَثِيرَةً، فَيَكُونُ ”مَن“ في مَوْضِعِ النَّصْبِ. قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ أدُلُّ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ. وقالَ أبُو عَمْرٍو: الإضافَةُ تَدُلُّ عَلى الدَّرَجَةِ الواحِدَةِ وعَلى الدَّرَجاتِ الكَثِيرَةِ والتَّنْوِينُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى الدَّرَجاتِ الكَثِيرَةِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ الدَّرَجاتِ. قِيلَ: دَرَجاتُ أعْمالِهِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: تِلْكَ الحُجَجُ دَرَجاتٌ رَفِيعَةٌ؛ لِأنَّها تُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ. وقِيلَ: نَرْفَعُ مَن نَشاءُ في الدُّنْيا بِالنُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالجَنَّةِ والثَّوابِ. وقِيلَ: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ بِالعِلْمِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كَمالَ السَّعادَةِ في الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ وفي البُعْدِ عَنِ الصِّفاتِ الجُسْمانِيَّةِ.

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ .

ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِحُصُولِ هَذِهِ الرَّفْعَةِ هو إيتاءُ تِلْكَ الحُجَّةِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ وُقُوفَ النَّفْسِ عَلى حَقِيقَةِ تِلْكَ الحُجَّةِ وإطْلاعَها عَلى إشْراقِها اقْتَضَتِ ارْتِفاعَ الرُّوحِ مِن حَضِيضِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ إلى أعالِي العالَمِ الرُّوحانِيِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا رِفْعَةَ ولا سَعادَةَ إلّا في الرُّوحانِيّاتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وأمّا مَعْنى ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ إنَّما يَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن يَشاءُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ والعِلْمِ، لا بِمُوجِبِ الشَّهْوَةِ والمُجازَفَةِ، فَإنَّ أفْعالَ اللَّهِ مُنَزَّهَةٌ عَنِ العَبَثِ والفَسادِ والباطِلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском