Ar-RaziAl‑An'am · 6:92–93

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:92–93

6:92Page 139

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩٢

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it.1 Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ بِالدَّلِيلِ قَوْلَ مَن قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ، أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ كِتابٌ، وتَفْسِيرُ الكِتابِ قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (أنْزَلْناهُ) والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَمَكَّنُ بِسَبَبِها مِن تَرْكِيبِ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي تَوَلّى إنْزالَهُ بِالوَحْيِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: (مُبارَكٌ) قالَ أهْلُ المَعانِي كِتابٌ مُبارَكٌ أيْ كَثِيرٌ خَيْرُهُ، دائِمٌ بَرَكَتُهُ ومَنفَعَتُهُ، يُبَشِّرُ بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ، ويَزْجُرُ عَنِ القَبِيحِ والمَعْصِيَةِ، وأقُولُ: العُلُومُ إمّا نَظَرِيَّةٌ، وإمّا عَمَلِيَّةٌ، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، فَأشْرَفُها وأكْمَلُها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ وأسْمائِهِ، ولا تَرى هَذِهِ العُلُومَ أكْمَلَ ولا أشْرَفَ مِمّا تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، وأمّا العُلُومُ العَمَلِيَّةُ، فالمَطْلُوبُ، إمّا أعْمالُ الجَوارِحِ، وإمّا أعْمالُ القُلُوبِ، وهو المُسَمّى بِطَهارَةِ الأخْلاقِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ ولا تَجِدُ هَذَيْنِ العِلْمَيْنِ مِثْلَ ما تَجِدُهُ في هَذا الكِتابِ، ثُمَّ قَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْهُ والمُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ.

يَقُولُ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ: وأنا قَدْ نَقَلْتُ أنْواعًا مِنَ العُلُومِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِي بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ العُلُومِ مِن أنْواعِ السَّعاداتِ في الدِّينِ والدُّنْيا مِثْلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ خِدْمَةِ هَذا العِلْمِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فالمُرادُ كَوْنُهُ مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ في سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إمّا عِلْمُ الأُصُولِ، وإمّا عِلْمُ الفُرُوعِ.

أمّا عُلُومُ الأُصُولِ: فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ التَّفاوُتِ فِيهِ بِسَبَبِ اخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المَذْكُورَ في القُرْآنِ مُوافِقٌ ومُطابِقٌ لِما في التَّوْراةِ والزَّبُورِ والإنْجِيلِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وأمّا عِلْمُ الفُرُوعِ: فَقَدْ كانَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى القُرْآنِ مُشْتَمِلَةً عَلى البِشارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ في تِلْكَ الكُتُبِ أنَّ التَّكالِيفَ المَوْجُودَةَ فِيها، إنَّما

صفحة ٦٧

تَبْقى إلى وقْتِ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا بَعْدَ ظُهُورِ شَرْعِهِ فَإنَّها تَصِيرُ مَنسُوخَةً، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الكُتُبَ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ الأحْكامِ عَلى هَذا الوَجْهِ، والقُرْآنُ مُطابِقٌ لِهَذا المَعْنى ومُوافِقٌ، فَثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِكُلِّ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في جُمْلَةِ عِلْمِ الأُصُولِ والفُرُوعِ.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ وهاهُنا أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: اتَّفَقُوا عَلى أنْ هاهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ولِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى. واتَّفَقُوا عَلى أنَّ أُمَّ القُرى هي مَكَّةُ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ سُمِّيَتْ مَكَّةُ بِهَذا الِاسْمِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الأرَضِينَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها ومِن حَوْلِها، وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ الدُّنْيا، فَصارَتْ هي كالأصْلِ وسائِرُ البِلادِ والقُرى تابِعَةٌ لَها، وأيْضًا مِن أُصُولِ عِباداتِ أهْلِ الدُّنْيا الحَجُّ، وهو إنَّما يَحْصُلُ في تِلْكَ البَلْدَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ يَجْتَمِعُ الخَلْقُ إلَيْها كَما يَجْتَمِعُ الأوْلادُ إلى الأُمِّ، وأيْضًا فَلَمّا كانَ أهْلُ الدُّنْيا يَجْتَمِعُونَ هُناكَ بِسَبَبِ الحَجِّ، لا جَرَمَ يَحْصُلُ هُناكَ أنْواعٌ مِنَ التِّجاراتِ والمَنافِعِ ما لا يَحْصُلُ في سائِرِ البِلادِ، ولا شَكَّ أنَّ الكَسْبَ والتِّجارَةَ مِن أُصُولِ المَعِيشَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ القُرى. وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ القُرى لِأنَّ الكَعْبَةَ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّ مَكَّةَ أوَّلُ بَلْدَةٍ سُكِنَتْ في الأرْضِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ دَخَلَ فِيهِ سائِرُ البُلْدانِ والقُرى.

والبَحْثُ الثّانِي: زَعَمَتْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَسُولًا إلى العَرَبِ فَقَطْ. واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنَ لِيُبَلِّغَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ وإلى القُرى المُحِيطَةِ بِها، والمُرادُ مِنها جَزِيرَةُ العَرَبِ، ولَوْ كانَ مَبْعُوثًا إلى كُلِّ العالَمِينَ لَكانَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ باطِلًا.

والجَوابُ: أنَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ المَواضِعِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الحُكْمِ فِيما سِواها إلّا بِدَلالَةِ المَفْهُومِ وهي ضَعِيفَةٌ، لا سِيَّما وقَدْ ثَبَتَ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ، المَقْطُوعِ بِهِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي كَوْنَهُ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ البِلادِ والقُرى المُحِيطَةِ بِها، وبِهَذا التَّقْدِيرِ: فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ بِلادِ العالَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: ”لِيُنْذِرَ“ بِالياءِ، جَعَلَ الكِتابَ هو المُنْذِرَ؛ لِأنَّ فِيهِ إنْذارًا، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ”لِيُنْذَرُوا بِهِ“ أيْ بِالكِتابِ، وقالَ: ”وأنْذِرْ بِهِ“ وقالَ: ”﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾“ فَلا يَمْتَنِعُ إسْنادُ الإنْذارِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ، وأمّا الباقُونَ: فَإنَّهم قَرَءُوا ”ولِتُنْذِرَ“ بِالتّاءِ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ المَأْمُورَ والمَوْصُوفَ بِالإنْذارِ هو. قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]، وقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي أنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ جارٍ مَجْرى السَّبَبِ لِلْإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ . والعُلَماءُ ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ هَذِهِ السَّبَبِيَّةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ هو الَّذِي يُؤْمِنُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يُعَظِّمُ رَغْبَتَهُ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ، ورَهْبَتَهُ عَنْ حُلُولِ العِقابِ، ويُبالِغُ في النَّظَرِ والتَّأمُّلِ في دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَيَصِلُ إلى العِلْمِ والإيمانِ.

والثّانِي: أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَبْنِيٌّ عَلى الإيمانِ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ

صفحة ٦٨

مُبالَغَةٌ في تَقْرِيرِ هَذِهِ القاعِدَةِ مِثْلَ ما في شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الإيمانُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِصِحَّةِ الآخِرَةِ أمْرَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ.

والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهَ عَلى إخْراجِ أهْلِ مَكَّةَ مِن قَبُولِ هَذا الدِّينِ؛ لِأنَّ الحامِلَ عَلى تَحَمُّلِ مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرْكِ رِياسَةِ الدُّنْيا، وتَرْكِ الحِقْدِ والحَسَدِ لَيْسَ إلّا الرَّغْبَةَ في الثَّوابِ، والرَّهْبَةَ عَنِ العِقابِ. وكُفّارُ مَكَّةَ لَمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا في البَعْثِ والقِيامَةِ، امْتَنَعَ مِنهم تَرْكُ الحَسَدِ وتَرْكُ الرِّياسَةِ، فَلا جَرَمَ يَبْعُدُ قَبُولُهم لِهَذا الدِّينِ واعْتِرافُهم بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ والمُرادُ أنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ كَما يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى الإيمانِ بِالنُّبُوَّةِ، فَكَذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلى المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإيمانُ بِالآخِرَةِ يَحْمِلُ عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، فَما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ ؟ لِأنّا نَقُولُ: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصَّلاةَ أشْرَفُ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ وأعْظَمُها خَطَرًا، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ اسْمُ الإيمانِ عَلى شَيْءٍ مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ إلّا عَلى الصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أيْ صَلاتَكم، ولَمْ يَقَعِ اسْمُ الكُفْرِ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي إلّا عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ؛ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» فَلَمّا اخْتَصَّتِ الصَّلاةُ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ التَّشْرِيفِ، لا جَرَمَ خَصَّها اللَّهُ بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

6:93Page 139

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٩٣

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allāh revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands,1 [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allāh other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَيَّنَ ما فِيهِ مِن صِفاتِ الجَلالَةِ والشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى وعِيدِ مَنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عَظَّمَ وعِيدَ مَن ذَكَرَ أحَدَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ:

فَأوَّلُها: أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا. قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَ هَذا في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ صاحِبِ اليَمامَةِ، وفي الأسْوَدِ العَنْسِيِّ صاحِبِ صَنْعاءَ، فَإنَّهُما كانا يَدَّعِيانِ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، وكانَ مُسَيْلِمَةُ يَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ، وأنا رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ. قالَ القاضِي: الَّذِي يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ

صفحة ٦٩

يَدْخُلُ فِيهِ مَن يَدَّعِي الرِّسالَةَ كَذِبًا، ولَكِنْ لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. فَكُلُّ مَن نَسَبَ إلى اللَّهِ تَعالى ما هو بَرِيءٌ مِنهُ، إمّا في الذّاتِ، وإمّا في الصِّفاتِ، وإمّا في الأفْعالِ كانَ داخِلًا تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.

قالَ: والِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ في صِفاتِهِ، كالمُجَسِّمَةِ، وفي عَدْلِهِ كالمُجْبِرَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ ظَلَمُوا أعْظَمَ أنْواعِ الظُّلْمِ بِأنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وأقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: المُجَسِّمَةُ قَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، فَهو حَقٌّ.

وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ في صِفاتِهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ الذّاتِ جِسْمًا ومُتَحَيَّزًا لَيْسَ بِصِفَةٍ، بَلْ هو نَفْسُ الذّاتِ المَخْصُوصَةِ، فَمَن زَعَمَ أنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ بِجِسْمٍ، كانَ مَعْناهُ أنَّهُ يَقُولُ: جَمِيعُ الأجْسامِ والمُتَحَيَّزاتِ مُحْدَثَةٌ، ولَها بِأسْرِها خالِقٌ هو مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمُتَحَيَّزٍ، والمُجَسِّمُ يَنْفِي هَذِهِ الذّاتَ، فَكانَ الخِلافُ بَيْنَ المُوَحِّدِ والمُجَسِّمِ لَيْسَ في الصِّفَةِ بَلْ في نَفْسِ الذّاتِ؛ لِأنَّ المُوَحِّدَ يُثْبِتُ هَذِهِ الذّاتَ والمُجَسِّمَ يَنْفِيها، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الخِلافَ لَمْ يَقَعْ في الصِّفَةِ، بَلْ في الذّاتِ.

وأمّا قَوْلُهُ: المُجْبِرَةُ قَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى في صِفاتِهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ يُقالُ لَهُ المُجْبِرَةُ ما زادُوا عَلى قَوْلِهِمْ: المُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، فَإنَّ كَذَبُوا في هَذِهِ القَضِيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَعْرِفُوا وُجُودَ الإلَهِ ؟ وإنْ صَدَقُوا في ذَلِكَ لَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِتَوْقِيفِ صُدُورِ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ الدّاعِي بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَيْنُ ما نُسَمِّيهِ بِالجَبْرِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي وصَفَهُ بِكَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ باطِلٌ، بَلِ المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ مَن يَقُولُ: المُمْكِنُ لا يَتَوَقَّفُ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيْهِ عَلى الآخَرِ عَلى حُصُولِ المُرَجَّحِ. فَإنَّ مَن قالَ هَذا الكَلامَ لَزِمَهُ نَفْيُ الصّانِعِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ نَفْيُ الآثارِ والمُؤَثِّراتِ بِالكُلِّيَّةِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِها افْتِراءً، قَوْلُهُ: ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ، أنَّ في الأوَّلِ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ، وما كانَ يَكْذِبُ بِنُزُولِ الوَحْيِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا في هَذا القَوْلِ، فَقَدْ أثْبَتَ الوَحْيَ لِنَفْسِهِ ونَفاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ هَذا جَمْعًا بَيْنَ نَوْعَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الكَذِبِ، وهو إثْباتُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ونَفْيُ ما هو مَوْجُودٌ.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ ما قالَهُ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وهو قَوْلُهُ: ”لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا“ وقَوْلُهُ في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، وكُلُّ أحَدٍ يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ، وحاصِلُهُ: أنَّ هَذا القائِلَ يَدَّعِي مُعارَضَةَ القُرْآنِ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] أمْلاهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنهُ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ الرَّسُولُ: هَكَذا أُنْزِلَتِ الآيَةُ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ، وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا، فَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَقَدْ عارَضْتُهُ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ﴾ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ أوَّلَ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يُفِيدُ التَّخْوِيفَ العَظِيمَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ كالتَّفْصِيلِ لِذَلِكَ المُجْمَلِ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهم، وغَمَراتُ المَوْتِ جَمْعُ غَمْرَةٍ، وهي شَدَّةُ المَوْتِ، وغَمْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَثْرَتُهُ ومُعْظَمُهُ، ومِنهُ غَمْرَةُ الماءِ، وغَمْرَةُ الحَرْبِ، ويُقالُ غَمَرَهُ الشَّيْءُ إذا عَلاهُ وغَطّاهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في شَيْءٍ كَثِيرٍ قَدْ غَمَرَهُ ذَلِكَ، وغَمَرَهُ الدَّيْنُ إذا كَثُرَ

صفحة ٧٠

عَلَيْهِ، هَذا هو الأصْلُ، ثُمَّ يُقالُ لِلشَّدائِدِ والمَكارِهِ: الغَمَراتُ، وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَلائِكَةُ العَذابِ باسِطُو أيْدِيهِمْ يَضْرِبُونَهم ويُعَذِّبُونَهم، كَما يُقالُ بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ بِالمَكْرُوهِ، ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ . هاهُنا مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ أخْرِجُوا أنْفُسَكم، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى إخْراجِ أرْواحِهِمْ مِن أجْسادِهِمْ، فَما الفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ ؟ .

فَنَقُولُ: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذا صارُوا إلى غَمَراتِ المَوْتِ في الآخِرَةِ فَأُدْخِلُوا جَهَنَّمَ، فَغَمَراتُ المَوْتِ عِبارَةٌ عَمّا يُصِيبُهم هُناكَ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ والتَّعْذِيباتِ، والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ يُبَكِّتُونَهم، ويَقُولُونَ لَهم: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذا العَذابِ الشَّدِيدِ إنْ قَدَرْتُمْ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ المَوْتِ بِهِمْ في الدُّنْيا والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهم لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، يَقُولُونَ لَهم: أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ، وخَلِّصُوها مِن هَذِهِ الآفاتِ والآلامِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ أخْرِجُوها إلَيْنا مِن أجْسادِكم، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ العُنْفِ والتَّشْدِيدِ في إزْهاقِ الرُّوحِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ، وأنَّهم يَفْعَلُونَ بِهِمْ فِعْلَ الغَرِيمِ المُلازِمِ المُلِحِّ يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ ولا يُمْهِلُهُ، ويَقُولُ لَهُ: أخْرِجْ إلَيَّ ما لِي عَلَيْكَ السّاعَةَ ولا أبْرَحُ مِن مَكانِي حَتّى أنْزَعَهُ مِن أحْداقِكَ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ حالِهِمْ، وأنَّهم بَلَغُوا في البَلاءِ والشِّدَّةِ إلى حَيْثُ تَوَلّى بِنَفْسِهِ إزْهاقَ رُوحِهِ.

والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ، بَلْ هو وعِيدٌ وتَقْرِيعٌ، كَقَوْلِ القائِلِ: امْضِ الآنَ لِتَرى ما يَحِلُّ بِكَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تَنْشَطُ في الخُرُوجِ لِلِقاءِ رَبِّهِ، ونَفْسَ الكافِرِ تَكْرَهُ ذَلِكَ فَيَشُقُّ عَلَيْها الخُرُوجُ؛ لِأنَّها تَصِيرُ إلى أشَدِّ العَذابِ، كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أرادَ لِقاءَ اللَّهِ أرادَ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» وذَلِكَ عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارِ تُكْرِهُهُمُ المَلائِكَةُ عَلى نَزْعِ الرُّوحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا الهَيْكَلِ، وغَيْرُ هَذا الجَسَدِ، احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ مَعْناهُ: أخْرِجُوا أنْفُسَكم عَنْ أجْسادِكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ مُغايِرَةٌ لِلْأجْسادِ، إلّا أنّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ، لَمْ يَتِمَّ هَذا الِاسْتِدْلالُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَذابُ الهُونِ أيِ العَذابُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الهَوانُ الشَّدِيدُ. قالَ تَعالى: ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾ [النحل: ٥٩] والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ هُناكَ بَيْنَ الإيلامِ وبَيْنَ الإهانَةِ، فَإنَّ الثَّوابَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مَنفَعَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فَكَذَلِكَ العِقابُ شَرْطُهُ أنْ

صفحة ٧١

يَكُونَ مَضَرَّةً مَقْرُونَةً بِالإهانَةِ. قالَ بَعْضُهم: الهُونُ هو الهَوانُ، والهَوْنُ هو الرِّفْقُ والدَّعَةُ. قالَ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقَوْلُهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ أنَّ هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ؛ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، والتَّكَبُّرِ عَلى آياتِ اللَّهِ. وأقُولُ: هَذانِ النَّوْعانِ مِنَ الآفاتِ والبَلاءِ تَرى أكْثَرَ المُتَوَسِّمِينَ بِالعِلْمِ مُتَوَغِّلِينَ فِيهِ مُواظِبِينَ عَلَيْهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، ومِن آثارِهِ ونَتائِجِهِ.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ لا تُصَلُّونَ لَهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً بِنِيَّةٍ صادِقَةٍ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском