Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
As-Saf 61:12–14
61:12–13Page 552
يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
He will forgive for you your sins and admit you to gardens beneath which rivers flow and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence. That is the great attainment.
وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣
And [you will obtain] another [favor] that you love - victory from Allāh and an imminent conquest; and give good tidings to the believers.
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِما أنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَما مَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: آمِنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ يَغْفِرْ لَكم، وقِيلَ جَوابُهُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وجُزِمَ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ لِما أنَّهُ تَرْجَمَةُ: ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ومَحَلُّهُ جَزْمٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] لِأنَّ مَحَلَّ ﴿فَأصَّدَّقَ﴾ جَزْمٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ قِيلَ: جُزِمَ (يَغْفِرْ لَكم) بِهَلْ، لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، مِن جُمْلَةِ ما قُدِّمَ بَيانُهُ في التَّوْراةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَغَّبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى مُفارَقَةِ مَساكِنِهِمْ وإنْفاقِ أمْوالِهِمْ والجِهادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ يَعْنِي ذَلِكَ
صفحة ٢٧٦
الجَزاءُ الدّائِمُ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، وقَدْ مَرَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أيْ تِجارَةٌ أُخْرى في العاجِلِ مَعَ ثَوابِ الآجِلِ، قالَ الفَرّاءُ: وخَصْلَةٌ أُخْرى تُحِبُّونَها في الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هو مُفَسِّرٌ لِلْأُخْرى، لِأنَّهُ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ مُفَسِّرًا لِلتِّجارَةِ إذِ النَّصْرُ لا يَكُونُ تِجارَةً لَنا بَلْ هو رِبْحٌ لِلتِّجارَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ عاجِلٌ وهو فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ: هو فَتْحُ فارِسَ والرُّومِ، وفي ﴿تُحِبُّونَها﴾ شَيْءٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى مَحَبَّةِ العاجِلِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى (تُؤْمِنُونَ) لِأنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا وجاهِدُوا يُثِبْكُمُ اللَّهُ ويَنْصُرْكم، وبَشِّرْ يا رَسُولَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ. ويُقالُ أيْضًا: بِمَ نَصَبَ مَن قَرَأ: نَصْرًا مِنَ اللَّهِ وفَتْحًا قَرِيبًا ؟، فَيُقالُ: عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى تُنْصَرُونَ نَصْرًا، ويَفْتَحُ لَكم فَتْحًا، أوْ عَلى يَغْفِرْ لَكم، ويُدْخِلْكم ويُؤْتِكم خَيْرًا، ويَرى نَصْرًا وفَتْحًا، هَكَذا ذُكِرَ في الكَشّافِ.
61:14Page 552
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ ١٤
O you who have believed, be supporters of Allāh, as when Jesus, the son of Mary, said to the disciples, "Who are my supporters for Allāh?" The disciples said, "We are supporters of Allāh." And a faction of the Children of Israel believed and a faction disbelieved. So We supported those who believed against their enemy, and they became dominant.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ بِإدامَةِ النُّصْرَةِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، أيْ ودُومُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النُّصْرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”كُونُوا أنْتُمْ أنْصارَ اللَّهِ“ فَأخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، أيْ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ وقَوْلُهُ: ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ أيِ انْصُرُوا دِينَ اللَّهِ مِثْلَ نُصْرَةِ الحَوارِيِّينَ لَمّا قالَ لَهم ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ، يَعْنِي مَن يَمْنَعُنِي مِنَ اللَّهِ، وقالَ عَطاءٌ: مَن يَنْصُرُ دِينَ اللَّهِ، ومِنهم مَن قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْصُرُوا مُحَمَّدًا ﷺ كَما نَصَرَ الحَوارِيُّونَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّصْرَ بِالجِهادِ لا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ، والحَوارِيُّونَ أصْفِياؤُهُ، وأوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وحِوارِيُّ الرَّجُلِ صَفِيُّهُ وخُلَصاؤُهُ، مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ الخالِصُ، وقِيلَ: كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وأمّا الأنْصارُ فَعَنْ قَتادَةَ: أنَّ الأنْصارَ كُلَّهم مِن قُرَيْشٍ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وجَعْفَرٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعُثْمانُ بْنُ عَوْفٍ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، ثُمَّ في الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: التَّشْبِيهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى والمُرادُ كُونُوا كَما كانَ الحَوارِيُّونَ.
الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ ؟ نَقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مُطابِقًا لِجَوابِ الحَوارِيِّينَ والَّذِي يُطابِقُهُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَن عَسْكَرِيٍّ مُتَوَجِّهًا إلى نُصْرَةِ اللَّهِ، وإضافَةُ (أنْصارِي) خِلافَ إضافَةِ (أنْصارُ اللَّهِ) لِما أنَّ المَعْنى في الأوَّلِ: الَّذِينَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ، وفي الثّانِي: الَّذِينَ يَخْتَصُّونَ بِي ويَكُونُونَ مَعِي في نُصْرَةِ اللَّهِ.
صفحة ٢٧٧
الثّالِثُ: أصْحابُ عِيسى قالُوا: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ وأصْحابُ مُحَمَّدٍ لَمْ يَقُولُوا هَكَذا، نَقُولُ: خِطابُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ السُّؤالِ فالجَوابُ لازِمٌ، وخِطابُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ الإلْزامِ، فالجَوابُ غَيْرُ لازِمٍ، بَلِ اللّازِمُ هو امْتِثالُ هَذا الأمْرِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ .
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والَّذِينَ كَفَرُوا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رُفِعَ إلى السَّماءِ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قالُوا: كانَ اللَّهَ فارْتَفَعَ، وفِرْقَةٌ قالُوا: كانَ ابْنَ اللَّهِ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ، وفِرْقَةٌ قالُوا: كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، واتَّبَعَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، واجْتَمَعَتِ الطّائِفَتانِ الكافِرَتانِ عَلى الطّائِفَةِ المُسْلِمَةِ فَقَتَلُوهم وطَرَدُوهم في الأرْضِ، فَكانَتِ الحالَةُ هَذِهِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَظَهَرَتِ المُؤْمِنَةُ عَلى الكافِرَةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾، وقالَ مُجاهِدٌ: ”فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ“ يَعْنِي مَنِ اتَّبَعَ عِيسى، وهو قَوْلُ المُقاتِلَيْنِ، وعَلى هَذا القَوْلِ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَن آمَنَ بِعِيسى ظَهَرُوا عَلى مَن كَفَرُوا بِهِ فَأصْبَحُوا غالِبِينَ عَلى أهْلِ الأدْيانِ، وقالَ إبْراهِيمُ: أصْبَحَتْ حُجَّةُ مَن آمَنَ بِعِيسى ظاهِرَةً بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، قالَ الكَلْبِيُّ: ظاهِرِينَ بِالحُجَّةِ، والظُّهُورُ بِالحُجَّةِ هو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences