Ar-RaziAl‑Mulk · 67:5–11

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Mulk 67:5–11

67:5Page 562

وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥

And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الدَّلِيلُ الثّانِي عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عالِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ نَظَرًا إلى أنَّها مُحْدَثَةٌ ومُخْتَصَّةٌ بِمِقْدارٍ خاصٍّ، ومَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وسَيْرٍ مُعَيَّنٍ، تَدُلُّ عَلى أنَّ صانِعَها قادِرٌ، ونَظَرًا إلى كَوْنِها مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً مُوافِقَةً لِمَصالِحِ العِبادِ مِن كَوْنِها زِينَةً لِأهْلِ الدُّنْيا، وسَبَبًا لِانْتِفاعِهِمْ بِها، تَدُلُّ عَلى أنَّ صانِعَها عالِمٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (الصّافّاتِ: ٧) وهَهُنا مَسائِلُ:

صفحة ٥٣

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ القُرْبى؛ وذَلِكَ لِأنَّها أقْرَبُ السَّماواتِ إلى النّاسِ ومَعْناها السَّماءُ الدُّنْيا مِنَ النّاسِ، والمَصابِيحُ السُّرُجُ سُمِّيَتْ بِها الكَواكِبُ، والنّاسُ يُزَيِّنُونَ مَساجِدَهم ودُورَهم بِالمَصابِيحِ، فَقِيلَ: ولَقَدْ زَيَّنّا سَقْفَ الدّارِ الَّتِي اجْتَمَعْتُمْ فِيها بِمَصابِيحَ أيْ بِمَصابِيحَ لا تُوازِيها مَصابِيحُكم إضاءَةً، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الرُّجُومَ جَمْعُ رَجْمٍ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْجَمُ بِهِ، وذَكَرُوا في مَعْرِضِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّياطِينَ إذا أرادُوا اسْتِراقَ السَّمْعِ رُجِمُوا بِها، فَإنْ قِيلَ: جَعْلُ الكَواكِبِ زِينَةً لِلسَّماءِ يَقْتَضِي بَقاءَها واسْتِمْرارَها، وجَعْلُها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ ورَمْيُهم بِها يَقْتَضِي زَوالَها والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، قُلْنا: لَيْسَ مَعْنى رَجْمِ الشَّياطِينِ هو أنَّهم يُرْمَوْنَ بِأجْرامِ الكَواكِبِ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَنْفَصِلَ مِنَ الكَواكِبِ شُعَلٌ تُرْمى الشَّياطِينُ بِها، وتِلْكَ الشُّعَلُ هي الشُّهُبُ، وما ذاكَ إلّا قَبَسٌ يُؤْخَذُ مِن نارٍ، والنّارُ باقِيَةٌ.

الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ كَوْنِ الكَواكِبِ رُجُومًا لِلشَّياطِينِ أنّا جَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ وهُمُ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ مَرْكُوزَةٌ في السَّماءِ الدُّنْيا؛ وذَلِكَ لِأنَّ السَّماواتِ إذا كانَتْ شَفّافَةً فالكَواكِبُ سَواءٌ كانَتْ في السَّماءِ الدُّنْيا أوْ كانَتْ في سَمَواتٍ أُخْرى فَوْقَها، فَهي لا بُدَّ وأنْ تَظْهَرَ في السَّماءِ الدُّنْيا وتَلُوحُ مِنها، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَكُونُ السَّماءُ الدُّنْيا مُزَيَّنَةً بِهَذِهِ المَصابِيحِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الهَيْئَةِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ مَرْكُوزَةٌ في الفَلَكِ الثّامِنِ الَّذِي هو فَوْقَ كُراتِ السَّيّاراتِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ بَعْضَ هَذِهِ الثَّوابِتِ في الفَلَكِ الثّامِنِ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ كُلُّها هُناكَ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ بَعْضَها في الفَلَكِ الثّامِنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الثَّوابِتَ الَّتِي تَكُونُ قَرِيبَةً مِنَ المِنطَقَةِ تَنْكَسِفُ بِهَذِهِ السَّيّاراتِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الثَّوابِتُ المُنْكَسِفَةُ فَوْقَ السَّيّاراتِ الكاسِفَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الثَّوابِتَ لَمّا كانَتْ في الفَلَكِ الثّامِنِ وجَبَ أنْ تَكُونَ كُلُّها هُناكَ؛ لِأنَّها بِأسْرِها مُتَحَرِّكَةٌ حَرَكَةً واحِدَةً بَطِيئَةً في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً واحِدَةً، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ بَعْضِ الثَّوابِتِ فَوْقَ السَّيّاراتِ كَوْنُ كُلِّها هُناكَ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ وُجُودُ كُرَةٍ تَحْتَ القَمَرِ، وتَكُونُ في البُطْءِ مُساوِيَةً لِكُرَةِ الثَّوابِتِ، وتَكُونُ الكَواكِبُ المَرْكُوزَةُ فِيما يُقارِنُ القُطْبَيْنِ مَرْكُوزَةً في هَذِهِ الكُرَةِ السُّفْلِيَّةِ، إذْ لا يَبْعُدُ وُجُودُ كُرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ مَعَ كَوْنِهِما مُتَشابِهَتَيْنِ في الحَرَكَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَصابِيحُ مَرْكُوزَةً في السَّماءِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ مَذْهَبَ الفَلاسِفَةِ في هَذا البابِ ضَعِيفٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ النُّجُومِ كَثِيرَةٌ، مِنها أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَ السَّماءَ بِها، ومِنها أنَّهُ يَحْصُلُ بِسَبَبِها في اللَّيْلِ قَدْرٌ مِنَ الضَّوْءِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ إذا تَكاثَفَ السَّحابُ في اللَّيْلِ عَظُمَتِ الظُّلْمَةُ، وذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ السَّحابَ يَحْجُبُ أنْوارَها، ومِنها أنَّهُ يَحْصُلُ بِسَبَبِها تَفاوُتٌ في أحْوالِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَإنَّها أجْسامٌ عَظِيمَةٌ نُورانِيَّةٌ، فَإذا قارَنَتِ الشَّمْسُ كَوْكَبًا مُسَخَّنًا في الصَّيْفِ، صارَ الصَّيْفُ أقْوى حَرًّا، وهو مِثْلُ نارٍ تُضَمُّ إلى نارٍ أُخْرى، فَإنَّهُ لا شَكَّ أنْ يَكُونَ الأثَرُ الحاصِلُ مِنَ المَجْمُوعِ أقْوى، ومِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَها عَلاماتٍ يُهْتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ (النَّحْلِ: ١٦) ومِنها أنَّهُ تَعالى جَعَلَها رُجُومًا

صفحة ٥٤

لِلشَّياطِينِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ النّاسَ مِن نُورِ الإيمانِ إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ، يُرْوى أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَتَسَمَّعُ لِخَبَرِ السَّماءِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِسَتِ السَّماءُ، ورُصِدَتِ الشَّياطِينُ، فَمَن جاءَ مِنهم مُسْتَرِقًا لِلسَّمْعِ رُمِيَ بِشِهابٍ فَأحْرَقَهُ لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ إلى الأرْضِ فَيُلْقِيَهُ إلى النّاسِ فَيَخْلِطَ عَلى النَّبِيِّ أمْرَهُ ويَرْتابَ النّاسُ بِخَبَرِهِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في انْقِضاضِ الشُّهُبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا مِن وُجُوهِ:

أحَدُها: أنَّ انْقِضاضَ الكَواكِبِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ، قالُوا: إنَّ الأرْضَ إذا سُخِّنَتْ بِالشَّمْسِ ارْتَفَعَ مِنها بُخارٌ يابِسٌ، وإذا بَلَغَ النّارَ الَّتِي دُونَ الفَلَكِ احْتَرَقَ بِها، فَتِلْكَ الشُّعْلَةُ هي الشِّهابُ.

وثانِيها: أنَّ هَؤُلاءِ الجِنَّ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُشاهِدُوا واحِدًا وألْفًا مِن جِنْسِهِمْ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ فَيَحْتَرِقُونَ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ ذَلِكَ يَعُودُونَ لِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ فَإنَّ العاقِلَ إذا رَأى الهَلاكَ في شَيْءٍ مَرَّةً ومِرارًا وألْفًا امْتَنَعَ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.

وثالِثُها: أنَّهُ يُقالُ في ثِخَنِ السَّماءِ فَإنَّهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَهَؤُلاءِ الجِنُّ إنْ نَفَذُوا في جِرْمِ السَّماءِ وخَرَقُوا اتِّصالَهُ، فَهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ فِيها فُطُورٌ عَلى ما قالَ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ وإنْ كانُوا لا يَنْفُذُونَ في جِرْمِ السَّماءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَسْمَعُوا أسْرارَ المَلائِكَةِ مِن ذَلِكَ البُعْدِ العَظِيمِ، ثُمَّ إنْ جازَ أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهم مِن ذَلِكَ البُعْدِ العَظِيمِ، فَلا يَسْمَعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ حالَ كَوْنِهِمْ في الأرْضِ.

ورابِعُها: أنَّ المَلائِكَةَ إنَّما اطَّلَعُوا عَلى الأحْوالِ المُسْتَقْبِلَةِ، إمّا لِأنَّهم طالَعُوها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ لِأنَّهم تَلَقَّفُوها مِن وحْيِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلِمَ لَمْ يَسْكُتُوا عَنْ ذِكْرِها حَتّى لا يَتَمَكَّنَ الجِنُّ مِنَ الوُقُوفِ عَلَيْها.

وخامِسُها: أنَّ الشَّياطِينَ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، والنّارُ لا تَحْرِقُ النّارَ بَلْ تُقَوِّيها، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّياطِينَ زُجِرُوا عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ بِهَذِهِ الشُّهُبِ.

وسادِسُها: أنَّهُ كانَ هَذا الحَذْفُ لِأجْلِ النُّبُوَّةِ فَلِمَ دامَ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وسابِعُها: أنَّ هَذِهِ الرُّجُومَ إنَّما تَحْدُثُ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْضِ، بِدَلِيلِ أنّا نُشاهِدُ حَرَكَتَها بِالعَيْنِ ولَوْ كانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الفَلَكِ لَما شاهَدْنا حَرَكَتَها كَما لَمْ نُشاهِدْ حَرَكاتِ الكَواكِبِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ إنَّما تَحْدُثُ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْضِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها تَمْنَعُ الشَّياطِينَ مِنَ الوُصُولِ إلى الفَلَكِ.

وثامِنُها: أنَّ هَؤُلاءِ الشَّياطِينَ لَوْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَنْقُلُوا أخْبارَ المَلائِكَةِ مِنَ المُغَيَّباتِ إلى الكَهَنَةِ، فَلِمَ لا يَنْقُلُونَ أسْرارَ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفّارِ، حَتّى يَتَوَصَّلَ الكُفّارُ بِواسِطَةِ وُقُوفِهِمْ عَلى أسْرارِهِمْ إلى إلْحاقِ الضَّرَرِ بِهِمْ ؟

وتاسِعُها: لِمَ لَمْ يَمْنَعْهُمُ اللَّهُ ابْتِداءً مِنَ الصُّعُودِ إلى السَّماءِ حَتّى لا يَحْتاجَ في دَفْعِهِمْ عَنِ السَّماءِ إلى هَذِهِ الشُّهُبِ ؟

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنّا لا نُنْكِرُ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ لِأسْبابٍ أُخَرَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي أنَّها بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تُوجَدُ بِسَبَبٍ آخَرَ وهو دَفْعُ الجِنِّ وزَجْرُهم. يُرْوى أنَّهُ قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: أكانَ يُرْمى في الجاهِلِيَّةِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ (الجِنِّ: ٩) قالَ: غُلِّظَتْ وشُدِّدَ أمْرُها حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ .

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ إذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ، فَإذا قَضى اللَّهُ عَلى طائِفَةٍ مِنها الحَرْقَ لِطُغْيانِها وضَلالَتِها، قَيَّضَ لَها مِنَ الدَّواعِي المُطَمِّعَةِ في دَرْكِ المَقْصُودِ ما عِنْدَها تُقْدِمُ عَلى العَمَلِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ والبَوارِ.

صفحة ٥٥

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّالِثِ: أنَّ البُعْدَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَأمّا ثِخَنُ الفَلَكِ فَلَعَلَّهُ لا يَكُونُ عَظِيمًا.

وأمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الرّابِعِ: ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ، فَقالَ: ”ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الجاهِلِيَّةِ إذا حَدَثَ مِثْلُ هَذا، قالُوا: كُنّا نَقُولُ يُولَدُ عَظِيمٌ أوْ يَمُوتُ عَظِيمٌ“ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "فَإنَّها لا تُرْمى لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنَّ رَبَّنا تَعالى إذا قَضى الأمْرَ في السَّماءِ سَبَّحَتْ حَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ، وسَبَّحَ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ حَتّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيحُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، ويَسْتَخْبِرُ أهْلُ السَّماءِ حَمَلَةَ العَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ فَيُخْبِرُونَهم، ولا يَزالُ ذَلِكَ الخَبَرُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ إلى أنْ يَنْتَهِيَ الخَبَرُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، ويَتَخَطَّفُ الجِنُّ فَيُرْمَوْنَ، فَما جاءُوا بِهِ فَهو حَقٌّ، ولَكِنَّهم يَزِيدُونَ فِيهِ» .

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الخامِسِ: أنَّ النّارَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِن نارٍ أُخْرى، فالأقْوى يُبْطِلُ الأضْعَفَ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ السّادِسِ: أنَّهُ إنَّما دامَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخْبَرَ بِبُطْلانِ الكَهانَةِ، فَلَوْ لَمْ يَدُمْ هَذا العَذابُ لَعادَتِ الكَهانَةُ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في خَبَرِ الرَّسُولِ عَنْ بُطْلانِ الكَهانَةِ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ السّابِعِ: أنَّ البُعْدَ عَلى مَذْهَبِنا غَيْرُ مانِعٍ مِنَ السَّماعِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِأنَّهم إذا وقَفُوا في تِلْكَ المَوْضِعِ سَمِعُوا كَلامَ المَلائِكَةِ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّامِنِ: لَعَلَّهُ تَعالى أقْدَرَهم عَلى اسْتِماعِ الغُيُوبِ عَنِ المَلائِكَةِ وأعْجَزَهم عَنْ إيصالِ أسْرارِ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ التّاسِعِ: أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويُحْكِمُ ما يُرِيدُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا البابِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الكَواكِبِ وذَكَرَ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَنافِعِ أنَّها رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أيْ أعْتَدْنا لِلشَّياطِينِ بَعْدَ الإحْراقِ بِالشُّهُبِ في الدُّنْيا عَذابَ السَّعِيرِ في الآخِرَةِ، قالَ المُبَرِّدُ: سُعِرَتِ النّارُ فَهي مَسْعُورَةٌ وسَعِيرٌ، كَقَوْلِكَ: مَقْبُولَةٌ وقَبِيلٌ، واحْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾ إخْبارٌ عَنِ الماضِي.

67:6Page 562

وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦

And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكَناتِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ إنَّما خَلَقَ ما خَلَقَ لا لِلْعَبَثِ والباطِلِ بَلْ لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وبَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الِابْتِلاءِ أنْ يَكُونَ عَزِيزًا في حَقِّ المُصِرِّينَ عَلى الإساءَةِ غَفُورًا في حَقِّ التّائِبِينَ، ومِن ذَلِكَ كانَ كَوْنُهُ عَزِيزًا وغَفُورًا لا يَثْبُتانِ إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى كامِلًا في القُدْرَةِ والعِلْمِ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ، وحِينَئِذٍ ثَبَتَ كَوْنُهُ قادِرًا عَلى تَعْذِيبِ العُصاةِ فَقالَ: ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنَ

صفحة ٥٦

الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ، لَيْسَ الشَّياطِينُ المَرْجُومُونَ مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ، وقُرِئَ: (عَذابَ جَهَنَّمَ) بِالنَّصْبِ عَطْفَ بَيانٍ عَلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (الحَجِّ: ٤) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ.

67:7Page 562

إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧

When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ .

﴿أُلْقُوا﴾ طُرِحُوا كَما يُطْرَحُ الحَطَبُ في النّارِ العَظِيمَةِ ويُرْمى بِهِ فِيها، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٨) وفي قَوْلِهِ: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: سَمِعُوا لِجَهَنَّمَ شَهِيقًا، ولَعَلَّ المُرادَ تَشْبِيهُ صَوْتِ لَهَبِ النّارِ بِالشَّهِيقِ، قالَ الزَّجّاجُ: سَمِعَ الكُفّارُ لِلنّارِ شَهِيقًا، وهو أقْبَحُ الأصْواتِ، وهو كَصَوْتِ الحِمارِ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو واللَّهُ أعْلَمُ تَنَفُّسٌ كَتَنَفُّسِ المُتَغَيِّظِ.

وثانِيها: قالَ عَطاءٌ: سَمِعُوا لِأهْلِها مِمَّنْ تَقَدَّمَ طَرْحُهم فِيها شَهِيقًا.

وثالِثُها: سَمِعُوا مِن أنْفُسِهِمْ شَهِيقًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ (هُودٍ: ١٠٦) والقَوْلُ هو الأوَّلُ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ قالَ اللَّيْثُ: كُلُّ شَيْءٍ جاشَ فَقَدْ فارَ، وهو فَوْرُ القِدْرِ والدُّخانِ والغَضَبِ والماءِ مِنَ العَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَغْلِي بِهِمْ كَغَلْيِ المِرْجَلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَفُورُ بِهِمْ كَما يَفُورُ الماءُ الكَثِيرُ بِالحَبِّ القَلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن فَوْرِ الغَضَبِ، قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: تَرَكْتُ فَلانًا يَفُورُ غَضَبًا، ويَتَأكَّدُ هَذا القَوْلُ بِالآيَةِ الآتِيَةِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ يُقالُ: فُلانٌ يَتَمَيَّزُ غَيْظًا، ويَتَعَصَّفُ غَيْظًا، وغَضِبَ فَطارَتْ مِنهُ شُعْلَةٌ في الأرْضِ وشُعْلَةٌ في السَّماءِ إذا وصَفُوهُ بِالإفْراطِ فِيهِ.

وأقُولُ: لَعَلَّ السَّبَبَ في هَذا المَجازِ أنَّ الغَضَبَ حالَةٌ تَحْصُلُ عِنْدَ غَلَيانِ دَمِ القَلْبِ، والدَّمُ عِنْدَ الغَلَيانِ يَصِيرُ أعْظَمَ حَجْمًا ومِقْدارًا، فَتَتَمَدَّدُ تِلْكَ الأوْعِيَةُ عِنْدَ ازْدِيادِ مَقادِيرِ الرُّطُوباتِ في البَدَنِ، فَكُلَّما كانَ الغَضَبُ أشَدَّ كانَ الغَلَيانُ أشَدَّ، فَكانَ الِازْدِيادُ أكْثَرَ، وكانَ تَمَدُّدُ الأوْعِيَةِ وانْشِقاقُها وتَمَيُّزُها أكْثَرَ، فَجُعِلَ ذِكْرُ هَذِهِ المُلازَمَةِ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ، فَإنْ قِيلَ: النّارُ لَيْسَتْ مِنَ الأحْياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُها بِالغَيْظِ ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ البِنْيَةَ عِنْدَنا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فَلَعَلَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيها وهي نارٌ حَياةً.

وثانِيها: أنَّهُ شَبَّهَ صَوْتَ لَهَبِها وسُرْعَةِ تَبادُرِها بِصَوْتِ الغَضْبانِ وحَرَكَتِهِ.

وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ غَيْظُ الزَّبانِيَةِ.

67:8–10Page 562

تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨

It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"

قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩

They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"

وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠

And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ .

الفَوْجُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ والأفْواجُ الجَماعاتُ في تَعَرُّفِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ (النَّبَأِ: ١٨) و(خَزَنَتُها) مالِكٌ وأعْوانُهُ مِنَ الزَّبانِيَةِ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا التَّوْبِيخُ زِيادَةٌ لَهم في العَذابِ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٥٧

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ عَلى أنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ إلّا الكُفّارُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّ مَن أُلْقِيَ في النّارِ أنَّهم قالُوا: كَذَّبْنا النَّذِيرَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يُكَذِّبِ اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ الفاسِقَ المُصِرَّ لا يَدْخُلُ النّارَ، وأجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ النَّذِيرَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما في العُقُولِ مِنَ الأدِلَّةِ المُحَذِّرَةِ المُخَوِّفَةِ، ولا أحَدَ يَدْخُلُ النّارَ إلّا وهو مُخالِفٌ لِلدَّلِيلِ غَيْرُ مُتَمَسِّكٍ بِمُوجَبِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وشُكْرَهُ لا يَجِبانِ إلّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما عَذَّبَهم؛ لِأنَّهُ أتاهُمُ النَّذِيرُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمُ النَّذِيرُ لَما عَذَّبَهم.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا﴾ اعْتِرافٌ مِنهم بِعَدْلِ اللَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّ اللَّهَ أزاحَ عِلَلَهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ، ولَكِنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وقالُوا: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ الكُفّارِ وخِطابِهِمْ لِلْمُنْذِرِينَ.

الوَجْهُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ، والتَّقْدِيرُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ الكَلامَ قالَتِ الخَزَنَةُ لَهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الضَّلالِ الكَبِيرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الهَلاكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُمِّيَ عِقابُ الضَّلالِ بِاسْمِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾

هَذا هو الكَلامُ الثّانِي مِمّا حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ جَوابًا لِلْخَزَنَةِ حِينَ قالُوا: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ والمَعْنى لَوْ كُنّا نَسْمَعُ الإنْذارَ سَماعَ مَن كانَ طالِبًا لِلْحَقِّ أوْ نَعْقِلُهُ عَقْلَ مَن كانَ مُتَأمِّلًا مُتَفَكِّرًا لَما كُنّا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ، وقِيلَ: إنَّما جَمَعَ بَيْنَ السَّمْعِ والعَقْلِ؛ لِأنَّ مَدارَ التَّكْلِيفِ عَلى أدِلَّةِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والإضْلالِ بِأنْ قالُوا: لَفْظَةُ لَوْ تُفِيدُ امْتِناعَ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعٌ ولا عَقْلٌ، لَكِنْ لا شَكَّ أنَّهم كانُوا ذَوِي أسْماعٍ وعُقُولٍ صَحِيحَةٍ، وأنَّهم ما كانُوا صُمَّ الأسْماعِ ولا مَجانِينَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ما كانَ لَهم سَمْعُ الهِدايَةِ ولا عَقْلُ الهِدايَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: الدِّينُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّعْلِيمِ، فَقالَ: إنَّهُ قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى العَقْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِن إرْشادِ المُرْشِدِ وهِدايَةِ الهادِي، ثُمَّ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَهْمُ المُسْتَجِيبِ وتَأمُّلُهُ فِيما يُلْقِيهِ المُعَلِّمُ، والجَوابُ: أنَّهُ إنَّما قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأنَّ المَدْعُوَّ إذا لَقِيَ الرَّسُولَ فَأوَّلُ المَراتِبِ أنَّهُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ثُمَّ إنَّهُ يَتَفَكَّرُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ السَّمْعُ مُقَدَّمًا بِهَذا السَّبَبِ عَلى التَّعَقُّلِ والتَّفَهُّمِ لا جَرَمَ قُدِّمَ عَلَيْهِ في الذِّكْرِ.

صفحة ٥٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ المُرادَ لَوْ كُنّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الحَدِيثِ أوْ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الرَّأْيِ، ثُمَّ قالَ: كَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ظُهُورِ هَذَيْنِ المَذْهَبَيْنِ، وكَأنَّ سائِرَ أصْحابِ المَذاهِبِ والمُجْتَهِدِينَ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ وعِيدَهم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن فَضَّلَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ لِلسَّمْعِ مَدْخَلًا في الخَلاصِ عَنِ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ، والبَصَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ.

67:11Page 562

فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١

And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ هَذا القَوْلَ قالَ: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِتَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ وهو قَوْلُهم: ﴿فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الذَّنْبَ هَهُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ، كَما يُقالُ: خَرَجَ عَطاءُ النّاسِ، أيْ عَطِيّاتِهِمْ هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالواحِدِ المُضافِ الشّائِعَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ (إبْراهِيمَ: ٣٤) .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: فَبُعْدًا لَهُمُ اعْتَرَفُوا أوْ جَحَدُوا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم، والسُّحْقُ البُعْدُ، وفِيهِ لُغَتانِ: التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ، كَما تَقُولُ في العُنُقِ والطُّنُبِ، قالَ الزَّجّاجُ: سُحْقًا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى أسْحَقَهُمُ اللَّهُ سُحْقًا، أيْ باعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ مُباعَدَةً، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: كانَ القِياسُ سِحاقًا، فَجاءَ المَصْدَرُ عَلى الحَذْفِ كَقَوْلِهِمْ: عَمْرَكَ اللَّهَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском