Ar-RaziAl‑Qalam · 68:28–44

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:28–44

68:28–30Page 565

قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨

The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1

قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩

They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠

Then they approached one another, blaming each other.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ يَعْنِي أعْدَلُهم وأفْضَلُهم، وبَيَّنّا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾ .

﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ يَعْنِي هَلّا تُسَبِّحُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: مَعْناهُ هَلّا تَسْتَثْنُونَ فَتَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما عابَهم بِأنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ، وإنَّما جازَ تَسْمِيَةُ قَوْلِ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ عِبارَةٌ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، فَلَوْ دَخَلَ شَيْءٌ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ إرادَةِ اللَّهِ، لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ عَوْدَةَ نَقْصٍ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَقَوْلُكَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، يُزِيلُ هَذا النَّقْصَ، فَكانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا.

واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَحْلِفُونَ ويَتْرُكُونَ الِاسْتِثْناءَ، وكانَ أوْسَطُهم يَنْهاهم عَنْ تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ ويُخَوِّفُهم مِن عَذابِ اللَّهِ، فَلِهَذا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ قالَ بَعْدَ وُقُوعِ الواقِعَةِ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾

صفحة ٨٠

﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ .

الثّانِي: أنَّ القَوْمَ حِينَ عَزَمُوا عَلى مَنعِ الزَّكاةِ واغْتَرُّوا بِمالِهِمْ وقُوَّتِهِمْ قالَ الأوْسَطُ لَهم: تُوبُوا عَنْ هَذِهِ المَعْصِيَةِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا رَأوُا العَذابَ ذَكَّرَهم ذَلِكَ الكَلامَ الأوَّلَ، وقالَ: ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ فَلا جَرَمَ اشْتَغَلَ القَوْمُ في الحالِ بِالتَّوْبَةِ.

﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ فَتَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ لَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ.

الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: هَذا التَّسْبِيحُ هو الصَّلاةُ كَأنَّهم كانُوا يَتَكاسَلُونَ في الصَّلاةِ وإلّا لَكانَتْ ناهِيَةً لَهم عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَكانَتْ داعِيَةً لَهم إلى أنْ يُواظِبُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ وعَلى قَوْلِ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ ذَلِكَ الأوْسَطِ أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّوْبَةِ وبِالتَّسْبِيحِ حَكى عَنْهم أشْياءَ:

أوَّلُها: أنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِالتَّسْبِيحِ وقالُوا في الحالِ: سُبْحانَ رَبِّنا عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ شَيْءٌ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَمّا وصَفُوا اللَّهَ تَعالى بِالتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ اعْتَرَفُوا بِسُوءِ أفْعالِهِمْ وقالُوا: ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ .

وثانِيها: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾

أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ هَذا لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا بِهَذا الرَّأْيِ، ويَقُولُ ذاكَ لِهَذا: أنْتَ خَوَّفْتَنا بِالفَقْرِ، ويَقُولُ الثّالِثُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ الَّذِي رَغَّبْتَنِي في جَمْعِ المالِ، فَهَذا هو التَّلاوُمُ.

68:31–34Page 565

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١

They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.

عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢

Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1

كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣

Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.

إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤

Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.

ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ: ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ والمُرادُ أنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا جُرْمَهم. ثُمَّ قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ:

﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنها﴾ قُرِئَ (يُبْدِلَنا) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ راجُونَ لِعَفْوِهِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَهُنا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ تَوْبَةً مِنهم، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم في ذَلِكَ قالُوا: لِأنَّ هَذا الكَلامَ يَحْتَمِلُ أنَّهم إنَّما قالُوهُ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ يَعْنِي كَما ذَكَرْنا مِن إحْراقِها بِالنّارِ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ في قِصَّةِ أصْحابِ الجَنَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مَن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمَعْنى: لِأجْلِ أنْ أعْطاهُ المالَ والبَنِينَ كَفَرَ بِاللَّهِ، كَلّا بَلِ اللَّهُ تَعالى إنَّما أعْطاهُ ذَلِكَ لِلِابْتِلاءِ، فَإذا صَرَفَهُ إلى الكُفْرِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ لَمّا أتَوْا بِهَذا القَدْرِ اليَسِيرِ مِنَ المَعْصِيَةِ دَمَّرَ اللَّهُ عَلى جَنَّتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ الحالُ في حَقِّ مَن عانَدَ الرَّسُولَ وأصَرَّ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ خَرَجُوا لِيَنْتَفِعُوا بِالجَنَّةِ ويَمْنَعُوا الفُقَراءَ عَنْها فَقَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَضِيَّةَ، فَكَذا أهْلُ مَكَّةَ لَمّا خَرَجُوا إلى بَدْرٍ حَلَفُوا عَلى أنْ يَقْتُلُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ، وإذا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ طافُوا بِالكَعْبَةِ وشَرِبُوا الخُمُورَ، فَأخْلَفَ اللَّهُ ظَنَّهم فَقُتِلُوا وأُسِرُوا كَأهْلِ هَذِهِ الجَنَّةِ.

ثُمَّ إنَّهُ لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَذابِ الدُّنْيا قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو ظاهِرٌ لا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ.

صفحة ٨١

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ السُّعَداءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾

(عِنْدَ رَبِّهِمْ) أيْ في الآخِرَةِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أيْ جَنّاتٍ لَيْسَ لَهم فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ لا يَشُوبُهُ ما يُنَغِّصُهُ، كَما يَشُوبُ جَنّاتِ الدُّنْيا، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ كُفّارُ مَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَنا عَلَيْكم في الدُّنْيا، فَلا بُدَّ وأنْ يُفَضِّلَنا عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلِ التَّفْضِيلُ فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.

68:35–41Page 565

أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥

Then will We treat the Muslims like the criminals?

مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦

What is [the matter] with you? How do you judge?

أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧

Or do you have a scripture in which you learn

إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨

That indeed for you is whatever you choose?

أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩

Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?

سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠

Ask them which of them, for that [claim], is responsible.

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١

Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَ عَنْ هَذا الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾

ومَعْنى الكَلامِ أنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي غَيْرُ جائِزَةٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ.

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ وصْفَ الإنْسانِ بِأنَّهُ مُسْلِمٌ ومُجْرِمٌ كالمُتَنافِي، فالفاسِقُ لَمّا كانَ مُجْرِمًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُسْلِمًا، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ جَعْلَ المُسْلِمِ مَثَلًا لِلْمُجْرِمِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إنْكارَ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَإنَّهُما يَتَماثَلانِ في الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ والحُدُوثِ والحَيَوانِيَّةِ، وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ، بَلِ المُرادُ إنْكارُ اسْتِوائِهِما في الإسْلامِ والجُرْمِ، أوْ في آثارِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، أوِ المُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أثَرُ إسْلامِ المُسْلِمِ مُساوِيًا لِأثَرِ جُرْمِ المُجْرِمِ عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لا نِزاعَ فِيهِ، فَمِن أيْنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ومُجْرِمًا ؟

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجْرِمَ لا يَكُونُ ألْبَتَّةَ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أنْكَرَ حُصُولَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما، ولَوْ حَصَلا في الجَنَّةِ، لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الثَّوابِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَكُونُ ثَوابُ المُجْرِمِ أزْيَدَ مِن ثَوابِ المُسْلِمِ إذا كانَ المُجْرِمُ أطْوَلَ عُمْرًا مِنَ المُسْلِمِ، وكانَتْ طاعاتُهُ غَيْرَ مُحْبَطَةٍ.

الجَوابُ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في شَيْءٍ أصْلًا بَلْ تَمْنَعُ مِن حُصُولِ التَّسْوِيَةِ في دَرَجَةِ الثَّوابِ، ولَعَلَّهُما يَسْتَوِيانِ فِيهِ بَلْ يَكُونُ ثَوابُ المُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَعْصِ أكْثَرَ مِن ثَوابِ مَن عَصى، عَلى أنّا نَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُجْرِمِينَ هُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم هَذِهِ الواقِعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ حَمْلَ الجَمْعِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ مَشْهُورٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ في الثَّوابِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ عَقْلًا ما يُحْكى عَنْ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ الكُفّارُ في الجَنَّةِ والمُطِيعُونَ في النّارِ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الفَضْلِ والإحْسانِ، لا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ قَرَّرَ هَذا الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ: ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هَذا الحُكْمُ المُعْوَجُّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾

وهُوَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٦) والأصْلُ تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَتَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ أنَّ لِأنَّهُ مُدَرَّسٌ، فَلَمّا جاءَتِ اللّامُ كُسِرَتْ، وتَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ، أيْ أخَذَ خَيْرَهُ ونَحْوَهُ تَنَخَّلَهُ وانْتَخَلَهُ إذا أخَذَ مَنخُولَهُ.

68:42–44Page 565

يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢

The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,

خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣

Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1

فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤

So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ يَمِينٌ بِكَذا إذا ضَمِنتَهُ مِنهُ وحَلَفْتَ لَهُ عَلى الوَفاءِ بِهِ يَعْنِي أمْ ضِمْنًا مِنكم، وأقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَّوْكِيدِ. فَإنْ قِيلَ: إلى في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِمَ يَتَعَلَّقُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ هَذِهِ الأيْمانُ في قُوَّتِها وكَمالِها بِحَيْثُ تَبْلُغُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أيْمانٌ ثابِتَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ويَكُونُ مَعْنى (بالِغَةٌ) مُؤَكَّدَةً كَما تَقُولُ: جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الصِّحَّةِ والجَوْدَةِ فَهو بالِغٌ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ فَهو جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى: ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أمْ أقْسَمْنا لَكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (بالِغَةً) بِالنَّصْبِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ. ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾

والمَعْنى أيُّهم بِذَلِكَ الحُكْمِ زَعِيمٌ، أيْ قائِمٌ بِهِ وبِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِحَّتِهِ، كَما يَقُومُ زَعِيمُ القَوْمِ بِإصْلاحِ أُمُورِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾

وفِي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المَعْنى أمْ لَهم أشْياءُ يَعْتَقِدُونَ أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ، فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ يَجْعَلُونَهم في الآخِرَةِ مِثْلَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ والخَلاصِ مِنَ العِقابِ، وإنَّما أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ (الرُّومِ: ٤٠) .

الوَجْهُ الثّانِي: في المَعْنى أمْ لَهم ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا المَذْهَبِ وهو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُجْرِمِينَ، فَلْيَأْتُوا بِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ في دَعْواهم، والمُرادُ بَيانُ أنَّهُ كَما لَيْسَ لَهم دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ في إثْباتِ هَذا المَذْهَبِ، ولا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وهو كِتابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَلَيْسَ لَهم مَن يُوافِقُهم مِنَ العُقَلاءِ عَلى هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ باطِلٌ مِن كُلِّ الوُجُوهِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أبْطَلَ قَوْلَهم، وأفْسَدَ مَقالَتَهم شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ عَظَمَةَ يَوْمِ القِيامَةِ.

فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ، بِقَوْلِهِ: (فَلْيَأْتُوا) في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ وذَلِكَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمٌ شَدِيدٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنْ كانُوا صادِقِينَ في أنَّها شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِها يَوْمَ القِيامَةِ، لِتَنْفَعَهم وتَشْفَعَ لَهم.

وثانِيها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرْ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ، كانَ كَيْتَ وكَيْتَ فَحُذِفَ لِلتَّهْوِيلِ البَلِيغِ، وأنَّ ثَمَّ مِنَ الكَوائِنِ ما لا يُوصَفُ لِعَظَمَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ ساقٍ، أهُوَ يَوْمُ القِيامَةِ أوْ في الدُّنْيا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ السّاقِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الشِّدَّةُ، ورُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ ابْنُ

صفحة ٨٣

عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إذا خُفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ، فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ:

سَنَّ لَنا قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ

ثُمَّ قالَ: وهو كَرْبٌ وشِدَّةٌ، ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ قالَ: هو أشَدُّ ساعَةٍ في القِيامَةِ، وأنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ أبْياتًا كَثِيرَةً (مِنها):

فَإنْ شَمَّرَتْ لَكَ عَنْ ساقِها ∗∗∗ فَوَيْهًا رَبِيعَ ولا تَسْأمِ

ومِنها:

كَشَفَتْ لَكم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّراحْ

وقالَ جَرِيرٌ:

ألا رُبَّ سامِ الطَّرْفِ مِن آلِ مازِنٍ ∗∗∗ إذا شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا

وقالَ آخَرُ:

فِي سَنَةٍ قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءُ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها

وقالَ آخَرُ:

قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها فَشُدُّوا ∗∗∗ وجَدَّتِ الحَرْبُ بِكم فَجِدُّوا

ثُمَّ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنَّ الرَّجُلَ إذا وقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتاجُ إلى الجِدِّ فِيهِ، يُشَمِّرُ عَنْ ساقِهِ، فَلا جَرَمَ يُقالُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ: كَشَفَ عَنْ ساقِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا اعْتِرافٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ اسْتِعْمالَ السّاقِ في الشِّدَّةِ مَجازٌ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الكَلامِ إلى المَجازِ إلّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإذا أقَمْنا الدَّلائِلَ القاطِعَةَ عَلى أنَّهُ تَعالى يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ جِسْمًا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى المَجازِ، واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ أوْرَدَ هَذا التَّأْوِيلَ في مَعْرِضٍ آخَرَ، فَقالَ: الكَشْفُ عَنِ السّاقِ مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمْرِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ ويَتَفاقَمُ، ولا كَشْفَ ثَمَّ، ولا ساقَ، كَما تَقُولُ لِلْأقْطَعِ الشَّحِيحِ: يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، ولا يَدَ ثَمَّ ولا غُلَّ وإنَّما هو مَثَلٌ في البُخْلِ، ثُمَّ أخَذَ يُعَظِّمُ عِلْمَ البَيانِ، ويَقُولُ: لَوْلاهُ لَما وقَفْنا عَلى هَذِهِ الأسْرارِ، وأقُولُ: إمّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، أوْ يَقُولُ: إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ امْتِناعِ حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ، ولِأنّا إنْ جَوَّزْنا ذَلِكَ انْفَتَحَتْ أبْوابُ تَأْوِيلاتِ الفَلاسِفَةِ في أمْرِ المَعادِ فَإنَّهم يَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ (البُرُوجِ: ١١) لَيْسَ هُناكَ لا أنْهارٌ ولا أشْجارٌ، وإنَّما هو مَثَلٌ لِلَّذَّةِ والسَّعادَةِ، ويَقُولُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ (الحَجِّ: ٧٧) لَيْسَ هُناكَ لا سُجُودٌ ولا رُكُوعٌ. وإنَّما هو مَثَلٌ لِلتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى رَفْعِ الشَّرائِعِ وفَسادِ الدِّينِ، وأمّا إنْ قالَ: بِأنَّهُ لا يُصارُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ إلّا بَعْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا هو الَّذِي لَمْ يَزَلْ كُلُّ أحَدٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (إلّا) قالَ بِهِ وعَوَّلَ عَلَيْهِ، فَأيْنَ هَذِهِ الدَّقائِقُ الَّتِي اسْتَبَدَّ هو بِمَعْرِفَتِها والِاطِّلاعِ عَلَيْها بِواسِطَةِ عِلْمِ البَيانِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَهُ، وما تَجاوَزَ طَوْرَهُ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو

صفحة ٨٤

قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، أيْ عَنْ أصْلِ الأمْرِ، وساقُ الشَّيْءِ أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرِ، وساقِ الإنْسانِ، أيْ يَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ حَقائِقُ الأشْياءِ وأُصُولُها.

القَوْلُ الثّالِثُ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقِ جَهَنَّمَ، أوْ عَنْ ساقِ العَرْشِ، أوْ عَنْ ساقِ مَلَكٍ مَهِيبٍ عَظِيمٍ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى ساقٍ، فَإمّا أنَّ ذَلِكَ السّاقَ ساقُ أيِّ شَيْءٍ هو فَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: وهو اخْتِيارُ المُشَبِّهَةِ، أنَّهُ ساقُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أنَّهُ تَعالى يَتَمَثَّلُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَمُرُّ المُسْلِمُونَ، فَيَقُولُ: مَن تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعْبُدُ اللَّهَ فَيُشْهِدُهم مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا ثُمَّ يَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ رَبَّكم، فَيَقُولُونَ: سُبْحانَهُ إذا عَرَّفَنا نَفْسَهُ عَرَفْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ ساقٍ، فَلا يَبْقى مُؤْمِنٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا، ويَبْقى المُنافِقُونَ ظُهُورُهم كالطَّبَقِ الواحِدِ كَأنَّما فِيها السَّفافِيدُ» “ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ، وكُلَّ مُتَناهٍ مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ؛ ولِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُمْكِنٌ، وكُلَّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ.

وثانِيها: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَ مِن حَقِّ السّاقِ أنْ يُعْرَفَ، لِأنَّها ساقٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُ وهي ساقُ الرَّحْمَنِ، أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الشِّدَّةِ، فَفائِدَةُ التَّنْكِيرِ الدَّلالَةُ عَلى التَّعْظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ، وأيِّ شِدَّةٍ، أيْ شِدَّةٍ لا يُمْكِنُ وصْفُها.

وثالِثُها: أنَّ التَّعْرِيفَ لا يَحْصُلُ بِالكَشْفِ عَنِ السّاقِ، وإنَّما يَحْصُلُ بِكَشْفِ الوَجْهِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ، بَلْ هو في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ قالَ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ هَذا اليَوْمِ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ (القَلَمِ: ٤٢) ويَوْمُ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ، بَلِ المُرادُ مِنهُ، إمّا آخِرُ أيّامِ الرَّجُلِ في دُنْياهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى﴾ (الفَرْقانِ: ٢٢) ثُمَّ إنَّهُ يَرى النّاسَ يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ إذا حَضَرَتْ أوْقاتُها، وهو لا يَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، وإمّا حالُ الهَرَمِ والمَرَضِ والعَجْزِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ مِمّا بِهِمُ الآنَ، إمّا مِنَ الشِّدَّةِ النّازِلَةِ بِهِمْ مِن هَوْلِ ما عايَنُوا عِنْدَ المَوْتِ أوْ مِنَ العَجْزِ والهَرَمِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ (الواقِعَةِ: ٨٣) واعْلَمْ أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى القِيامَةِ بِسَبَبِ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ حاصِلٌ هَهُنا، والتَّكالِيفُ زائِلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَوابُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّخْجِيلِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قُرِئَ: (يَوْمَ نَكْشِفُ) بِالنُّونِ و(تَكْشِفُ) بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ جَمِيعًا، والفِعْلُ لِلسّاعَةِ أوْ لِلْحالِ، أيْ يَوْمَ يَشْتَدُّ الحالُ أوِ السّاعَةُ، كَما تَقُولُ: كَشَفَ الحَرْبُ عَنْ ساقِها عَلى المَجازِ. وقُرِئَ (تُكْشِفُ) بِالتّاءِ المَضْمُومَةِ وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشَفَ إذا دَخَلَ في الكَشَفِ، ومِنهُ أكْشَفَ الرَّجُلُ فَهو مُكْشِفٌ إذا انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا.

* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾

صفحة ٨٥

﴿إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّهم لا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ تَعَبُّدًا وتَكْلِيفًا، ولَكِنْ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمُ السُّجُودَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حالَ ما يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ يَسْلُبُ عَنْهُمُ القُدْرَةَ عَلى السُّجُودِ، ويَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الِاسْتِطاعَةِ حَتّى تَزْدادَ حَسْرَتُهم ونَدامَتُهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ، حِينَ دُعُوا إلى السُّجُودِ وهم سالِمُو الأطْرافِ والمَفاصِلِ. قالَ الجُبّائِيُّ: لَمّا خَصَّصَ عَدَمَ الِاسْتِطاعَةِ بِالآخِرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم في الدُّنْيا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ، فَبَطَلَ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: الكافِرُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الإيمانِ، وإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإيمانِ لا تَحْصُلُ إلّا حالَ وُجُودِ الإيمانِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُنافٍ لِوُجُودِ الإيمانِ والجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ مُحالٌ، فالِاسْتِطاعَةُ في الدُّنْيا أيْضًا غَيْرُ حاصِلَةٍ عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ فَهو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( لا يَسْتَطِيعُونَ. . . . ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ يَعْنِي يَلْحَقُهم ذُلٌّ بِسَبَبِ أنَّهم ما كانُوا مُواظِبِينَ عَلى خِدْمَةِ مَوْلاهم مِثْلُ العَبْدِ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ مَوْلاهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِيلًا فِيما بَيْنَ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ يَعْنِي حِينَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى الصَّلَواتِ بِالأذانِ والإقامَةِ وكانُوا سالِمِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّلاةِ، وفي هَذا وعِيدٌ لِمَن قَعَدَ عَنِ الجَماعَةِ ولَمْ يُجِبِ المُؤَذِّنَ إلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ الكُفّارَ بِعَظَمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ زادَ في التَّخْوِيفِ فَخَوَّفَهم بِما عِنْدَهُ، وفي قُدْرَتِهِ مِنَ القَهْرِ، فَقالَ: ذَرْنِي وإيّاهُ، يُرِيدُ كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: يا مُحَمَّدُ حَسْبُكَ انْتِقامًا مِنهُ أنْ تَكِلَ أمْرَهُ إلَيَّ، وتُخَلِّيَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَإنِّي عالِمٌ بِما يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ بِهِ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ يُقالُ: اسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا إذا اسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ أبُو رَوْقٍ: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ كُلَّما أذْنَبُوا ذَنْبًا جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً وأنْسَيْناهُمُ الِاسْتِغْفارَ، فالِاسْتِدْراجُ إنَّما حَصَلَ في الِاغْتِناءِ الَّذِي لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، وهو الإنْعامُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ تَفْضِيلًا لَهم عَلى المُؤْمِنِينَ، وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском