Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Haqqah 69:15–32
69:15–17Page 567
فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥
Then on that Day, the Occurrence [i.e., Resurrection] will occur,
وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ ١٦
And the heaven will split [open], for that Day it is infirm.1
وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ ١٧
And the angels are at its edges. And there will bear the Throne of your Lord above them, that Day, eight [of them].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ . أيْ: فَيَوْمَئِذٍ قامَتِ القِيامَةُ الكُبْرى، وانْشَقَّتِ السَّماءُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ أيْ: مُسْتَرْخِيَةٌ ساقِطَةُ القُوَّةِ ﴿كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارِعَةِ: ٥] بَعْدَما كانَتْ مُحْكَمَةً شَدِيدَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩٦
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَلَكًا واحِدًا، بَلْ أرادَ الجِنْسَ والجَمْعَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأرْجاءُ في اللُّغَةِ النَّواحِي، يُقالُ: رَجًا ورَجَوانِ والجَمْعُ الأرْجاءُ، ويُقالُ ذَلِكَ لِحَرْفِ البِئْرِ وحَرْفِ القَبْرِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، والمَعْنى أنَّ السَّماءَ إذا انْشَقَّتْ عَدَلَتِ المَلائِكَةُ عَنْ مَواضِعِ الشَّقِّ إلى جَوانِبِ السَّماءِ، فَإنْ قِيلَ: المَلائِكَةُ يَمُوتُونَ في الصَّعْقَةِ الأُولى، لِقَوْلِهِ: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهم يَقِفُونَ عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم يَقِفُونَ لَحْظَةً عَلى أرْجاءِ السَّماءِ ثُمَّ يَمُوتُونَ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَرْشُ هو الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ، وقَوْلِهِ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى الأرْجاءِ، والمَقْصُودُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم حَمَلَةُ العَرْشِ.
الثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي أنَّ الحَمَلَةَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. و[مَجِيءُ] الضَّمِيرِ قَبْلَ الذِّكْرِ جائِزٌ كَقَوْلِهِ: في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافٍ أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ أوْ ثَمانِيَةَ آلافِ صَفٍّ. واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ فَيَكُونُونَ ثَمانِيَةً» “ ويُرْوى: ”«ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ أرْجُلُهم في تُخُومِ الأرْضِ السّابِعَةِ، والعَرْشُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ وهم مُطْرِقُونَ مُسَبِّحُونَ» “ وقِيلَ: بَعْضُهم عَلى صُورَةِ الأسَدِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ النَّسْرِ، ورُوِيَ: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ في صُورَةِ الأوْعالِ، ما بَيْنَ أظْلافِها إلى رُكَبِها مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عامًا، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: أرْبَعَةٌ مِنهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وأرْبَعَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ الحَمْلَ عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ أوْلى مِنَ الحَمْلِ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الثَّمانِيَةَ أشْخاصٍ لا بُدَّ مِنهم في صِدْقِ اللَّفْظِ، ولا حاجَةَ في صِدْقِ اللَّفْظِ إلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّفْظُ دالًّا عَلى ثَمانِيَةِ أشْخاصٍ، ولا دَلالَةَ عَلى ثَمانِيَةِ آلافٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الأوَّلِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ التَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ ثَمانِيَةَ آلافٍ، أوْ ثَمانِيَةَ صُفُوفٍ لَوَجَبَ ذِكْرُهُ لِيَزْدادَ التَّعْظِيمُ والتَّهْوِيلُ، فَحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ إلّا ثَمانِيَةَ أشْخاصٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ في العَرْشِ لَكانَ حَمْلُ العَرْشِ عَبَثًا عَدِيمَ الفائِدَةِ، ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَ الإلَهُ حاصِلًا في العَرْشِ، أجابَ أهْلُ التَّوْحِيدِ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ جالِسٌ في العَرْشِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ حامِلًا لِلْعَرْشِ كانَ حامِلًا لِكُلِّ ما كانَ في العَرْشِ، فَلَوْ كانَ الإلَهُ في العَرْشِ لَلَزِمَ المَلائِكَةُ أنْ يَكُونُوا حامِلِينَ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي احْتِياجَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، وأنْ يَكُونُوا أعْظَمَ قُدْرَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ
صفحة ٩٧
صَرِيحٌ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَنَقُولُ: السَّبَبُ في هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ تَعالى خاطَبَهم بِما يَتَعارَفُونَهُ، فَخَلَقَ لِنَفْسِهِ بَيْتًا يَزُورُونَهُ، ولَيْسَ أنَّهُ يَسْكُنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْهُ، وجَعَلَ في رُكْنِ البَيْتِ حَجَرًا هو يَمِينُهُ في الأرْضِ؛ إذْ كانَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُعَظِّمُوا رُؤَساءَهم بِتَقْبِيلِ أيْمانِهِمْ، وجَعَلَ عَلى العِبادِ حَفَظَةً لَيْسَ لِأنَّ النِّسْيانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنْ هَذا هو المُتَعارَفُ فَكَذَلِكَ لَمّا كانَ مِن شَأْنِ المَلِكِ إذا أرادَ مُحاسَبَةَ عُمّالِهِ جَلَسَ إلَيْهِمْ عَلى سَرِيرٍ، ووَقَفَ الأعْوانُ حَوْلَهُ أحْضَرَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَرْشًا وحَضَرَتِ المَلائِكَةُ وحَفَّتْ بِهِ، لا لِأنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ أوْ يَحْتاجُ إلَيْهِ بَلْ لِمِثْلِ ما قُلْناهُ في البَيْتِ والطَّوافِ.
69:18–19Page 567
يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ١٨
That Day, you will be exhibited [for judgement]; not hidden among you is anything concealed.1
فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩
So as for he who is given his record in his right hand, he will say, "Here, read my record!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ العَرْضُ عِبارَةٌ عَنِ المُحاسَبَةِ والمُساءَلَةِ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] ورُوِيَ «”أنَّ في القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فاعْتِذارٌ واحْتِجاجٌ وتَوْبِيخٌ، وأمّا الثّالِثَةُ فَفِيها تُنْثَرُ الكُتُبُ فَيَأْخُذُ السَّعِيدُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والهالِكُ كِتابَهُ بِشَمالِهِ“» .
﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: تَقْرِيرُ الآيَةِ: تُعْرَضُونَ لا يَخْفى أمْرُكم فَإنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ مِنكم خافِيَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [غافِرٍ: ١٦] فَيَكُونُ الغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةَ في التَّهْدِيدِ، يَعْنِي تُعْرَضُونَ عَلى مَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ أصْلًا.
الوَجْهُ الثّانِي: المُرادُ لا يَخْفى يَوْمَ القِيامَةِ ما كانَ مَخْفِيًّا مِنكم في الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَظْهَرُ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ فَيَتَكامَلُ بِذَلِكَ سُرُورُهم، وتَظْهَرُ أحْوالُ أهْلِ العَذابِ؛ فَيَظْهَرُ بِذَلِكَ حُزْنُهم وفَضِيحَتُهم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطّارِقِ: ٩] وفي هَذا أعْظَمُ الزَّجْرِ والوَعِيدِ وهو خَوْفُ الفَضِيحَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ ”لا تَخْفى“ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقِها، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ الياءَ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ قالَ: لِأنَّ الياءَ تَجُوزُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، والتّاءَ لا تَجُوزُ إلّا لِلْأُنْثى، وهَهُنا يَجُوزُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى المُذَكَّرِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخافِيَةِ شَيْءٌ ذُو خَفاءٍ. وأيْضًا فَقَدْ وقَعَ الفَصْلُ هَهُنا بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ بِقَوْلِهِ: مِنكم.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ما يَنْتَهِي هَذا العَرْضُ إلَيْهِ قالَ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هاءَ صَوْتٌ يُصَوَّتُ بِهِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى خُذْ كَأُفٍّ وحَسِّ، وقالَ أبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ: وفِيهِ لُغاتٌ وأجْوَدُها ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ فَقالَ: ومِمّا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ المَبْيِّناتِ قَوْلُهم: هاءَ يا فَتى، ومَعْناهُ تَناوَلْ، ويَفْتَحُونَ الهَمْزَةَ ويَجْعَلُونَ فَتْحَها عَلَمَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: هاكَ يا فَتى، فَتُجْعَلُ فَتْحَةُ الكافِ عَلامَةَ المُذَكَّرِ
صفحة ٩٨
ويُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما، ولِلْجَمْعِ هاؤُما، وهاؤُمُ، والمِيمُ في هَذا المَوْضِعِ كالمِيمِ في أنْتُما وأنْتُمْ وهَذِهِ الضَّمَّةُ الَّتِي تَوَلَّدَتْ في هَمْزَةِ هاؤُمُ إنَّما هي ضَمَّةُ مِيمِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الأصْلَ فِيهِ هاؤُمُوا وأنْتُمُوا، فَأشْبَعُوا الضَّمَّةَ وحَكَمُوا لِلِاثْنَيْنِ بِحُكْمِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ عِنْدَهم في حُكْمِ الجَمْعِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا اجْتَمَعَ عامِلانِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ، فَإعْمالُ الأقْرَبِ جائِزٌ بِالِاتِّفاقِ، وإعْمالُ الأبْعَدِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى جَوازِهِ والبَصْرِيُّونَ مَنَعُوهُ، واحْتَجَّ البَصْرِيُّونَ عَلى قَوْلِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هاؤُمُ﴾ ناصِبٌ، وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَءُوا﴾ ناصِبٌ أيْضًا، فَلَوْ كانَ النّاصِبُ هو الأبْعَدُ، لَكانَ التَّقْدِيرُ: هاؤُمُ كِتابِيَهْ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: اقْرَءُوهُ، ونَظِيرُهُ: (﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكَهْفِ: ٩٦] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الواقِعَ هَهُنا إعْمالُ الأقْرَبِ، وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ إنَّما النِّزاعُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ إعْمالُ الأبْعَدِ أمْ لا، ولَيْسَ في الآيَةِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ، وأيْضًا قَدْ يُحْذَفُ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ ظُهُورَهُ يُغْنِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَهُنا كَذَلِكَ ؟ ثُمَّ احْتَجَّ الكُوفِيُّونَ بِأنَّ العامِلَ الأوَّلَ مُتَقَدِّمٌ في الوُجُودِ عَلى العامِلِ الثّانِي، والعامِلُ الأوَّلُ حِينَ وُجِدَ اقْتَضى مَعْمُولًا؛ لِامْتِناعِ حُصُولِ العِلَّةِ دُونَ المَعْمُولِ، فَصَيْرُورَةُ المَعْمُولِ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الأوَّلِ مُتَقَدِّمٌ عَلى وُجُودِ العامِلِ الثّانِي، والعامِلُ الثّانِي إنَّما وُجِدَ بَعْدَ أنْ صارَ مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الأوَّلِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَصِيرَ أيْضًا مَعْمُولًا لِلْعامِلِ الثّانِي؛ لِامْتِناعِ تَعْلِيلِ الحُكْمِ الواحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، ولِامْتِناعِ تَعْلِيلِ ما وُجِدَ قَبْلُ بِما يُوجَدُ بَعْدُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن لَطائِفِ النَّحْوِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الهاءُ لِلسَّكْتِ في ”كِتابِيَهْ“ وكَذا في ”حِسابِيَهْ، ومالِيَهْ، وسُلْطانِيَهْ“ وحَقُّ هَذِهِ الهاءاتِ أنْ تَثْبُتَ في الوَقْفِ وتَسْقُطَ في الوَصْلِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الهاءاتُ مُثْبَتَةً في المُصْحَفِ والمُثْبَتَةُ في المُصْحَفِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُثْبَتَةً في اللَّفْظِ، ولَمْ يَحْسُنْ إثْباتُها في اللَّفْظِ إلّا عِنْدَ الوَقْفِ، لا جَرَمَ اسْتَحَبُّوا الوَقْفَ لِهَذا السَّبَبِ. وتَجاسَرَ بَعْضُهم فَأسْقَطَ هَذِهِ الهاءاتِ عِنْدَ الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإسْكانِ الياءِ بِغَيْرِها. وقَرَأ جَماعَةٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ جَمِيعًا لِاتِّباعِ المُصْحَفِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في السُّرُورِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ عَلِمَ أنَّهُ مِنَ النّاجِينَ ومِنَ الفائِزِينَ بِالنَّعِيمِ، فَأحَبَّ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتّى يَفْرَحُوا بِما نالَهُ. وقِيلَ: يَقُولُ ذَلِكَ لِأهْلِ بَيْتِهِ وقَرابَتِهِ.
69:20Page 567
إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠
Indeed, I was certain that I would be meeting my account."
ثُمَّ إنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّهُ يَقُولُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ .
وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ اليَقِينُ الِاسْتِدْلالِيُّ، وكُلُّ ما ثَبَتَ بِالِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ مِنَ الخَواطِرِ المُخْتَلِفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالظَّنِّ.
الثّانِي: التَّقْدِيرُ: إنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنِّي أُلاقِي حِسابِي فَيُؤاخِذُنِي اللَّهُ بِسَيِّئاتِي، فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِالعَفْوِ ولَمْ يُؤاخِذْنِي بِها فَهاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ.
وثالِثُها: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «"إنَّ الرَّجُلَ يُؤْتى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ويُؤْتى كِتابَهُ فَتَظْهَرُ حَسَناتُهُ في ظَهْرِ كَفِّهِ، وتُكْتَبُ سَيِّئاتُهُ في بَطْنِ كَفِّهِ فَيَنْظُرُ إلى سَيِّئاتِهِ فَيَحْزَنُ، فَيُقالُ لَهُ: اقْلِبْ كَفَّكَ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَيَرى حَسَناتِهِ فَيَفْرَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ﴾ عِنْدَ النَّظْرَةِ الأُولى ﴿أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾
صفحة ٩٩
عَلى سَبِيلِ الشِّدَّةِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ فَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي ذَلِكَ الغَمَّ»، وأمّا في حَقِّ الأشْقِياءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى الضِّدِّ مِمّا ذَكَرْنا.
ورابِعُها: ظَنَنْتُ أيْ: عَلِمْتُ، وإنَّما أُجْرِيَ مَجْرى العِلْمِ؛ لِأنَّ الظَّنَّ الغالِبَ يُقامُ مَقامَ العِلْمِ في العاداتِ والأحْكامِ، يُقالُ: أظُنُّ ظَنًّا كاليَقِينِ أنَّ الأمْرَ كَيْتَ وكَيْتَ.
وخامِسُها: المُرادُ إنِّي ظَنَنْتُ في الدُّنْيا أنَّ بِسَبَبِ الأعْمالِ الَّتِي كُنْتُ أعْمَلُها في الدُّنْيا سَأصِلُ في القِيامَةِ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، وقَدْ حَصَلَتِ الآنَ عَلى اليَقِينِ فَيَكُونُ الظَّنُّ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا لا يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ.
69:21–24Page 567
فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١
So he will be in a pleasant life -
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢
In an elevated garden,
قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣
Its [fruit] to be picked hanging near.
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you put forth1 in the days past."
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عاقِبَةَ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: وصْفُ العِيشَةِ بِأنَّها راضِيَةٌ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّها مَنسُوبَةٌ إلى الرِّضا كالدّارِعِ والنّابِلِ، والنِّسْبَةُ نِسْبَتانِ؛ نِسْبَةٌ بِالحُرُوفِ ونِسْبَةٌ بِالصِّيغَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ الرِّضا لِلْعِيشَةِ مَجازًا مَعَ أنَّهُ صاحِبُ العِيشَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في حَدِّ الثَّوابِ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَنفَعَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ دائِمَةً، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ، فالمَعْنى إنَّما يَكُونُ مَرْضِيًّا بِهِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لَوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ كَلِمَةٌ حاوِيَةٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ الَّتِي ذَكَرْناها.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ وهو أنَّ مَن صارَ في ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: يَعِيشُ عَيْشًا مَرْضِيًّا في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، والعُلُوُّ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُلُوُّ في المَكانِ فَهو حاصِلٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ السَّماواتِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ مَنازِلَ البَعْضِ فَوْقَ مَنازِلِ الآخَرِينَ، فَهَؤُلاءِ السّافِلُونَ لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ العالِيَةِ، قُلْنا: إنَّ كَوْنَ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ لا يَقْدَحُ في كَوْنِها عالِيَةً وفَوْقَ السَّماواتِ، وإنْ أُرِيدَ العُلُوُّ في الدَّرَجَةِ والشَّرَفِ فالأمْرُ كَذَلِكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُ تِلْكَ الأبْنِيَةِ عالِيَةً مُشْرِفَةً فالأمْرُ أيْضًا كَذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ أيْ: ثِمارُها قَرِيبَةُ التَّناوُلِ، يَأْخُذُها الرَّجُلُ كَما يُرِيدُ إنْ أحَبَّ أنْ يَأْخُذَها بِيَدِهِ انْقادَتْ لَهُ، قائِمًا كانَ أوْ جالِسًا أوْ مُضْطَجِعًا. وإنْ أحَبَّ أنْ تَدْنُوَ إلى فِيهِ دَنَتْ، والقُطُوفُ جَمْعُ قِطْفٍ وهو المَقْطُوفُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ والمَعْنى يُقالُ لَهم ذَلِكَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ لَيْسَ بِأمْرِ إيجابٍ ولا نَدْبٍ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ نَدْبًا، إذا كانَ الغَرَضُ مِنهُ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الإنْسانِ وإدْخالَ السُّرُورِ في قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما جَمَعَ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ”كُلُوا“ بَعْدَ قَوْلِهِ ”فَهو في عِيشَةٍ“؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ ومَن مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَمْعِ.
صفحة ١٠٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ أعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ، ومَعْنى الإسْلافِ في اللُّغَةِ تَقْدِيمُ ما تَرْجُو أنْ يَعُودَ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ، فَهو كالإقْراضِ. ومِنهُ يُقالُ: أسْلَفَ في كَذا إذا قَدَّمَ فِيهِ مالَهُ، والمَعْنى بِما عَمِلْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. و﴿الأيّامِ الخالِيَةِ﴾، المُرادُ مِنها أيّامُ الدُّنْيا، والخالِيَةُ الماضِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ [الأحْقافِ: ١٧] و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٤] وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي الصَّوْمَ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالأكْلِ والشُّرْبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لِمَنِ امْتَنَعَ في الدُّنْيا عَنْهُ بِالصَّوْمِ؛ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما أسْلَفْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ مُوجِبٌ لِلثَّوابِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ لِلَّهِ تَعالى لَكانَ قَدْ أعْطى الإنْسانَ ثَوابًا لا عَلى فِعْلٍ فَعَلَهُ الإنْسانُ، وذَلِكَ مُحالٌ وجَوابُهُ مَعْلُومٌ.
69:25–27Page 567
وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥
But as for he who is given his record in his left hand, he will say, "Oh, I wish I had not been given my record
وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦
And had not known what is my account.
يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧
I wish it [i.e., my death] had been the decisive one.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَمّا نَظَرَ في كِتابِهِ وتَذَكَّرَ قَبائِحَ أفْعالِهِ خَجَلَ مِنها، وصارَ العَذابُ الحاصِلُ مِن تِلْكَ الخَجالَةِ أزْيَدَ مِن عَذابِ النّارِ، فَقالَ: لَيْتَهم عَذَّبُونِي بِالنّارِ، وما عَرَضُوا هَذا الكِتابَ الَّذِي ذَكَّرَنِي قَبائِحَ أفْعالِي حَتّى لا أقَعَ في هَذِهِ الخَجالَةِ، وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ أيْ: ولَمْ أدْرِ أيَّ شَيْءٍ حِسابِيَهْ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ ولا طائِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، وإنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿يالَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ الضَّمِيرُ في ”يا لَيْتَها“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: إلى المَوْتَةِ الأُولى، وهي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً إلّا أنَّها لِظُهُورِها كانَتْ كالمَذْكُورَةِ و”القاضِيَةَ“ القاطِعَةُ عَنِ الحَياةِ. وفِيها إشارَةٌ إلى الِانْتِهاءِ والفَراغِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قُضِيَتِ﴾ [الجُمُعَةِ: ١٠] ويُقالُ: قُضِيَ عَلى فُلانٍ، أيْ ماتَ فالمَعْنى يا لَيْتَ المَوْتَةَ الَّتِي مِتُّها كانَتِ القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ بَعْدَها، ولَمْ ألْقَ ما وصَلْتُ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: تَمَنّى المَوْتَ ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا عِنْدَهُ شَيْءٌ أكْرَهُ مِنَ المَوْتِ، وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ ما يُطْلَبُ لَهُ المَوْتُ، قالَ الشّاعِرُ:
وشَرٌّ مِنَ المَوْتِ الَّذِي إنْ لَقِيتَهُ تَمَنَّيْتَ مِنهُ المَوْتَ والمَوْتُ أعْظَمُ
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الحالَةِ الَّتِي شاهَدَها عِنْدَ مُطالَعَةِ الكِتابِ، والمَعْنى: يا لَيْتَ هَذِهِ الحالَةَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي قَضَتْ عَلَيَّ؛ لِأنَّهُ رَأى تِلْكَ الحالَةَ أبْشَعَ وأمَرَّ مِمّا ذاقَهُ مِن مَرارَةِ المَوْتِ وشِدَّتِهِ فَتَمَنّاهُ عِنْدَها.
69:28–32Page 567
مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨
My wealth has not availed me.
هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩
Gone from me is my authority."1
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠
[Allāh will say], "Seize him and shackle him.
ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١
Then into Hellfire drive him.
ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢
Then into a chain whose length is seventy cubits insert him."
ثُمَّ قالَ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾
صفحة ١٠١
﴿ما أغْنى﴾ نَفْيٌ واسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنِّي ما كانَ لِي مِنَ اليَسارِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٠] وقَوْلُهُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ في المُرادِ بِ ”سُلْطانِيَهْ“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي الَّتِي كُنْتُ أحْتَجُّ بِها عَلى مُحَمَّدٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الجَوارِحُ بِالشِّرْكِ.
والثّانِي: ذَهَبَ مُلْكِي وتَسَلُّطِي عَلى النّاسِ وبَقِيتُ فَقِيرًا ذَلِيلًا، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّنِي إنَّما كُنْتُ أُنازِعُ المُحِقِّينَ بِسَبَبِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، فالآنَ ذَهَبَ ذَلِكَ المُلْكُ وبَقِيَ الوَبالُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سُرُورَ السُّعَداءِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في العَيْشِ الطَّيِّبِ وفي الأكْلِ والشُّرْبِ، كَذا هَهُنا ذَكَرَ غَمَّ الأشْقِياءِ وحُزْنَهم، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَهم في الغُلِّ والقَيْدِ وطَعامِ الغِسْلِينِ، فَأوَّلُها أنْ تَقُولَ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ: خُذُوهُ، فَيَبْتَدِرُ إلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ، وتُجْمَعُ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ، فَذاكَ قَوْلُهُ: ﴿فَغُلُّوهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: أصْلَيْتُهُ النّارَ إذا أوْرَدْتُهُ إيّاها وصَلَّيْتُهُ أيْضًا كَما يُقالُ أكْرَمْتُهُ وكَرَّمْتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ مَعْناهُ لا تُصْلُوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ؛ كُلُّ حَلْقَةٍ مِنها في حَلْقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ شَيْءٍ عَلى الوَلاءِ والنِّظامِ فَهو مُسَلْسَلٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَرْعُها﴾ مَعْنى الذَّرْعِ في اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ بِالذِّراعِ مِنَ اليَدِ، يُقالُ: ذَرَعَ الثَّوْبَ يَذْرَعُهُ ذَرْعًا إذا قَدَّرَهُ بِذِراعِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ التَّقْدِيرَ بِهَذا المِقْدارِ بَلِ الوَصْفُ بِالطُّولِ، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ يُرِيدُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً.
والثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهَذا المِقْدارِ ثُمَّ قالُوا: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، وكُلُّ باعٍ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هو، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: سَلَكَهُ في الطَّرِيقِ وفي القَيْدِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأسْلَكْتُهُ مَعْناهُ أدْخَلْتُهُ، ولُغَةُ القُرْآنِ سَلَكْتُهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٠٠] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَدْخُلُ السِّلْسِلَةُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن حَلْقِهِ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَ ناصِيَتِهِ وقَدَمَيْهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ في اللُّؤْلُؤِ ثُمَّ يُجْعَلُ في عُنُقِهِ سائِرُها، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في تَطْوِيلِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ ؟ (الجَوابُ): قالَ سُوَيْدُ بْنُ أبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ، وإذا كانَ الجَمْعُ مِنَ النّاسِ مُقَيَّدِينَ بِالسَّلِسَةِ الواحِدَةِ كانَ العَذابُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ السَّبَبِ أشَدَّ.
السُّؤالُ الثّانِي: سَلْكُ السِّلْسِلَةِ فِيهِمْ مَعْقُولٌ، أمّا سَلْكُهم في السِّلْسِلَةِ فَما مَعْناهُ ؟ (الجَوابُ): سَلْكُهُ في السِّلْسِلَةِ أنْ تُلْوى عَلى جَسَدِهِ حَتّى تَلْتَفَّ عَلَيْهِ أجْزاؤُها وهو فِيما بَيْنَها مُزْهَقٌ مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى حَرَكَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ كَما يُقالُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ وأدْخَلْتُها في رَأْسِي، ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في إصْبَعِي، والإصْبَعُ هو الَّذِي يَدْخُلُ في الخاتَمِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ في سِلْسِلَةٍ: فاسْلُكُوهُ، ولَمْ يَقُلْ: فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ ؟ (الجَوابُ): المَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ؛ لِأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ السَّلاسِلِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: ذَكَرَ الأغْلالَ والتَّصْلِيَةَ بِالفاءِ وذَكَرَ السَّلْكَ في هَذِهِ السَّلِسَةِ بِلَفْظِ ثُمَّ، فَما الفَرْقُ ؟ (الجَوابُ): لَيْسَ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ثُمَّ تَراخِيَ المُدَّةِ بَلِ التَّفاوُتَ في مَراتِبِ العَذابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences