Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Haqqah 69:33–52
69:33–35Page 567
إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣
Indeed, he did not used to believe in Allāh, the Most Great,
وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣٤
Nor did he encourage the feeding of the poor.
فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ ٣٥
So there is not for him here this Day any devoted friend
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ هَذا العَذابَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ:
﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ .
فالأوَّلُ إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العاقِلَةِ.
والثّانِي إشارَةٌ إلى فَسادِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: ولا يَحُضُّ عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ.
والثّانِي: أنَّ الطَّعامَ هَهُنا اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإطْعامِ كَما وُضِعَ العَطاءُ مَقامَ الإعْطاءِ في قَوْلِهِ:
وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتّاعا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ فِيهِ دَلِيلانِ قَوِيّانِ عَلى عِظَمِ الجُرْمِ في حِرْمانِ المَساكِينِ:
أحَدُهُما: عَطَفَهُ عَلى الكُفْرِ وجَعَلَهُ قَرِينَةً لَهُ.
والثّانِي: ذَكَرَ الحَضَّ دُونَ الفِعْلِ لِيُعْلَمَ أنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتْرُكُ الفِعْلَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعاقَبُونَ عَلى تَرْكِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِنا: إنَّهم مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ، وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ كانَ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ المَرَقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ أفَلا نَخْلَعُ النِّصْفَ الباقِيَ ! وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ مَنعُ الكُفّارِ، وقَوْلُهم: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهُ في الآخِرَةِ حَمِيمٌ أيْ قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم يَتَحامَوْنَ ويَفِرُّونَ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المَعارِجِ: ١٠] وكَقَوْلِهِ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] .
69:36–40Page 568
وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ ٣٦
Nor any food except from the discharge of wounds;
لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ ٣٧
None will eat it except the sinners.
فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨
So I swear by what you see
وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩
And what you do not see
إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠
[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the word of a noble Messenger.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنِ الغِسْلِينِ، فَقالَ: لا أدْرِي ما الغِسْلِينُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو ماءٌ يَسِيلُ مِنَ أهْلِ النّارِ مِنَ القَيْحِ والصَّدِيدِ والدَّمِ إذا عُذِّبُوا فَهو ﴿غِسْلِينٍ﴾ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ ما هُيِّءَ لِلْأكْلِ، فَلَمّا هُيِّءَ الصَّدِيدُ لِيَأْكُلَهُ أهْلُ النّارِ كانَ طَعامًا لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ أُقِيمَ لَهم مَقامَ الطَّعامِ فَسُمِّيَ طَعامًا، كَما قالَ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
والتَّحِيَّةُ لا تَكُونُ ضَرْبًا إلّا أنَّهُ لَمّا أُقِيمَ مَقامَهُ جازَ أنْ يُسَمّى بِهِ.
صفحة ١٠٣
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ الغِسْلِينَ أكْلُ مَن هو ؟ فَقالَ: ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ الآثِمُونَ أصْحابُ الخَطايا، وخَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وقُرِئَ ”الخاطِيُونَ“ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً والخاطُونَ بِطَرْحِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: ما الخاطِيُونَ كُلُّنا نَخْطُو إنَّما هو الخاطِئُونَ، ما الصّابُونَ، إنَّما هو الصّابِئُونَ، ويَجُوزُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى إمْكانِ القِيامَةِ، ثُمَّ عَلى وُقُوعِها، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ، خَتَمَ الكَلامَ بِتَعْظِيمِ القُرْآنِ فَقالَ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مِنهم مَن قالَ: المُرادُ أقْسِمُ و”لا“ صِلَةٌ، أوْ يَكُونُ رَدُّ الكَلامِ سَبَقَ، ومِنهم مَن قالَ: ”لا“ هَهُنا نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أُقْسِمُ، عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِوُضُوحِهِ يَسْتَغْنِي عَنِ القَسَمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ سَنَذْكُرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القِيامَةِ: ١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى الشُّمُولِ؛ لِأنَّها لا تَخْرُجُ مِن قِسْمَيْنِ: مُبْصِرٍ وغَيْرِ مُبْصِرٍ، فَشَمَلَ الخالِقَ والخَلْقَ، والدُّنْيا والآخِرَةَ، والأجْسامَ والأرْواحَ، والإنْسَ والجِنَّ، والنِّعَمَ الظّاهِرَةَ والباطِنَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١] مِثْلَ هَذا الكَلامِ، والأكْثَرُونَ هُناكَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والأكْثَرُونَ هَهُنا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، واحْتَجُّوا عَلى الفَرْقِ بِأنَّ هَهُنا لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، ولا كاهِنٍ، والقَوْمُ ما كانُوا يَصِفُونَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالشِّعْرِ والكِهانَةِ، بَلْ كانُوا يَصِفُونَ مُحَمَّدًا بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ. وأمّا في سُورَةِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ لَمّا قالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٥] كانَ المَعْنى: إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ كَرِيمٍ، لا قَوْلُ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، فَصَحَّ أنَّ المُرادَ مِنَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ هَهُنا هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وفي تِلْكَ السُّورَةِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ هَذا يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ: أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ كَلامًا لِلَّهِ تَعالى، ولِجِبْرِيلَ ولِمُحَمَّدٍ، وهَذا غَيْرُ مَعْقُولٍ (والجَوابُ): أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، فَهو كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أظْهَرَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذِي رَتَّبَهُ ونَظَّمَهُ، وهو كَلامُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ السَّماواتِ إلى الأرْضِ، وهو كَلامُ مُحَمَّدٍ، بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أظْهَرَهُ لِلْخَلْقِ، ودَعا النّاسَ إلى الإيمانِ بِهِ، وجَعَلَهُ حُجَّةً لِنُبُوَّتِهِ.
69:41–42Page 568
وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١
And it is not the word of a poet; little do you believe.
وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢
Nor the word of a soothsayer; little do you remember.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الجُمْهُورُ: تُؤْمِنُونَ وتَذَكَّرُونَ بِالتّاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ عَلى الخِطابِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ،
صفحة ١٠٤
فَإنَّهُ قَرَأهُما بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، فَمَن قَرَأ عَلى الخِطابِ، فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ومَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ سَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الِالتِفاتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لَغْوٌ وهي مُؤَكِّدَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مِنَ اللَّهِ، والمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا، والعَرَبُ يَقُولُونَ: قَلَّما يَأْتِينا يُرِيدُونَ لا يَأْتِينا.
الثّانِي: أنَّهم قَدْ يُؤْمِنُونَ في قُلُوبِهِمْ، إلّا أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنْهُ سَرِيعًا ولا يُتِمُّونَ الِاسْتِدْلالَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٨] إلّا أنَّهُ في آخِرِ الأمْرِ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٢٤] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في نَفْيِ الشّاعِرِيَّةِ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ وفي نَفْيِ الكاهِنِيَّةِ ﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ هَذا القُرْآنُ قَوْلًا مِن رَجُلٍ شاعِرٍ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مُبايِنٌ لِصُنُوفِ الشِّعْرِ كُلِّها إلّا أنَّكم لا تُؤْمِنُونَ، أيْ: لا تَقْصِدُونَ الإيمانَ، فَلِذَلِكَ تُعْرِضُونَ عَنِ التَّدَبُّرِ، ولَوْ قَصَدْتُمُ الإيمانَ لَعَلِمْتُمْ كَذِبَ قَوْلِكم: إنَّهُ شاعِرٌ، لِمُفارَقَةِ هَذا التَّرْكِيبِ ضُرُوبَ الشِّعْرِ، ولا أيْضًا بِقَوْلِ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ بِسَبِ الشَّياطِينِ وشَتْمِهِمْ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإلْهامِ الشَّياطِينِ، إلّا أنَّكم لا تَتَذَكَّرُونَ كَيْفِيَّةَ نَظْمِ القُرْآنِ، واشْتِمالَهُ عَلى شَتْمِ الشَّياطِينِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَقُولُونَ: إنَّهُ مِن بابِ الكِهانَةِ.
69:43–46Page 568
تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣
[It is] a revelation from the Lord of the worlds.
وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤
And if he [i.e., Muḥammad] had made up about Us some [false] sayings,
لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥
We would have seized him by the right hand;1
ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦
Then We would have cut from him the aorta.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الشُّعَراءِ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣] فَهو كَلامُ رَبِّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ تَنْزِيلُهُ، وهو قَوْلُ جِبْرِيلَ؛ لِأنَّهُ نَزَلَ بِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأنَّهُ أنْذَرَ الخَلْقَ بِهِ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ حَتّى يَزُولَ الإشْكالُ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا، أيْ نَزَلَ تَنْزِيلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ قُرِئَ ”ولَوْ تُقُوِّلَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، التَّقَوُّلُ افْتِعالُ القَوْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا مِنَ المُفْتَعِلِ، وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَحْقِيرًا لَها، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ، والمَعْنى ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: مَعْناهُ لَأخَذْنا بِيَدِهِ، ثُمَّ لَضَرَبْنا رَقَبَتَهُ، وهَذا ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِما يَفْعَلُهُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم لا يُمْهِلُونَهُ، بَلْ يَضْرِبُونَ رَقَبَتَهُ في الحالِ، وإنَّما خَصَّ اليَمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيَسارِهِ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِقَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَعْمُولِ بِهِ ذَلِكَ العَمَلُ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ أخَذَ بِيَمِينِهِ، ومَعْناهُ: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ،
صفحة ١٠٥
كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ لَقَطَعْنا وتِينَهُ وهَذا تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ وهو مَنقُولٌ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والمُبَرِّدِ والزَّجّاجِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشَّمّاخِ:
إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ
والمَعْنى لَأخَذَ مِنهُ اليَمِينَ، أيْ سَلَبْنا عَنْهُ القُوَّةَ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وإنَّما قامَ اليَمِينُ مَقامَ القُوَّةِ؛ لِأنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ في مَيامِنِهِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] يَعْنِي انْتَقَمْنا مِنهُ بِالحَقِّ، واليَمِينُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٨] أيْ: مِن قِبَلِ الحَقِّ.
اعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْناهُ عَنْ ذَلِكَ. إمّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ فَإنّا كُنّا نُقَيِّضُ لَهُ مَن يُعارِضُهُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِدَعْواهُ وهَدْمًا لِكَلامِهِ، وإمّا بِأنْ نَسْلُبَ عِنْدَهُ القُدْرَةَ عَلى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ القَوْلِ، وهَذا هو الواجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِئَلّا يَشْتَبِهَ الصّادِقُ بِالكاذِبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَتِينُ هو العِرْقُ المُتَّصِلُ مِنَ القَلْبِ بِالرَّأْسِ الَّذِي إذا قُطِعَ ماتَ الحَيَوانُ، قالَ أبُو زَيْدٍ: وجَمْعُهُ الوُتْنُ و[يُقالُ] ثَلاثَةُ أوْتِنَةٌ والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدْ أنّا نَقْطَعُهُ بِعَيْنِهِ بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَوْ كَذَبَ لَأمْتَناهُ، فَكانَ كَمَن قُطِعَ وتِينُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي فَهَذا أوانُ انْقِطاعِ أبْهَرِي» “ والأبْهَرُ عِرْقٌ يَتَّصِلُ بِالقَلْبِ، فَإذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا، أوْ أنْ يَقْتُلَنِي السُّمُّ وحِينَئِذٍ صِرْتُ كَمَنِ انْقَطَعَ أبْهَرُهُ.
69:47–49Page 568
فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ٤٧
And there is no one of you who could prevent [Us] from him.
وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a reminder for the righteous.
وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ٤٩
And indeed, We know that among you are deniers.
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ .
قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: مَعْناهُ لَيْسَ مِنكم أحَدٌ يَحْجُزُنا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: حاجِزِينَ في صِفَةِ أحَدٍ؛ لِأنَّ أحَدًا هُنا في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ مُسْتَوِيًا فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٢] واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما مِنكُمْ﴾ لِلنّاسِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ الحَقِّ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ الَّذِي مِن صِفَتِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِشاعِرٍ ولا كاهِنٍ، بَيَّنَ بَعْدِ ذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ ما هو ؟ فَقالَ:
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] ما فِيهِ مِنَ البَحْثِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ لَهُ بِسَبَبِ حُبِّ الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أمّا مَنِ اتَّقى حُبَّ الدُّنْيا فَهو يَتَذَكَّرُ بِهَذا القُرْآنِ ويَنْتَفِعُ. وأمّا مَن مالَ إلَيْها فَإنَّهُ يُكَذِّبُ بِهَذا القُرْآنِ ولا يَقْرَبُهُ.
صفحة ١٠٦
وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ وصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، ولَمْ يَقُلْ بِأنَّهُ إضْلالٌ لِلْمُكَذِّبِينَ، بَلْ ذَلِكَ الضَّلالُ نَسَبَهُ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها﴾ [النَّحْلِ: ٩] واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.
69:50–52Page 568
وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And indeed, it will be [a cause of] regret upon the disbelievers.
وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ ٥١
And indeed, it is the truth of certainty.
فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٥٢
So exalt the name of your Lord, the Most Great.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( إنَّهُ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ القُرْآنَ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ. إمّا يَوْمُ القِيامَةِ إذا رَأوْا ثَوابَ المُصَدِّقِينَ بِهِ، أوْ في دارِ الدُّنْيا إذا رَأوْا دَوْلَةَ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ حَقٌّ يَقِينٌ، أيْ حَقٌّ لا بُطْلانَ فِيهِ، ويَقِينٌ لا رَيْبَ فِيهِ، ثُمَّ أُضِيفَ أحَدُ الوَصْفَيْنِ إلى الآخَرِ لِلتَّأْكِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ إمّا شُكْرًا عَلى ما جَعَلَكَ أهْلًا لِإيحائِهِ إلَيْكَ، وإمّا تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ الرِّضا بِأنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ الكاذِبُ مِنَ الوَحْيِ ما هو بَرِيءٌ عَنْهُ. وأمّا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فَمَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعْلى: ١] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences