Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الحاقة
Al-Haqqah
The Reality · Meccan · 52 ayahs
69:1–3Page 566
ٱلۡحَآقَّةُ ١
The Inevitable Reality -
مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢
What is the Inevitable Reality?
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣
And what can make you know what is the Inevitable Reality?
صفحة ٩٠
(سُورَةُ الحاقَّةِ)
خَمْسُونَ وآيَتانِ، مَكِّيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ الحاقَّةَ هي القِيامَةُ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى الحاقَّةِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الكائِنُ، فالحاقَّةُ السّاعَةُ الواجِبَةُ الوُقُوعِ الثّابِتَةُ المَجِيءِ الَّتِي هي آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها.
وثانِيها: أنَّها الَّتِي تَحُقُّ فِيها الأُمُورُ أيْ تُعْرَفُ عَلى الحَقِيقَةِ مِن قَوْلِكَ: لا أحُقُّ هَذا أيْ لا أعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، جُعِلَ الفِعْلُ لَها وهو لِأهْلِها.
وثالِثُها: أنَّها ذَواتُ الحَواقِّ مِنَ الأُمُورِ وهي الصّادِقَةُ الواجِبَةُ الصِّدْقِ، والثَّوابُ والعِقابُ وغَيْرُهُما مِن أحْوالِ القِيامَةِ أُمُورٌ واجِبَةُ الوُقُوعِ والوُجُودِ، فَهي كُلُّها حَواقُّ.
ورابِعُها: أنَّ ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقَّةِ، والحَقَّةُ أخَصُّ مِنَ الحَقِّ وأوْجَبُ تَقُولُ: هَذِهِ حَقَّتِي أيْ حَقِّي، وعَلى هَذا ﴿الحاقَّةُ﴾ بِمَعْنى الحَقِّ، وهَذا الوَجْهُ قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ.
وخامِسُها: قالَ اللَّيْثُ: ﴿الحاقَّةُ﴾ النّازِلَةُ الَّتِي حَقَّتْ بِالجارِيَةِ فَلا كاذِبَةَ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾، (الواقِعَةِ: ٢) .
وسادِسُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ السّاعَةُ الَّتِي يَحِقُّ فِيها الجَزاءُ عَلى كُلِّ ضَلالٍ وهُدًى، وهي القِيامَةُ.
وسابِعُها: ﴿الحاقَّةُ﴾ هو الوَقْتُ الَّذِي يَحِقُّ عَلى القَوْمِ أنْ يَقَعَ بِهِمْ.
وثامِنُها: أنَّها الحَقُّ بِأنْ يَكُونَ فِيها جَمِيعُ آثارِ أعْمالِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ يَحْصُلُ الثَّوابُ والعِقابُ، ويَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الِانْتِظارِ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
وتاسِعُها: قالَ الأزْهَرِيُّ: والَّذِي عِنْدِي في ﴿الحاقَّةُ﴾ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَحُقُّ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ أيْ تُخاصِمُ كُلَّ مُخاصِمٍ وتَغْلِبُهُ مِن قَوْلِكَ: حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أيْ غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ وفَلَجْتُ عَلَيْهِ.
وعاشِرُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿الحاقَّةُ﴾ الفاعِلَةُ مِن حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحاقَّةُ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿ما الحاقَّةُ﴾ والأصْلُ ﴿الحاقَّةُ﴾ ما هي أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي ؟ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وتَعْظِيمًا لِهَوْلِها فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِأنَّهُ أهْوَلُ لَها ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾
صفحة ٩١
(القارِعَةُ: ١، ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أُعَلِّمُكَ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ يَعْنِي إنَّكَ لا عِلْمَ لَكَ بِكُنْهِها ومَدى عِظَمِها، يَعْنِي أنَّهُ في العِظَمِ والشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْلُغُهُ دِرايَةُ أحَدٍ ولا وهْمُهُ، وكَيْفَما قَدَّرْتَ حالَها فَهي أعْظَمُ مِن ذَلِكَ ﴿وما﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أدْراكَ﴾ مُعَلَّقٌ عَنْهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ.
69:4–6Page 566
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤
Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥
So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].
وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦
And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ .
﴿القارِعَةُ﴾ هي الَّتِي تَقْرَعُ النّاسَ بِالأفْزاعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: بِها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَعْنى القَرْعِ حاصِلٌ في الحاقَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيادَةً عَلى وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مَن كَذَّبَ بِها، وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في الطّاغِيَةِ أقْوالًا:
الأوَّلُ: أنَّ الطّاغِيَةَ هي الواقِعَةُ المُجاوِزَةُ لِلْحَدِّ في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ (الحاقَّةِ: ١١) أيْ جاوَزَ الحَدَّ، وقالَ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ (النَّجْمِ: ١٧) فَعَلى هَذا القَوْلِ: الطّاغِيَةُ نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها الصَّيْحَةُ المُجاوِزَةُ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِلصَّيْحاتِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ (القَمَرِ: ٣١) وقالَ بَعْضُهم: إنَّها الرَّجْفَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها الصّاعِقَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الطّاغِيَةَ هَهُنا الطُّغْيانُ، فَهي مَصْدَرٌ كالكاذِبَةِ والباقِيَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ، أيْ أُهْلِكُوا بِطُغْيانِهِمْ عَلى اللَّهِ؛ إذْ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وكَفَرُوا بِهِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والمُتَأخِّرُونَ طَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: وهو الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَوْعَ الشَّيْءِ الَّذِي وقَعَ بِهِ العَذابُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ الحالُ في الجُمْلَةِ الأُولى كَذَلِكَ حَتّى تَكُونَ المُناسِبَةُ حاصِلَةً.
والثّانِي: وهو الَّذِي قالَهُ القاضِي: وهو أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ما قالُوهُ، لَكانَ مِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لَها ولِأجْلِها.
والقَوْلُ الثّالِثُ: ﴿بِالطّاغِيَةِ﴾ أيْ بِالفِرْقَةِ الَّتِي طَغَتْ مِن جُمْلَةِ ثَمُودَ، فَتَآمَرُوا بِعَقْرِ النّاقَةِ فَعَقَرُوها، أيْ أُهْلِكُوا بِشُؤْمِ فِرْقَتِهِمُ الطّاغِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطّاغِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الواحِدُ الَّذِي أقْدَمَ عَلى عَقْرِ النّاقَةِ وأهْلَكَ الجَمِيعَ؛ لِأنَّهم رَضُوا بِفِعْلِهِ وقِيلَ لَهُ: طاغِيَةٌ، كَما يَقُولُ: فُلانٌ راوِيَةُ الشِّعْرِ، وداهِيَةٌ وعَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ الصَّرْصَرُ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ لَها صَرْصَرَةٌ وقِيلَ: البارِدَةُ مِنَ الصِّرِّ كَأنَّها الَّتِي كُرِّرَ فِيها البَرْدُ وكَثُرَ، فَهي تَحْرِقُ بِشِدَّةِ بَرْدِها، وأمّا العاتِيَةُ فَفِيها أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ الكَلْبِيُّ: عَتَتْ عَلى خَزَنَتِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَحْفَظُوا كَمْ خَرَجَ مِنها، ولَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا بَعْدَهُ مِنها شَيْءٌ إلّا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ يَوْمَ نُوحٍ، وعَتَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها يَوْمَ عادٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَها عَلَيْها سَبِيلٌ»، فَعَلى هَذا القَوْلِ: هي عاتِيَةٌ عَلى الخُزّانِ.
الثّانِي: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ
صفحة ٩٢
الرِّيحَ عَتَتْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى رَدِّها بِحِيلَةٍ مِنَ اسْتِتارٍ بِبِناءٍ أوِ اسْتِنادٍ إلى جَبَلٍ، فَإنَّها كانَتْ تَنْزِعُهم مِن مَكامِنِهِمْ وتُهْلِكُهم.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ العُتُوِّ الَّذِي هو عِصْيانٌ، إنَّما هو بُلُوغُ الشَّيْءِ وانْتِهاؤُهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: عَتا النَّبْتُ، أيْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ وجَفَّ، قالَ تَعالى: ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مَرْيَمَ: ٨) فَعاتِيَةٌ أيْ بالِغَةٌ مُنْتَهاها في القُوَّةِ والشِّدَّةِ.
69:7–9Page 566
سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧
Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.
فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨
Then do you see of them any remains?
وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩
And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَلَّطَها عَلَيْهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: أقْلَعَها عَلَيْهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: أرْسَلَها عَلَيْهِمْ، هَذِهِ هي الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، وعِنْدِي أنَّ فِيهِ لَطِيفَةً؛ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ تِلْكَ الرِّياحَ إنَّما اشْتَدَّتْ؛ لِأنَّ اتِّصالًا فَلَكِيًّا نُجُومِيًّا اقْتَضى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿سَخَّرَها﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ ذَلِكَ المَذْهَبِ، وبَيانُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا هَذِهِ الدَّقِيقَةُ لَما حَصَلَ مِنهُ التَّخْوِيفُ والتَّحْذِيرُ عَنِ العِقابِ. وقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَما كانَ مِقْدارُ زَمانِ هَذا العَذابِ مَعْلُومًا، فَلَمّا قالَ: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ﴾ صارَ مِقْدارُ هَذا الزَّمانِ مَعْلُومًا، ثُمَّ لَمّا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُتَفَرِّقًا في هَذِهِ المُدَّةِ أزالَ هَذا الظَّنَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿حُسُومًا﴾ أيْ مُتَتابِعَةً مُتَوالِيَةً، واخْتَلَفُوا في الحُسُومِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ ﴿حُسُومًا﴾، أيْ مُتَتابِعَةً، أيْ هَذِهِ الأيّامُ تَتابَعَتْ عَلَيْهِمْ بِالرِّيحِ المُهْلِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيها فُتُورٌ ولا انْقِطاعٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ: حُسُومٌ جَمْعُ حاسِمٍ. كَشُهُودٍ وقُعُودٍ، ومَعْنى هَذا الحَسْمِ في اللُّغَةِ القَطْعُ بِالِاسْتِئْصالِ، وسُمِّيَ السَّيْفُ حُسامًا؛ لِأنَّهُ يَحْسِمُ العَدُوُّ عَمّا يُرِيدُ، مِن بُلُوغِ عَداوَتِهِ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّياحُ مُتَتابِعَةً ما سَكَنَتْ ساعَةً حَتّى أتَتْ عَلَيْهِمْ أشْبَهَ تَتابُعُها عَلَيْهِمْ تَتابُعَ فِعْلِ الحاسِمِ في إعادَةِ الكَيِّ عَلى الدّاءِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، حَتّى يَنْحَسِمَ.
وثانِيها: أنَّ الرِّياحَ حَسَمَتْ كُلَّ خَيْرٍ، واسْتَأْصَلَتْ كُلَّ بَرَكَةٍ، فَكانَتْ حُسُومًا، أوْ حَسَمَتْهم، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ، فالحُسُومُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جَمْعُ حاسِمٍ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُسُومُ مَصْدَرًا كالشُّكُورِ والكُفُورِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلِهِ مُضْمَرًا، والتَّقْدِيرُ: يَحْسِمُ حُسُومًا، يَعْنِي اسْتَأْصَلَ اسْتِئْصالًا، أوْ يَكُونُ صِفَةً، كَقَوْلِكَ: ذاتَ حُسُومٍ، أوْ يَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِئْصالِ، وقَرَأ السُّدِّيُّ: (حَسُومًا) بِالفَتْحِ حالًا مِنَ الرِّيحِ، أيْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُوزِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِأيّامِ العَجُوزِ؛ لِأنَّ عَجُوزًا مِن عادٍ تَوارَتْ في سِرْبٍ، فانْتَزَعَتْها الرِّيحُ في اليَوْمِ الثّامِنِ فَأهْلَكَتْها، وقِيلَ: هي أيّامُ العَجُزِ وهي آخِرُ الشِّتاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ أيْ في مَهابِّها، وقالَ آخَرُونَ: أيْ في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ: ﴿صَرْعى﴾ جَمْعُ صَرِيعٍ. قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مَوْتى يُرِيدُ أنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ، فَهم مُصْرَعُونَ صَرْعَ المَوْتِ.
﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾
صفحة ٩٣
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ أيْ كَأنَّهم أُصُولُ نَخْلٍ خالِيَةِ الأجْوافِ لا شَيْءَ فِيها، والنَّخْلُ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ (القَمَرِ: ٢٠) وقُرِئَ: (أعْجازُ نَخِيلٍ)، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم شُبِّهُوا بِالنَّخِيلِ الَّتِي قُلِعَتْ مِن أصْلِها، وهو إخْبارٌ عَنْ عَظِيمِ خَلْقِهِمْ وأجْسامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الأُصُولَ دُونَ الجُذُوعِ، أيْ أنَّ الرِّيحَ قَدْ قَطَّعَتْهم حَتّى صارُوا قِطَعًا ضِخامًا كَأُصُولِ النَّخْلِ. وأمّا وصْفُ النَّخْلِ بِالخَواءِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِلْقَوْمِ، فَإنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ أجْوافَهم فَتَصْرَعُهم كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ الجَوْفِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الخالِيَةُ بِمَعْنى البالِيَةِ؛ لِأنَّها إذا بَلِيَتْ خَلَتْ أجْوافُها، فَشُبِّهُوا بَعْدَ أنْ أُهْلِكُوا بِالنَّخِيلِ البالِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الباقِيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّها البَقِيَّةُ.
وثانِيها: المُرادُ مِن نَفْسٍ باقِيَةٍ.
وثالِثُها: المُرادُ بِالباقِيَةِ البَقاءَ، كالطّاغِيَةِ بِمَعْنى الطُّغْيانِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن نَسْلِ أُولَئِكَ القَوْمِ أحَدٌ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ أحْياءً في عِقابِ اللَّهِ مِنَ الرِّيحِ، فَلَمّا أمْسَوْا في اليَوْمِ الثّامِنِ ماتُوا، فاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَألْقَتْهم في البَحْرِ، فَذاكَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَساكِنُهُمْ﴾ (الأحْقافِ: ٢٥) .
القِصَّةُ الثّانِيَةُ قِصَّةُ فِرْعَوْنَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ ومَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ كَما كَفَرَ هو، و(مَن) لَفْظٌ عامٌّ ومَعْناهُ خاصٌّ في الكُفّارِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ، (ومَن قِبَلِهِ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قِبَلُ لِما ولِيَ الشَّيْءَ تَقُولُ: ذَهَبَ قِبَلَ السُّوقِ، ولِي قِبَلَكَ حَقٌّ، أيْ فِيما يَلِيكَ، واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ لِي عَلَيْكَ، فَمَعْنى (مَن قِبَلِهِ) أيْ مَن عِنْدَهُ مِن أتْباعِهِ وجُنُودِهِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وأُبَيًّا وأبا مُوسى قَرَءُوا: (ومَن تِلْقاءَهُ) رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وحْدَهُ أنَّهُ قَرَأ: (ومَن مَعَهُ) أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِن قَوْمِ لُوطٍ، عَلى مَعْنى: والجَماعاتُ المُؤْتَفِكاتُ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الخاطِئَةَ مَصْدَرٌ كالخَطَأِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفِعْلَةِ أوِ الأفْعالِ ذاتِ الخَطَأِ العَظِيمِ.
69:10–12Page 567
فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠
And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].
إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١
Indeed, when the water overflowed, We carried you [i.e., your ancestors] in the sailing ship1
لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢
That We might make it for you a reminder and [that] a conscious ear would be conscious of it.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ الضَّمِيرُ إنْ كانَ عائِدًا إلى ﴿فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ﴾، فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانَ عائِدًا إلى أهْلِ المُؤْتَفِكاتِ فَرَسُولُ رَبِّهِمْ هو لُوطٌ، قالَ الواحِدِيُّ: والوَجْهُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ كِلاهُما لِلْخَبَرِ عَنِ الأُمَّتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِما بِقَوْلِهِ، ﴿فَعَصَوْا﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ يُقالُ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
صفحة ٩٤
الأوَّلُ: أنَّها كانَتْ زائِدَةً في الشِّدَّةِ عَلى عُقُوباتِ سائِرِ الكُفّارِ كَما أنَّ أفْعالَهم كانَتْ زائِدَةً في القُبْحِ عَلى أفْعالِ سائِرِ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّ عُقُوبَةَ آلِ فِرْعَوْنَ في الدُّنْيا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِعَذابِ الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ وعُقُوبَةُ الآخِرَةِ أشَدُّ مِن عُقُوبَةِ الدُّنْيا، فَتِلْكَ العُقُوبَةُ كَأنَّها كانَتْ تَنْمُو وتَرْبُو.
القِصَّةُ الثّالِثَةُ قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾
طَغى الماءُ عَلى خُزّانِهِ فَلَمْ يَدْرُوا كَمْ خَرَجَ، ولَيْسَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةٌ قَبْلَ تِلْكَ الواقِعَةِ ولا بَعْدَها إلّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، وسائِرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: ﴿طَغى الماءُ﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا كُلَّ شَيْءٍ وارْتَفَعَ فَوْقَهُ، و﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذا هم أوْلادُ الَّذِينَ كانُوا في السَّفِينَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الجارِيَةِ﴾ يَعْنِي في السَّفِينَةِ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ، وهي سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجارِيَةُ مِن أسْماءِ السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ (الرَّحْمَنِ: ٢٤) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِنَجْعَلَها﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عائِدٌ إلى الواقِعَةِ الَّتِي هي مَعْلُومَةٌ، وإنْ كانَتْ هَهُنا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ، والتَّقْدِيرُ لِنَجْعَلَ نَجاةَ المُؤْمِنِينَ وإغْراقَ الكَفَرَةِ عِظَةً وعِبْرَةً.
الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لِنَجْعَلَ السَّفِينَةَ، وهَذا ضَعِيفٌ والأوَّلُ هو الصَّوابُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الأوَّلُ، لَكِنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَعِيَها﴾ لا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلى السَّفِينَةِ فَكَذا الضَّمِيرُ الأوَّلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتَهُ في نَفْسِكَ: وعَيْتُهُ، ووَعَيْتُ العِلْمَ، ووَعَيْتُ ما قُلْتَ، ويُقالُ: لِكُلِّ ما حَفِظْتَهُ في غَيْرِ نَفْسِكَ: أوْعَيْتُهُ يُقالُ: أوْعَيْتُ المَتاعَ في الوِعاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ
واعْلَمْ أنَّ وجْهَ التَّذْكِيرِ في هَذا أنَّ نَجاةَ قَوْمٍ مِنَ الغَرَقِ بِالسَّفِينَةِ وتَغْرِيقَ مَن سِواهم يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ مُدَبِّرِ العالَمِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ، ونِهايَةِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وشِدَّةِ قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، «وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ، قالَ عَلِيٌّ: فَما نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ، وما كانَ لِي أنْ أنْسى“» فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ قُلْنا: لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّ ما سِواها لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وإنِ امْتَلَأ العالَمُ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِراءَةُ العامَّةِ: ﴿وتَعِيَها﴾ بِكَسْرِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (وتَعْيَها) ساكِنَةَ العَيْنِ كَأنَّهُ جَعَلَ حَرْفَ المُضارَعَةِ مَعَ ما بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ فَخْذٍ، فَأُسْكِنَ كَما أُسْكِنَ الحَرْفُ المُتَوَسِّطُ مِن فَخْذٍ وكَبْدٍ وكَتْفٍ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ المُضارَعَةِ لا يَنْفَصِلُ مِنَ الفِعْلِ، فَأشْبَهَ ما هو مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، وصارَ كَقَوْلِ مَن قالَ: وهْوَ وهْيَ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّقْهِ﴾ في قِراءَةِ مَن سَكَّنَ القافَ.
صفحة ٩٥
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ القِصَصَ الثَّلاثَ ونَبَّهَ بِها عَنْ ثُبُوتِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِلصّانِعِ، فَحِينَئِذٍ ثَبَتَ بِثُبُوتِ القُدْرَةِ إمْكانُ القِيامَةِ، وثَبَتَ بِثُبُوتِ الحِكْمَةِ إمْكانُ وُقُوعِ القِيامَةِ.
ولَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرَعَ سُبْحانَهُ في تَفاصِيلِ أحْوالِ القِيامَةِ فَذَكَرَ أوَّلًا مُقَدِّماتِها.
69:13–14Page 567
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣
Then when the Horn is blown with one blast
وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤
And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow [i.e., stroke] -
فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”﴿نَفْخَةٌ﴾“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، وجْهُ الرَّفْعِ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلَيْها، وإنَّما حَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ، ووَجْهُ النَّصْبِ أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، ثُمَّ نُصِبَ نَفْخَةٌ عَلى المَصْدَرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذِهِ النَّفْخَةِ الواحِدَةِ، هي النَّفْخَةُ الأُولى؛ لِأنَّ عِنْدَها يَحْصُلُ خَرابُ العالَمِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ، والعَرْضُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ؟ قُلْنا: جَعَلَ اليَوْمَ اسْمًا لِلْحِينِ الواسِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ، والصَّعْقَةُ والنُّشُورُ، والوُقُوفُ والحِسابُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ كَما تَقُولُ: جِئْتُهُ عامَ كَذا، وإنَّما كانَ مَجِيئُكَ في وقْتٍ واحِدٍ مِن أوْقاتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُفِعَتِ الأرْضُ والجِبالُ، إمّا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكُونُ في القِيامَةِ، وإمّا بِرِيحٍ بَلَغَتْ مِن قُوَّةِ عَصْفِها أنَّها تَحْمِلُ الأرْضَ والجِبالَ، أوْ بِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ فَدُكَّتا، أيْ: فَدُكَّتِ الجُمْلَتانِ -جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ-، فَضُرِبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، حَتّى تَنْدَقَّ وتَصِيرَ ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] والدَّكُّ أبْلَغُ مِنَ الدَّقِّ، وقِيلَ: فَبُسِطَتا بَسْطَةً واحِدَةً فَصارَتا أرْضًا ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [ طه: ١٠٧] مِن قَوْلِكَ: انْدَكَّ السَّنامُ إذا انْفَرَشَ، وبَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ ومِنهُ الدُّكّانُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: لا يَجُوزُ في ”دَكَّةً“ هَهُنا إلّا النَّصْبُ؛ لِارْتِفاعِ الضَّمِيرِ في ”دُكَّتا“، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالواحِدَةِ والأرْضَ كالواحِدَةِ، كَما قالَ: ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] ولَمْ يَقُلْ: كُنَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences