Ar-RaziAl‑A'raf · 7:6–10

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:6–10

7:6–7Page 151

فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ وجْهِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الرُّسُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِالتَّبْلِيغِ، وأمَرَ الأُمَّةَ بِالقَبُولِ والمُتابَعَةِ، وذَكَرَ التَّهْدِيدَ عَلى تَرْكِ القَبُولِ والمُتابَعَةِ بِذِكْرِ نُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى

صفحة ٢٠

يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ الِاقْتِصارُ عَلى ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الِاعْتِرافِ. بَلْ يَنْضافُ إلَيْهِ أنَّهُ تَعالى يَسْألُ الكُلَّ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ هَذا السُّؤالَ لا يَخْتَصُّ بِأهْلِ العِقابِ. بَلْ هو عامٌّ في أهْلِ العِقابِ وأهْلِ الثَّوابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُمُ الأُمَّةُ، والمُرْسَلُونَ هُمُ الرُّسُلُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَسْألُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المَقْصُودُ مِنَ السُّؤالِ أنْ يُخْبِرَ المَسْؤُولُ عَنْ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ بَعْدَهُ ؟

وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ فَإذا كانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، فَما مَعْنى هَذا السُّؤالِ ؟

والجَوابُ: أنَّهم لَمّا أقَرُّوا بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ مُقَصِّرِينَ، سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ والتَّقْصِيرِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ.

فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في سُؤالِ الرُّسُلِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهم إذا أثْبَتُوا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم تَقْصِيرٌ ألْبَتَّةَ التَحَقَ التَّقْصِيرُ بِكُلِّيَّتِهِ بِالأُمَّةِ، فَيَتَضاعَفُ إكْرامُ اللَّهِ في حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَراءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِباتِ التَّقْصِيرِ، ويَتَضاعَفُ أسْبابُ الخِزْيِ والإهانَةِ في حَقِّ الكُفّارِ، لِما ثَبَتَ أنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ كانَ مِنهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُكَرِّرُ ويُبَيِّنُ لِلْقَوْمِ ما أعْلَنُوهُ وأسَرُّوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وأنْ يَقُصَّ الوُجُوهَ الَّتِي لِأجْلِها أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُصَّ تِلْكَ الأحْوالَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ ما كانَ غائِبًا عَنْ أحْوالِهِمْ بَلْ كانَ عالِمًا بِها. وما خَرَجَ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإلَهِيَّةَ لا تَكْمُلُ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يُمَيِّزَ المُطِيعَ عَنِ العاصِي، والمُحْسِنَ عَنِ المُسِيءِ، فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ مَن أنْكَرَ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِالجُزْئِيّاتِ، امْتَنَعَ مِنهُ الِاعْتِرافُ بِكَوْنِهِ تَعالى آمِرًا ناهِيًا مُثِيبًا مُعاقِبًا، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّهُ تَعالى أيْنَما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ والقِيامَةِ بَيَّنَ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالعِلْمِ، وأنَّ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا عِلْمَ لِلَّهِ، قَوْلٌ باطِلٌ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٣٩) وقَوْلِهِ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ (القَصَصِ: ٧٨) .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إنَّ القَوْمَ لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ، لِأنَّ الكُتُبَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها ولَكِنَّهم يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ، وعَنِ الصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها.

وثانِيها: إنَّ السُّؤالَ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِفادَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ والإهانَةِ، كَقَوْلِ القائِلِ: ألَمْ أُعْطِكَ ؟ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ﴾ (يس: ٦٠) قالَ الشّاعِرُ:

صفحة ٢١

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَسْألُ أحَدًا لِأجْلِ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِرْشادِ، ويَسْألُهم لِأجْلِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ وإهانَتِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ٢٧) ثُمَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) فَإنَّ الآيَةَ الأُولى تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسْألَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَهم إنَّما كانَتْ عَلى سَبِيلِ أنَّ بَعْضَهم يَلُومُ بَعْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ (القَلَمِ: ٣٠) وقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٠١) مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ واللُّطْفِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ يُوجِبُ المَيْلَ والرَّحْمَةَ والإكْرامَ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ ومَواقِفَها كَثِيرَةٌ، فَأخْبَرَ عَنْ بَعْضِ الأوْقاتِ بِحُصُولِ السُّؤالِ، وعَنْ بَعْضِها بِعَدَمِ السُّؤالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ كُلَّ عِبادِهِ؛ لِأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ أنْ يَكُونُوا رُسُلًا أوْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، ويُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا حِسابَ عَلى الأنْبِياءِ والكُفّارِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُتَعالِيًا عَنِ المَكانِ والجِهَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ ولَوْ كانَ تَعالى عَلى العَرْشِ لَكانَ غائِبًا عَنّا.

فَإنْ قالُوا: نَحْمِلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما كانَ غائِبًا عَنْهم بِالعِلْمِ والإحاطَةِ.

قُلْنا: هَذا تَأْوِيلٌ والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ.

فَإنْ قالُوا: فَأنْتُمْ لَمّا قُلْتُمْ أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، فَقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا بِكَوْنِهِ غائِبًا.

قُلْنا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ الغائِبَ هو الَّذِي يَعْقِلُ أنْ يَحْضُرَ بَعْدَ غَيْبَةٍ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ وكانَ ذَلِكَ مُحالًا في حَقِّهِ، امْتَنَعَ وصْفُهُ بِالغَيْبَةِ والحُضُورِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

7:8Page 151

وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ القِيامَةِ السُّؤالَ والحِسابَ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ القِيامَةِ أيْضًا وزْنَ الأعْمالِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٢٢

المَسْألَةُ الأُولى: (الوَزْنُ) مُبْتَدَأٌ و(يَوْمَئِذٍ) ظَرْفٌ لَهُ و(الحَقُّ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَوْمَئِذٍ) الخَبَرَ و(الحَقُّ) صِفَةً لِلْوَزْنِ، أيْ: والوَزْنُ الحَقُّ؛ أيِ: العَدْلُ يَوْمَ يَسْألُ اللَّهُ الأُمَمَ والرُّسُلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ وزْنِ الأعْمالِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: في الخَبَرِ أنَّهُ تَعالى يَنْصِبُ مِيزانًا لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُوزَنُ بِهِ أعْمالُ العِبادِ خَيْرُها وشَرُّها، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا المُؤْمِنُ فَيُؤْتى بِعَمَلِهِ في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَتُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ فَتَثْقُلُ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ النّاجُونَ، قالَ: وهَذا كَما قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ (الأنْبِياءِ: ٤٧) وأمّا كَيْفِيَّةُ وزْنِ الأعْمالِ عَلى هَذا القَوْلِ، فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُهُما: إنَّ أعْمالَ المُؤْمِنِ تَتَصَوَّرُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ، وأعْمالَ الكافِرِ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ، فَتُوزَنُ تِلْكَ الصُّورَةُ: كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إنَّ الوَزْنَ يَعُودُ إلى الصُّحُفِ الَّتِي تَكُونُ فِيها أعْمالُ العِبادِ مَكْتُوبَةً، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّا يُوزَنُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ”الصُّحُفُ“ وهَذا القَوْلُ مَذْهَبُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّ مِيزانَ رَبِّ العالَمِينَ يُنْصَبُ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ يُسْتَقْبَلُ بِهِ العَرْشُ، إحْدى كِفَّتَيِ المِيزانِ عَلى الجَنَّةِ، والأُخْرى عَلى جَهَنَّمَ، ولَوْ وُضِعَتِ السَّماواتُ والأرْضُ في إحْداهُما لَوَسِعَتْهُنَّ، وجِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَمُودِهِ يَنْظُرُ إلى لِسانِهِ.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتى بِرَجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلى المِيزانِ ويُؤْتى لَهُ بِتِسْعَةٍ وتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدَّ البَصَرِ، فِيها خَطاياهُ وذُنُوبُهُ فَتُوضَعُ في كِفَّةِ المِيزانِ، ثُمَّ يُخْرَجُ لَهُ قِرْطاسٌ كالأُنْمُلَةِ فِيهِ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، يُوضَعُ في الأُخْرى، فَتَرْجُحُ» وعَنِ الحَسَنِ: «بَيْنَما الرَّسُولُ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ واضِعٌ رَأْسَهُ في حِجْرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ أغْفى فَسالَتِ الدُّمُوعُ مِن عَيْنِها، فَقالَ: ”ما أصابَكِ ما أبْكاكِ ؟“ فَقالَتْ: ذَكَرْتُ حَشْرَ النّاسِ وهَلْ يَذْكُرُ أحَدٌ أحَدًا، فَقالَ لَها: "يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، لِكُلٍّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَذْكُرُ أحَدٌ أحَدًا عِنْدَ الصُّحُفِ، وعِنْدَ وزْنِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ» .

وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ يُؤْتى بِالرَّجُلِ العَظِيمِ الأكُولِ الشَّرُوبِ فَلا يَكُونُ لَهُ وزْنُ بَعُوضَةٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والأعْمَشِ، أنَّ المُرادَ مِنَ المِيزانِ العَدْلُ والقَضاءُ. وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ ذَهَبُوا إلى هَذا القَوْلِ، وقالُوا: حَمْلُ لَفْظِ الوَزْنِ عَلى هَذا المَعْنى سائِغٌ في اللُّغَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وأمّا بَيانُ أنَّ حَمْلَ لَفْظِ الوَزْنِ عَلى هَذا المَعْنى جائِزٌ في اللُّغَةِ، فَلِأنَّ العَدْلَ في الأخْذِ والإعْطاءِ، لا يَظْهَرُ إلّا بِالكَيْلِ والوَزْنِ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَبْعُدْ جَعْلُ الوَزْنِ كِنايَةً عَنِ العَدْلِ، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ ولا قِيمَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ يُقالُ: إنَّ فُلانًا لا يُقِيمُ لِفُلانٍ وزْنًا، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ (الكَهْفِ: ١٠٥) ويُقالُ أيْضًا: فُلانٌ اسْتَخَفَّ بِفُلانٍ، ويُقالُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا وفي وِزانِهِ، أيْ يُعادِلُهُ ويُساوِيهِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ وزْنٌ في الحَقِيقَةِ، قالَ الشّاعِرُ:

قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا قُوَّةٍ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ

أرادَ: عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ كَلامٌ يُعادِلُ كَلامَهُ، فَجَعَلَ الوَزْنَ مَثَلًا لِلْعَدْلِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هَذا المَعْنى فَقَطْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المِيزانَ، إنَّما يُرادُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ مِقْدارِ الشَّيْءِ، ومَقادِيرُ الثَّوابِ والعِقابِ لا يُمْكِنُ إظْهارُها بِالمِيزانِ، لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ أعْراضٌ، وهي قَدْ فَنِيَتْ وعُدِمَتْ، ووَزْنُ المَعْدُومِ مُحالٌ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ بَقائِها كانَ وزْنُها مُحالًا، وأمّا

صفحة ٢٣

قَوْلُهُمُ: المَوْزُونُ صَحائِفُ الأعْمالِ أوْ صُوَرٌ مَخْلُوقَةٌ عَلى حَسَبِ مَقادِيرِ الأعْمالِ، فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِأنَّهُ تَعالى عادِلٌ حَكِيمٌ أوْ لا يَكُونَ مُقِرًّا بِذَلِكَ، فَإنْ كانَ مُقِرًّا بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ كَفاهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِمَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ في عِلْمِهِ بِأنَّهُ عَدْلٌ وصَوابٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِذَلِكَ لَمْ يُعْرَفْ مِن رُجْحانِ كِفَّةِ الحَسَناتِ عَلى كِفَّةِ السَّيِّئاتِ أوْ بِالعَكْسِ حُصُولُ الرُّجْحانِ؛ لِاحْتِمالِ أنَّهُ تَعالى أظْهَرَ ذَلِكَ الرُّجْحانَ لا عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ: فَثَبَتَ أنَّ هَذا الوَزْنَ لا فائِدَةَ فِيهِ ألْبَتَّةَ، أجابَ الأوَّلُونَ وقالُوا: إنَّ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ يَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ والجَوْرِ، والفائِدَةُ في وضْعِ ذَلِكَ المِيزانِ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرُّجْحانُ لِأهْلِ القِيامَةِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ الرُّجْحانِ في طَرَفِ الحَسَناتِ، ازْدادَ فَرَحُهُ وسُرُورُهُ بِسَبَبِ ظُهُورِ فَضْلِهِ وكَمالِ دَرَجَتِهِ لِأهْلِ القِيامَةِ، وإنْ كانَ بِالضِّدِّ فَيَزْدادُ غَمُّهُ وحُزْنُهُ وخَوْفُهُ وفَضِيحَتُهُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الرُّجْحانِ، فَبَعْضُهم قالَ: يَظْهَرُ هُناكَ نُورٌ في رُجْحانِ الحَسَناتِ، وظُلْمَةٌ في رُجْحانِ السَّيِّئاتِ، وآخَرُونَ قالُوا: بَلْ بِظُهُورِ رُجْحانٍ في الكِفَّةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأظْهَرُ إثْباتُ مَوازِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ لا مِيزانٍ واحِدٍ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ (الأنْبِياءِ: ٤٧) وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ وعَلى هَذا فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِأفْعالِ القُلُوبِ مِيزانٌ، ولِأفْعالِ الجَوارِحِ مِيزانٌ، ولِما يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ مِيزانٌ آخَرُ.

قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما جَمَعَ اللَّهُ المَوازِينَ هَهُنا، فَقالَ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِيزانُهُ؛ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّ العَرَبَ قَدْ تُوقِعُ لَفْظَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ. فَيَقُولُونَ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ.

والثّانِي: إنَّ المُرادَ مِنَ المَوازِينِ هَهُنا جَمْعُ مَوْزُونٍ لا جَمْعُ مِيزانٍ وأرادَ بِالمَوازِينِ الأعْمالَ المَوْزُونَةَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذانِ الوَجْهانِ يُوجِبانِ العُدُولَ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ، وذَلِكَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ ولا مانِعَ هَهُنا مِنهُ فَوَجَبَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَكَما لَمْ يَمْتَنِعْ إثْباتُ مِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ، فَكَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ إثْباتُ مَوازِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَما المُوجِبُ لِتَرْكِ الظّاهِرِ والمَصِيرِ إلى التَّأْوِيلِ ؟

7:9Page 151

وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ فَرِيقانِ: مِنهم مَن يَزِيدُ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ، ومِنهم مَن يَزِيدُ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ، فَأمّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو الَّذِي تَكُونُ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ مُتَعادِلَةً مُتَساوِيَةً، فَإنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ الكافِرُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والأثَرُ. أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٩] ولا مَعْنى لِكَوْنِ الإنْسانِ ظالِمًا بِآياتِ اللَّهِ إلّا كَوْنُهُ كافِرًا بِها مُنْكِرًا لَها، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أهْلُ الكُفْرِ، وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ أنَّهُ «إذا خَفَّتْ حَسَناتُ المُؤْمِنِ أخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن حُجْرَتِهِ بِطاقَةً كالأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيها في كِفَّةِ المِيزانِ اليُمْنى الَّتِي فِيها حَسَناتُهُ فَتَرْجَحُ الحَسَناتُ، فَيَقُولُ ذَلِكَ العَبْدُ المُؤْمِنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ، فَمَن أنْتَ ؟ فَيَقُولُ: ”أنا نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وهَذِهِ صَلاتُكَ الَّتِي كُنْتَ تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وفَّيْتُكَ أحْوَجَ ما تَكُونُ إلَيْها» وهَذا الخَبَرُ رَواهُ الواحِدِيُّ في“البَسِيطِ"، وأمّا جُمْهُورُ العُلَماءِ فَرَوَوْا هَهُنا

صفحة ٢٤

الخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ تَعالى يُلْقِي في كِفَّةِ الحَسَناتِ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

قالَ القاضِي: يَجِبُ أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ أتى بِالشَّهادَتَيْنِ بِحَقِّهِما مِنَ العِباداتِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ لَكانَ مَن أتى بِالشَّهادَتَيْنِ يَعْلَمُ أنَّ المَعاصِيَ لا تَضُرُّهُ، وذَلِكَ إغْراءٌ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: العَقْلُ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الخَبَرُ، وذَلِكَ أنَّ العَمَلَ كُلَّما كانَ أشْرَفَ وأعْلى دَرَجَةً، وجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ ثَوابًا، ومَعْلُومٌ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتَهُ أعْلى شَأْنًا، وأعْظَمُ دَرَجَةً مِن سائِرِ الأعْمالِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أوْفى ثَوابًا، وأعْلى دَرَجَةً مِن سائِرِ الأعْمالِ. وأمّا الأثَرُ فَلِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وأكْثَرَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى أهْلِ الكُفْرِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَنَقُولُ: إنَّ المُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَعْصِيَةُ لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى حَصَرَ أهْلَ مَوْقِفِ القِيامَةِ في قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ رَجَحَتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِمْ وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالفَلاحِ.

والثّانِي: الَّذِينَ رَجَحَتْ كِفَّةُ سَيِّئاتِهِمْ، وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أهْلُ الكُفْرِ الَّذِينَ كانُوا يَظْلِمُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يُعاقَبُ ألْبَتَّةَ.

ونَحْنُ نَقُولُ في الجَوابِ: أقْصى ما في البابِ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ في سائِرِ الآياتِ، فَقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ (النِّساءِ: ٤٨) والمَنطُوقُ راجِحٌ عَلى المَفْهُومِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى إثْباتِهِ، وأيْضًا فَقالَ تَعالى في هَذا القِسْمِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ، وأمّا العاصِي المُؤْمِنُ فَإنَّهُ يُعَذَّبُ أيّامًا ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، ويَتَخَلَّصُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو في الحَقِيقَةِ ما خَسِرَ نَفْسَهُ، بَلْ فازَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ أبَدَ الآبادِ مِن غَيْرِ زَوالٍ وانْقِطاعٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

7:10Page 151

وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِقَبُولِ دَعَوْتِهِمْ ثُمَّ خَوَّفَهم بِعَذابِ الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ ثُمَّ خَوَّفَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: السُّؤالُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾

والثّانِي: بِوَزْنِ الأعْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ رَغَّبَهم في قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- في هَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وكَثْرَةُ النِّعَمِ تُوجِبُ الطّاعَةَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وقَرارًا، ومَكَّنّاكم فِيها، وأقْدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وجَعَلَنا لَكم فِيها مَعايِشَ، والمُرادُ مِنَ المَعايِشِ: وُجُوهُ المَنافِعِ، وهي عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِثْلَ خَلْقِ الثِّمارِ وغَيْرِها، ومِنها ما يَحْصُلُ بِالِاكْتِسابِ، وكِلاهُما في الحَقِيقَةِ إنَّما حَصَلَ بِفَضْلِ اللَّهِ وإقْدارِهِ وتَمْكِينِهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ إنْعامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَثْرَةُ الإنْعامِ لا شَكَّ أنَّها تُوجِبُ الطّاعَةَ والِانْقِيادَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَعَ هَذا

صفحة ٢٥

الإفْضالِ والإنْعامِ عالِمٌ بِأنَّهم لا يَقُومُونَ بِشُكْرِهِ كَما يَنْبَغِي، فَقالَ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَشْكُرُونَ، والأمْرُ كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الصّانِعِ كالأمْرِ الضَّرُورِيِّ اللّازِمِ لِجِبِلَّةِ عَقْلِ كُلِّ عاقِلٍ، ونِعَمُ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ، فَلا إنْسانَ إلّا ويَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى نِعَمِهِ، إنَّما التَّفاوُتُ في أنَّ بَعْضَهم قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ الشُّكْرِ، وبَعْضَهم يَكُونُ قَلِيلَ الشُّكْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى خارِجَةُ، عَنْ نافِعٍ: أنَّهُ هَمَزَ (مَعائِشَ) قالَ الزَّجّاجُ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَمْزَ (مَعائِشَ) خَطَأٌ، وذَكَرُوا أنَّهُ إنَّما يَجُوزُ جَعْلُ الياءِ هَمْزَةً إذا كانَتْ زائِدَةً نَحْوَ صَحِيفَةٍ وصَحائِفَ، فَأمّا (مَعايِشُ) فَمِنَ العَيْشِ، والياءُ أصْلِيَّةٌ، وقِراءَةُ نافِعٍ لا أعْرِفُ لَها وجْهًا، إلّا أنَّ لَفْظَةَ هَذِهِ الياءِ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ أُسْكِنَ في مَعِيشَةٍ فَصارَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مُشابِهَةً لِقَوْلِنا: صَحِيفَةٌ، فَجُعِلَ قَوْلُهُ: (مَعائِشَ) شَبِيهًا لِقَوْلِنا: صَحائِفُ، فَكَما أدْخَلُوا الهَمْزَةَ في قَوْلِنا: صَحائِفُ فَكَذا في قَوْلِنا: مَعائِشُ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، إلّا أنَّ الفَرْقَ ما ذَكَرْناهُ أنَّ الياءَ في مَعِيشَةٍ أصْلِيَّةٌ وفي صَحِيفَةٍ زائِدَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском