Ar-RaziAl‑A'raf · 7:111–119

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:111–119

7:111–114Page 164

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ١١١

They said,1 "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ ١١٢

Who will bring you every learned magician."

وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣

And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."

قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤

He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ”أرْجِهِ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ وكَسْرِ الهاءِ والإشْباعِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ ”ارْجِهْ“ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ”أرْجِئْهُ“ بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، ثُمَّ إنَّ ابْنَ كَثِيرٍ

صفحة ١٦٢

أشْبَعَ الهاءَ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ لا يُشْبِعُونَ. قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”أرْجِهْ“ مَهْمُوزٌ وغَيْرُ مَهْمُوزٍ لُغَتانِ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الأمْرَ وأرْجَيْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُرِئَ في الآيَتَيْنِ بِاللُّغَتَيْنِ، وأمّا قِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِغَيْرِ الهَمْزِ وسُكُونِ الهاءِ. فَقالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ العَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ المُكَنّى عَنْها في الوَصْلِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، وأنْشَدَ:

فَيُصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُهُ غَدًا

قالَ: وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ طَلْحَهْ قَدْ أقْبَلَتْ، وأنْشَدَ:

لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ

ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: ولا وجْهَ لِهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في القِياسِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا شِعْرٌ لا نَعْرِفُ قائِلَهُ، ولَوْ قالَهُ شاعِرٌ مَذْكُورٌ لَقِيلَ لَهُ: أخْطَأْتَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أرْجِهْ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ فَقَوْلُهُ: ﴿أرْجِهْ﴾ أيْ أخِّرْهُ. ومَعْنى أخِّرْهُ: أيْ أخِّرْ أمْرَهُ ولا تَعْجَلْ في أمْرِهِ بِحُكْمٍ، فَتَصِيرَ عَجَلَتُكَ حُجَّةً عَلَيْكَ، والمَقْصُودُ أنَّهم حاوَلُوا مُعارَضَةَ مُعْجِزَتِهِ بِسِحْرِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْوى في إبْطالِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ وقَتادَةَ ﴿أرْجِهْ﴾ احْبِسْهُ. قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإرْجاءَ في اللُّغَةِ هو التَّأْخِيرُ لا الحَبْسُ.

والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ ما كانَ قادِرًا عَلى حَبْسِ مُوسى بَعْدَ ما شاهَدَ حالَ العَصا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ويَدُلُّ عَلى أنَّ في طِباعِ الخَلْقِ مَعْرِفَةَ المُعارَضَةِ، وأنَّها إذا أمْكَنَتْ فَلا نُبُوَّةَ، وإذا تَعَذَّرَتْ فَقَدْ صَحَّتِ النُّبُوَّةُ، وأمّا بَيانُ أنَّ السِّحْرَ ما هو وهَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ أمْ لا بَلْ هو مَحْضُ التَّمْوِيهِ فَقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ فِيهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ أبِي القاسِمِ الزَّجّاجِيِّ أنَّهُ قالَ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في المَدِينَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها فَعِيلَةٌ؛ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ مَدَنَ بِالمَكانِ يَمْدُنُ مُدُونًا، إذا أقامَ بِهِ، وهَذا القائِلُ يَسْتَدِلُّ بِإطْباقِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ، وهي فَعائِلُ، كَصَحائِفَ وصَحِيفَةٍ وسَفائِنَ وسَفِينَةٍ، والياءُ إذا كانَتْ زائِدَةً في الواحِدِ هُمِزَتْ في الجَمْعِ، كَقَبائِلَ وقَبِيلَةٍ، وإذا كانَتْ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ لَمْ تُهْمَزْ في الجَمْعِ نَحْوَ مَعايِشَ ومَعِيشَةٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَفْعِلَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ، فَمَعْنى المَدِينَةِ المَمْلُوكَةُ، مِن دانَهُ يَدِينُهُ، فَقَوْلُنا: مَدِينَةٌ مِن دانَ، مِثْلُ مَعِيشَةٍ، مِن عاشَ، وجَمْعُها مَدايِنُ عَلى مَفاعِلَ، كَمَعايِشَ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، ويَكُونُ اسْمًا لِلْمَكانِ والأرْضِ الَّتِي دانَهُمُ السُّلْطانَ فِيها أيْ ساسَهم وقَهَرَهم.

صفحة ١٦٣

والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ المُبَرِّدُ: مَدِينَةٌ أصْلُها مَدْيُونَةٌ، مِن دانَهُ إذا قَهَرَهُ وساسَهُ، فاسْتَثْقَلُوا حَرَكَةَ الضَّمَّةِ عَلى الياءِ فَسَكَّنُوها ونَقَلُوا حَرَكَتَها إلى ما قَبْلَها، واجْتَمَعَ ساكِنانِ: الواوُ المَزِيدَةُ الَّتِي هي واوُ المَفْعُولِ، والياءُ الَّتِي هي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتِ الواوُ؛ لِأنَّها زائِدَةٌ، وحَذْفُ الزّائِدِ أوْلى مِن حَذْفِ الحَرْفِ الأصْلِيِّ، ثُمَّ كَسَرُوا الدّالَ لِتَسْلَمَ الياءُ، فَلا تَنْقَلِبُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها فَيَخْتَلِطُ ذَواتُ الواوِ بِذَواتِ الياءِ، وهَكَذا القَوْلُ في المَبِيعِ والمَخِيطِ والمَكِيلِ. ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: والصَّحِيحُ أنَّها فَعِيلَةٌ لِاجْتِماعِ القُرّاءِ عَلى هَمْزِ المَدائِنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ يُرِيدُ وأرْسِلْ في مَدائِنِ صَعِيدِ مِصْرَ رِجالًا يَحْشُرُوا إلَيْكَ ما فِيها مِنَ السَّحَرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ رُؤَساءُ السَّحَرَةِ بِأقْصى مَدائِنِ الصَّعِيدِ، ونَقَلَ القاضِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا سِوى رَئِيسِهِمْ، وكانَ الَّذِي يُعَلِّمُهم رَجُلًا مَجُوسِيًّا مِن أهْلِ نِينَوى بَلْدَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي قَرْيَةٌ بِالمَوْصِلِ. وأقُولُ: هَذا النَّقْلُ مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ المَجُوسَ أتْباعُ زَرادِشْتَ، وزَرادِشْتُ إنَّما جاءَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”بِكُلِّ سَحّارٍ“، والباقُونَ ”بِكُلِّ ساحِرٍ“، فَمَن قَرَأ ”سَحّارٍ“ فَحُجَّتُهُ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِعَلِيمٍ، ووَصْفُهُ بِهِ يَدُلُّ عَلى تَناهِيهِ فِيهِ وحِذْقِهِ بِهِ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ أنْ يُذْكَرَ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ في السِّحْرِ، ومَن قَرَأ ”ساحِرٍ“ فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ [الأعراف: ١٢٠] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشورى: ٤٠] والسَّحَرَةُ جَمْعُ ساحِرٍ مِثْلَ كَتَبَةٍ وكاتِبٍ وفَجَرَةٍ وفاجِرٍ. واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واسْمُ الفاعِلِ مِن سَحَرُوا ساحِرٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”مَعَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءُ التَّعْدِيَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا كَثِيرِينَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ، مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ مُعْجِزَةَ كُلِّ نَبِيِّ مِن جِنْسِ ما كانَ غالِبًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، فَلَمّا كانَ السِّحْرُ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ شَبِيهَةً بِالسِّحْرِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلسِّحْرِ في الحَقِيقَةِ، ولَمّا كانَ الطِّبُّ غالِبًا عَلى أهْلِ زَمانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ، ولَمّا كانَتِ الفَصاحَةُ غالِبَةً عَلى أهْلِ زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا جَرَمَ كانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِن جِنْسِ الفَصاحَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”إنَّ لَنا لَأجْرًا“ بِكَسْرِ الألْفِ عَلى الخَبَرِ، والباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلى أصْلِهِ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الِاسْتِفْهامُ أحْسَنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَعْلَمُوا هَلْ لَهم أجْرٌ أمْ لا ؟ ويَقْطَعُونَ عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ إجْماعُهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ عَلى الهَمْزِ لِلِاسْتِفْهامِ.

وحُجَّةُ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّهُما أرادا هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ، ولَكِنَّهُما حَذَفا ذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ، وقَدْ تُحْذَفُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مِنَ اللَّفْظِ، وإنْ كانَتْ باقِيَةً في المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] فَإنَّهُ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ إلى أنَّ مَعْناهُ

صفحة ١٦٤

أوَتِلْكَ بِالِاسْتِفْهامِ، وكَما في قَوْلِهِ: (هَذا رَبِّي) والتَّقْدِيرُ: أهَذا رَبِّي. وقِيلَ أيْضًا: المُرادُ أنَّ السَّحَرَةَ أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ أجْرًا عَظِيمًا؛ لِأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّ لَهُ لَإبِلًا، وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا، يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَلّا قِيلَ: ”وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا“ .

وجَوابُهُ: هو عَلى تَقْدِيرِ: سائِلٌ سَألَ: ما قالُوا. إذْ جاءُوهُ.

فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ جُعْلًا عَلى الغَلَبَةِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ مَعْطُوفٌ، وما المَعْطُوفُ عَلَيْهِ ؟

وجَوابُهُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، كَأنَّهُ قالَ إيجابًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا لَأجْرًا، نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا، وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. أرادَ أنِّي لا أقْتَصِرُ بِكم عَلى الثَّوابِ، بَلْ أزِيدُكم عَلَيْهِ، وتِلْكَ الزِّيادَةُ أنِّي أجْعَلُكم مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدِي. قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّوابَ إنَّما يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ إذا كانَ مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وعَدَهم بِالأجْرِ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، وهو حُصُولُ القُرْبَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ الخَلْقِ كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَبْدًا ذَلِيلًا مَهِينًا عاجِزًا، وإلّا لَما احْتاجَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالسَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ السَّحَرَةَ ما كانُوا قادِرِينَ عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، وإلّا لَما احْتاجُوا إلى طَلَبِ الأجْرِ والمالِ مِن فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهم لَوْ قَدَرُوا عَلى قَلْبِ الأعْيانِ، فَلِمَ لَمْ يَقْلِبُوا التُّرابَ ذَهَبًا، ولِمَ لَمْ يَنْقُلُوا مُلْكَ فِرْعَوْنَ إلى أنْفُسِهِمْ، ولِمَ لَمْ يَجْعَلُوا أنْفُسَهم مُلُوكَ العالَمِ ورُؤَساءَ الدُّنْيا ؟ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَنْبِيهُ الإنْسانِ لِهَذِهِ الدَّقائِقِ، وأنْ لا يَغْتَرَّ بِكَلِماتِ أهْلِ الأباطِيلِ والأكاذِيبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

7:115–119Page 164

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥

They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."

قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦

He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧

And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.

فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨

So the truth was established, and abolished was what they were doing.

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩

And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٥

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ في ”بابِ أمّا وإمّا“ إذا كُنْتَ آمِرًا أوْ ناهِيًا أوْ مُخْبِرًا فَهي مَفْتُوحَةٌ، وإذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا أوْ شاكًّا أوْ مُخَيِّرًا فَهي مَكْسُورَةٌ، تَقُولُ في المَفْتُوحَةِ: أمّا اللَّهُ فاعْبُدُوهُ، وأمّا الخَمْرُ فَلا تَشْرَبُوها، وأمّا زَيْدٌ فَقَدْ خَرَجَ.

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: فَتَقُولُ إذا كُنْتَ مُشْتَرِطًا، إمّا تُعْطِيَنَّ زَيْدًا فَإنَّهُ يَشْكُرُكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وتَقُولُ في الشَّكِّ: لا أدْرِي مَن قامَ إمّا زَيْدٌ وإمّا عَمْرٌو، وتَقُولُ في التَّخْيِيرِ: لِي بِالكُوفَةِ دارٌ فَإمّا أنْ أسْكُنَها، وإمّا أنْ أبِيعَها، والفَرْقُ بَيْنَ ”إمّا“ إذا أتَتْ لِلشَّكِّ وبَيْنَ ”أوْ“، أنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَقَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَدْ بَنَيْتَ كَلامَكَ عَلى اليَقِينِ ثُمَّ أدْرَكَكَ الشَّكُّ فَقُلْتَ: أوْ عَمْرٌو، فَصارَ الشَّكُّ فِيهِما جَمِيعًا. فَأوَّلُ الِاسْمَيْنِ في ”أوْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْرِضُ الشَّكُّ فَتَسْتَدْرِكُ بِالِاسْمِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: قامَ أخُوكَ. وتَسْكُتُ ثُمَّ تَشُكُّ فَتَقُولُ: أوْ أبُوكَ ؟ وإذا ذَكَرْتَ ”إمّا“ فَإنَّما تَبْنِي كَلامَكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الشَّكِّ، ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ضَرَبْتَ إمّا عَبْدَ اللَّهِ، وتَسْكُتُ. وأمّا دُخُولُ ”أنْ“ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ وسُقُوطُها مِن قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فَقالَ الفَرّاءُ: أدْخَلَ ”أنْ“ في ”إمّا“ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ أمْرٍ بِالِاخْتِيارِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: اخْتَرْ ذا أوْ ذا، كَأنَّهم قالُوا اخْتَرْ أنْ تُلْقِيَ أوْ نُلْقِيَ، وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ لَيْسَ فِيهِ أمْرٌ بِالتَّخْيِيرِ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ لا يَصْلُحُ هَهُنا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ”أنْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ يُرِيدُ عَصاهُ ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ أيْ ما مَعَنا مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، فَمَفْعُولُ الإلْقاءِ مَحْذُوفٌ. وفي الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ القَوْمَ راعَوْا حُسْنَ الأدَبِ، حَيْثُ قَدَّمُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الذِّكْرِ، وقالَ أهْلُ التَّصَوُّفِ: إنَّهم لَمّا راعَوْا هَذا الأدَبَ لا جَرَمَ رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الإيمانَ بِبَرَكَةِ رِعايَةِ هَذا الأدَبِ. ثُمَّ ذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ الإلْقاءِ مِن جانِبِهِمْ وهو قَوْلُهم: (﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ لِأنَّهم ذَكَرُوا الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ وأكَّدُوهُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ مَعْرِفَةً لا نَكِرَةً.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا راعَوُا الأدَبَ أوَّلًا وأظْهَرُوا ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في الِابْتِداءِ بِالإلْقاءِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ إلْقاءَهم حِبالَهم وعِصِيَّهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ، وذَلِكَ كُفْرٌ، والأمْرُ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ألْقُوا ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أمَرَهم بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمُوا في فِعْلِهِمْ أنْ يَكُونَ حَقًّا، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أمْرَ هُناكَ، كَقَوْلِ القائِلِ مِنّا لِغَيْرِهِ: اسْقِنِي الماءَ مِنَ الجَرَّةِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَكُونُ أمْرًا بِشَرْطِ حُصُولِ الماءِ في الجَرَّةِ، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ فِيها ماءً فَلا أمْرَ البَتَّةَ، كَذَلِكَ هَهُنا.

الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما جاءُوا لِإلْقاءِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أذِنَ لَهم في التَّقْدِيمِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ، وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، وثِقَةً بِما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ والقُوَّةِ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لا يَغْلِبُها سِحْرٌ أبَدًا.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُرِيدُ إبْطالَ ما أتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وإبْطالُهُ ما كانَ يُمْكِنُ إلّا بِإقْدامِهِمْ عَلى إظْهارِهِ، فَأذِنَ لَهم في الإتْيانِ بِذَلِكَ السِّحْرِ؛ لِيُمْكِنَهُ الإقْدامُ عَلى إبْطالِهِ. ومِثالُهُ أنَّ مَن يُرِيدُ سَماعَ شُبْهَةِ مُلْحِدٍ لِيُجِيبَ عَنْها ويَكْشِفَ عَنْ ضَعْفِها وسُقُوطِها؛ يَقُولُ لَهُ: هاتِ، وقُلْ، واذْكُرْها، وبالِغْ في تَقْرِيرِها، ومُرادُهُ مِنهُ أنَّهُ إذا أجابَ عَنْها بَعْدَ هَذِهِ المُبالَغَةِ

صفحة ١٦٦

فَإنَّهُ يَظْهَرُ لِكُلِّ أحَدٍ ضَعْفُها وسُقُوطُها، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ واحْتَجَّ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السِّحْرَ مَحْضُ التَّمْوِيهِ. قالَ القاضِي: لَوْ كانَ السِّحْرُ حَقًّا لَكانُوا قَدْ سَحَرُوا قُلُوبَهم لا أعْيُنَهم، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهم تَخَيَّلُوا أحْوالًا عَجِيبَةً مَعَ أنَّ الأمْرَ في الحَقِيقَةِ ما كانَ عَلى وفْقِ ما تَخَيَّلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: بَلِ المُرادُ: سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ، أيْ قَلَبُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِسَبَبِ تِلْكَ التَّمْوِيهاتِ. وقِيلَ: إنَّهم أتَوْا بِالحِبالِ والعِصِيِّ، ولَطَّخُوا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ، وجَعَلُوا الزِّئْبَقَ في دَواخِلِ تِلْكَ العِصِيِّ، فَلَمّا أثَّرَ تَسْخِينُ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وكانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا، فالنّاسُ تَخَيَّلُوا أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَلْتَوِي بِاخْتِيارِها وقُدْرَتِها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .

قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ سِحْرِهِمْ: ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ رُوِيَ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: قَدْ عَلِمْنا سِحْرًا لا يُطِيقُهُ سَحَرَةُ أهْلِ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ. ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى المِقْدارِ والكَيْفِيَّةِ والعَدَدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الوَحْيِ حَقِيقَةَ الوَحْيِ. ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يُرِيدُ: وألْهَمْنا مُوسى أنْ ”ألْقِ عَصاكَ“ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَإذا هي تَلْقَفُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿تَلْقَفُ﴾ ساكِنَةَ اللّامِ خَفِيفَةَ القافِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ القافِ مَفْتُوحَةَ اللّامِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِتَشْدِيدِ القافِ، وعَلى هَذا الخِلافِ في طه والشُّعَراءِ. أمّا مَن خَفَّفَ فَقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: اللَّقْفُ مَصْدَرُ لَقَفْتُ الشَّيْءَ ألْقَفُهُ لَقْفًا، إذا أخَذْتَهُ فَأكَلْتَهُ أوِ ابْتَلَعْتَهُ، ورَجُلٌ لَقِفٌ سَرِيعُ الأخْذِ، وقالَ اللِّحْيانِيُّ: ومِثْلُهُ ثَقُفَ يَثْقِفُ ثَقْفًا وثَقِيفٌ كَلَقِيفٍ بَيْنَ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ فَهو مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَأصْلُها تَتَلَقَّفُ، أدْغَمَ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.

صفحة ١٦٧

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ألْقى مُوسى العَصا صارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فَكَّها، فَكانَ ما بَيْنَ فَكَّيْها ثَمانِينَ ذِراعًا وابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، فَلَمّا أخَذَها مُوسى صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في الحَجْمِ والمِقْدارِ أصْلًا. واعْلَمْ أنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ، وعَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الثُّعْبانَ العَظِيمَ لَمّا ابْتَلَعَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ مَعَ كَثْرَتِها ثُمَّ صارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْدَمَ أجْسامَ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أوْ عَلى أنَّهُ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ تِلْكَ الأجْزاءِ وجَعَلَها ذَرّاتٍ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ، وأذْهَبَها في الهَواءِ بِحَيْثُ لا يُحَسُّ بِذَهابِها وتَفَرُّقِها؛ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَلا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَعْنى الإفْكِ في اللُّغَةِ قَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْكَذِبِ إفْكٌ؛ لِأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنْ وجْهِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ يُرِيدُ يَكْذِبُونَ، والمَعْنى: أنَّ العَصا تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَهُ أيْ يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا هي تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِالإفْكِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ظَهَرَ. وقالَ الفَرّاءُ: فَتَبَيَّنَ الحَقُّ مِنَ السِّحْرِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: الوُقُوعُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، وسَبَبُ هَذا الظُّهُورِ أنَّ السَّحَرَةَ قالُوا: لَوْ كانَ ما صَنَعَ مُوسى سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا ولَمْ تُفْقَدْ، فَلَمّا فُقِدَتْ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَقْدِيرِهِ، لا لِأجْلِ السِّحْرِ، فَهَذا هو الَّذِي لِأجْلِهِ تَمَيَّزَ المُعْجِزُ عَنِ السِّحْرِ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يُفِيدُ قُوَّةَ الثُّبُوتِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ لا واقِعًا.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ هَذا الظُّهُورِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ !

قُلْنا: المُرادُ أنَّ مَعَ ثُبُوتِ هَذا الحَقِّ زالَتِ الأعْيانُ الَّتِي أفَكُوها وهي تِلْكَ الحِبالُ والعِصِيُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتِ الغَلَبَةُ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾ لِأنَّهُ لا غَلَبَةَ أظْهَرُ مِن ذَلِكَ ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ لِأنَّهُ لا ذُلَّ ولا صَغارَ أعْظَمُ في حَقِّ المُبْطِلِ مِن ظُهُورِ بُطْلانِ قَوْلِهِ وحُجَّتِهِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ ولا شُبْهَةٌ أصْلًا. قالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ”الَّذِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: بَطَلَ الحِبالُ والعِصِيُّ الَّذِي عَمِلُوا بِهِ السِّحْرَ، أيْ زالَ وذَهَبَ بِفِقْدانِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَطَلَ عَمَلُهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском