Ar-RaziAl‑A'raf · 7:120–129

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:120–129

7:120–122Page 164

وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠

And the magicians fell down in prostration [to Allāh].

قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢

The Lord of Moses and Aaron."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٨

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ حِمْلَ ثَلاثِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمّا ابْتَلَعَها ثُعْبانُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَتْ عَصًا كَما كانَتْ، قالَ بَعْضُ السَّحَرَةِ لِبَعْضٍ: هَذا خارِجٌ عَنِ السِّحْرِ، بَلْ هو أمْرٌ إلَهِيٌّ، فاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ صادِقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عالِمِينَ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ واقِفِينَ عَلى مُنْتَهاهُ، فَلَمّا كانُوا كَذَلِكَ ووَجَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خارِجَةً عَنْ حَدِّ السِّحْرِ - عَلِمُوا أنَّهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ، لا مِن جِنْسِ التَّمْوِيهاتِ البَشَرِيَّةِ. ولَوْ أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لَما قَدَرُوا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَعَلَّهُ أكْمَلُ مِنّا في عِلْمِ السِّحْرِ فَقَدَرَ عَلى ما عَجَزْنا عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّهم كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ. فَلِأجْلِ كَمالِهِمْ في ذَلِكَ العِلْمِ انْتَقَلُوا مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ. فَإذا كانَ حالُ عِلْمِ السِّحْرِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِكَمالِ حالِ الإنْسانِ في عِلْمِ التَّوْحِيدِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.

الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.

والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهم صارُوا ساجِدِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ فِيهِ مَعَ أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى السُّجُودِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا ظَفِرُوا بِالمَعْرِفَةِ سَجَدُوا لِلَّهِ تَعالى في الحالِ، وجَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَوْزِ بِالمَعْرِفَةِ والإيمانِ، وعَلامَةً أيْضًا عَلى انْقِلابِهِمْ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ السُّجُودَ الواحِدَ عَلامَةً عَلى هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ.

الوَجْهُ الثّانِي: لا يَبْعُدُ أنَّهم عِنْدَ الذَّهابِ إلى السُّجُودِ قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ. والوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أهْلُ التَّعْلِيمِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - أنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لَمْ يَتِمَّ إيمانُهم، فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ تَمَّ إيمانُهم، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.

وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ: بِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ إيّايَ تَعْنُونَ ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى﴾ قالَ إيّايَ تَعْنُونَ لِأنِّي أنا الَّذِي رَبَّيْتُ مُوسى ؟ فَلَمّا قالُوا: ﴿وهارُونَ﴾ زالَتِ الشُّبْهَةُ، وعَرَفَ الكُلُّ أنَّهم كَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وآمَنُوا بِإلَهِ السَّماءِ. وقِيلَ: إنَّما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِما في جُمْلَةِ العالِمَيْنِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: آمَنّا

صفحة ١٦٩

بِرَبِّ العالَمِينَ وهو الَّذِي دَعا إلى الإيمانِ بِهِ مُوسى وهارُونُ. وقِيلَ: خَصَّهُما بِالذِّكْرِ تَفْضِيلًا وتَشْرِيفًا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .

7:123–126Page 165

قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣

Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.

لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤

I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."

قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥

They said, "Indeed, to our Lord we will return.

وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦

And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”أأمِنتُمْ“ بِهَمْزَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ في جَمِيعِهِ عَلى الِاسْتِفْهامِ. قالَ الفَرّاءُ: أمّا قِراءَةُ حَفْصٍ ”أمِنتُمْ“ بِلَفْظِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، فالوَجْهُ فِيها أنَّهُ يُخْبِرُهم بِإيمانِهِمْ عَلى وجْهِ التَّقْرِيعِ لَهم والإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا القِراءَةُ بِالهَمْزَتَيْنِ فَأصْلُهُ ”أأمِنتُمْ“ عَلى وزْنِ أفَعِلْتُمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا رَأى أنَّ أعْلَمَ النّاسِ بِالسِّحْرِ أقَرَّ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ اجْتِماعِ الخَلْقِ العَظِيمِ، خافَ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُجَّةً قَوِيَّةً عِنْدَ قَوْمِهِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبْهَةِ إلى أسْماعِ العَوامِّ؛ لِتَصِيرَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ مانِعَةً لِلْقَوْمِ مِنَ اعْتِقادِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ والمَعْنى: أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى أنَّهُ إذا كانَ كَذا وكَذا فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُقِرُّ بِنُبُوَّتِكَ، فَهَذا الإيمانُ إنَّما حَصَلَ بِهَذا الطَّرِيقِ.

والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ غَرَضَ مُوسى والسَّحَرَةِ فِيما تَواطَئُوا عَلَيْهِ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ العُقَلاءِ أنَّ مُفارَقَةَ الوَطَنِ والنِّعْمَةِ المَأْلُوفَةِ مِن أصْعَبِ الأُمُورِ، فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لا يُوجَدُ أقْوى مِنهُما في هَذا البابِ. ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في حَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِما مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّ مُوسى وأمِيرَ السَّحَرَةِ التَقَيا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ

صفحة ١٧٠

السَّلامُ: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ، أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ قالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما ويَسْمَعُ قَوْلَهُما، فَهَذا هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا يَحْتَمِلُ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنَّ فِرْعَوْنَ ألْقى هَذا الكَلامَ في البَيْنِ؛ لِيَصِيرَ صارِفًا لِلْعَوامِّ عَنِ التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ القاضِي: وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى مُناقَضَةِ فِرْعَوْنَ في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا لَما جازَ أنْ يَأْذَنَ لَهم في أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مَعَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ. ثُمَّ قالَ: وذَلِكَ مِن خِذْلانِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَظْهَرُ عَلى المُبْطِلِينَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ ابْتِداءُ وعِيدٍ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ، بَلْ فَسَّرَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ وقَطْعُ اليَدِ والرِّجْلِ مِن خِلافٍ مَعْرُوفُ المَعْنى، وهو أنْ يَقْطَعَهُما مِن جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، إمّا مِنَ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى، أوْ مِنَ اليَدِ اليُسْرى والرِّجْلِ اليُمْنى، وأمّا الصَّلْبُ فَمَعْرُوفٌ. فَتَوَعَّدَهم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ. واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهُ ؟ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ. واحْتَجَّ بَعْضُهم عَلى وُقُوعِهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المَلَأِ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ولَوْ أنَّهُ تَرَكَ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ وقَوْمَهُ أحْياءً وما قَتَلَهم لَذَكَرَهم أيْضًا، ولَحَذَّرَهم عَنِ الإفْسادِ الحاصِلِ مِن جِهَتِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ قَوْمِهِ، فَلا وجْهَ لِإفْرادِهِمْ بِالذِّكْرِ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ شَدِيدٌ عَظِيمٌ، حَتّى طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُصَبِّرَهم عَلَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى الصَّبْرَ عَلى الإيمانِ وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلى وعِيدِهِ.

الثّالِثُ: ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وقَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وهَذا هو الأظْهَرُ؛ مُبالَغَةً مِنهُ في تَحْذِيرِ القَوْمِ عَنْ قَبُولِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِن فِرْعَوْنَ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الدُّعاءَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهم سَألُوهُ تَعالى أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَتْلِ والقَطْعِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ قَرِيبٌ.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ القَوْمِ ما لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنَ المُؤْمِنِ عِنْدَ هَذا الوَعِيدِ أحْسَنُ مِنهُ، وهو قَوْلُهم لِفِرْعَوْنَ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ فَبَيَّنُوا أنَّ الَّذِي كانَ مِنهم لا يُوجِبُ الوَعِيدَ ولا إنْزالَ النِّقْمَةِ بِهِمْ، بَلْ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ، وهو أنْ يَتَأسّى بِهِمْ في الإقْرارِ بِالحَقِّ والِاحْتِرازِ عَنِ الباطِلِ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. يُقالُ: نَقَمْتُ أنْقِمُ إذا بالَغْتَ في كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: ما أتَيْنا بِذَنْبٍ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا. والمُرادُ: ما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها إلّا اللَّهُ تَعالى.

ثُمَّ قالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ مَعْنى الإفْراغِ في اللُّغَةِ: الصَّبُّ. يُقالُ: دِرْهَمٌ مُفْرَغٌ إذا كانَ مَصْبُوبًا في قالَبِهِ ولَيْسَ بِمَضْرُوبٍ، وأصْلُهُ مِن إفْراغِ الإناءِ وهو صَبُّ ما فِيهِ حَتّى يَخْلُوَ الإناءُ وهو مِنَ الفَراغِ، فاسْتُعْمِلَ في الصَّبْرِ عَلى التَّشْبِيهِ بِحالِ إفْراغِ الإناءِ. قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: صُبَّ عَلَيْنا الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّلْبِ والقَطْعِ. وفي الآيَةِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: ﴿أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: أنْزِلْ عَلَيْنا صَبْرًا؛ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ إفْراغَ الإناءِ هو

صفحة ١٧١

صَبُّ ما فِيهِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ كُلَّ الصَّبْرِ لا بَعْضَهُ.

والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَبْرًا﴾ مَذْكُورٌ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ والتَّمامِ، أيْ صَبْرًا كامِلًا تامًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] أيْ عَلى حَياةٍ كامِلَةٍ تامَّةٍ.

والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ مِن قِبَلِهِمْ ومِن أعْمالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهم طَلَبُوهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ وقَضائِهِ. قالَ القاضِي: إنَّما سَألُوهُ - تَعالى - الألْطافَ الَّتِي تَدْعُوهم إلى الثَّباتِ والصَّبْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ في الأدْعِيَةِ.

والجَوابُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ الدَّلِيلُ يَأْباهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، وحُصُولُها لَيْسَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ تَوَفَّنا عَلى الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ لا يَحْصُلُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ ظاهِرٌ. والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى فِعْلِ الألْطافِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ، فَقالَ: إنَّهم قالُوا أوَّلًا: ﴿آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ ثُمَّ قالُوا ثانِيًا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا الإسْلامُ هو ذاكَ الإيمانَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما هو الآخَرُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

7:127–128Page 165

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧

And the eminent among the people of Pharaoh said, "Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨

Said Moses to his people, "Seek help through Allāh and be patient. Indeed, the earth belongs to Allāh. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ بَعْدَ وُقُوعِ هَذِهِ الواقِعَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِرْعَوْنُ لِمُوسى ولا أخَذَهُ ولا حَبَسَهُ، بَلْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَقالَ قَوْمُهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ كُلَّما رَأى مُوسى خافَهُ أشَدَّ الخَوْفِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ إلّا أنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ، فَحَمَلُوهُ عَلى أخْذِهِ وحَبْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ أيْ يُفْسِدُوا عَلى النّاسِ دِينَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وإذا أفْسَدُوا عَلَيْهِمْ أدْيانَهم تَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى أخْذِ المُلْكِ.

صفحة ١٧٢

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ﴾ فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ فِيهِ ”ويَذَرَكَ“ بِالنَّصْبِ. وذَكَرَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”ويَذَرَكَ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ لِأنَّهُ إذا تَرَكَهم ولَمْ يَمْنَعْهم كانَ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا إلى تَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، فَكَأنَّهُ تَرَكَهم لِذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّهُ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، وكَما يُجابُ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِ الحُطَيْئَةِ:

ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ ؟

والتَّقْدِيرُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ فَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى وأنْ يَذَرَكَ مُوسى ؟ .

وثالِثُها: النَّصْبُ بِإضْمارِ ”أنْ“، تَقْدِيرُهُ: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا وأنْ يَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ؟ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”ويَذَرُكَ وآلِهَتَكَ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ”أتَذَرُ“ بِمَعْنى أتَذَرُهُ ”ويَذَرُكَ“ أيِ انْطَلِقْ لَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَأْنَفًا أوْ حالًا عَلى مَعْنى: أتَذَرُهُ هو يَذَرُكَ وآلِهَتَكَ ؟ وقَرَأ الحَسَنُ ”ويَذَرْكَ“ بِالجَزْمِ، وقَرَأ أنَسٌ ”ونَذَرَكَ“ بِالنُّونِ والنُّصْبِ، أيْ يَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِكَ فَنَذَرُها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآلِهَتَكَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُنْكِرُ قِراءَةَ العامَّةِ، ويَقْرَأُ إلاهَتَكَ ”أيْ عِبادَتَكَ، ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قِراءَةُ العامَّةِ“ وآلِهَتَكَ ”فالمُرادُ جَمْعُ إلَهٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدْ وضَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا صِغارًا، أمَرَهم بِعِبادَتِها. وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ورَبُّ هَذِهِ الأصْنامِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ. وأقُولُ: الَّذِي يَخْطُرُ بِبالِي أنَّ فِرْعَوْنَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ كامِلَ العَقْلِ لَمْ يَجُزْ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ عاقِلًا لَمْ يَجُزْ أنْ يَعْتَقِدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ خالِقًا لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَجُزْ في الجَمْعِ العَظِيمِ مِنَ العُقَلاءِ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ فَسادَهُ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ. بَلِ الأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا يُنْكِرُ وُجُودَ الصّانِعِ، وكانَ يَقُولُ: مُدَبِّرُ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الكَواكِبُ، وأمّا المُجْدِي في هَذا العالَمِ لِلْخَلْقِ ولِتِلْكَ الطّائِفَةِ والمُرَبِّي لَهم فَهو نَفْسُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ أيْ مُرَبِّيكم والمُنْعِمُ عَلَيْكم والمُطْعِمُ لَكم. وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] أيْ لا أعْلَمَ لَكم أحَدًا يَجِبُ عَلَيْكم عِبادَتُهُ إلّا أنا. وإذا كانَ مَذْهَبُهُ ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدِ اتَّخَذَ أصْنامًا عَلى صُوَرِ الكَواكِبِ، ويَعْبُدُها ويَتَقَرَّبُ إلَيْها عَلى ما هو دِينُ عَبْدَةِ الكَواكِبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا امْتِناعَ في حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ عَلى ظاهِرِهِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاحْتِمالاتِ فالقَوْمُ أرادُوا بِذِكْرِ هَذا الكَلامِ حَمْلَ فِرْعَوْنَ عَلى أخْذِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَبْسِهِ، وإنْزالِ أنْواعِ العَذابِ بِهِ، فَعِنْدَ هَذا لَمْ يَذْكُرْ فِرْعَوْنُ ما هو حَقِيقَةُ الحالِ، وهو كَوْنُهُ خائِفًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ“ سَنَقْتُلُ " بِفَتْحِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِضَمِّ النُّونِ والتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، يَعْنِي أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما يُمْكِنُهُ الإفْسادُ بِواسِطَةِ الرَّهْطِ والشِّيعَةِ، فَنَحْنُ نَسْعى في تَقْلِيلِ

صفحة ١٧٣

رَهْطِهِ وشِيعَتِهِ، وذَلِكَ بِأنْ نَقْتُلَ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ ونَسْتَحْيِي نِساءَهم. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْكُ مُوسى وقَوْمِهِ، لا مِن عَجْزٍ وخَوْفٍ، ولَوْ أرادَ بِهِ البَطْشَ لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يُوهِمُ قَوْمَهُ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَحْبِسْهُ ولَمْ يَمْنَعْهُ لِعَدَمِ التِفاتِهِ إلَيْهِ ولِعَدَمِ خَوْفِهِ مِنهُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَمِنهم مَن قالَ: كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَما فَعَلَهُ ابْتِداءً عِنْدَ وِلادَةِ مُوسى، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ مُنِعَ مِنهُ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ وقَعَ في غَيْرِ الزَّمانِ الأوَّلِ. ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي قالَهُ المَلَأُ لِفِرْعَوْنَ والَّذِي قالَ فِرْعَوْنُ لَهم قَدْ عَرَفَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَلَ إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَهَهُنا أمَرَهم بِشَيْئَيْنِ وبَشَّرَهم بِشَيْئَيْنِ:

أمّا اللَّذانِ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما:

فالأوَّلُ: الِاسْتِعانَةُ بِاللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: الصَّبْرُ عَلى بَلاءِ اللَّهِ.

وإنَّما أمَرَهم أوَّلًا بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا مُدَبِّرَ في العالَمِ إلّا اللَّهُ تَعالى انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِنُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أنْواعُ البَلاءِ؛ ولِأنَّهُ يَرى عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ أنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ، واسْتِعْدادُهُ بِمُشاهَدَةِ قَضاءِ اللَّهِ خَفَّفَ عَلَيْهِ أنْواعَ البَلاءِ.

وأمّا اللَّذانِ بَشَّرَ بِهِما:

فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهَذا إطْماعٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ في أنْ يُورِثَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إهْلاكِهِ، وذَلِكَ مَعْنى الإرْثِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ لِلْخَلَفِ بَعْدَ السَّلَفِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ أمْرُ الآخِرَةِ فَقَطْ، وقِيلَ: المُرادُ أمْرُ الدُّنْيا فَقَطْ، وهو: الفَتْحُ، والظَّفَرُ، والنَّصْرُ عَلى الأعْداءِ. وقِيلَ: المُرادُ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مَنِ اتَّقى اللَّهَ تَعالى وخافَهُ فاللَّهُ يُعِينُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

7:129Page 165

قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٢٩

They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعُوا ما ذَكَرَهُ فِرْعَوْنُ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ خافُوا أوْ فَزِعُوا، وقالُوا: قَدْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا، وذَلِكَ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَضْعَفِينَ في يَدِ فِرْعَوْنَ اللَّعِينِ، فَكانَ يَأْخُذُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ، ويَسْتَعْمِلُهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ويَمْنَعُهم مِنَ التَّرَفُّهِ والتَّنَعُّمِ، ويَقْتُلُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوِيَ رَجاؤُهم في زَوالِ تِلْكَ المَضارِّ والمَتاعِبِ، فَلَمّا سَمِعُوا أنَّ فِرْعَوْنَ أعادَ التَّهْدِيدَ مَرَّةً ثانِيَةً عَظُمَ خَوْفُهم وحُزْنُهم، فَقالُوا هَذا الكَلامَ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ هَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كَرِهُوا مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ يُوجِبُ كُفْرَهم ؟

صفحة ١٧٤

والجَوابُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاءَ، وعَدَهم بِزَوالِ تِلْكَ المَضارِّ، فَظَنُّوا أنَّها تَزُولُ عَلى الفَوْرِ، فَلَمّا رَأوْا أنَّها ما زالَتْ، رَجَعُوا إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الوَعْدِ، فَبَيَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ الوَعْدَ بِإزالَتِها لا يُوجِبُ الوَعْدَ بِإزالَتِها في الحالِ، وبَيَّنَ لَهم أنَّهُ تَعالى سَيُنْجِزُ لَهم ذَلِكَ الوَعْدَ في الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ، والحاصِلُ أنَّ هَذا ما كانَ بِنَفْرَةٍ عَنْ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالرِّسالَةِ، بَلِ اسْتِكْشافًا لِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الوَعْدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: ”عَسى“ طَمَعٌ وإشْفاقٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وما يَطْمَعُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ فَهو واجِبٌ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ ”عَسى“ هَهُنا لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هو حِكايَةً عَنْ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: مِثْلُ هَذا الكَلامِ إذا صَدَرَ عَنْ رَسُولٍ ظَهَرَتْ حُجَّةُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ - أفادَ قُوَّةَ النَّفْسِ، وأزالَ ما خامَرَها مِنَ الِانْكِسارِ والضَّعْفِ، فَقَوّى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُلُوبَهم بِهَذا القَوْلِ، وحَقَّقَ عِنْدَهُمُ الوَعْدَ؛ لِيَتَمَسَّكُوا بِالصَّبْرِ، ويَتْرُكُوا الجَزَعَ المَذْمُومَ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ما يَجْرِي مَجْرى الحَثِّ لَهم عَلى التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ النَّظَرَ قَدْ يُرادُ بِهِ النَّظَرُ الَّذِي يُفِيدُ العِلْمَ، وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، وهو أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الِانْتِظارُ، وهو أيْضًا عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقَدْ يُرادُ بِهِ الرُّؤْيَةُ، ويَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ هَهُنا عَلَيْها. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَرى ذَلِكَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنكم؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُجازِيهِمْ عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنهم، وإنَّما يُجازِيهِمْ عَلى ما يَقَعُ مِنهم.

فَإنْ قِيلَ: إذا حَمَلْتُمْ هَذا النَّظَرَ عَلى الرُّؤْيَةِ لَزِمَ الإشْكالُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْظُرَ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى لِتِلْكَ الأعْمالِ مُتَأخِّرَةً عَنْ حُصُولِ تِلْكَ الأعْمالِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُدُوثَ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى.

قُلْنا: تَعَلُّقُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ الشَّيْءِ نِسْبَةٌ حادِثَةٌ، والنَّسَبُ والإضافاتُ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، فَلَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ الصِّفَةِ الحَقِيقِيَّةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском