Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:138–142
7:138–139Page 167
وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨
And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩
Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ أهْلَكَ عَدُوَّهم وأوْرَثَهم أرْضَهم ودِيارَهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى، وهي أنْ جاوَزَ بِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى في سائِرِ السُّوَرِ كَيْفَ سَيَّرَهم في البَحْرِ مَعَ السَّلامَةِ، وذَلِكَ بِأنْ فَلَقَ البَحْرَ عِنْدَ ضَرْبِ مُوسى البَحْرَ بِالعَصا وجَعْلَهُ يَبَسًا، بَيَّنَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا شاهَدُوا قَوْمًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، جَهِلُوا وارْتَدُّوا وقالُوا لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، ولا
صفحة ١٨٢
شَكَّ أنَّ القَوْمَ لَمّا شاهَدُوا المُعْجِزاتِ الباهِرَةَ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ، ثُمَّ شاهَدُوا أنَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، وخَصَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْواعِ السَّلامَةِ والكَرامَةِ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ هَذِهِ المَواقِفِ والمَقاماتِ يَذْكُرُونَ هَذا الكَلامَ الفاسِدَ الباطِلَ - كانُوا في نِهايَةِ الجَهْلِ وغايَةِ الخِلافِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ يُقالُ: جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ وخَلَفَهُ وراءَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ: عَبَرَ بِهِ، وقُرِئَ ”جَوَّزْنا“ بِمَعْنى: أجَزْنا. يُقالُ: أجازَ المَكانَ وجَوَّزَهُ بِمَعْنى: جازَهُ ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها. يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمُلازِمِ المَسْجِدِ: مُعْتَكِفٌ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مِن لَخْمٍ، وكانُوا نُزُولًا بِالرِّيفِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ تَماثِيلَ بَقَرٍ، وذَلِكَ أوَّلُ بَيانِ قِصَّةِ العِجْلِ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَقُولَ العاقِلُ لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ وخالِقًا ومُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ مُوسى، وتَقْدِيرُهُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا لَهُ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كامِلَ العَقْلِ. والأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أصْنامًا وتَماثِيلَ يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ كانَ هَذا القَوْلُ كُفْرًا ؟ فَنَقُولُ: أجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، سَواءٌ اعْتَقَدَ في ذَلِكَ الغَيْرِ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوِ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ، ونِهايَةُ التَّعْظِيمِ لا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ نِهايَةُ الإنْعامِ والإكْرامِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِن كُلِّ بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن بَعْضِهِمْ ؟
قُلْنا: بَلْ مِن بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، وكانَ فِيهِمْ مَن يَرْتَفِعُ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ الباطِلِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أجابَهم فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَهْلِ ما ذُكِرَ أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن يَصْدُرُ عَنْهُ غايَةُ الإنْعامِ، وهي بِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ والشَّهْوَةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ وخَلْقِ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، والقادِرُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا تَلِيقَ العِبادَةُ إلّا بِهِ.
فَإنْ قالُوا: إذا كانَ مُرادُهم بِعِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ التَّقَرُّبَ بِها إلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، فَما الوَجْهُ في قُبْحِ هَذِهِ العِبادَةِ ؟
قُلْنا: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لَمْ يَتَّخِذُوها آلِهَةً أصْلًا، وإنَّما جَعَلُوها كالقِبْلَةِ، وذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهم: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ كَما ثَبَتَ لَهم آلِهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفي قَوْلِهِمْ: (لَهم) ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَيْهِ، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ، تَقْدِيرُهُ: كالَّذِي هو لَهم آلِهَةٌ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: التَّبارُ: الهَلاكُ. يُقالُ: تَبِرَ الشَّيْءُ يَتْبَرُ تَبارًا، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩] ويُقالُ لِلذَّهَبِ
صفحة ١٨٣
المُنْكَسِرِ المُتَفَتِّتِ: التِّبْرُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ أيْ مُهْلَكٌ مُدَمَّرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قِيلَ: البُطْلانُ عَدَمُ الشَّيْءِ، إمّا بِعَدَمِ ذاتِهِ أوْ بِعَدَمِ فائِدَتِهِ ومَقْصُودِهِ، والمُرادُ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ: أنَّهُ لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ العَمَلِ نَفْعٌ ولا دَفْعُ ضَرَرٍ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذا البابِ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبادَةِ أنْ تَصِيرَ المُواظَبَةُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ حَتّى تَصِيرَ تِلْكَ الرُّوحُ سَعِيدَةً بِحُصُولِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ فِيها. فَإذا اشْتَغَلَ الإنْسانُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِ اللَّهِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ سَبَبًا لِإعْراضِ القَلْبِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ظَهَرَ هَذا التَّحْقِيقُ ظَهَرَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مُتَبَّرٌ وباطِلٌ وضائِعٌ، وسَعْيٌ في تَحْصِيلِ ضِدِّ هَذا الشَّيْءِ ونَقِيضِهِ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِبادَةِ رُسُوخُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ، والِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يُزِيلُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ عَنِ القَلْبِ، فَكانَ هَذا ضِدًّا لِلْغَرَضِ ونَقِيضًا لِلْمَطْلُوبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
7:140Page 167
قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠
He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ في الجَوابِ وُجُوهًا:
أوَّلُها: أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالجَهْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ أيْ سَبَبٌ لِلْخُسْرانِ والهَلاكِ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ هَذا العَمَلُ الشّاقُّ لا يُفِيدُهم نَفْعًا في الدُّنْيا والدِّينِ.
ورابِعُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ التَّعَجُّبِ مِنهم عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ فَقالَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الإلَهَ لَيْسَ شَيْئًا يُطْلَبُ ويُلْتَمَسُ ويُتَّخَذُ، بَلِ الإلَهُ هو اللَّهُ الَّذِي يَكُونُ قادِرًا عَلى الإنْعامِ بِالإيجادِ وإعْطاءِ الحَياةِ وجَمِيعِ النِّعَمِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ فَهَذا المَوْجُودُ هو الإلَهُ الَّذِي يَجِبُ عَلى الخَلْقِ عِبادَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ. قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُقالُ: بَغَيْتُ فُلانًا شَيْئًا وبَغَيْتُ لَهُ. قالَ تَعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ يَبْغُونَ لَكم، وفي انْتِصابِ قَوْلِهِ: (إلَهًا) وجْهانِ:
أحَدُهُما: الحالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا، ونَصْبُ ”غَيْرَ“ في هَذا الوَجْهِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
الثّانِي: أنْ يُنْصَبَ ”إلَهًا“ عَلى المَفْعُولِ بِهِ و”غَيْرَ“ عَلى الحالِ المُقَدَّمَةِ الَّتِي لَوْ تَأخَّرَتْ كانَتْ صِفَةً، كَما تَقُولُ: أبْغِيكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى فَضَّلَهم عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِتِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ، ولَمْ يَحْصُلْ مِثْلُها لِأحَدٍ مِنَ العالَمِينَ، وإنْ كانَ غَيْرُهم فَضَلَهم بِسائِرِ الخِصالِ، ومِثالُهُ: رَجُلٌ تَعْلَّمَ عِلْمًا واحِدًا وآخَرُ تَعَلَّمَ عُلُومًا كَثِيرَةً سِوى ذَلِكَ العِلْمِ، فَصاحِبُ العِلْمِ الواحِدِ مُفَضَّلٌ عَلى صاحِبِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ بِذَلِكَ الواحِدِ، إلّا أنَّ صاحِبَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ مُفَضَّلٌ عَلى صاحِبِ العِلْمِ الواحِدِ في الحَقِيقَةِ.
7:141–142Page 167
وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١
And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.
۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢
And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِها في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكُمُ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”وعَدْنا“ بِغَيْرِ ألْفٍ، والباقُونَ ”واعَدْنا“ بِالألْفِ عَلى المُفاعَلَةِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ هَذِهِ القِراءَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو بِمِصْرَ: إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ الكِتابَ، فَهَذِهِ الآيَةُ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ نُزُولِ التَّوْراةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١] وذِكْرُ تَفْصِيلِ تِلْكَ الأرْبَعِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: وما الحِكْمَةُ هَهُنا في ذِكْرِ الثَّلاثِينَ ثُمَّ إتْمامِها بِعَشْرٍ ؟ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ كَلامٌ عارٍ عَنِ الفائِدَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الثَّلاثِينَ مَعَ العَشْرِ يَكُونُ أرْبَعِينَ.
قُلْنا: أمّا الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ فَهو مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وهو شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ، فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشَمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما عَلِمْتَ أنَّ خُلُوفَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِهَذا السَّبَبِ.
والوَجْهُ الثّانِي في فائِدَةِ هَذا التَّفْضِيلِ: أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأنْ يَعْمَلَ فِيها ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ عَلَيْهِ في العَشْرِ البَواقِي، وكَلَّمَهُ أيْضًا فِيهِ. فَهَذا هو الفائِدَةُ في تَفْصِيلِ الأرْبَعِينَ إلى الثَّلاثِينَ وإلى العَشْرَةِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ في سُورَةِ طه ما دَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بادَرَ إلى مِيقاتِ رَبِّهِ قَبْلَ قَوْمِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾
صفحة ١٨٥
[طه: ٨٣] فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُوسى أتى الطُّورَ عِنْدَ تَمامِ الثَّلاثِينَ، فَلَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى خَبَرَ قَوْمِهِ مَعَ السّامِرِيِّ، رَجَعَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ تَمامِ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ في عَشْرَةٍ أُخْرى، فَتَمَّ أرْبَعُونَ لَيْلَةً.
والوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ الأوَّلُ حَضَرَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، والوَعْدُ الثّانِي حَضَرَ المُخْتارُونَ مَعَهُ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَصارَ الوَعْدُ مُخْتَلِفًا لِاخْتِلافِ حالِ الحاضِرِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إزالَةً لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ العَشْرَ مِنَ الثَّلاثِينَ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أتْمَمْناها بِعَشْرٍ مِنَ الثَّلاثِينَ، كَأنَّهُ كانَ عِشْرِينَ ثُمَّ أتَمَّهُ بِعَشْرٍ، فَصارَ ثَلاثِينَ، فَأزالَ هَذا الإيهامَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: الفَرْقُ بَيْنَ المِيقاتِ وبَيْنَ الوَقْتِ أنَّ المِيقاتَ ما قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، والوَقْتَ وقْتٌ لِلشَّيْءِ بِتَقْدِيرٍ مُقَدَّرٍ أوَّلًا.
والبَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ أيْ تَمَّ بالِغًا هَذا العَدَدَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: (هارُونَ) عَطْفُ بَيانٍ لِأخِيهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ (وأصْلِحْ) وكُنْ مُصْلِحًا أوْ (وأصْلِحْ) ما يَجِبُ أنْ يَصْلُحَ مِن أُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن دَعاكَ مِنهم إلى الإفْسادِ فَلا تَتْبَعْهُ ولا تُطِعْهُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ شَرِيكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في النُّبُوَّةِ، فَكَيْفَ جَعَلَهُ خَلِيفَةً لِنَفْسِهِ، فَإنَّ شَرِيكَ الإنْسانِ أعْلى حالًا مِن خَلِيفَتِهِ، ورَدُّ الإنْسانِ مِنَ المَنصِبِ الأعْلى إلى الأدْوَنِ يَكُونُ إهانَةً.
قُلْنا: الأمْرُ وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّهُ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأصْلَ في تِلْكَ النُّبُوَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ هارُونُ نَبِيًّا والنَّبِيُّ لا يَفْعَلُ إلّا الإصْلاحَ، فَكَيْفَ وصّاهُ بِالإصْلاحِ ؟ .
قُلْنا: المَقْصُودُ مِن هَذا الأمْرِ التَّأْكِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences