Ar-RaziAl‑A'raf · 7:175–178

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:175–178

7:175–176Page 173

وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥

And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2

وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦

And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

صفحة ٤٥

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَلْعَمَ بْنِ باعُوراءَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَصَدَ بَلَدَهُ الَّذِي هو فِيهِ، وغَزا أهْلَهُ وكانُوا كُفّارًا، فَطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ، وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، وعِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فامْتَنَعَ مِنهُ، فَما زالُوا يَطْلُبُونَهُ مِنهُ حَتّى دَعا عَلَيْهِ فاسْتُجِيبَ لَهُ، ووَقَعَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ بِدُعائِهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ بِأيِّ ذَنْبٍ وقَعْنا في التِّيهِ ؟ فَقالَ: بِدُعاءِ بَلْعَمَ. فَقالَ: كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ، فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعا مُوسى عَلَيْهِ أنْ يَنْزِعَ مِنهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَسَلَخَهُ اللَّهُ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ونَزَعَ مِنهُ المَعْرِفَةَ. فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، فَهَذِهِ قِصَّتُهُ. ويُقالُ أيْضًا: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَعا عَلَيْهِ مُوسى انْتَزَعَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ وصارَ كافِرًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وأبُو رَوْقٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ وهو الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: (آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ) يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِ الآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الفاسِقَ كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدِ ضِرارٍ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ، وقِيلَ: هو عامٌّ فِيمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهَدْيُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي مُسْلِمٍ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ نَبِيًّا، ثُمَّ صارَ كافِرًا ؟

قُلْنا: هَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُشَرِّفُ عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ بِالرِّسالَةِ، إلّا إذا عَلِمَ امْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العَبِيدِ بِمَزِيدِ الشَّرَفِ، والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، والمَناقِبِ العَظِيمَةِ، فَمَن كانَ هَذا حالَهُ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ الكُفْرُ ؟

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ يَعْنِي: عَلَّمْناهُ حُجَجَ التَّوْحِيدِ، وفَهَّمْناهُ أدِلَّتَهُ، حَتّى صارَ عالِمًا بِها﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ أيْ خَرَجَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ إلى سُخْطِهِ، ومَعْنى انْسَلَخَ: خَرَجَ مِنها. يُقالُ لِكُلِّ مَن فارَقَ شَيْئًا بِالكُلِّيَّةِ انْسَلَخَ مِنهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقالَ قَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ أيْ بَيَّناها فَلَمْ يَقْبَلْ وعَرِيَ مِنها، وسَواءٌ قَوْلُكَ: انْسَلَخَ، وعَرِيَ، وتَباعَدَ، وهَذا يَقَعُ عَلى كُلِّ كافِرٍ لَمْ يُؤْمِن بِالأدِلَّةِ، وأقامَ عَلى الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] وقالَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا المَوْصُوفُ فِرْعَوْنَ، فَإنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِ مُوسى وهارُونَ، فَأعْرَضَ وأبى، وكانَ عادِيًا ضالًّا مُتَّبِعًا لِلشَّيْطانِ.

صفحة ٤٦

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الفَرْقِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ: هو أنَّ هَذا الرَّجُلَ في القَوْلِ الأوَّلِ، كانَ عالِمًا بِدِينِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَمّا آتاهُ اللَّهُ الدَّلائِلَ والبَيِّناتِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِها، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ قَوْلَهُ انْسَلَخَ مِنها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ فِيها ثُمَّ خَرَجَ مِنها، وأيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في إنْسانٍ كانَ عالِمًا بِدِينِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أتْبَعَهُ الشَّيْطانُ كُفّارَ الإنْسِ وغُواتَهم، أيِ الشَّيْطانُ جَعَلَ كُفّارَ الإنْسِ أتْباعًا لَهُ.

والثّانِي: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ أدْرَكَهُ. يُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ. أيْ لَحِقْتُهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ، مِثالُ: أفْعَلْتُ إذا كانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم. ويُقالُ: ما زِلْتُ أتْبَعُهم حَتّى أتْبَعْتُهم. أيْ حَتّى أدْرَكْتُهم. وقَوْلُهُ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ أيْ أطاعَ الشَّيْطانَ فَكانَ مِنَ الظّالِمِينَ. قالَ أهْلُ المَعانِي: المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ مَن أُوتِيَ الهُدى، فانْسَلَخَ مِنهُ إلى الضَّلالِ والهَوى والعَمى، ومالَ إلى الدُّنْيا حَتّى تَلاعَبَ بِهِ الشَّيْطانُ، كانَ مُنْتَهاهُ إلى البَوارِ والرَّدى، وخابَ في الآخِرَةِ والأُولى، فَذَكَرَ اللَّهُ قِصَّتَهُ لِيَحْذَرَ النّاسُ عَنْ مِثْلِ حالَتِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ قالَ أصْحابُنا: مَعْناهُ ولَوْ شِئْنا رَفَعْناهُ لِلْعَمَلِ بِها، فَكانَ يَرْفَعُ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مَنزِلَتَهُ، ولَفْظَةُ(لَوْ) تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ لا يُرِيدُ الإيمانَ، وقَدْ يُرِيدُ الكُفْرَ.

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخْرى سِوى هَذا الوَجْهِ:

فالأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ مَعْناهُ: ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِأعْمالِهِ، بِأنْ نُكْرِمَهُ، ونُزِيلَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الكُفْرِ حَتّى نُسَلِّمَ لَهُ الرِّفْعَةَ، لَكِنّا رَفَعْناهُ بِزِيادَةِ التَّكْلِيفِ بِمَنزِلَةٍ زائِدَةٍ، فَأبى أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى الإيمانِ.

الثّانِي: لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، بِأنْ نَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، قَهْرًا وجَبْرًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُنافِي التَّكْلِيفَ. فَلا جَرَمَ تَرَكْناهُ مَعَ اخْتِيارِهِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ حَمْلَ الرِّفْعَةِ عَلى الأمانَةِ بَعِيدٌ.

وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إذا مَنَعَهُ مِنهُ قَهْرًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلثَّوابِ والرِّفْعَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ قالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ عَلى الدَّوامِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: لَزِمَ المَيْلُ إلى الأرْضِ، ومِنهُ يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ، إذا لَزِمَ الإقامَةَ بِهِ. قالَ مالِكُ بْنُ سُوِيدٍ:

بِأبْناءِ حَيٍّ مِن قَبائِلِ مالِكٍ وعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فَأخْلَدُوا

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ يُرِيدُ مالَ إلى الدُّنْيا، وقالَ مُقاتِلٌ: بِالدُّنْيا، وقالَ الزَّجّاجُ: سَكَنَ إلى الدُّنْيا. قالَ الواحِدِيُّ: فَهَؤُلاءِ فَسَّرُوا الأرْضَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّ الدُّنْيا هي الأرْضُ، لِأنَّ ما فِيها مِنَ العَقارِ والضِّياعِ وسائِرِ أمْتِعَتِها مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ مُسْتَخْرَجٌ مِنَ الأرْضِ، وإنَّما يَقْوى ويَكْمُلُ بِها، فالدُّنْيا كُلُّها هي الأرْضُ، فَصَحَّ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الدُّنْيا بِالأرْضِ، ونَقُولُ: لَوْ جاءَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لَقِيلَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ، ولَكِنّا لَمْ نَشَأْ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ لَمّا دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى لا جَرَمَ أُقِيمَ مُقامَهُ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ أعْرَضَ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ واتَّبَعَ الهَوى، فَلا جَرَمَ وقَعَ في هاوِيَةِ الرَّدى، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى أصْحابِ العِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ خَصَّ هَذا

صفحة ٤٧

الرَّجُلَ بِآياتِهِ وبَيِّناتِهِ، وعَلَّمَهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وخَصَّهُ بِالدَّعَواتِ المُسْتَجابَةِ، لَمّا اتَّبَعَ الهَوى انْسَلَخَ مِنَ الدِّينِ وصارَ في دَرَجَةِ الكَلْبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ في حَقِّهِ أكْثَرَ، فَإذا أعْرَضَ عَنْ مُتابَعَةِ الهُدى وأقْبَلَ عَلى مُتابَعَةِ الهَوى، كانَ بُعْدُهُ عَنِ اللَّهِ أعْظَمَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «مَنِ ازْدادَ عِلْمًا ولَمْ يَزْدَدْ هُدًى لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا» أوْ لَفْظٌ هَذا مَعْناهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: اللَّهْثُ هو أنَّ الكَلْبَ إذا نالَهُ الإعْياءُ عِنْدَ شِدَّةِ العَدْوِ وعِنْدَ شِدَّةِ الحَرِّ، فَإنَّهُ يُدْلِعُ لِسانَهُ مِنَ العَطَشِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّمْثِيلَ ما وقَعَ بِجَمِيعِ الكِلابِ، وإنَّما وقَعَ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ، وأخَسُّ الحَيَواناتِ هو الكَلْبُ، وأخَسُّ الكِلابِ هو الكَلْبُ اللّاهِثُ، فَمَن آتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والدِّينَ فَمالَ إلى الدُّنْيا، وأخْلَدَ إلى الأرْضِ، كانَ مُشَبَّهًا بِأخَسِّ الحَيَواناتِ، وهو الكَلْبُ اللّاهِثُ، وفي تَقْرِيرِ هَذا التَّمْثِيلِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَلْهَثُ فَإنَّما يَلْهَثُ مِن إعْياءٍ أوْ عَطَشٍ إلّا الكَلْبَ اللّاهِثَ فَإنَّهُ يَلْهَثُ في حالِ الإعْياءِ، وفي حالِ الرّاحَةِ، وفي حالِ العَطَشِ، وفي حالِ الرِّيِّ، فَكانَ ذَلِكَ عادَةً مِنهُ وطَبِيعَةً، وهو مُواظِبٌ عَلَيْهِ كَعادَتِهِ الأصْلِيَّةِ، وطَبِيعَتِهِ الخَسِيسَةِ، لا لِأجْلِ حاجَةٍ وضَرُورَةٍ، فَكَذَلِكَ مَن آتاهُ اللَّهُ العِلْمَ والدِّينَ وأغْناهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأوْساخِ أمْوالِ النّاسِ، ثُمَّ إنَّهُ يَمِيلُ إلى طَلَبِ الدُّنْيا، ويُلْقِي نَفْسَهُ فِيها، كانَتْ حالُهُ كَحالِ ذَلِكَ اللّاهِثِ، حَيْثُ واظَبَ عَلى العَمَلِ الخَسِيسِ، والفِعْلِ القَبِيحِ، لِمُجَرَّدِ نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ، وطَبِيعَتِهِ الخَسِيسَةِ، لا لِأجْلِ الحاجَةِ والضَّرُورَةِ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ إذا تَوَسَّلَ بِعِلْمِهِ إلى طَلَبِ الدُّنْيا، فَذاكَ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ أنَّهُ يُورِدُ عَلَيْهِمْ أنْواعَ عُلُومِهِ ويُظْهِرُ عِنْدَهم فَضائِلَ نَفْسِهِ ومَناقِبَها، ولا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِماتِ، وتَقْرِيرِ تِلْكَ العِباراتِ يُدْلِعُ لِسانَهُ، ويُخْرِجُهُ لِأجْلِ ما تَمَكَّنَ في قَلْبِهِ مِن حَرارَةِ الحِرْصِ وشِدَّةِ العَطَشِ إلى الفَوْزِ بِالدُّنْيا، فَكانَتْ حالَتُهُ شَبِيهَةً بِحالَةِ ذَلِكَ الكَلْبِ الَّذِي أخْرَجَ لِسانَهُ أبَدًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ ولا ضَرُورَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الطَّبِيعَةِ الخَسِيسَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَلْبَ اللّاهِثَ لا يَزالُ لَهْثُهُ البَتَّةَ، فَكَذَلِكَ الإنْسانُ الحَرِيصُ لا يَزالُ حِرْصُهُ البَتَّةَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذا الكَلْبَ إنْ شُدَّ عَلَيْهِ وهُيِّجَ لَهَثَ، وإنْ تُرِكَ أيْضًا لَهَثَ، لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ القَبِيحَ طَبِيعَةٌ أصْلِيَّةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَذا الحَرِيصُ الضّالُّ إنْ وعَظْتَهُ فَهو ضالٌّ، وإنْ لَمْ تَعِظْهُ فَهو ضالٌّ لِأجْلِ أنَّ ذَلِكَ الضَّلالَةَ والخَسارَةَ عادَةٌ أصْلِيَّةٌ وطَبِيعِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَحَلُّ قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ ؟

قُلْنا: النَّصْبُ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَمَثَلِ الكَلْبِ ذَلِيلًا لاهِثًا في الأحْوالِ كُلِّها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فَعَمَّ بِهَذا التَّمْثِيلِ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ هادِيًا يَهْدِيهِمْ وداعِيًا يَدْعُوهم إلى طاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ جاءَهم مَن لا يَشُكُّونَ في صِدْقِهِ ودِيانَتِهِ فَكَذَّبُوهُ، فَحَصَلَ التَّمْثِيلُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكَلْبِ الَّذِي إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا لَمّا تُرِكُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَبَقُوا عَلى الضَّلالِ في كُلِّ الأحْوالِ مِثْلَ هَذا الكَلْبِ الَّذِي بَقِيَ عَلى اللَّهْثِ في كُلِّ الأحْوالِ.

صفحة ٤٨

ثُمَّ قالَ: ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ﴾ يُرِيدُ قَصَصَ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا أنْبِياءَهُمْ﴿لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ يُرِيدُ يَتَّعِظُونَ.

7:177Page 173

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ بَعْدَ تَمْثِيلِهِمْ بِالكَلْبِ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وزَجَرَ بِذَلِكَ عَنِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ أكَّدَهُ في بابِ الزَّجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: ساءَ يَسُوءُ فِعْلٌ لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: سَيَأ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو ساءٍ إذا قَبُحَ، وساءَهُ يَسُوءُهُ مَساءَةً. قالَ النَّحْوِيُّونَ: تَقْدِيرُهُ: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ، انْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ساءَ جازَ أنْ تَذْكُرَ شَيْئًا آخَرَ سِوى مَثَلًا، فَلَمّا ذَكَرْتَ نَوْعًا، فَقَدْ مَيَّزْتَهُ مِن سائِرِ الأنْواعِ، وقَوْلُكَ القَوْمُ ارْتِفاعُهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ قَوْلُكَ ساءَ مَثَلًا خَبَرُهُ.

والثّانِي: أنَّكَ لَمّا قُلْتَ ساءَ مَثَلًا. قِيلَ لَكَ: مَن هو ؟ قُلْتَ القَوْمُ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ساءَ مَثَلُ القَوْمِ.

البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ ذَلِكَ المَثَلِ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ هَذا المَثَلَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، وأيْضًا فَهو يُفِيدُ الزَّجْرَ عَنِ الكُفْرِ والدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِالسُّوءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بِالسُّوءِ ما أفادَهُ المَثَلُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وإعْراضِهِمْ عَنْها، حَتّى صارُوا في التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الكَلْبِ اللّاهِثِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ”كَذَّبُوا“ فَيَدْخُلَ حِينَئِذٍ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِمَعْنى الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامًا مُنْقَطِعًا عَنِ الصِّلَةِ بِمَعْنى وما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم بِالتَّكْذِيبِ، وأمّا تَقْدِيمُ المَفْعُولِ فَهو لِلِاخْتِصاصِ، كَأنَّهُ قِيلَ وخَصُّوا أنْفُسَهم بِالظُّلْمِ وما تَعَدّى أثَرُ ذَلِكَ الظُّلْمِ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ.

7:178Page 173

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الضّالِّينَ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ وعَرَّفَ حالَهم بِالمَثَلِ المَذْكُورِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ الإضْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ هَذِهِ اضْطَرَبَتِ المُعْتَزِلَةُ، وذَكَرُوا في التَّأْوِيلِ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ وارْتَضاهُ القاضِي أنَّ المُرادَ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ، فَهو المُهْتَدِي في الدُّنْيا، السّالِكُ طَرِيقَةَ الرُّشْدِ فِيما كُلِّفَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَهْدِي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ إلّا مَن هَذا وصْفُهُ، ومَن يُضْلِلْهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

والثّانِي:

صفحة ٤٩

قالَ بَعْضُهم: إنَّ في الآيَةِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فَقَبِلَ وتَمَسَّكَ بِهُداهُ فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضَلِلْ بِأنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهو الخاسِرُ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ بِمَعْنى أنَّ مَن وصَفَهُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا فَهو المُهْتَدِي، لِأنَّ ذَلِكَ كالمَدْحِ ومَدْحُ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا في حَقِّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ الوَصْفِ المَمْدُوحِ، ومَن يُضْلِلْ أيْ ومَن وصَفَهُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن يَهْدِهِ اللَّهُ بِالألْطافِ وزِيادَةِ الهُدى فَهو المُهْتَدِي، ومَن يُضْلِلْ عَنْ ذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مِن سُوءِ اخْتِيارِهِ، فَأُخْرِجَ لِهَذا السَّبَبِ بِتِلْكَ الألْطافِ مِن أنْ يُؤَثَّرَ فِيهِ فَهو مِنَ الخاسِرِينَ.

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الدَّلائِلَ العَقْلِيَّةَ القاطِعَةَ، قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الدّاعِي وحُصُولُ الدّاعِي لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ فالفِعْلُ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ، فَمَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ الإيمانَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الكُفْرِ وبِالضِّدِّ.

الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْصِدُ حُصُولَ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، فَإذا حَصَلَ الكُفْرُ عَقِيبَهُ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ بَلْ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَقُولُ:

أمّا التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: فَضَعِيفٌ لِأنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ عَلى الهِدايَةِ في الآخِرَةِ إلى الجَنَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ عَلى الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ في الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ رَكاكَةً في النَّظْمِ، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ والِاهْتِداءُ راجِعَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، حَتّى يَكُونَ الكَلامُ حَسَنَ النَّظْمِ.

وأمّا الثّانِي: فَإنَّهُ التِزامٌ لِإضْمارِ زائِدٍ، وهو خِلافُ اللَّفْظِ، ولَوْ جازَ فَتْحُ بابِ أمْثالِ هَذِهِ الإضْماراتِ لانْقَلَبَ النَّفْيُ إثْباتًا، والإثْباتُ نَفْيًا، ويَخْرُجُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَكُونَ حُجَّةً، فَإنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يُضْمِرَ في الآيَةِ ما يَشاءُ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ الكُلُّ عَنِ الإفادَةِ.

وأمّا الثّالِثُ: فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فُلانٌ هَدى فُلانًا. لا يُفِيدُ في اللُّغَةِ البَتَّةَ أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا، وقِياسُ هَذا عَلى قَوْلِهِ: فُلانٌ ضَلَّلَ فُلانًا وكَفَّرَهُ، قِياسٌ في اللُّغَةِ، وأنَّهُ في نِهايَةِ الفَسادِ. والرّابِعُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الألْطافِ، فَقَدْ فَعَلَهُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ، فَحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِعِيدٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ يَجُوزُ إثْباتُ الياءِ فِيهِ عَلى الأصْلِ، ويَجُوزُ حَذْفُها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قِيلَ في بَيْتِ الكِتابِ:

فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي في يَعْمَلاتٍ دَوامِي الأيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحا

ومِن أبْياتِهِ أيْضًا:

كَخَوافِ رِيشِ حَمامَةٍ نَجْدِيَّةٍ ∗∗∗ مَسَحَتْ بِماءِ البَيْنِ عَطْفَ الأثْمَدِ

قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ يُرِيدُ كَخَوافِ مَحْذُوفَ الياءِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ يُرِيدُ ومَن يُضْلِلْهُ اللَّهُ ويَخْذُلْهُ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском