Ar-RaziAl‑A'raf · 7:16–19

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:16–19

7:16Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ باءُ القَسَمِ؛ أيْ: بِإغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ؛ أيْ: بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ ونَفاذِ سُلْطانِكَ فِيَّ لَأقْعُدَنَّ لَهم عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ إلى الجَنَّةِ، بِأنْ أُزَيِّنَ لَهُمُ الباطِلَ، وما يُكْسِبُهُمُ المَآثِمَ، ولَمّا كانَتِ (الباءُ) باءَ القَسَمِ، كانَتِ (اللّامُ) جَوابَ القَسَمِ (وما) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ و﴿أغْوَيْتَنِي﴾ صِلَتُها.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ أيْ فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لَأقْعُدَنَّ لَهم، والمُرادُ أنَّكَ لَمّا أغْوَيْتَنِي فَأنا أيْضًا أسْعى في إغْوائِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ لِلِاسْتِفْهامِ. كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ وفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ إثْباتَ الألِفِ إذا أُدْخِلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ قَلِيلٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ لا خِلافَ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”عَلى“ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَأقْعُدَنَّ لَهم عَلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مِثالُهُ قَوْلُكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، والمَعْنى عَلى الظَّهْرِ والبَطْنِ. وإلْقاءُ كَلِمَةِ ”عَلى“ جائِزٌ؛ لِأنَّ الصِّراطَ ظَرْفٌ في المَعْنى: فاحْتَمَلَ ما يَحْتَمِلُهُ لِلْيَوْمِ واللَّيْلَةِ، في قَوْلِكَ: آتِيكَ غَدًا وفي غَدٍ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يُواظِبُ عَلى الإفْسادِ مُواظَبَةً لا يَفْتُرُ عَنْها، ولِهَذا المَعْنى ذَكَرَ القُعُودَ؛ لِأنَّ مَن أرادَ أنْ يُبالِغَ في تَكْمِيلِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ قَعَدَ حَتّى يَصِيرَ فارِغَ البالِ فَيُمْكِنُهُ إتْمامُ المَقْصُودِ. ومُواظَبَتُهُ عَلى الإفْسادِ هي مُواظَبَتُهُ عَلى الوَسْوَسَةِ حَتّى لا يَفْتُرَ عَنْها.

والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالدِّينِ الحَقِّ والمَنهَجِ الصَّحِيحِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ وصِراطُ اللَّهِ المُسْتَقِيمُ هو دِينُهُ الحَقُّ.

البَحْثُ الثّالِثُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ عالِمًا بِأنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ مِنَ المَذْهَبِ والِاعْتِقادِ هو مَحْضُ الغَوايَةِ والضَّلالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما قالَ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ وأيْضًا كانَ عالِمًا بِالدِّينِ الحَقِّ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما قالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ .

صفحة ٣٣

وإذا ثَبَتَ هَذا فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَرْضى إبْلِيسُ بِذَلِكَ المَذْهَبِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ ضَلالًا وغَوايَةً وبِكَوْنِهِ مُضادًّا لِلدِّينِ الحَقِّ ومُنافِيًا لِلصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّ المَرْءَ إنَّما يَعْتَقِدُ الفاسِدَ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ كَوْنُهُ حَقًّا، فَأمّا مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ باطِلٌ وضَلالٌ وغَوايَةٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يَخْتارَهُ ويَرْضى بِهِ ويَعْتَقِدَهُ.

واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ كُفْرَ إبْلِيسَ كُفْرُ عِنادٍ لا كُفْرُ جَهْلٍ؛ لِأنَّهُ مَتى عَلِمَ أنَّ مَذْهَبَهُ ضَلالٌ وغَوايَةٌ، فَقَدْ عَلِمَ أنَّ ضِدَّهُ هو الحَقُّ، فَكانَ إنْكارُهُ إنْكارًا بِمَحْضِ اللِّسانِ، فَكانَ ذَلِكَ كُفْرَ عِنادٍ، ومِنهم مَن قالَ: لا. بَلْ كُفْرُهُ كُفْرُ جَهْلٍ وقَوْلُهُ: ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ يُرِيدُ بِهِ في زَعْمِ الخَصْمِ، وفي اعْتِقادِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ رِعايَةُ مَصالِحِ العَبْدِ في دِينِهِ ولا في دُنْياهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ إبْلِيسَ اسْتَمْهَلَ الزَّمانَ الطَّوِيلَ فَأمْهَلَهُ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما اسْتَمْهَلَهُ لِإغْواءِ الخَلْقِ وإضْلالِهِمْ وإلْقاءِ الوَساوِسِ في قُلُوبِهِمْ، وكانَ تَعالى عالِمًا بِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُطِيعُونَهُ ويَقْبَلُونَ وسْوَسَتَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ (سَبَأٍ: ٢٠) فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ إنْظارَ إبْلِيسَ، وإمْهالَهُ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ يَقْتَضِي حُصُولَ المَفاسِدِ العَظِيمَةِ والكُفْرَ الكَبِيرَ، فَلَوْ كانَ تَعالى مُراعِيًا لِمَصالِحِ العِبادِ لامْتَنَعَ أنْ يُمْهِلَهُ، وأنْ يُمَكِّنَهُ مِن هَذِهِ المَفاسِدِ. فَحَيْثُ أنْظَرَهُ وأمْهَلَهُ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رِعايَةِ المَصالِحِ أصْلًا، ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ الأنْبِياءَ دُعاةً إلى الخَلْقِ، وعَلِمَ مِن حالِ إبْلِيسَ أنَّهُ لا يَدْعُو إلّا إلى الكُفْرِ والضَّلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أماتَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ هُمُ الدُّعاةُ لِلْخَلْقِ، وأبْقى إبْلِيسَ وسائِرَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ هُمُ الدُّعاةُ لِلْخَلْقِ إلى الكُفْرِ والباطِلِ ومَن كانَ يُرِيدُ مَصالِحَ العِبادِ امْتَنَعَ مِنهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: اخْتَلَفَ شُيُوخُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ لا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ وُجُودِهِ وعَدَمِهِ، ولا يَضِلُّ بِقَوْلِهِ أحَدٌ إلّا مَن لَوْ فَرَضْنا عَدَمَ إبْلِيسَ لَكانَ يَضِلُّ أيْضًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلّا مَن هو صالِي الجَحِيمِ﴾ (الصّافّاتِ: ١٦٢) ولِأنَّهُ لَوْ ضَلَّ بِهِ أحَدٌ لَكانَ بَقاؤُهُ مَفْسَدَةً.

وقالَ أبُو هاشِمٍ: يَجُوزُ أنْ يَضِلَّ بِهِ قَوْمٌ، ويَكُونُ خَلْقُهُ جارِيًا مَجْرى خَلْقِ زِيادَةِ الشَّهْوَةِ، فَإنَّ هَذِهِ الزِّيادَةَ مِنَ الشَّهْوَةِ لا تُوجِبُ فِعْلَ القَبِيحِ إلّا أنَّ الِامْتِناعَ مِنها يَصِيرُ أشَقَّ، ولِأجْلِ تِلْكَ الزِّيادَةِ مِنَ المَشَقَّةِ تَحْصُلُ الزِّيادَةُ في الثَّوابِ، فَكَذا هَهُنا بِسَبَبِ إبْقاءِ إبْلِيسَ يَصِيرُ الِامْتِناعُ مِنَ القَبائِحِ أشَدَّ وأشَقَّ، ولَكِنَّهُ لا يَنْتَهِي إلى حَدِّ الإلْجاءِ والإكْراهِ.

والجَوابُ: أمّا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لا بُدَّ وأنْ يُزَيِّنَ القَبائِحَ في قَلْبِ الكافِرِ ويُحَسِّنَها إلَيْهِ، ويُذَكِّرَهُ ما في القَبائِحِ مِن أنْواعِ اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حالَ الإنْسانِ مَعَ حُصُولِ هَذا التَّذْكِيرِ والتَّزْيِينِ لا يَكُونُ مُساوِيًا لِحالِهِ عِنْدَ عَدَمِ هَذا التَّذْكِيرِ، وهَذا التَّزْيِينِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ العُرْفُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا حَصَلَ لَهُ جُلَساءُ يُرَغِّبُونَهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويُحَسِّنُونَهُ في عَيْنِهِ ويُسَهِّلُونَ طَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ ويُواظِبُونَ عَلى دَعْوَتِهِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ حالُهُ في الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ كَحالِهِ إذا لَمْ يُوجَدْ هَذا التَّذْكِيرُ والتَّحْسِينُ والتَّزْيِينُ. والعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، وأمّا قَوْلُ أبِي هاشِمٍ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إذا صارَ حُصُولُ هَذا التَّذْكِيرِ والتَّزْيِينِ حاصِلًا لِلْمَرْءِ عَلى الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ القَبِيحِ كانَ ذَلِكَ سَعْيًا في إلْقائِهِ في المَفْسَدَةِ، وما ذَكَرَهُ مِن خَلْقِ الزِّيادَةِ في الشَّهْوَةِ، فَهو حُجَّةٌ أُخْرى لَنا في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُراعِي المَصْلَحَةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَحْتَجَّ

صفحة ٣٤

بِهِ ؟ والَّذِي يُقَرِّرُهُ غايَةَ التَّقْرِيرِ أنَّ لِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ الزِّيادَةِ في الشَّهْوَةِ يَقَعُ في الكُفْرِ وعِقابِ الأبَدِ، ولَوِ احْتَرَزَ عَنْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ فَغايَتُهُ أنَّهُ يَزْدادُ ثَوابُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ زِيادَةِ تِلْكَ المَشَقَّةِ، وحُصُولُ هَذِهِ الزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ شَيْءٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ البَتَّةَ، أمّا دَفْعُ العِقابِ المُؤَبَّدِ فَإلَيْهِ أعْظَمُ الحاجاتِ، فَلَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ مُراعِيًا لِمَصالِحِ العِبادِ لاسْتَحالَ أنْ يُهْمِلَ الأهَمَّ الأكْمَلَ الأعْظَمَ لِطَلَبِ الزِّيادَةِ الَّتِي لا حاجَةَ إلَيْها ولا ضَرُورَةَ، فَثَبَتَ فَسادُ هَذِهِ المَذاهِبِ وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ أصْلًا. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

7:17Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ذِكْرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ مِنَ الآفَةِ في الدِّينِ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي أُشَكِّكُهم في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ أُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ.

وثانِيها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ والمَعْنى أُفَتِّرُهم عَنِ الرَّغْبَةِ في سَعاداتِ الآخِرَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي أُقَوِّي رَغْبَتَهم في لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها وأُحَسِّنُها في أعْيُنِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ الآخِرَةُ؛ لِأنَّهم يَرِدُونَ عَلَيْها ويَصِلُونَ إلَيْها، فَهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإذا كانَتِ الآخِرَةُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ كانَتِ الدُّنْيا خَلْفَهم؛ لِأنَّهم يَخْلُفُونَها.

وثالِثُها: وهو قَوْلُ الحاكِمِ والسُّدِّيِّ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الدُّنْيا ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الآخِرَةَ، وإنَّما فَسَّرْنا ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ بِالدُّنْيا، لِأنَّها بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَسْعى فِيها ويُشاهِدُها، وأمّا الآخِرَةُ فَهي تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.

ورابِعُها: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الَّذِينَ يَكُونُونَ حاضِرِينَ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ في تَكْذِيبِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ في الكُفْرِ والبِدْعَةِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ في أنْواعِ المَعاصِي.

وثانِيها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ في الصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ في التَّرْغِيبِ في الباطِلِ.

وثالِثُها: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي أُفَتِّرُهم عَنِ الحَسَناتِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أُقَوِّي دَواعِيَهم في السَّيِّئاتِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُ مَن قالَ: الأيْمانُ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَناتِ، والشَّمائِلُ عَنِ السَّيِّئاتِ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: اجْعَلْنِي في يَمِينِكَ ولا تَجْعَلْنِي في شِمالِكَ، يُرِيدُ: اجْعَلْنِي مِنَ المُقَدَّمِينَ عِنْدَكَ ولا تَجْعَلْنِي مِنَ المُؤَخَّرِينَ. ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ يُقالُ: هو عِنْدَنا بِاليَمِينِ أيْ بِمَنزِلَةٍ حَسَنَةٍ، وإذا خَبُثَتْ مَنزِلَتُهُ قالَ: أنْتَ عِنْدِي بِالشِّمالِ، فَهَذا تَلْخِيصُ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ. أمّا حُكَماءُ الإسْلامِ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا أُخْرى:

أوَّلُها: وهو الأقْوى الأشْرَفُ أنَّ في البَدَنِ قُوًى أرْبَعًا، هي المُوجِبَةُ لِقُوّاتِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ:

فَإحْداها: القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها مِثْلُ المَحْسُوساتِ وصُوَرِها، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنَ الدِّماغِ، وصُوَرُ المَحْسُوساتِ إنَّما تَرِدُ عَلَيْها مِن مُقَدَّمِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ .

والقُوَّةُ الثّانِيَةُ: القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ الَّتِي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُؤَخَّرِ مِنَ الدِّماغِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ .

صفحة ٣٥

والقُوَّةُ الثّالِثَةُ: الشَّهْوَةُ وهي مَوْضُوعَةٌ في الكَبِدِ وهي مِن يَمِينِ البَدَنِ.

والقُوَّةُ الرّابِعَةُ: الغَضَبُ، وهو مَوْضُوعٌ في البَطْنِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، فَهَذِهِ القُوى الأرْبَعُ هي الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَنْها أحْوالٌ تُوجِبُ زَوالَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ. والشَّياطِينُ الخارِجَةُ ما لَمْ تَسْتَعِنْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى الأرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلى إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ، وهو وجْهٌ حَقِيقِيٌّ شَرِيفٌ.

وثانِيها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ الشُّبُهاتُ المَبْنِيَّةُ عَلى التَّشْبِيهِ: إمّا في الذّاتِ والصِّفاتِ مِثْلُ شُبَهِ المُجَسَّمَةِ، وإمّا في الأفْعالِ: مِثْلُ شُبَهِ المُعْتَزِلَةِ في التَّعْدِيلِ والتَّخْوِيفِ والتَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ

﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ المُرادُ مِنهُ الشُّبُهاتُ النّاشِئَةُ عَنِ التَّعْطِيلِ، وإنَّما جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ لِشُبُهاتِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يُشاهِدُ هَذِهِ الجِسْمانِيّاتِ وأحْوالَها، فَهي حاضِرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَعْتَقِدُ أنَّ الغائِبَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِهَذا الشّاهِدِ، وإنَّما جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ كِنايَةً عَنِ التَّعْطِيلِ؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ عَيْنُ التَّعْطِيلِ، فَلَمّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ كِنايَةً عَنِ التَّشْبِيهِ وجَبَ أنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ كِنايَةً عَنِ التَّعْطِيلِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في تَرْكِ المَأْمُوراتِ ﴿وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ التَّرْغِيبُ في فِعْلِ المَنهِيّاتِ.

وثالِثُها: نُقِلَ عَنْ شَقِيقٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أنَّهُ قالَ: ما مِن صَباحٍ إلّا ويَأْتِينِي الشَّيْطانُ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ، مِن بَيْنِ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي. أمّا مِن بَيْنِ يَدَيَّ، فَيَقُولُ: لا تَخَفْ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَأقْرَأُ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ (طه: ٨٢) وأمّا مِن خَلْفِي: فَيُخَوِّفُنِي مِن وُقُوعِ أوْلادِي في الفَقْرِ، فَأقْرَأُ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ (هُودٍ: ٦) وأمّا مِن قِبَلِ يَمِينِي: فَيَأْتِينِي مِن قِبَلِ الثَّناءِ، فَأقْرَأُ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعْرافِ: ١٢٨) وأمّا مِن قِبَلِ شَمالِي: فَيَأْتِينِي مِن قِبَلِ الشَّهَواتِ، فَأقْرَأُ ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ (سَبَأٍ: ٥٤) .

والقَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الشَّيْطانِ ذِكْرَ هَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ يُبالِغُ في إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ، ولا يُقَصِّرُ في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ البَتَّةَ. وتَقْدِيرُ الآيَةِ: ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن جَمِيعِ الجِهاتِ المُمْكِنَةِ بِجَمِيعِ الِاعْتِباراتِ المُمْكِنَةِ. وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقالَ لَهُ: تَدَعُ دِينَ آبائِكَ ؟ فَعَصاهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ، فَقالَ لَهُ: تَدَعُ دِيارَكَ وتَتَغَرَّبُ ؟ فَعَصاهُ وهاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ، فَقالَ لَهُ: تُقاتِلُ فَتُقْتَلُ، ويُقَسَّمُ مالُكَ، وتُنْكَحُ امْرَأتُكَ ؟ فَعَصاهُ فَقاتَلَ، وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا يَتْرُكُ جِهَةً مِن جِهاتِ الوَسْوَسَةِ إلّا ويُلْقِيها في القَلْبِ» .

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَ الجِهاتِ الأرْبَعِ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ.

قُلْنا: أمّا في التَّحْقِيقِ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القُوى الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنها ما يُوجِبُ تَفْوِيتَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، فَهي مَوْضُوعَةٌ في هَذِهِ الجَوانِبِ الأرْبَعَةِ مِنَ البَدَنِ. وأمّا في الظّاهِرِ: فَيُرْوى أنَّ الشَّيْطانَ لَمّا قالَ هَذا الكَلامَ رَقَّتْ قُلُوبُ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ، فَقالُوا: يا إلَهَنا كَيْفَ يَتَخَلَّصُ الإنْسانُ مِنَ الشَّيْطانِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ أنَّهُ بَقِيَ لِلْإنْسانِ جِهَتانِ: الفَوْقُ والتَّحْتُ، فَإذا رَفَعَ يَدَيْهِ إلى فَوْقُ في الدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الخُضُوعِ، أوْ وضَعَ جَبْهَتَهُ عَلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ الخُشُوعِ غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَ سَبْعِينَ سَنَةً. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ قالَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ فَذَكَرَ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ بِكَلِمَةِ (مِن) .

صفحة ٣٦

ثُمَّ قالَ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ فَذَكَرَ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ بِكَلِمَةِ (عَنْ) ولا بُدَّ في هَذا الفَرْقِ مِن فائِدَةٍ. فَنَقُولُ: إذا قالَ القائِلُ جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ، مَعْناهُ أنَّهُ جَلَسَ مُتَجافِيًا عَنْ صاحِبِ اليَمِينِ غَيْرَ مُلْتَصِقٍ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ (ق: ١٧) فَبَيَّنَ أنَّهُ حَضَرَ عَلى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ مَلَكانِ، ولَمْ يَحْضُرْ في القُدّامِ والخَلْفِ مَلَكانِ، والشَّيْطانُ يَتَباعَدُ عَنِ المَلَكِ، فَلِهَذا المَعْنى خَصَّ اليَمِينَ والشِّمالَ بِكَلِمَةِ (عَنْ) لِأجْلِ أنَّها تُفِيدُ البُعْدَ والمُبايَنَةَ، وأيْضًا فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الخَيالُ والوَهْمُ، والضَّرَرُ النّاشِئُ مِنهُما هو حُصُولُ العَقائِدِ الباطِلَةِ، وذَلِكَ هو حُصُولُ الكُفْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، والضَّرَرُ النّاشِئُ مِنهُما هو حُصُولُ الأعْمالِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، وذَلِكَ هو المَعْصِيَةُ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الكُفْرِ لازِمٌ، لِأنَّ عِقابَهُ دائِمٌ. أمّا الضَّرَرُ الحاصِلُ مِنَ المَعْصِيَةِ فَسَهْلٌ؛ لِأنَّ عِقابَهُ مُنْقَطِعٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِكَلِمَةِ (عَنْ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في اللُّزُومِ والِاتِّصالِ دُونَ القِسْمِ الأوَّلِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ مِن إبْلِيسَ كالدَّلالَةِ عَلى بُطْلانِ ما يُقالُ: إنَّهُ يَدْخُلُ في بَدَنِ ابْنِ آدَمَ ويُخالِطُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ لَكانَ بِأنْ يَذْكُرَهُ في بابِ المُبالَغَةِ أحَقَّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا مِن بابِ الغَيْبِ، فَكَيْفَ عَرَفَ إبْلِيسُ ذَلِكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: كانَ قَدْ رَآهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَقالَ لَهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ قالَهُ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى المُبالَغَةِ في تَزْيِينِ الشَّهَواتِ وتَحْسِينِ الطَّيِّباتِ، وعَلِمَ أنَّها أشْياءُ يَرْغَبُ فِيها غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهم يَقْبَلُونَ قَوْلَهُ فِيها عَلى سَبِيلِ الأكْثَرِ والأغْلَبِ، ويُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا﴾ (سَبَأٍ: ٢٠) والعَجَبُ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فَقالَ الحَقُّ ما يُطابِقُ ذَلِكَ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سَبَأٍ: ١٣) وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ. وهو أنَّهُ حَصَلَ لِلنَّفْسِ تِسْعَ عَشْرَةَ قُوَّةً، وكُلُّها تَدْعُو النَّفْسَ إلى اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ والطَّيِّباتِ الشَّهْوانِيَّةِ: فَخَمْسَةٌ مِنها هي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ، وخَمْسَةٌ أُخْرى هي الحَواسُّ الباطِنَةُ، واثْنانِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وسَبْعَةٌ هي القُوى الكامِنَةُ، وهي الجاذِبَةُ، والماسِكَةُ، والهاضِمَةُ، والدّافِعَةُ، والغاذِيَةُ، والنّامِيَةُ، والمُوَلِّدَةُ. فَمَجْمُوعُها تِسْعَةَ عَشَرَ، وهي بِأسْرِها تَدْعُو النَّفْسَ إلى عالَمِ الجِسْمِ وتُرَغِّبُها في طَلَبِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، وأمّا العَقْلُ فَهو قُوَّةٌ واحِدَةٌ، وهي الَّتِي تَدْعُو النَّفْسَ إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ اسْتِيلاءَ تِسْعَ عَشْرَةَ قُوَّةً أكْمَلُ مِنِ اسْتِيلاءِ القُوَّةِ الواحِدَةِ. لا سِيَّما وتِلْكَ القُوى التِّسْعَةَ عَشَرَ تَكُونُ في أوَّلِ الخِلْقَةِ قَوِيَّةً ويَكُونُ العَقْلُ ضَعِيفًا جِدًّا وهي بَعْدَ قُوَّتِها يَعْسُرُ جَعْلُها ضَعِيفَةً مَرْجُوحَةً، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يَكُونُونَ طالِبِينَ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ الجِسْمانِيَّةِ مُعْرِضِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ ومَحَبَّتِهِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

7:18Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

صفحة ٣٧

اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا وعَدَ بِالإفْسادِ الَّذِي ذَكَرَهُ، خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى الزَّجْرِ والإهانَةِ فَقالَ: (اخْرُجْ مِنها) مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ السَّماءِ (مَذْءُومًا) قالَ اللَّيْثَ: ذَأمْتُ الرَّجُلَ فَهو مَذْءُومٌ أيْ: مَحْقُورٌ والذّامُ الِاحْتِقارُ، وقالَ الفَرّاءُ: ذَأمْتُهُ إذا عِبْتَهُ يَقُولُونَ في المَثَلِ لا تَعْدَمُ الحَسْناءُ ذامًا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَذْءُومُ المَذْمُومُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَذْءُومًا: مَذْمُومًا بِأبْلَغِ الذَّمِّ، قالَ أُمَيَّةُ:

وقالَ لِإبْلِيسَ رَبُّ العِبادِ أنِ اخْرُجْ دَحِيرًا لَعِينًا ذَءُوما

وقَوْلُهُ: (مَدْحُورًا) الدَّحْرُ في اللُّغَةِ الطَّرْدُ والتَّبْعِيدُ، يُقالُ دَحَرَهُ دَحْرًا ودُحُورًا إذا طَرَدَهُ وبَعَّدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا﴾ وقالَ أُمَيَّةُ:

وبِإذْنِهِ سَجَدُوا لِآدَمَ كُلُّهم ∗∗∗ إلّا لَعِينًا خاطِئًا مَدْحُورا

وقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ اللّامُ فِيهِ لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ قَوْلُهُ: (لَأمْلَأنَّ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ رَوى عِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ: (لِمَن تَبِعَكَ) بِكَسْرِ اللّامِ بِمَعْنى (لِمَن تَبِعَكَ مِنهم هَذا الوَعِيدُ) وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمَلانَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: إنَّ (لَأمْلَأنَّ) في مَحَلِّ الِابْتِداءِ (ولَمَن تَبِعَكَ) خَبَرُهُ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ولَدِ آدَمَ؛ لِأنَّهُ حِينَ قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ كانَ مُخاطِبًا لِوَلَدِ آدَمَ فَرَجَعَتِ الكِنايَةُ إلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التّابِعَ والمَتْبُوعَ مَعْنِيّانِ في أنَّ جَهَنَّمَ تُمْلَأُ مِنهُما ثُمَّ إنَّ الكافِرَ تَبِعَهُ، فَكَذَلِكَ الفاسِقُ تَبِعَهُ، فَيَجِبُ القَطْعُ بِدُخُولِ الفاسِقِ النّارَ، وجَوابُهُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ أنَّهُ تَعالى يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِمَّنْ تَبِعَهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن تَبِعَهُ فَإنَّهُ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ، ونَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ أصْحابِ البِدَعِ والضَّلالاتِ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّهم مُتابِعُونَ لِإبْلِيسَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

7:19Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَسائِلَ:

أحَدُها: إنَّ قَوْلَهُ: (اسْكُنْ) أمْرُ تَعَبُّدٍ، أوْ أمْرُ إباحَةٍ وإطْلاقٍ، مِن حَيْثُ إنَّهُ لا مَشَقَّةَ فِيهِ. فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ.

وثانِيها: إنَّ زَوْجَ آدَمَ هو حَوّاءُ، ويَجِبُ أنْ نَذْكُرَ أنَّهُ تَعالى كَيْفَ خَلَقَ حَوّاءَ.

وثالِثُها: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، أوْ جَنَّةً مِن جِنانِ السَّماءِ أوْ جَنَّةً مِن جِنانِ الأرْضِ.

ورابِعُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلا﴾ أمْرُ إباحَةٍ لا أمْرُ تَكْلِيفٍ.

وخامِسُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَقْرَبا﴾ نَهْيُ تَنْزِيهٍ أوْ نَهْيُ تَحْرِيمٍ.

وسادِسُها: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ المُرادُ شَجَرَةٌ واحِدَةٌ بِالشَّخْصِ أوِ النَّوْعِ.

وسابِعُها: إنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ أيُّ شَجَرَةٍ كانَتْ.

وثامِنُها: إنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا.

وتاسِعُها: أنَّهُ ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وهَلْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ ظالِمًا بِهَذا القُرْبانِ الدُّخُولُ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ (هُودٍ: ١٨) .

وعاشِرُها: إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ وقَعَتْ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ بَعْدَها، فَهَذِهِ المَسائِلُ العَشَرَةُ قَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُها وتَقْرِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُها، والَّذِي بَقِيَ عَلَيْنا مِن هَذِهِ الآيَةِ حَرْفٌ واحِدٌ،

صفحة ٣٨

وهُوَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا﴾ (البَقَرَةِ: ٣٥) بِالواوِ، وقالَ هَهُنا: (فَكُلا) بِالفاءِ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟

وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّ الواوَ تُفِيدُ الجَمْعَ المُطْلَقَ، والفاءَ تُفِيدُ الجَمْعَ عَلى سَبِيلِ التَّعْقِيبِ، فالمَفْهُومُ مِنَ الفاءِ نَوْعٌ داخِلٌ تَحْتَ المَفْهُومِ مِنَ الواوِ، ولا مُنافاةَ بَيْنَ النَّوْعِ والجِنْسِ، فَفي سُورَةِ البَقَرَةِ ذَكَرَ الجِنْسَ وفي سُورَةِ الأعْرافِ ذَكَرَ النَّوْعَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском