Ar-RaziAl‑A'raf · 7:189–195

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:189–195

7:189–190Page 175

۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠

But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى تَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ حَوّاءَ خَلَقَها اللَّهُ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أذًى﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ آدَمُ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ ثَقُلَ الوَلَدُ في بَطْنِها أتاها إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ وقالَ: ما هَذا يا حَوّاءُ ! إنِّي أخافُ أنْ يَكُونَ كَلْبًا أوْ بَهِيمَةً وما يُدْرِيكِ مِن أيْنَ يَخْرُجُ ؟ أمِن دُبُرِكِ فَيَقْتُلُكِ أوْ يَنْشَقُّ بَطْنُكِ ؟ فَخافَتْ حَوّاءُ، وذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَزالا في هَمٍّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أتاها وقالَ: إنْ سَألْتِ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ صالِحًا سَوِيًّا مِثْلَكِ ويُسَهِّلَ خُرُوجَهُ مِن بَطْنِكِ تُسَمِّيهِ عَبْدَ الحارِثِ، وكانَ اسْمُ إبْلِيسَ في المَلائِكَةِ الحارِثَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ لَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا سَوِيًّا صالِحًا جَعَلا لَهُ شَرِيكًا أيْ جَعَلَ آدَمُ وحَوّاءُ لَهُ شَرِيكًا، والمُرادُ بِهِ الحارِثُ، هَذا تَمامُ القِصَّةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ فاسِدٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الشِّرْكِ جَماعَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩١] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وما جَرى لِإبْلِيسَ اللَّعِينِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرٌ.

الثّالِثُ: لَوْ كانَ المُرادُ إبْلِيسَ لَقالَ: أيُشْرِكُونَ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا، لِأنَّ العاقِلَ إنَّما يُذْكَرُ بِصِيغَةِ ”مَن“ لا بِصِيغَةِ ”ما“ .

الرّابِعُ: أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أشَدَّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِإبْلِيسَ، وكانَ عالِمًا بِجَمِيعِ الأسْماءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] فَكانَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أنَّ اسْمَ إبْلِيسَ هو الحارِثُ، فَمَعَ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ ومَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اسْمَهُ هو الحارِثُ كَيْفَ سَمّى ولَدَ نَفْسِهِ بِعَبْدِ الحارِثِ ؟ وكَيْفَ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأسْماءُ حَتّى إنَّهُ لَمْ يَجِدْ سِوى هَذا الِاسْمِ ؟ .

الخامِسُ: أنَّ الواحِدَ مِنّا لَوْ حَصَلَ لَهُ ولَدٌ يَرْجُو مِنهُ الخَيْرَ والصَّلاحَ، فَجاءَهُ إنْسانٌ ودَعاهُ إلى أنْ يُسَمِّيَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأسْماءِ لَزَجَرَهُ وأنْكَرَ عَلَيْهِ أشَدَّ الإنْكارِ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ نُبُوَّتِهِ وعِلْمِهِ الكَثِيرِ الَّذِي حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ وتَجارِبِهِ الكَثِيرَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ الَّتِي وقَعَ فِيها لِأجْلِ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ، كَيْفَ لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذا القَدْرِ وكَيْفَ لَمْ يَعْرِفْ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ مِنها ؟ .

السّادِسُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمّاهُ بِعَبْدِ الحارِثِ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ جَعَلَ هَذا اللَّفْظَ اسْمَ عَلَمٍ لَهُ، أوْ جَعَلَهُ صِفَةً لَهُ، بِمَعْنى أنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا اللَّفْظِ أنَّهُ عَبَدُ الحارِثِ ومَخْلُوقٌ مِن

صفحة ٧١

قِبَلِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ هَذا شِرْكًا بِاللَّهِ لِأنَّ أسْماءَ الأعْلامِ والألْقابِ لا تُفِيدُ في المُسَمَّياتِ فائِدَةً، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا اللَّفْظِ حُصُولُ الإشْراكِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ هَذا قَوْلًا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَقَدَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا في الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ وذَلِكَ يُوجِبُ الجَزْمَ بِتَكْفِيرِ آدَمَ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ هَذا القَوْلَ فاسِدٌ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ المُسْلِمِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ صَحِيحَةٌ سَلِيمَةٌ خالِيَةٌ عَنْ هَذِهِ المَفاسِدِ.

التَّأْوِيلُ الأوَّلُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى تَمْثِيلِ ضَرْبِ المَثَلِ وبَيانِ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ صُورَةُ حالَةِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِهِمْ، وقَوْلِهِمْ بِالشِّرْكِ، وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها إنْسانًا يُساوِيهِ في الإنْسانِيَّةِ، فَلَمّا تَغَشّى الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وظَهَرَ الحَمْلُ، دَعا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ، فَلَمّا آتاهُما اللَّهُ ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا، جَعَلَ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ لِلَّهِ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، لِأنَّهم تارَةً يَنْسُبُونَ ذَلِكَ الوَلَدَ إلى الطَّبائِعِ كَما هو قَوْلُ الطَّبائِعِيِّينَ، وتارَةً إلى الكَواكِبِ كَما هو قَوْلُ المُنَجِّمِينَ، وتارَةً إلى الأصْنامِ والأوْثانِ كَما هو قَوْلُ عَبَدَةِ الأصْنامِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، وهَذا جَوابٌ في غايَةِ الصِّحَّةِ والسَّدادِ.

التَّأْوِيلُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم آلُ قُصَيٍّ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ﴾ قُصَيٌّ (وجَعَلَ مِن جِنْسِها زَوْجَها) عَرَبِيَّةً قُرَشِيَّةً لِيَسْكُنَ إلَيْها، فَلَمّا آتاهُما ما طَلَبا مِنَ الوَلَدِ الصّالِحِ السَّوِيِّ جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما حَيْثُ سَمَّيا أوْلادَهُما الأرْبَعَةَ بِعَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ قُصَيٍّ، وعَبْدِ اللّاتِ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي﴿يُشْرِكُونَ﴾ لَهُما ولِأعْقابِهِما الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِما في الشِّرْكِ.

التَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في شَرْحِ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي دَفْعِ هَذا الإشْكالِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَرْجِعُ في طَلَبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ إلَيْها، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وحَكى عَنْهُما أنَّهُما قالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى لَوْ آتاهُما ولَدًا صالِحًا لاشْتَغَلُوا بِشُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ ورَدَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّبْعِيدِ، والتَّقْرِيرُ: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ تَعالى اللَّهُ عَنْ شِرْكِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالشِّرْكِ ويَنْسُبُونَهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ أنْ يُنْعِمَ رَجُلٌ عَلى رَجُلٍ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الإنْعامِ، ثُمَّ يُقالُ لِذَلِكَ المُنْعِمِ: إنَّ ذَلِكَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ ذَمَّكَ وإيصالَ الشَّرِّ إلَيْكَ، فَيَقُولُ ذَلِكَ المُنْعِمُ: فَعَلْتُ في حَقِّ فُلانٍ كَذا وأحْسَنْتُ إلَيْهِ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ إنَّهُ يُقابِلُنِي بِالشَّرِّ والإساءَةِ والبَغْيِ ؟ عَلى التَّبْعِيدِ فَكَذا هَهُنا.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها في حَقِّ آدَمَ وحَوّاءَ ولا إشْكالَ في شَيْءٍ مِن ألْفاظِها إلّا قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ فَنَقُولُ: التَّقْدِيرُ، فَلَمّا آتاهُما

صفحة ٧٢

ولَدًا صالِحًا سَوِيًّا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، وكَذا فِيما آتاهُما، أيْ فِيما آتى أوْلادَهُما ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما الفائِدَةُ في التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ .

قُلْنا: لِأنَّ ولَدَهُ قِسْمانِ ذَكَرٌ وأُنْثى فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلا﴾ المُرادُ مِنهُ الذَّكَرُ والأُنْثى مَرَّةً عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِكَوْنِهِما صِنْفَيْنِ ونَوْعَيْنِ، ومَرَّةً عَبَّرَ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: سَلَّمْنا أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ عائِدٌ إلى آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، إلّا أنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا آتاهُما الوَلَدَ الصّالِحَ عَزَما عَلى أنْ يَجْعَلاهُ وقْفًا عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ بَدا لَهم في ذَلِكَ، فَتارَةً كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في مَصالِحِ الدُّنْيا ومَنافِعِها، وتارَةً كانُوا يَأْمُرُونَهُ بِخِدْمَةِ اللَّهِ وطاعَتِهِ. وهَذا العَمَلُ وإنْ كانَ مِنّا قُرْبَةً وطاعَةً، إلّا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما نُقِلَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ حاكِيًا «عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ”أنا أغْنى الأغْنِياءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرْكُتُهُ وشِرْكَهُ“» وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالإشْكالُ زائِلٌ.

الوَجْهُ الرّابِعُ في التَّأْوِيلِ أنْ نَقُولَ: سَلَّمْنا صِحَّةَ تِلْكَ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّهم سَمَّوْا بِعَبْدِ الحارِثِ لِأجْلِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ إنَّما سَلِمَ مِنَ الآفَةِ والمَرَضِ بِسَبَبِ دُعاءِ ذَلِكَ الشَّخْصِ المُسَمّى بِالحارِثِ، وقَدْ يُسَمّى المُنْعَمُ عَلَيْهِ عَبْدًا لِلْمُنْعِمِ، يُقالُ في المَثَلِ: أنا عَبْدُ مَن تَعَلَّمْتُ مِنهُ حَرْفًا، ورَأيْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ كَتَبَ عَلى عُنْوانٍ: كِتابَةُ عَبْدِ وُدِّهِ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ:

وإنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ ما دامَ ثاوِيًا ولا شِيمَةَ لِي بَعْدَها تُشْبِهُ العَبْدا

فَآدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ سَمَّيا ذَلِكَ الوَلَدَ بِعَبْدِ الحارِثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنَّما سَلِمَ مِنَ الآفاتِ بِبَرَكَةِ دُعائِهِ، وهَذا لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ عَبْدَ اللَّهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ مَمْلُوكُهُ ومَخْلُوقُهُ، إلّا أنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ فَلَمّا حَصَلَ الِاشْتِراكُ في لَفْظِ العَبْدِ لا جَرَمَ صارَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعاتَبًا في هَذا العَمَلِ بِسَبَبِ الِاشْتِراكِ الحاصِلِ في مُجَرَّدِ لَفْظِ العَبْدِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما نَقُولُهُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ وفِيها مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ المَشْهُورُ أنَّها نَفْسُ آدَمَ وقَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ المُرادُ حَوّاءُ، قالُوا: ومَعْنى كَوْنِها مَخْلُوقَةً مِن نَفْسِ آدَمَ، أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ، قالُوا: والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ، والجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الضَّمِّ، وأقُولُ هَذا الكَلامُ مُشْكِلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ آدَمَ ابْتِداءً فَما الَّذِي حَمَلَنا عَلى أنْ نَقُولَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ مِن جُزْءٍ مِن أجْزاءِ آدَمَ ؟ ولِمَ لا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ حَوّاءَ أيْضًا ابْتِداءً ؟ وأيْضًا الَّذِي يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ إنْسانٍ مِن عَظْمِ واحِدٍ فَلِمَ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِهِ ابْتِداءً ؟ وأيْضًا الَّذِي يُقالُ: إنَّ عَدَدَ أضْلاعِ الجانِبِ الأيْسَرِ أنْقَصُ مِن عَدَدِ أضْلاعِ الجانِبِ الأيْمَنِ فِيهِ مُؤاخَذَةٌ تُنْبِي عَنْ خِلافِ الحِسِّ والتَّشْرِيحِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إذًا لَمْ نَقُلَ بِذَلِكَ، فَما المُرادُ مِن كَلِمَةِ

صفحة ٧٣

”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الإشارَةَ إلى الشَّيْءِ تارَةً بِحَسَبِ شَخْصِهِ، وأُخْرى بِحَسَبِ نَوْعِهِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» “ ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ الفَرْدَ المُعَيَّنَ بَلِ المُرادُ ذَلِكَ النَّوْعُ. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في يَوْمِ عاشُوراءَ: ”«هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ» “ والمُرادُ خَلَقَ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ زَوْجَةَ آدَمَ، والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَوْجَ آدَمَ إنْسانًا مِثْلَهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ جامَعَها، والغِشْيانُ إتْيانُ الرَّجُلِ المَرْأةَ وقَدْ غَشّاها وتَغَشّاها إذا عَلاها، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلاها فَقَدْ صارَ كالغاشِيَةِ لَها، ومِثْلُهُ يُجَلِّلُها، وهو يُشْبِهُ التَّغَطِّيَ واللُّبْسَ، قالَ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] وقَوْلُهُ: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ قالُوا يُرِيدُ النُّطْفَةَ والمَنِيَّ، والحَمْلُ بِالفَتْحِ ما كانَ في البَطْنِ أوْ عَلى رَأْسِ الشَّجَرِ، والحِمْلُ بِكَسْرِ الحاءِ ما حُمِلَ عَلى ظَهْرٍ أوْ عَلى الدّابَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ بِالماءِ والحَمْلِ عَلى سَبِيلِ الخِفَّةِ، والمُرادُ أنَّها كانَتْ تَقُومُ وتَقْعُدُ وتَمْشِي مِن غَيْرِ ثِقَلٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ (فَمَرَّتْ بِهِ) بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ غَيْرُهُ (فَمارَتْ بِهِ) مِنَ المِرْيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ [النَّجْمِ: ١٢] مَعْناهُ وقَعَ في نَفْسِها ظَنُّ الحَمْلِ وارْتابَتْ فِيهِ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ صارَتْ إلى حالِ الثِّقَلِ ودَنَتْ وِلادَتُها﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ يَعْنِي آدَمَ وحَوّاءَ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا سَوِيًّا مِثْلَنا﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لِآلائِكَ ونَعْمائِكَ﴿فَلَمّا آتاهُما﴾ اللَّهُ﴿صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِهِ قَدْ مَرَّ بِالِاسْتِقْصاءِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، في رِوايَةِ حَفْصٍ عَنْهُ (شُرَكاءَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ (شِرْكًا) بِكَسْرِ الشِّينِ وتَنْوِينِ الكافِ، ومَعْناهُ جَعَلا لَهُ نُظَراءَ ذَوِي شِرْكٍ وهُمُ الشُّرَكاءُ، أوْ يُقالُ مَعْناهُ أحْدَثا لِلَّهِ إشْراكًا في الوَلَدِ، ومَن قَرَأ (شُرَكاءَ) فَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا﴾ [الرَّعْدِ: ١٦] وأرادَ بِالشُّرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ إبْلِيسَ؛ لِأنَّ مَن أطاعَ إبْلِيسَ فَقَدْ أطاعَ جَمِيعَ الشَّياطِينِ، هَذا إذا حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى القِصَّةِ المَشْهُورَةِ، أمّا إذا لَمْ نَقُلْ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.

7:191–194Page 175

أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢

And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allāh are servants [i.e., creations] like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكم فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذَكَرَهُ مِن قِصَّةِ إبْلِيسَ إذْ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أجْنَبِيَّةً عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ ذَلِكَ غايَةَ الفَسادِ في النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ، بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْناهُ في سائِرِ الأجْوِبَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ الرَّدُّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ٧٤

المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أنَّ الأوْثانَ لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ مَعْناهُ أيَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ؟ أيْ وهم مَخْلُوقُونَ يَعْنِي الأصْنامَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ﴿يَخْلُقُ﴾ ثُمَّ جَمَعَ فَقالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ وأيْضًا فَكَيْفَ ذَكَرَ الواوَ والنُّونَ في جَمْعِ غَيْرِ النّاسِ ؟ .

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ﴿ما﴾ تَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، فَهَذِهِ مِن صِيَغِ الوِحْدانِ بِحَسَبِ ظاهِرِ لَفْظِها ومُحْتَمِلَةٌ لِلْجَمْعِ؛ فاللَّهُ تَعالى اعْتَبَرَ الجِهَتَيْنِ فَوَحَّدَ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ﴾ رِعايَةً لِحُكْمِ ظاهِرِ اللَّفْظِ وجَمَعَ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: وهو أنَّ الجَمْعَ بِالواوِ والنُّونِ في غَيْرِ مَن يَعْقِلُ كَيْفَ يَجُوزُ ؟ فَنَقُولُ: لَمّا اعْتَقَدَ عابِدُوها أنَّها تَعْقِلُ وتُمَيِّزُ فَوَرَدَ هَذا اللَّفْظُ بِناءً عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ ويَتَصَوَّرُونَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ ولا خالِقٍ لِأفْعالِهِ، قالُوا: لِأنَّهُ تَعالى طَعَنَ في إلَهِيَّةِ الأجْسامِ بِسَبَبِ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهَذا الطَّعْنُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ قُلْنا إنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ خالِقَةً لِشَيْءٍ لَمْ يَتَوَجَّهِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّتِها، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ إلَهًا، فَلَوْ كانَ العَبْدُ خالِقًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ كانَ إلَهًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُ مَن أطاعَها ولا تَنْتَصِرُ مِمَّنْ عَصاها، والنَّصْرُ: المَعُونَةُ عَلى العَدُوِّ، والمَعْنى أنَّ المَعْبُودَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إيصالِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ عِبادَتُها ؟ .

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ أيْ ولا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ مَكْرُوهًا فَإنَّ مَن أرادَ كَسْرَهم لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِهَذِهِ الأصْنامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا عِلْمَ لَها بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، والمَعْنى أنَّ هَذا المَعْبُودَ الَّذِي يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ كَما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، فَكَذا لا يَصِحُّ فِيهِ إذا دَعا إلى الخَيْرِ الِاتِّباعُ، ولا يُفَصِّلُ حالَ مَن يُخاطِبُهُ مِمَّنْ يَسْكُتُ عَنْهُ، ثُمَّ قَوّى هَذا الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَباحِثِ في تِلْكَ الآيَةِ إلّا أنَّ الفَرْقَ في تِلْكَ الآيَةِ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الفِعْلِ، وهَهُنا عَطَفَ الِاسْمَ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ: وقَوْلَهُ: ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِفائِدَةٍ وحِكْمَةٍ، وتِلْكَ الفائِدَةُ هي أنَّ

صفحة ٧٥

صِيغَةَ الفِعْلِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وصِيغَةُ الِاسْمِ مُشْعِرَةٌ بِالدَّوامِ والثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا وقَعُوا في مُهِمٍّ وفي مُعْضِلَةٍ تَضَرَّعُوا إلى تِلْكَ الأصْنامِ، وإذا لَمْ تَحْدُثْ تِلْكَ الواقِعَةُ بَقُوا ساكِتِينَ صامِتِينَ، فَقِيلَ لَهم لا فَرْقَ بَيْنَ إحْداثِكم دُعاءَهم وبَيْنَ أنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى صَمْتِكم وسُكُوتِكم، فَهَذا هو الفائِدَةُ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ بَيانَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُها بِأنَّها عِبادٌ مَعَ أنَّها جَماداتٌ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وجَبَ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيها كَوْنَها عاقِلَةً فاهِمَةً، فَلا جَرَمَ ورَدَتْ هَذِهِ الألْفاظُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَداتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِبْنَ لَكم وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ ولَمْ يَقُلِ الَّتِي.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّغْوَ أُورِدَ في مَعْرِضِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ أيْ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهم عِبادٌ أمْثالُكم ولا فَضْلَ لَهم عَلَيْكم، فَلِمَ جَعَلْتُمْ أنْفُسَكم عَبِيدًا وجَعَلْتُمُوها آلِهَةً وأرْبابًا ؟ ثُمَّ أبْطَلَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا أمْثالَكم. فَقالَ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ ثُمَّ أكَّدَ هَذا البَيانَ بِقَوْلِهِ: ﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ ومَعْنى هَذا الدُّعاءِ طَلَبُ المَنافِعِ وكَشْفُ المَضارِّ مِن جِهَتِهِمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لامُ الأمْرِ عَلى مَعْنى التَّعْجِيزِ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى الإجابَةِ ظَهَرَ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في ادِّعاءِ أنَّها آلِهَةٌ ومُسْتَحِقَّةٌ لِلْعِبادَةِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ اليَقِينِيَّةِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلْمَعْبُودِيَّةِ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلَيْها، وأنْ لا يَشْتَغِلَ إلّا بِعِبادَةِ الإلَهِ القادِرِ العالِمِ الحَيِّ الحَكِيمِ الضّارِّ النّافِعِ.

7:195Page 175

أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muḥammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلِيلِ في بَيانِ أنَّهُ يَقْبُحُ مِنَ الإنْسانِ العاقِلِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أعْضاءً أرْبَعَةً، وهي الأرْجُلُ والأيْدِي والأعْيُنُ والآذانُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ إذا حَصَلَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها ما يَلِيقُ بِها مِنَ القُوى المُحَرِّكَةِ والمُدْرِكَةِ تَكُونُ أفْضَلَ مِنها إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ هَذِهِ القُوى، فالرِّجْلُ القادِرَةُ عَلى المَشْيِ واليَدُ القادِرَةُ عَلى البَطْشِ أفْضَلُ مِنَ اليَدِ والرِّجْلِ الخالِيَتَيْنِ عَنْ قُوَّةِ الحَرَكَةِ والحَياةِ، والعَيْنُ الباصِرَةُ والأُذُنُ السّامِعَةُ أفْضَلُ مِنَ العَيْنِ والأُذُنِ الخالِيَتَيْنِ عَنِ القُوَّةِ الباصِرَةِ والسّامِعَةِ، وعَنْ قُوَّةِ الحَياةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأصْنامِ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِفَضِيلَةِ الإنْسانِ إلى فَضْلِ هَذِهِ الأصْنامِ البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالأفْضَلِ الأكْمَلِ الأشْرَفِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ الأخَسِّ الأدْوَنِ الَّذِي لا يُحِسُّ مِنهُ فائِدَةً البَتَّةَ، لا في جَلْبِ المَنفَعَةِ ولا في دَفْعِ المَضَرَّةِ. هَذا هو الوَجْهُ في

صفحة ٧٦

تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ أغْمارِ المُشَبِّهَةِ وجْهًا لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عَدَمَ هَذِهِ الأعْضاءِ لِهَذِهِ الأصْنامِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ إلَهِيَّتِها، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأعْضاءُ مَوْجُودَةً لِلَّهِ تَعالى لَكانَ عَدَمُها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ الإلَهِيَّةِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِإثْباتِ هَذِهِ الأعْضاءِ لِلَّهِ تَعالى. والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الإنْسانَ أفْضَلُ وأكْمَلُ حالًا مِنَ الصَّنَمِ، لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ رِجْلٌ ماشِيَةٌ، ويَدٌ باطِشَةٌ، وعَيْنٌ باصِرَةٌ، وأُذُنٌ سامِعَةٌ، والصَّنَمُ رِجْلُهُ غَيْرُ ماشِيَةٍ، ويَدُهُ غَيْرُ باطِشَةٍ، وعَيْنُهُ غَيْرُ مُبْصِرَةٍ، وأُذُنُهُ غَيْرُ سامِعَةٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الإنْسانُ أفْضَلَ وأكْمَلَ حالًا مِنَ الصَّنَمِ، واشْتِغالُ الأفْضَلِ الأكْمَلِ بِعِبادَةِ الأخَسِّ الأدْوَنِ جَهْلٌ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ، لا ما ذَهَبَ إلَيْهِ وهْمُ هَؤُلاءِ الجُهّالِ.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ تَقْرِيرُ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرَها قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ يَعْنِي كَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَةُ مَن لا يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضَّرَرِ ؟، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لَمْ يَحْصُلْ لَها أرْجُلٌ ماشِيَةٌ، وأيْدٍ باطِشَةٌ، وأعْيُنٌ باصِرَةٌ، وآذانٌ سامِعَةٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ قادِرَةً عَلى الإنْفاعِ والإضْرارِ، فامْتَنَعَ كَوْنُها آلِهَةً، أمّا إلَهُ العالَمِ تَعالى وتَقَدَّسَ فَهو وإنْ كانَ مُتَعالِيًا عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ إلّا أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكَمالِ القُدْرَةِ عَلى النَّفْعِ والضَّرَرِ، وهو مَوْصُوفٌ بِكَمالِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِآلِهَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ لِيَظْهَرَ لَكم أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى إيصالِ المَضارِّ إلَيَّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ في (كِيدُونِي) والباقُونَ حَذَفُوها، ومِثْلُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ، والقَوْلُ فِيهِ أنَّ الفَواصِلَ تُشْبِهُ القَوافِيَ، وقَدْ حَذَفُوا هَذِهِ الياءاتِ إذا كانَتْ في القَوافِي كَقَوْلِهِ:

يَلْمِسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُمِلِّ

والَّذِينَ أثْبَتُوها فَلِأنَّ الأصْلَ هو الإثْباتُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ لا تُمْهِلُونِي واعْجَلُوا في كَيْدِي أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском