Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:196–203
7:196Page 176
إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
Indeed, my protector is Allāh, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ وهو يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ .
صفحة ٧٧
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الواجِبَ عَلى كُلِّ عاقِلٍ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَتَوَلّى تَحْصِيلَ مَنافِعِ الدِّينِ ومَنافِعِ الدُّنْيا، أمّا تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدِّينِ، فَبِسَبَبِ إنْزالِ الكِتابِ، وأمّا تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدُّنْيا، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَرَأ القُرّاءُ ولِيِّي بِثَلاثِ ياءاتٍ، الأُولى ياءُ فَعِيلٍ وهي ساكِنَةٌ، والثّانِيَةُ لامُ الفِعْلِ وهي مَكْسُورَةٌ، قَدْ أُدْغِمَتِ الأُولى فِيها فَصارَ ياءً مُشَدَّدَةً، والثّالِثَةُ ياءُ الإضافَةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ولِيَّ اللَّهُ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ حَذَفَ الياءَ الَّتِي هي لامُ فَعِيلٍ، كَما حَذَفَ اللّامَ مِن قَوْلِهِمْ فاماليت بِهِ فالهَ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ ياءُ فَعِيلٍ في ياءِ الإضافَةِ، فَقِيلَ ولِيَّ اللَّهُ وهَذِهِ الفَتْحَةُ فَتْحَةُ ياءِ الإضافَةِ، وأمّا الباقُونَ فَأجازُوا اجْتِماعَ ثَلاثِ ياءاتٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي يَتَوَلّى حِفْظِي ونُصْرَتِي هو اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ العُلُومِ العَظِيمَةِ النّافِعَةِ في الدِّينِ ويَتَوَلّى الصّالِحِينَ بِنَصْرِهِمْ، فَلا تَضُرُّهم عَداوَةُ مَن عاداهم، وفي ذَلِكَ يَأْمَنُ المُشْرِكِينَ مِن أنْ يَضُرَّهُ كَيْدُهم، وسَمِعْتُ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ ما كانَ يَدَّخِرُ لِأوْلادِهِ شَيْئًا، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: ولَدِي إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ أوْ مِنَ المُجْرِمِينَ، فَإنْ كانَ مِنَ الصّالِحِينَ فَوَلِيُّهُ اللَّهُ، ومَن كانَ لَهُ ولِيًّا فَلا حاجَةَ لَهُ إلى مالِي، وإنْ كانَ مِنَ المُجْرِمِينَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القَصَصِ: ١٧] ومَن رَدَّهُ اللَّهُ لَمْ أشْتَغِلْ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ.
7:197–198Page 176
وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧
And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨
And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ وصْفُ الأصْنامِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ.
فَإنْ قالُوا: فَهَذِهِ الأشْياءُ قَدْ صارَتْ مَذْكُورَةً في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ فَما الفائِدَةُ في تَكْرِيرِها ؟ فَنَقُولُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما أُعِيدَ هَذا المَعْنى لِأنَّ الأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيعِ وهَذا مَذْكُورٌ عَلى جِهَةِ الفَرْقِ بَيْنَ مَن تَجُوزُ لَهُ العِبادَةُ وبَيْنَ مَن لا تَجُوزُ، كَأنَّهُ قِيلَ: الإلَهُ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا تَكُونُ صالِحَةً لِلْإلَهِيَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ صِفاتٌ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُخَوِّفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ فَقالَ تَعالى: إنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، بَلْ إنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الجَهْلِ والحَماقَةِ إلى أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَهم وأظْهَرْتَ أعْظَمَ أنْواعِ الحُجَّةِ والبُرْهانِ لَمْ يَسْمَعُوا بِعُقُولِهِمْ ذَلِكَ البَتَّةَ.
فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ المُشْرِكِينَ وإنَّما تَقَدَّمَ ذَكْرُ الأصْنامِ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذُكِرَ ؟ .
قُلْنا: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ فَإنْ حَمَلْنا هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى الأصْنامِ قُلْنا: المُرادُ مِن كَوْنِها ناظِرَةً كَوْنُها مُقابِلَةً بِوَجْهِها وُجُوهَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلانِ مُتَناظِرانِ أيْ مُتَقابِلانِ، وإنْ حَمَلْناها عَلى المُشْرِكِينَ فالمَعْنى: أنَّهم وإنْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلى النّاسِ إلّا أنَّهم لِشِدَّةِ إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ لَمْ يَنْتَفِعُوا
صفحة ٧٨
بِذَلِكَ النَّظَرِ والرُّؤْيَةِ، فَصارُوا كَأنَّهم عُمْيٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ النَّظَرَ ونَفى الرُّؤْيَةَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّغايُرِ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ فَقِيلَ: مَعْناهُ تَحْسَبُهم أنَّهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ مَعَ أنَّهم في الحَقِيقَةِ لا يَنْظُرُونَ، أيْ تَظُنُّ أنَّهم يَنْظُرُونَكَ مَعَ أنَّهم لا يُبْصِرُونَكَ، والرُّؤْيَةُ بِمَعْنى الحُسْبانِ وارِدَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحَجِّ: ٢] .
7:199Page 176
خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩
Take what is given freely,1 enjoin what is good, and turn away from the ignorant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَتَوَلّاهُ، وأنَّ الأصْنامَ وعابِدِيها لا يَقْدِرُونَ عَلى الإيذاءِ والإضْرارِ، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما هو المَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ في مُعامَلَةِ النّاسِ فَقالَ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: العَفْوُ الفَضْلُ وما أتى مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الحُقُوقُ الَّتِي تُسْتَوْفى مِنَ النّاسِ وتُؤْخَذُ مِنهم، إمّا أنْ يَجُوزَ إدْخالُ المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ فِيها، وإمّا أنْ لا يَجُوزَ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ ويَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ التَّشَدُّدِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُقُوقِ المالِيَّةِ؛ ويَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا التَّخَلُّقُ مَعَ النّاسِ بِالخُلُقِ الطَّيِّبِ، وتَرْكُ الغِلْظَةِ والفَظاظَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٩] ومِن هَذا البابِ أنْ يَدْعُوا الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِالرِّفْقِ واللُّطْفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] .
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو الَّذِي لا يَجُوزُ دُخُولُ المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ فِيهِ، فالحُكْمُ فِيهِ أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ، والعُرْفُ والعارِفَةُ والمَعْرُوفُ هو كُلُّ أمْرٍ عُرِفَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإتْيانِ بِهِ، وأنَّ وُجُودَهُ خَيْرٌ مِن عَدَمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا القِسْمَ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى الأخْذِ بِالعَفْوِ ولَمْ يَأْمُرْ بِالعُرْفِ ولَمْ يَكْشِفْ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ، لَكانَ ذَلِكَ سَعْيًا في تَغْيِيرِ الدِّينِ وإبْطالِ الحَقِّ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، ثُمَّ إنَّهُ إذا أمَرَ بِالعُرْفِ ورَغَّبَ فِيهِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ ونَفَّرَ عَنْهُ، فَرُبَّما أقْدَمَ بَعْضَ الجاهِلِينَ عَلى السَّفاهَةِ والإيذاءِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وقالَ: ﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٣] وقالَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] وإذا أحاطَ عَقْلُكَ بِهَذا التَّقْسِيمِ عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمُعامَلَةِ الإنْسانِ مَعَ الغَيْرِ. قالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا جِبْرِيلُ ما هَذا ؟ قالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ هو أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ“» قالَ أهْلُ العِلْمِ: تَفْسِيرُ جِبْرِيلَ مُطابِقٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ لِأنَّكَ لَوْ وصَلْتَ مَن قَطَعَكَ، فَقَدْ عَفَوْتَ عَنْهُ، وإذا آتَيْتَ مَن حَرَمَكَ فَقَدْ آتَيْتَ بِالمَعْرُوفِ، وإذا عَفَوْتَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ فَقَدْ أعْرَضْتَ عَنِ الجاهِلِينَ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ آخَرُ فَقالُوا: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ ما عَفا لَكَ مِن أمْوالِهِمْ، أيْ ما أتَوْكَ بِهِ عَفْوًا فَخُذْهُ، ولا تَسْألْ عَمّا وراءَ ذَلِكَ، قالُوا: كانَ هَذا قَبْلَ فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ
صفحة ٧٩
آيَةُ وُجُوبِ الزَّكاةِ صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً إلّا قَوْلَهُ: ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ بِإظْهارِ الدِّينِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ دَلائِلِهِ،﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ، قالُوا: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَعَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ جَمِيعُ الآيَةِ مَنسُوخَةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ تَخْصِيصَ قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ بِما ذَكَرَهُ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وأيْضًا فَهَذا الكَلامُ إذا حَمَلْناهُ عَلى أداءِ الزَّكاةِ لَمْ يَكُنْ إيجابُ الزَّكاةِ بِالمَقادِيرِ المَخْصُوصَةِ مُنافِيًا لِذَلِكَ، لِأنَّ آخِذَ الزَّكاةِ مَأْمُورٌ بِأنْ لا يَأْخُذَ كَرائِمَ أمْوالِ النّاسِ، ولا يُشَدِّدِ الأمْرَ عَلى المُزَكِّي، فَلَمْ يَكُنْ إيجابُ الزَّكاةِ سَبَبًا لِصَيْرُورَةِ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخَةً.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَصْبِرَ عَلى سُوءِ أخْلاقِهِمْ، وأنْ لا يُقابِلَ أقْوالَهُمُ الرَّكِيكَةَ ولا أفْعالَهُمُ الخَسِيسَةَ بِأمْثالِها، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى امْتِناعِهِ مِنَ القِتالِ، لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُؤْمَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإعْراضِ عَنِ الجاهِلِينَ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَناقِضِ أنْ يُقالَ الشّارِعُ لا يُقابِلُ سَفاهَتَهم بِمِثْلِها ولَكِنْ قاتَلَهم؛ وإذا كانَ الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مُمْكِنًا فَحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى التِزامِ النَّسْخِ، إلّا أنَّ الظّاهِرِيَّةَ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَشْغُوفُونَ بِتَكْثِيرِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا حاجَةٍ.
7:200Page 176
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو زَيْدٍ: «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَيْفَ يا رَبِّ والغَضَبُ ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ»﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ عِبارَةٌ عَنْ وساوِسِهِ ونَخْسِهِ في القَلْبِ بِما يُسَوِّلُ لِلْإنْسانِ مِنَ المَعاصِي، عَنْ أبِي زَيْدٍ: نَزَغْتُ بَيْنَ القَوْمِ إذا أفْسَدْتُ ما بَيْنَهم، وقِيلَ: النَّزْغُ الإزْعاجُ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ عِنْدَ الغَضَبِ، وأصْلُهُ الإزْعاجُ بِالحَرَكَةِ إلى الشَّرِّ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالعُرْفِ فَعِنْدَ ذَلِكَ رُبَّما يُهَيِّجُ سَفِيهٌ ويُظْهِرُ السَّفاهَةَ فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ تَعالى بِالسُّكُوتِ عَنْ مُقابَلَتِهِ فَقالَ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ عِنْدَ إقْدامِ السَّفِيهِ عَلى السَّفاهَةِ يُهَيِّجُ الغَضَبَ والغَيْظَ ولا يَبْقى الإنْسانُ عَلى حالَةِ السَّلامَةِ، وعِنْدَ تِلْكَ الحالَةِ يَجِدُ الشَّيْطانُ مَجالًا في حَمْلِ ذَلِكَ الإنْسانِ عَلى ما لا يَنْبَغِي، لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى ما يَجْرِي مَجْرى العِلاجِ لِهَذا الغَرَضِ فَقالَ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ الِاسْتِعاذَةِ قَدْ سَبَقَ في أوَّلِ الكِتابِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: لَوْلا أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ الرَّسُولِ الإقْدامُ عَلى المَعْصِيَةِ أوِ الذَّنْبِ، وإلّا لَمْ يَقُلْ لَهُ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ .
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: إنْ حَصَلَ في قَلْبِكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ، كَما أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أشْرَكَ.
صفحة ٨٠
وقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢] ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ حَصَلَ فِيهِما آلِهَةٌ.
الثّانِي: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في عِصْمَتِهِ، إنَّما القادِحُ في عِصْمَتِهِ لَوْ قَبِلَ الرَّسُولُ وسْوَسَتَهُ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما مِن إنْسانٍ إلّا ومَعَهُ شَيْطانٌ“ قالُوا: وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وأنا ولَكِنَّهُ أسْلَمَ بِعَوْنِ اللَّهِ، فَلَقَدْ أتانِي فَأخَذْتُ بِحَلْقِهِ، ولَوْلا دَعْوَةُ سُلَيْمانَ لَأصْبَحَ في المَسْجِدِ طَرِيحًا» . وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] .
الثّالِثُ: هَبْ أنّا سَلَّمْنا أنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْبَلُ أثَرَ وسْوَسَتِهِ، إلّا أنّا نَخُصُّ هَذِهِ الحالَةَ بِتَرْكِ الأفْضَلِ والأوْلى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وإنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» “ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ أنْ يَتَذَكَّرَ المَرْءُ عَظِيمَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وشَدِيدَ عِقابِهِ فَيَدْعُوهُ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلى الإعْراضِ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ والإقْبالِ عَلى أمْرِ الشَّرْعِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذا الخِطابُ وإنْ خَصَّ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ إلّا أنَّهُ تَأْدِيبٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ عَلى السَّبِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لُطْفٌ مانِعٌ مِن تَأْثِيرِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] وإذا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أنَّ لِهَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ أثَرًا في دَفْعِ نَزْغِ الشَّيْطانِ وجَبَتِ المُواظَبَةُ عَلَيْهِ في أكْثَرِ الأحْوالِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللِّسانِ لا تُفِيدُ إلّا إذا حَضَرَ في القَلْبِ العِلْمُ بِمَعْنى الِاسْتِعاذَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اذْكُرْ لَفْظَ الِاسْتِعاذَةِ بِلِسانِكَ فَإنِّي سَمِيعٌ، واسْتَحْضِرْ مَعانِيَ الِاسْتِعاذَةِ بِعَقْلِكَ وقَلْبِكَ فَإنِّي عَلِيمٌ بِما في ضَمِيرِكَ، وفي الحَقِيقَةِ القَوْلُ اللِّسانِيُّ بِدُونِ المَعارِفِ القَلْبِيَّةِ عَدِيمُ الفائِدَةِ والأثَرِ.
7:201Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ يَنْزَغُهُ الشَّيْطانُ وبَيَّنَ أنَّ عِلاجَ هَذِهِ الحالَةِ الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حالَ المُتَّقِينَ يَزِيدُ عَلى حالِ الرَّسُولِ في هَذا البابِ، لِأنَّ الرَّسُولَ لا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الشَّيْطانِ إلّا النَّزْغُ الَّذِي هو كالِابْتِداءِ في الوَسْوَسَةِ، وجَوَّزَ في المُتَّقِينَ ما يَزِيدُ عَلَيْهِ وهو أنْ يَمَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ، وهَذا المَسُّ يَكُونُ لا مَحالَةَ أبْلَغَ مِنَ النَّزْغِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (طَيْفٌ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ﴿طائِفٌ﴾ بِالألِفِ. قالَ
صفحة ٨١
الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتَلَفُوا في الطَّيْفِ فَقِيلَ إنَّهُ مَصْدٌ، وقالَ أبُو زَيْدٍ يُقالُ: طافَ يَطُوفُ طَوْفا وطَوافًا إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ، وأطافَ يُطِيفُ إطافَةً إذا جَعَلَ يَسْتَدِيرُ بِالقَوْمِ ويَأْتِيهِمْ مِن نَواحِيهِمْ، وطافَ الخَيالُ يَطِيفُ طَيْفًا إذا ألَمَّ في المَنامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ طَيْفٌ أصْلُهُ طَيِّفٌ، إلّا أنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا التَّشْدِيدَ، فَحَذَفُوا إحْدى الياءَيْنِ وأبْقَوْا ياءً ساكِنَةً، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هو مَصْدَرٌ، وعَلى ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ هو مِن بابٍ هَيْنٍ وهَيِّنٍ ومَيْتٍ ومَيِّتٍ، ويَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (إذا مَسَّهم طَيِّفٌ) بِالتَّشْدِيدِ، هَذا هو الأصْلُ في الطَّيْفِ، ثُمَّ سُمِّيَ الجُنُونُ والغَضَبُ والوَسْوَسَةُ طَيْفًا، لِأنَّهُ لَمَّةٌ مِن لَمَّةِ الشَّيْطانِ تُشْبِهُ لَمَّةَ الخَيالِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّيْفُ في كَلامِ العَرَبِ الجُنُونُ، ثُمَّ قِيلَ لِلْغَضَبِ طَيْفٌ، لِأنَّ الغَضْبانَ يُشْبِهُ المَجْنُونَ، وأمّا الطّائِفُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الطَّيْفِ، مِثْلَ العافِيَةِ والعاقِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا جاءَ المَصْدَرُ فِيهِ عَلى فاعِلٍ وفاعِلَةٍ، قالَ الفَرّاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: الطّائِفُ والطَّيْفُ سَواءٌ، وهو ما كانَ كالخَيالِ الَّذِي يُلِمُّ بِالإنْسانِ، ومِنهم مَن قالَ: الطَّيْفُ كالخَطْرَةِ والطّائِفُ كالخاطِرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ إنَّما يَهِيجُ بِالإنْسانِ إذا اسْتَقْبَحَ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ، ثُمَّ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ قادِرًا، واعْتَقَدَ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِ كَوْنَهُ عاجِزًا عَنِ الدَّفْعِ، فَعِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الِاعْتِقاداتِ الثَّلاثَةِ إذا كانَ واقِعًا في ظُلُماتِ عالَمِ الأجْسامِ فَيَغْتَرُّ بِظَواهِرِ الأُمُورِ، فَأمّا إذا انْكَشَفَ لَهُ نُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ زالَتْ هَذِهِ الِاعْتِقاداتُ الثَّلاثَةُ مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ.
أمّا الِاعْتِقادُ الأوَّلُ: وهو اسْتِقْباحُ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإذا انْكَشَفَ لَهُ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ فِيهِ داعِيَةً جازِمَةً راسِخَةً، ومَتى خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ تِلْكَ الدّاعِيَةَ امْتَنَعَ مِنهُ أنْ لا يَقْدَمَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، فَإذا تَجَلّى هَذا المَعْنى زالَ الغَضَبُ، وأيْضًا فَقَدْ يَخْطُرُ بِبالِ الإنْسانِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ هَذِهِ الحالَةَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَرْكِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَفِرُّ غَضَبُهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ“» .
وأمّا الِاعْتِقادُ الثّانِي والثّالِثُ: وهو اعْتِقادُهُ في نَفْسِهِ كَوْنَهُ قادِرًا، وكَوْنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ عاجِزًا، فَهَذانِ الِاعْتِقادانِ أيْضًا فاسِدانِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ كَمْ أساءَ في العَمَلِ، واللَّهُ كانَ قادِرًا عَلَيْهِ، وهو كانَ أسِيرًا في قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَجاوَزَ عَنْهُ.
وثانِيها: أنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ عاجِزٌ في يَدِ الغَضْبانِ، فَكَذَلِكَ الغَضْبانُ عاجِزٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ.
وثالِثُها: أنْ يَتَذَكَّرَ الغَضْبانُ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن تَرْكِ إمْضاءِ الغَضَبِ والرُّجُوعِ إلى تَرْكِ الإيذاءِ والإيحاشِ.
ورابِعُها: أنْ يَتَذَكَّرَ أنَّهُ إذا أمْضى الغَضَبَ وانْتَقَمَ كانَ شَرِيكًا لِلسِّباعِ المُؤْذِيَةِ والحَيّاتِ القاتِلَةِ، وإنْ تَرَكَ الِانْتِقامَ واخْتارَ العَفْوَ كانَ شَرِيكًا لِأكابِرِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ.
وخامِسُها: أنْ يَتَذَكَّرَ أنَّهُ رُبَّما انْقَلَبَ ذَلِكَ الضَّعِيفُ قَوِيًّا قادِرًا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِمُ مِنهُ عَلى أسْوَأِ الوُجُوهِ، أمّا إذا عَفا كانَ ذَلِكَ إحْسانًا مِنهُ إلَيْهِ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاعْتِقاداتِ الثَّلاثَةِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تُفِيدُ ضَعْفَ تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ إذا حَضَرَتْ هَذِهِ التَّذَكُّراتُ في عُقُولِهِمْ، فَفي الحالِ يَزُولُ مَسُّ طائِفِ الشَّيْطانِ، ويَحْصُلُ الِاسْتِبْصارُ والِانْكِشافُ والتَّجَلِّي ويَحْصُلُ الخَلاصُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ مَعْنى (إذا) هَهُنا لِلْمُفاجَأةِ، كَقَوْلِكَ خَرَجْتُ فَإذا زَيْدٌ، وإذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا مَسَّهُمْ﴾ يَسْتَدْعِي جَزاءً، كَقَوْلِكَ آتِيكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ.
7:202Page 176
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
صفحة ٨٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإخْوانُهُمْ﴾ إلى ماذا تَعُودُ عَلى قَوْلَيْنِ.
القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الأظْهَرُ أنَّ المَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّونَ الشَّياطِينَ في الغَيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ شَياطِينَ الإنْسِ إخْوانٌ لِشَياطِينِ الجِنِّ، فَشَياطِينُ الإنْسِ يُغْوُونَ النّاسَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إمْدادًا مِنهم لِشَياطِينِ الجِنِّ عَلى الإغْواءِ والإضْلالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ إخْوانَ الشَّياطِينِ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمُتَّقِينَ، فَإنَّ الشَّياطِينَ يَكُونُونَ مَدَدًا لَهم فِيهِ، والقَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ لِكُلِّ كافِرٍ أخًا مِنَ الشَّياطِينِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الإمْدادِ تَقْوِيَةُ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ والإقامَةُ عَلَيْها وشَغْلُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوفِ عَلى قَبائِحِها ومَعايِبِها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ (يَمُدُّونَهم) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِنَ الإمْدادِ، والباقُونَ (يَمُدُّونَهم) بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ، وهُما لُغَتانِ مَدَّ يَمُدُّ وأمَدَّ يُمِدُّ، وقِيلَ مَدَّ مَعْناهُ جَذَبَ، وأمَدَّ مَعْناهُ مِنَ الإمْدادِ.
قالَ الواحِدِيُّ: عامَّةُ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ مِمّا يُحْمَدُ ويُسْتَحَبُّ أمْدَدْتُ عَلى أفْعَلْتُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطُّورِ: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] وما كانَ بِخِلافِهِ فَإنَّهُ يَجِيءُ عَلى مَدَدْتُ قالَ: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥] فالوَجْهُ هَهُنا قِراءَةُ العامَّةِ وهي فَتْحُ الياءِ، ومَن ضَمَّ الياءَ اسْتَعْمَلَ ما هو الخَيْرُ لِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الإقْصارُ الكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ، قالَ أبُو زَيْدٍ: أقْصَرَ فُلانٌ عَنِ الشَّرِّ يُقْصِرُ إقْصارًا إذا كَفَّ عَنْهُ وانْتَهى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ عَنِ الضَّلالِ والإضْلالِ، أمّا الغاوِي فَفي الضَّلالِ وأمّا المُغْوِي فَفي الإضْلالِ.
7:203Page 176
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى: لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ لا يُقْصِرُونَ في الإغْواءِ والإضْلالِ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الإغْواءِ والإضْلالِ وهو أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ آياتٍ مُعَيَّنَةً ومُعْجِزاتٍ مَخْصُوصَةً عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] ثُمَّ أعادَ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَأْتِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ اجْتَبَيْتُ الكَلامَ واخْتَلَقْتُهُ وارْتَجَلْتُهُ إذا افْتَعَلْتَهُ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ، والمَعْنى لَوْلا تَقَوَّلْتَها وافْتَعَلْتَها وجِئْتَ بِها مِن عِنْدِ نَفْسِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سَبَأٍ: ٤٣] أوْ يُقالُ هَلّا اقْتَرَحْتَها عَلى إلَهِكَ ومَعْبُودِكَ إنْ كُنْتَ صادِقًا في أنَّ اللَّهَ
صفحة ٨٣
يَقْبَلُ دُعاءَكَ ويُجِيبُ التِماسَكَ ! وعِنْدَ هَذا أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ الشّافِيَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ ومَعْناهُ لَيْسَ لِي أنْ أقْتَرِحَ عَلى رَبِّي في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وإنَّما أنْتَظِرُ الوَحْيَ فَكُلُّ شَيْءٍ أكْرَمَنِي بِهِ قُلْتُهُ، وإلّا فالواجِبُ السُّكُوتُ وتَرْكُ الِاقْتِراحِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الإتْيانِ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحَها لا يَقْدَحُ في الغَرَضِ، لِأنَّ ظُهُورَ القُرْآنِ عَلى وفْقِ دَعْواهُ مُعْجِزَةٌ بالِغَةٌ باهِرَةٌ، فَإذا ظَهَرَتْ هَذِهِ المُعْجِزَةُ الواحِدَةُ كانَتْ كافِيَةً في تَصْحِيحِ النُّبُوَّةِ، فَكانَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّعَنُّتِ، فَذَكَرَ في وصْفِ القُرْآنِ ألْفاظًا ثَلاثَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أصْلُ البَصِيرَةِ الإبْصارُ، ولَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِبَصائِرِ العُقُولِ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ البَصِيرَةِ، تَسْمِيَةً لِلسَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبِّبِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُدًى﴾ والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ وما قَبْلَها أنَّ النّاسَ في مَعارِفِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: الَّذِينَ بَلَغُوا في هَذِهِ المَعارِفِ إلى حَيْثُ صارُوا كالمُشاهِدِينَ لَها وهم أصْحابُ عَيْنِ اليَقِينِ.
والثّانِي: الَّذِينَ ما بَلَغُوا إلى ذَلِكَ الحَدِّ إلّا أنَّهم وصَلُوا إلى دَرَجاتِ المُسْتَدِلِّينَ، وهم أصْحابُ عِلْمِ اليَقِينِ، فالقُرْآنُ في حَقِّ الأوَّلِينَ وهُمُ السّابِقُونَ بَصائِرُ، وفي حَقِّ القِسْمِ الثّانِي وهُمُ المُقْتَصِدُونَ هَدًى، وفي حَقِّ عامَّةِ المُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ، ولَمّا كانَتِ الفِرَقُ الثَّلاثُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا جَرَمَ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences