Ar-RaziAl‑A'raf · 7:204–205

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:204–205

7:204Page 176

وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤

So when the Qur’ān is recited, then listen to it and pay attention that you may receive mercy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ شَأْنَ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الإنْصاتُ السُّكُوتُ والِاسْتِماعُ، يُقالُ: نَصَتَ، وأنْصَتَ، وانْتَصَتَ، بِمَعْنًى واحِدٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ أمْرٌ، وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، فَمُقْتَضاهُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِماعُ والسُّكُوتُ واجِبًا، ولِلنّاسِ فِيهِ أقْوالٌ.

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَوْلُ أهْلِ الظّاهِرِ: أنّا نُجْرِي هَذِهِ الآيَةَ عَلى عُمُومِها فَفي أيِّ مَوْضِعٍ قَرَأ الإنْسانُ القُرْآنَ وجَبَ عَلى كُلِّ أحَدٍ اسْتِماعُهُ والسُّكُوتُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ الإنْصاتُ لِعابِرِي الطَّرِيقِ ومُعَلِّمِي الصِّبْيانِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في تَحْرِيمِ الكَلامِ في الصَّلاةِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأُمِرُوا بِالإنْصاتِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي وهم في الصَّلاةِ فَيَسْألُهم، كَمْ صَلَّيْتُمْ وكَمْ بَقِيَ ؟ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلاةِ بِحَوائِجِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تَرْكِ الجَهْرِ بِالقِراءَةِ وراءَ الإمامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ وقَرَأ أصْحابُهُ وراءَهُ رافِعِينَ أصْواتَهم، فَخَلَطُوا عَلَيْهِ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ.

صفحة ٨٤

القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في السُّكُوتِ عِنْدَ الخُطْبَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ، وهَذا القَوْلُ مَنقُولٌ عَنِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قَدِ اسْتَبْعَدَ هَذا القَوْلَ، وقالَ: اللَّفْظُ عامٌّ وكَيْفَ يَجُوزُ قَصْرُهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ الواحِدَةِ. وأقُولُ هَذا القَوْلُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّ لَفْظَةَ إذا تُفِيدُ الِارْتِباطَ ولا تُفِيدُ التَّكْرارَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَدَخَلَتِ الدّارَ مَرَّةً واحِدَةً طُلِّقَتْ طَلْقَةً واحِدَةً، فَإذا دَخَلَتِ الدّارَ ثانِيًا لَمْ تُطَلَّقْ بِالِاتِّفاقِ لِأنَّ كَلِمَةَ (إذا) لا تُفِيدُ التَّكْرارَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ لا يُفِيدُ إلّا وُجُوبَ الإنْصاتِ مَرَّةً واحِدَةً، فَلَمّا أوْجَبْنا الِاسْتِماعَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ في الخُطْبَةِ، فَقَدْ وفَّيْنا بِمُوجَبِ اللَّفْظِ ولَمْ يَبْقِ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى ما وراءَ هَذِهِ الصُّورَةِ، سَلَّمْنا أنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَسْكُتُ الإمامُ، وحِينَئِذٍ يَقْرَأُ المَأْمُومُ الفاتِحَةَ في حالِ سَكْتَةِ الإمامِ، كَما قالَ أبُو سَلَمَةَ: لِلْإمامِ سَكْتَتانِ، فاغْتَنِمِ القِراءَةَ في أيِّهِما شِئْتَ، وهَذا السُّؤالُ أوْرَدَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ .

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: سُكُوتُ الإمامِ إمّا أنْ نَقُولَ: إنَّهُ مِنَ الواجِباتِ أوْ لَيْسَ مِنَ الواجِباتِ، والأوَّلُ باطِلٌ بِالإجْماعِ والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَجُوزَ لَهُ أنْ لا يَسْكُتَ. فَبِتَقْدِيرِ: أنْ لا يَسْكُتَ يَلْزَمُ أنْ تَحْصُلَ قِراءَةُ المَأْمُومِ مَعَ قِراءَةِ الإمامِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ الِاسْتِماعِ، وإلى تَرْكِ السُّكُوتِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ النَّصِّ، وأيْضًا فَهَذا السُّكُوتُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْدُودٌ ومِقْدارٌ مَخْصُوصٌ، والسَّكْتَةُ لِلْمَأْمُومِينَ مُخْتَلِفَةٌ بِالثِّقَلِ والخِفَّةِ، فَرُبَّما لا يَتَمَكَّنُ المَأْمُومُ مِن إتْمامِ قِراءَةِ الفاتِحَةِ في مِقْدارِ سُكُوتِ الإمامِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ المَحْذُورُ المَذْكُورُ، وأيْضًا فالإمامُ إنَّما يَبْقى ساكِتًا لِيَتَمَكَّنَ المَأْمُومُ مِن إتْمامِ القِراءَةِ، وحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ الإمامُ مَأْمُومًا، والمَأْمُومُ إمامًا، لِأنَّ الإمامَ في هَذا السُّكُوتِ يَصِيرُ كالتّابِعِ لِلْمَأْمُومِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ الَّذِي أوْرَدَهُ الواحِدِيُّ غَيْرُ جائِزٍ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ سُؤالًا ثانِيًا عَلى التَّمَسُّكِ بِالآيَةِ، فَقالَ: إنَّ الإنْصاتَ هو تَرْكُ الجَهْرِ، والعَرَبُ تُسَمِّي تارِكَ الجَهْرِ مُنْصِتًا، وإنْ كانَ يَقْرَأُ في نَفْسِهِ إذا لَمْ يُسْمِعْ أحَدًا.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أوَّلًا بِالِاسْتِماعِ، واشْتِغالُهُ بِالقِراءَةِ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِماعِ، لِأنَّ السَّماعَ غَيْرٌ، والِاسْتِماعَ غَيْرٌ، فالِاسْتِماعُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يُحِيطُ بِذَلِكَ الكَلامِ المَسْمُوعِ عَلى الوَجْهِ الكامِلِ، قالَ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] والمُرادُ ما ذَكَرْناهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا وظَهَرَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالقِراءَةِ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِماعِ عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِماعِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ القِراءَةِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ وهو المُعْتَمَدُ أنْ نَقُولَ: الفُقَهاءُ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ فَهَبْ أنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ يُوجِبُ سُكُوتَ المَأْمُومِ عِنْدَ قِراءَةِ الإمامِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» “، وقَوْلَهُ: ”«لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ» “ أخَصُّ مِن ذَلِكَ العُمُومِ، وثَبَتَ أنَّ تَخْصِيصَ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ لازِمٌ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا الخَبَرِ، وهَذا السُّؤالُ حَسَنٌ.

والسُّؤالُ الرّابِعُ: أنْ نَقُولَ: مَذْهَبُ مالِكٍ وهو القَوْلُ القَدِيمُ لِلشّافِعِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أنْ يَقْرَأ الفاتِحَةَ في الصَّلَواتِ الجَهْرِيَّةِ، عَمَلًا بِمُقْتَضى هَذا النَّصِّ، ويَجِبُ عَلَيْهِ القِراءَةُ في الصَّلَواتِ السِّرِّيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وهَذا أيْضًا سُؤالٌ حَسَنٌ.

وفِي الآيَةِ قَوْلٌ خامِسٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:

صفحة ٨٥

﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ في ابْتِداءِ التَّبْلِيغِ ولَيْسَ خِطابًا مَعَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ مُناسِبٌ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامًا مِنَ الكُفّارِ يَطْلُبُونَ آياتٍ مَخْصُوصَةً ومُعْجِزاتٍ مَخْصُوصَةً، فَإذا كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْتِيهِمْ بِها قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ جَوابًا عَنْ كَلامِهِمْ إنَّهُ لَيْسَ لِي أنْ أقْتَرِحَ عَلى رَبِّي، ولَيْسَ لِي إلّا أنْ أنْتَظِرَ الوَحْيَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما تَرَكَ الإتْيانَ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ تامَّةٌ كافِيَةٌ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ وعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَوْ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ المُرادُ مِنهُ قِراءَةُ المَأْمُومِ خَلْفَ الإمامِ لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها تَعَلُّقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وانْقَطَعَ النَّظْمُ، وحَصَلَ فَسادُ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ شَيْئًا آخَرَ سِوى هَذا الوَجْهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لَمّا ادَّعى كَوْنَ القُرْآنِ بَصائِرَ وهُدًى ورَحْمَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا بِشَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهو أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ اسْتَمَعُوا لَهُ وأنْصَتُوا حَتّى يَقِفُوا عَلى فَصاحَتِهِ، ويُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَهم كَوْنُهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَسْتَعِينُوا بِهَذا القُرْآنِ عَلى طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، ويَظْهَرُ لَهم صِدْقُ قَوْلِهِ في صِفَةِ القُرْآنِ أنَّهُ (بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ) فَثَبَتَ أنّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتَقامَ النَّظْمُ وحَصَلَ التَّرْتِيبُ الحَسَنُ المُفِيدُ، ولَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى مَنعِ المَأْمُومِ مِنَ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ فَسَدَ النَّظْمُ واخْتَلَّ التَّرْتِيبُ، فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ عِنْدَ قِراءَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ في مَعْرِضِ الِاحْتِجاجِ بِكَوْنِهِ مُعْجِزًا عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وعِنْدَ هَذا يَسْقُطُ اسْتِدْلالُ الخُصُومِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى، وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦] فَلَمّا حَكى عَنْهم ذَلِكَ ناسَبَ أنْ يَأْمُرَهم بِالِاسْتِماعِ والسُّكُوتِ حَتّى يُمْكِنَهُمُ الوُقُوفُ عَلى ما في القُرْآنِ مِنَ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ البالِغَةِ إلى حَدِّ الإعْجازِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَحَكَمَ تَعالى بِكَوْنِ هَذا القُرْآنِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ والجَزْمِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَوْ كانَ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ لَما قالَ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ لِأنَّهُ جَزَمَ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِ القُرْآنِ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ قَطْعًا فَكَيْفَ يَقُولُ بَعْدَهُ مِن غَيْرِ فَصْلٍ لَعَلَّ اسْتِماعَ القُرْآنِ يَكُونُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ أمّا إذا قُلْنا: إنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ هُمُ الكافِرُونَ، صَحَّ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ لِأنَّ المَعْنى؛ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا فَلَعَلَّكم تَطَّلِعُونَ عَلى ما فِيهِ مِن دَلائِلِ الإعْجازِ، فَتُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ فَتَصِيرُوا مَرْحُومِينَ، فَثَبَتَ أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قُلْناهُ حَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ولَوْ قُلْنا إنَّ الخِطابَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْسُنْ ذِكْرُ لَفْظِ ”لَعَلَّ“ فِيهِ. فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ

صفحة ٨٦

اسْتِدْلالُ الخَصْمِ بِهِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، لِأنّا بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ هَذا الخِطابَ ما يَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما تَناوَلَ الكُفّارَ في أوَّلِ زَمانِ تَبْلِيغِ الوَحْيِ والدَّعْوَةِ.

7:205Page 176

وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥

And remember your Lord within yourself in humility and in fear without being apparent in speech - in the mornings and the evenings. And do not be among the heedless.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ والآصالِ ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ اعْلَمْ أنَّ قارِئًا يَقْرَأُ القُرْآنَ بِصَوْتٍ عالٍ حَتّى يُمْكِنَهُمُ اسْتِماعُ القُرْآنَ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ القارِئَ لَيْسَ إلّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جارِيَةً مَجْرى أمْرِ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقْرَأ القُرْآنَ عَلى القَوْمِ بِصَوْتٍ عالٍ رَفِيعٍ، وإنَّما أمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ والرِّسالَةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أرْدَفَ ذَلِكَ الأمْرَ، بِأنْ أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ في نَفْسِهِ، والفائِدَةُ فِيهِ: أنَّ انْتِفاعَ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ إنَّما يَكْمُلُ إذا وقَعَ الذِّكْرُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأنَّهُ بِهَذا الشَّرْطِ أقْرَبُ إلى الإخْلاصِ والتَّضَرُّعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِالذِّكْرِ مُقَيَّدًا بِقُيُودٍ:

القَيْدُ الأوَّلُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ والمُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ في نَفْسِهِ كَوْنُهُ عارِفًا بِمَعانِي الأذْكارِ الَّتِي يَقُولُها بِلِسانِهِ مُسْتَحْضِرًا لِصِفاتِ الكَمالِ والعِزِّ والعُلُوِّ والجَلالِ والعَظَمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ إذا كانَ عارِيًا عَنِ الذِّكْرِ بِالقَلْبِ كانَ عَدِيمَ الفائِدَةِ، ألا تَرى أنَّ الفُقَهاءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: بِعْتُ واشْتَرَيْتُ مَعَ أنَّهُ لا يَعْرِفُ مَعانِيَ هَذِهِ الألْفاظِ ولا يَفْهَمُ مِنها شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَنْعَقِدُ البَيْعُ والشِّراءُ، فَكَذا هَهُنا، ويَتَفَرَّعُ عَلى ما ذَكَرْنا أحْكامٌ:

الحُكْمُ الأوَّلُ

سَمِعْتُ أنَّ بَعْضَ الأكابِرِ مِن أصْحابِ القُلُوبِ كانَ إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ واحِدًا مِنَ المُرِيدِينَ بِالخَلْوَةِ والذِّكْرِ أمَرَهُ بِالخَلْوَةِ والتَّصْفِيَةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عِنْدَ اسْتِكْمالِ هَذِهِ المُدَّةِ وحُصُولِ التَّصْفِيَةِ التّامَّةِ، يَقْرَأُ عَلَيْهِ الأسْماءَ التِّسْعَةَ والتِّسْعِينَ، ويَقُولُ لِذَلِكَ المُرِيدِ اعْتَبِرْ حالَ قَلْبِكَ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ الأسْماءِ، فَكُلُّ اسْمٍ وجَدْتَ قَلْبَكَ عِنْدَ سَماعِهِ قَوِيَ تَأثُّرُهُ وعَظُمَ شَوْقُهُ، فاعْرِفْ أنَّ اللَّهَ إنَّما يَفْتَحُ أبْوابَ المُكاشَفاتِ عَلَيْكَ بِواسِطَةِ المُواظَبَةِ عَلى ذِكْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ بِعَيْنِهِ، وهَذا طَرِيقٌ حَسَنٌ لَطِيفٌ في هَذا البابِ.

الحُكْمُ الثّانِي

قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى إثْباتِ كَلامِ النَّفْسِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ في نَفْسِهِ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِحُصُولِ الذِّكْرِ النَّفْسانِيِّ ولا مَعْنى لِكَلامِ النَّفْسِ إلّا ذَلِكَ.

صفحة ٨٧

فَإنْ قالُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ النَّفْسانِيِّ العِلْمَ والمَعْرِفَةَ ؟ .

قُلْنا: هَذا باطِلٌ لِأنَّ الإنْسانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ ابْتِداءً لِأنَّهُ إمّا أنْ يَطْلُبَهُ حالَ حُصُولِهِ أوْ حالَ عَدَمِ حُصُولِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَحْصِيلَ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّ ما لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا كانَ الذِّهْنُ غافِلًا عَنْهُ، والغافِلُ عَنِ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ طالِبًا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْإنْسانِ عَلى تَحْصِيلِ التَّصَوُّراتِ، فامْتَنَعَ وُرُودُ الأمْرِ بِهِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُرُودِ الأمْرِ بِالذِّكْرِ النَّفْسانِيِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ النَّفْسانِيُّ مَعْنًى مُغايِرًا لِلْمَعْرِفَةِ والعِلْمِ والتَّصَوُّرِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.

الحُكْمُ الثّالِثُ

أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: واذْكُرْ إلَهَكَ ولا سائِرَ الأسْماءِ، وإنَّما سَمّاهُ في هَذا المَقامِ بِاسْمِ كَوْنِهِ رَبًّا وأضافَ نَفْسَهُ إلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الرَّحْمَةِ والتَّقْرِيبِ والفَضْلِ والإحْسانِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَصِيرَ العَبْدُ فَرِحًا عِنْدَ سَماعِ هَذا الِاسْمِ، لِأنَّ لَفْظَ الرَّبِّ مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ والفَضْلِ، وعِنْدَ سَماعِ هَذا الِاسْمِ يَتَذَكَّرُ العَبْدُ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وبِالحَقِيقَةِ لا يَصِلُ عَقْلُهُ إلى أقَلِّ أقْسامِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٤، والنَّحْلِ: ١٨] فَعِنْدَ انْكِشافِ هَذا المَقامِ في القَلْبِ يَقْوى الرَّجاءُ، فَإذا سَمِعَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ عَظُمَ الخَوْفُ، وحِينَئِذٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ مُوجِباتُ الرَّجاءِ ومُوجِباتُ الخَوْفِ، وعِنْدَهُ يَكْمُلُ الإيمانُ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “ إلّا أنَّ هَهُنا دَقِيقَةً، وهي أنَّ سَماعَ لَفْظِ الرَّبِّ يُوجِبُ الرَّجاءَ، وسَماعَ لَفْظِ التَّضَرُّعِ والخِيفَةِ يُوجِبُ الخَوْفَ، فَلَمّا وقَعَ الِابْتِداءُ بِما يُوجِبُ الرَّجاءَ عَلِمْنا أنْ جانِبَ الرَّجاءِ أقْوى.

القَيْدُ الثّانِي مِنَ القُيُودِ المُعْتَبَرَةِ في الذِّكْرِ: حُصُولُ التَّضَرُّعِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَضَرُّعًا﴾ وهَذا القَيْدُ مُعْتَبَرٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والمَعْقُولُ. أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأنْعامِ: ٦٣]، وأمّا المَعْقُولُ: فَلِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ إنَّما يَحْصُلُ بِانْكِشافِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: عِزَّةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَتِمُّ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ .

الثّانِي: بِمُشاهَدَةِ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ إنَّما يَكْمُلُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَضَرُّعًا﴾ فالِانْتِقالُ مِنَ الذِّكْرِ إلى التَّضَرُّعِ يُشْبِهُ النُّزُولَ مِنَ المِعْراجِ، والِانْتِقالُ مِنَ التَّضَرُّعِ إلى الذِّكْرِ يُشْبِهُ الصُّعُودَ، وبِهِما يَتِمُّ مِعْراجُ الأرْواحِ القُدْسِيَّةِ، وهَهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ مِن لَوازِمِها التَّضَرُّعُ والخَوْفُ، والذِّكْرُ القَلْبِيُّ يَمْتَنِعُ انْفِكاكُهُ عَنِ التَّضَرُّعِ والخَوْفِ، فَما الفائِدَةُ في اعْتِبارِ هَذا التَّضَرُّعِ والخَوْفِ ؟ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المَعْرِفَةَ لا يَلْزَمُها التَّضَرُّعُ والخَوْفُ عَلى الإطْلاقِ، لِأنَّهُ رُبَّما اسْتَحْكَمَ في عَقْلِ الإنْسانِ أنَّهُ تَعالى لا يُعاقِبُ أحَدًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ العِقابَ إيذاءٌ لِلْغَيْرِ، ولا فائِدَةَ لِلْحَقِّ فِيهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لا يُعَذِّبُ، فَإذا اعْتَقَدَ هَذا لَمْ يَكْمُلِ التَّضَرُّعُ والخَوْفُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ نَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ.

وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الخَوْفَ عَلى قِسْمَيْنِ:

الأوَّلُ: خَوْفُ العِقابِ، وهو مَقامُ المُبْتَدِئِينَ.

والثّانِي: خَوْفُ الجَلالِ وهو مَقامُ المُحَقِّقِينَ، وهَذا الخَوْفُ مُمْتَنِعُ الزَّوالِ، وكُلُّ مَن كانَ أعْرَفَ بِجَلالِ اللَّهِ كانَ هَذا الخَوْفُ في قَلْبِهِ أكْمَلَ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا الجَوابِ بِأنَّ لِأصْحابِ المُكاشَفاتِ مَقامَيْنِ: مُكاشَفَةُ الجَمالِ، ومُكاشَفَةُ الجَلالِ، فَإذا كُوشِفُوا بِالجَمالِ عاشُوا، وإذا كُوشِفُوا بِالجَلالِ طاشُوا، ولا بُدَّ في مَقامِ الذِّكْرِ مِن رِعايَةِ الجانِبَيْنِ.

صفحة ٨٨

القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وخِيفَةً﴾ وفي قِراءَةٍ أُخْرى: (وخِفْيَةً) وقالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها ”خِوْفَةً“ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، أقُولُ هَذا الخَوْفُ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: خَوْفُ التَّقْصِيرِ في الأعْمالِ.

وثانِيها: خَوْفُ الخاتِمَةِ، والمُحَقِّقُونَ خَوْفُهم مِنَ السّابِقَةِ، لِأنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ في الخاتِمَةِ ما سَبَقَ الحُكْمُ بِهِ في الفاتِحَةِ، ولِذَلِكَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ“ .

وثالِثُها: خَوْفُ أنِّي كَيْفَ أُقابِلُ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي لا حَصْرَ لَها ولا حَدَّ بِطاعاتِي النّاقِصَةِ وأذْكارِي القاصِرَةِ ؟ وكانَ الشَّيْخُ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ يَقُولُ: الشُّكْرُ شِرْكٌ، فَسَألُونِي عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ فَقُلْتُ: لَعَلَّ المُرادَ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ مَن حاوَلَ مُقابَلَةَ وُجُوهِ إحْسانِ اللَّهِ بِشُكْرِهِ فَقَدْ أشْرَكَ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَصِيرُ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: مِنكَ النِّعْمَةُ ومِنِّي الشُّكْرُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا شِرْكٌ، فَأمّا إذا أتى بِالشُّكْرِ مَعَ خَوْفِ التَّقْصِيرِ ومَعَ الِاعْتِرافِ بِالذُّلِّ والخُضُوعِ فَهُناكَ يُشَمُّ فِيهِ رائِحَةُ العُبُودِيَّةِ.

وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ: وهو قَوْلُهُ: (وخُفْيَةً) فالإخْفاءُ في حَقِّ المُبْتَدِينَ يُرادُ لِصَوْنِ الطّاعاتِ عَنْ شَوائِبِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ، وفي حَقِّ المُنْتَهِينَ المُقَرَّبِينَ مَنشَؤُهُ الغَيْرَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَحَبَّةَ إذا اسْتَكْمَلَتْ أوْجَبَتِ الغَيْرَةَ، فَإذا كَمُلَ هَذا التَّوَغُّلُ وحَصَلَ الفَناءُ، وقَعَ الذِّكْرُ في حِينِ الإخْفاءِ بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ اللَّهَ كَلَّ لِسانُهُ» “ .

القَيْدُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ والمُرادُ مِنهُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ الذِّكْرُ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءُ: ١١٠] وقالَ عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ المَعْنى أنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ عَلى وجْهٍ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، فَإنَّ المُرادَ حُصُولُ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ، والذِّكْرُ اللِّسانِيُّ إذا كانَ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ فَإنَّهُ يَتَأثَّرُ الخَيالُ مِن ذَلِكَ الذِّكْرِ، وتَأثُّرُ الخَيالِ يُوجِبُ قُوَّةً في الذِّكْرِ القَلْبِيِّ الرُّوحانِيِّ، ولا يَزالُ يَتَقَوّى كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْكانِ الثَّلاثَةِ، وتَنْعَكِسُ أنْوارُ هَذِهِ الأذْكارِ مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وتَصِيرُ هَذِهِ الِانْعِكاساتُ سَبَبًا لِمَزِيدِ القُوَّةِ والجَلاءِ والِانْكِشافِ والتَّرَقِّي مِن حَضِيضِ ظُلُماتِ عالَمِ الأجْسامِ إلى أنْوارِ مُدَبِّرِ النُّورِ والظَّلامِ.

* * *

والقَيْدُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ ”الغُدُوِّ“ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مَصْدَرٌ يُقالُ غَدَوْتُ أغْدُو غَدْوًا وغُدُوًّا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ [سَبَأٍ: ١٢] أيْ غُدُوُّها لِلسَّيْرِ، ثُمَّ سُمِّيَ وقْتُ الغُدُوِّ غُدُوًّا، كَما يُقالُ: دَنا الصَّباحُ أيْ وقْتُهُ، ودَنا المَساءُ أيْ وقْتُهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الغُدُوُّ جَمْعُ غُدْوَةٍ، قالَ اللَّيْثُ: الغُدُوُّ جَمْعٌ مِثْلُ الغَدَواتِ وواحِدُ الغَدَواتِ غُدْوَةً، وأمّا﴿والآصالِ﴾ فَقالَ الفَرّاءُ: واحِدُها أُصُلٌ وواحِدُ الأُصُلِ الأصِيلُ، قالَ يُقالُ جِئْناهم مُؤَصِّلِينَ أيْ عِنْدَ الآصالِ، ويُقالُ الأصِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأصْلِ، واليَوْمُ بِلَيْلَتِهِ إنَّما يَبْتَدِئُ بِالشُّرُوعِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، وآخَرُ نَهارِ كُلِّ يَوْمٍ مُتَّصِلٌ بِأوَّلِ لَيْلِ اليَوْمِ الثّانِي، فَسُمِّيَ آخِرُ النَّهارِ أصِيلًا، لِكَوْنِهِ مُلاصِقًا لِما هو الأصْلُ لِلْيَوْمِ الثّانِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خُصَّ الغُدُوُّ والآصالُ بِهَذا الذِّكْرِ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنْ عِنْدَ الغَدْوَةِ انْقَلَبَ الإنْسانُ مِنَ النَّوْمِ الَّذِي هو كالمَوْتِ إلى اليَقَظَةِ الَّتِي هي كالحَياةِ، والعالَمُ انْقَلَبَ مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي هي طَبِيعَةٌ عَدَمِيَّةٌ إلى النُّورِ

صفحة ٨٩

الَّذِي هو طَبِيعَةٌ وُجُودِيَّةٌ. وأمّا عِنْدَ الآصالِ فالأمْرُ بِالضِّدِّ لِأنَّ الإنْسانَ يَنْقَلِبُ فِيهِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ، والعالَمُ يَنْقَلِبُ فِيهِ مِنَ النُّورِ الخالِصِ إلى الظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وفي هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ يَحْصُلُ هَذانِ النَّوْعانِ مِنَ التَّغْيِيرِ العَجِيبِ القَوِيِّ القاهِرِ، ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّغْيِيرِ إلّا الإلَهُ المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ الباهِرَةِ والقُدْرَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ العَجِيبَةِ خَصَّ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِالأمْرِ بِالذِّكْرِ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: ذَكَرَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ والمُرادُ مُداوَمَةُ الذِّكْرِ والمُواظَبَةُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الإمْكانِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [الأعْرافِ: ١٩١] لَوْ حَصَلَ لِابْنِ آدَمَ حالَةٌ رابِعَةٌ سِوى هَذِهِ الأحْوالِ لَأمَرَ اللَّهُ بِالذِّكْرِ عِنْدَها، والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذِّكْرِ عَلى الدَّوامِ.

والقَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ حاصِلًا في كُلِّ الأوْقاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُنْ مِنَ الغافِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ القَلْبِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا، وأنْ لا يَغْفُلَ الإنْسانُ لَحْظَةً واحِدَةً عَنِ اسْتِحْضارِ جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ والقُوَّةِ الإنْسانِيَّةِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ وبَيْنَ البَدَنِ عَلاقَةً عَجِيبَةً، لِأنَّ كُلَّ أثَرٍ حَصَلَ في جَوْهَرِ الرُّوحِ نَزَلَ مِنهُ أثَرٌ إلى البَدَنِ، وكُلُّ حالَةٍ حَصَلَتْ في البَدَنِ صَعَدَتْ مِنها نَتائِجُ إلى الرُّوحِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا تَخَيَّلَ الشَّيْءَ الحامِضَ ضَرِسَ سِنُّهُ، وإذا تَخَيَّلَ حالَةً مَكْرُوهَةً وغَضِبَ سَخِنَ بَدَنُهُ، فَهَذِهِ آثارٌ تَنْزِلُ مِنَ الرُّوحِ إلى البَدَنِ، وأيْضًا إذا واظَبَ الإنْسانُ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ وكَرَّرَهُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ حَصَلَتْ مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ راسِخَةٌ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، فَهَذِهِ آثارٌ صَعِدَتْ مِنَ البَدَنِ إلى النَّفْسِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا حَضَرَ الذِّكْرَ اللِّسانِيَّ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ حَصَلَ أثَرٌ مِن ذَلِكَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ في الخَيالِ، ثُمَّ يَصْعَدُ مِن ذَلِكَ الأثَرِ الخَيالِيِّ مَزِيدُ أنْوارٍ وجَلايا إلى جَوْهَرِ الرُّوحِ، ثُمَّ تَنْعَكِسُ مِن تِلْكَ الإشْراقاتِ الرُّوحانِيَّةِ آثارٌ زائِدَةٌ إلى اللِّسانِ ومِنهُ إلى الخَيالِ، ثُمَّ مَرَّةً أُخْرى إلى العَقْلِ، ولا يَزالُ تَنْعَكِسُ هَذِهِ الأنْوارُ مِن هَذِهِ المَرايا بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ويَتَقَوّى بَعْضُها بِبَعْضٍ ويَسْتَكْمِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِتَزايُدِ أنْوارِ المَراتِبِ، لا جَرَمَ لا نِهايَةَ لِسَفَرِ العارِفِينَ في هَذِهِ المَقاماتِ العالِيَةِ القُدْسِيَّةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، ومَطْلُوبٌ لا نِهايَةَ لَهُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ المُكَلَّفِينَ، ولِكُلِّ أحَدٍ دَرَجَةٌ مَخْصُوصَةٌ ومَرْتَبَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِ جَوْهَرِ نَفْسِهِ النّاطِقَةِ كَما قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافاتِ: ١٦٤] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском