Ar-RaziAl‑A'raf · 7:20–26

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:20–26

7:20Page 152

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

يُقالُ: وسْوَسَ إذا تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرُهُ، وبِهِ سُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسْواسًا وهو فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، كَقَوْلِنا: ولَوْلَتِ المَرْأةُ، وقَوْلِنا: وعْوَعَ الذِّئْبُ، ورَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الواوِ ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِالفَتْحِ، ولَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ، وهو الَّذِي يُلْقى إلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، ووَسْوَسَ إلَيْهِ ألْقاها إلَيْهِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ وسْوَسَ إلَيْهِ وآدَمُ كانَ في الجَنَّةِ وإبْلِيسُ أُخْرِجَ مِنها ؟

والجَوابُ: قالَ الحَسَنُ: كانَ يُوَسْوِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ وإلى الجَنَّةِ بِالقُوَّةِ الفَوْقِيَّةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: بَلْ كانَ آدَمُ وإبْلِيسُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ كانَتْ بَعْضَ جَنّاتِ الأرْضِ، والَّذِي يَقُولُهُ بَعْضُ النّاسِ مِن أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ، ودَخَلَتِ الحَيَّةُ في الجَنَّةِ فَتِلْكَ القِصَّةُ الرَّكِيكَةُ مَشْهُورَةٌ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ آدَمَ وحَوّاءَ رُبَّما قَرُبا مِن بابِ الجَنَّةِ، وكانَ إبْلِيسُ واقِفًا مِن خارِجِ الجَنَّةِ عَلى بابِها، فَيَقْرُبُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وتَحْصُلُ الوَسْوَسَةُ هُناكَ.

السُّؤالُ الثّانِي: إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْرِفُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ إبْلِيسَ مِنَ العَداوَةِ فَكَيْفَ قَبِلَ قَوْلَهُ

والجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ لَقِيَ آدَمَ مِرارًا كَثِيرَةً ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَةِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ: فَلِأجْلِ المُواظَبَةِ والمُداوَمَةِ عَلى هَذا التَّمْوِيهِ أثَّرَ كَلامُهُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٣٩

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ .

والجَوابُ: مَعْنى وسْوَسَ لَهُ أيْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ في هَذا اللّامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ (القَصَصِ: ٨) وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمْ يَقْصِدْ بِالوَسْوَسَةِ ظُهُورَ عَوْرَتِهِما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُما إنْ أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْراتُهُما، وإنَّما كانَ قَصْدُهُ أنْ يَحْمِلَهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَقَطْ.

الثّانِي: لا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ لامُ الغَرَضِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ العَوْرَةِ كِنايَةً عَنْ سُقُوطِ الحُرْمَةِ وزَوالِ الجاهِ، والمَعْنى: أنَّ غَرَضَهُ مِن إلْقاءِ تِلْكَ الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ زَوالُ حُرْمَتِهِ وذَهابُ مَنصِبِهِ.

والثّانِي: لَعَلَّهُ رَأى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ سَمِعَ مِن بَعْضِ المَلائِكَةِ، أنَّهُ إذا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ بَدَتْ عَوْرَتُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ الضَّرَرِ وسُقُوطِ الحُرْمَةِ، فَكانَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ لِحُصُولِ هَذا الغَرَضِ.

* * *

وقَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ فِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ما وُورِيَ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواراةِ يُقالُ: وارَيْتُهُ أيْ سَتَرْتُهُ. قالَ تَعالى: ﴿يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ . «وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ لَمّا أخْبَرَهُ بِوَفاةِ أبِيهِ: اذْهَبْ فَوارِهِ» .

البَحْثُ الثّانِي: السَّوْءَةُ فَرْجُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، وذَلِكَ لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ الإنْسانَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كَأنَّهُما قَدْ أُلْبِسا ثَوْبًا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُما، فَلَمّا عَصَيا زالَ عَنْهُما ذَلِكَ الثَّوْبُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما﴾ .

البَحْثُ الثّالِثُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِنَ المُنْكَراتِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (الأعْرافِ: ٢٠) يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ ذَكَرَهُ إبْلِيسُ بِحَيْثُ خاطَبَ بِهِ آدَمَ وحَوّاءَ، ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يَكُونَ وسْوَسَةً أوْقَعَها في قُلُوبِهِما، والأمْرانِ مَرْوِيّانِ إلّا أنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ ومَعْنى الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ قالَ لَهُما في الوَسْوَسَةِ: إلّا أنْ تَكُونَ مَلَكَيْنِ، وأرادَ بِهِ أنْ تَكُونا بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ إنْ أكَلْتُما مِنها أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ إنْ أكَلْتُما، فَرَغَّبَهُما بِأنْ أوْهَمَهُما أنَّ مَن أكَلَها صارَ كَذَلِكَ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما نَهاهُما عَنْها لِكَيْ لا يَكُونا بِمَنزِلَةِ المَلائِكَةِ ولا يَخْلُدا، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ أطْمَعَ إبْلِيسُ آدَمَ في أنْ يَكُونَ مَلَكًا عِنْدَ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ مَعَ أنَّهُ شاهَدَ المَلائِكَةَ مُتَواضِعِينَ ساجِدِينَ لَهُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: إنَّ هَذا المَعْنى أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ سَجَدُوا لِآدَمَ هم مَلائِكَةُ الأرْضِ. أمّا مَلائِكَةُ السَّماواتِ وسُكّانُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ فَما سَجَدُوا البَتَّةَ لِآدَمَ، ولَوْ كانُوا سَجَدُوا لَهُ لَكانَ هَذا التَّطْمِيعُ فاسِدًا مُخْتَلًّا.

وثانِيها: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّ آدَمَ عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ لا يَمُوتُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ إبْلِيسُ أنْ يَصِيرَ مِثْلَ المَلَكِ في البَقاءِ، وأقُولُ: هَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ المَطْلُوبُ مِنَ المَلائِكَةِ هو الخُلُودُ وحِينَئِذٍ لا يَبْقى فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ .

صفحة ٤٠

والوَجْهُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ (مَلِكَيْنِ)، ويَقُولُ: ما طَمِعا في أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، لَكِنَّهُما اسْتَشْرَفا إلى أنْ يَكُونا مَلِكَيْنِ، وإنَّما أتاهُما المَلْعُونُ مِن جِهَةِ المُلْكِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ (طه: ١٢٠) وأقُولُ: هَذا الجَوابُ أيْضًا ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: هَبْ أنَّهُ حَصَلَ الجَوابُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: فَهَلْ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ تِلْكَ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ باطِلَةٌ. أوْ لا يَقُولُ ذَلِكَ ؟ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ القِراءَةَ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الطَّعْنُ فِيها.

وأمّا الثّانِي: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الإشْكالُ باقٍ؛ لِأنَّ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ يَكُونُ بِالتَّطْمِيعِ قَدْ وقَعَ في أنْ يَصِيرَ بِواسِطَةِ ذَلِكَ الأكْلِ مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ سُجُودَ المَلائِكَةِ والخَلْقِ لَهُ في أنْ يَسْكُنَ الجَنَّةَ، وأنْ يَأْكُلَ مِنها رَغَدًا كَيْفَ شاءَ وأرادَ، ولا مَزِيدَ في المُلْكِ عَلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَلائِكَةِ أكْمَلُ وأفْضَلُ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ ؟

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنّا إذا قُلْنا إنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَدُلَّ عَلى ذَلِكَ ولِأنَّ آدَمَ حِينَ طَلَبَ الوُصُولَ إلى دَرَجَةِ المَلائِكَةِ ما كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ زالَ الِاسْتِدْلالُ.

والثّانِي: إنَّ بِتَقْدِيرِ ”أنْ“ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ وقَعَتْ في زَمانِ النُّبُوَّةِ، فَلَعَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغِبَ في أنْ يَصِيرَ مِنَ المَلائِكَةِ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ والشِّدَّةِ أوْ في خِلْقَةِ الذّاتِ بِأنْ يَصِيرَ جَوْهَرًا نُورانِيًّا، وفي أنْ يَصِيرَ مِن سُكّانِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: نُقِلَ أنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ قالَ لِلْحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ وفي قَوْلِهِ: وقاسَمَهُما قالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: فَهَلْ صَدَّقاهُ في ذَلِكَ ؟ فَقالَ الحَسَنُ: مَعاذَ اللَّهِ لَوْ صَدَّقاهُ لَكانا مِنَ الكافِرِينَ، ووَجْهُ السُّؤالِ أنَّهُ كَيْفَ يَلْزَمُ هَذا التَّكْفِيرُ بِتَقْدِيرِ أنْ يُصَدِّقا إبْلِيسَ في ذَلِكَ القَوْلِ.

والجَوابُ: ذَكَرُوا في تَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّكْفِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَدَّقَ إبْلِيسَ في الخُلُودِ لَكانَ ذَلِكَ يُوجِبُ إنْكارَ البَعْثِ والقِيامَةِ، وإنَّهُ كُفْرٌ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّصْدِيقِ حُصُولُ الكُفْرِ ؟ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّ لَفْظَ الخُلُودِ مَحْمُولٌ عَلى طُولِ المُكْثِ لا عَلى الدَّوامِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْدَفِعُ ما ذَكَرُوهُ.

الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الخُلُودَ مُفَسَّرٌ بِالدَّوامِ، إلّا أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اعْتِقادَ الدَّوامِ يُوجِبُ الكُفْرَ وتَقْرِيرُهُ أنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ تَعالى هَلْ يُمِيتُ هَذا المُكَلَّفَ أوْ لا يُمِيتُهُ عِلْمٌ لا يَحْصُلُ إلّا مِن دَلِيلِ السَّمْعِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما بَيَّنَ في وقْتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُمِيتُ الخَلْقَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُجَوِّزُ دَوامَ البَقاءِ، فَلِهَذا السَّبَبِ رَغِبَ فِيهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالتَّكْفِيرُ غَيْرُ لازِمٍ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: ثَبَتَ بِما سَبَقَ أنْ آدَمَ وحَوّاءَ لَوْ صَدَّقا إبْلِيسَ فِيما قالَ لَمْ يَلْزَمْ تَكْفِيرُهُما، فَهَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُما صَدَّقاهُ فِيهِ قَطْعًا ؟ وإنْ لَمْ يَحْصُلِ القَطْعُ فَهَلْ يَقُولُونَ إنَّهُما ظَنّا أنَّ الأمْرَ كَما قالَ ؟ أوْ يُنْكِرُونَ هَذا الظَّنَّ أيْضًا ؟

صفحة ٤١

والجَوابُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ أنْكَرُوا حُصُولَ هَذا التَّصْدِيقِ قَطْعًا وظَنًّا، بَلِ الصَّوابُ أنَّهُما إنَّما أقْدَما عَلى الأكْلِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، لا أنَّهُما صَدَّقاهُ عِلْمًا أوْ ظَنًّا كَما نَجِدُ أنْفُسَنا عِنْدَ الشَّهْوَةِ نُقْدِمُ عَلى الفِعْلِ إذا زَيَّنَ لَنا الغَيْرُ ما نَشْتَهِيهِ، وإنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أنَّ الأمْرَ كَما قالَ.

السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ هَذا التَّرْغِيبُ والتَّطْمِيعُ وقَعَ في مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ أوْ في أحَدِهِما.

والجَوابُ: قالَ بَعْضُهم: التَّرْغِيبُ كانَ في مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ؛ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في التَّرْغِيبِ.

وقِيلَ: بَلْ هو عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيرِ.

7:21–22Page 152

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ وأقْسَمَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ.

فَإنْ قِيلَ: المُقاسَمَةُ أنْ تُقْسِمَ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمَ لَكَ. تَقُولُ: قاسَمْتُ فُلانًا؛ أيْ: حالَفَتْهُ، وتَقاسَما تَحالَفا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ (النَّمْلِ: ٤٩) .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَكُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ. وقالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ ؟ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم.

والثّانِي: أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ، وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها.

الثّالِثُ: إنَّهُ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهادَ المُقاسِمِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ قَتادَةُ: حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ حَتّى خَدَعَهُما، وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ قالَ إبْلِيسُ: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُما، وأنا أعْلَمُ أحْوالًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لا تَعْرِفانِها، فامْتَثِلا قَوْلِي أُرْشِدْكُما.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الأزْهَرِيُّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أصْلُها الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ. فَيُقالُ: دَلّاهُ إذا أطْمَعَهُ.

الثّانِي: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ أجْرَأهُما إبْلِيسُ عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ بِغُرُورٍ، والأصْلُ فِيهِ دَلَّلَهُما مِنَ الدَّلِّ، والدّالَّةُ وهي الجُرْأةُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ أيْ غَرَّهُما بِاليَمِينِ، وكانَ آدَمُ يَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبًا. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَناوَلا اليَسِيرَ قَصْدًا إلى مَعْرِفَةِ طَعْمِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُما أكَلا مِنها، لَكانَ ما في هَذِهِ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الأكْلِ، لِأنَّ الذّائِقَ قَدْ يَكُونُ ذائِقًا مِن دُونِ أكْلٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ ظَهَرَتْ عَوْراتُهُما، وزالَ النُّورُ عَنْهُما ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى طَفِقَ: أخَذَ في الفِعْلِ (يَخْصِفانِ) أيْ يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلَّذِي يُرَقِّعُ النَّعْلَ: خَصّافٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ آدَمَ، ألا تَرى أنَّهُما كَيْفَ بادَرا إلى السَّتْرِ لِما تَقَرَّرَ في عَقْلِهِما مِن قُبْحِ كَشْفِ العَوْرَةِ ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ قالَ عَطاءٌ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ ناداهُما أفِرارًا مِنِّي يا آدَمُ. قالَ بَلْ

صفحة ٤٢

حَياءً مِنكَ يا رَبِّ، ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يُقْسِمُ بِاسْمِكَ كاذِبًا، ثُمَّ ناداهُ رَبُّهُ أما خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ، أما نَفَخْتُ فِيكَ مِن رُوحِي، أما أسْجَدْتُ لَكَ مَلائِكَتِي، أما أسْكَنْتُكَ في جَنَّتِي في جِوارِي.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى السُّجُودَ، وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦) .

7:23–26Page 153

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤

[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."

قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَذا الذَّنْبُ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو آدَمُ، وحَوّاءُ، وإبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (اهْبِطُوا) يَجِبُ أنْ يَتَناوَلَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي: العَداوَةُ ثابِتَةٌ بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ لا تَزُولُ البَتَّةَ. وقَوْلُهُ: (فِيها تَحْيَوْنَ) الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ في الأرْضِ تَعِيشُونَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ إلى البَعْثِ والقِيامَةِ. قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الرّاءِ، وكَذَلِكَ في الرُّومِ والزُّخْرُفِ والجاثِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هَهُنا وفي الزُّخْرُفِ بِفَتْحِ التّاءِ، وفي الرُّومِ والجاثِيَةِ بِضَمِّ التّاءِ، والباقُونَ - جَمِيعَ ذَلِكَ - بِضَمِّ التّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

فِي نَظْمِ الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ آدَمَ وحَوّاءَ بِالهُبُوطِ إلى الأرْضِ، وجَعَلَ الأرْضَ لَهُما مُسْتَقَرًّا بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، ومِن جُمْلَتِها اللِّباسُ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.

صفحة ٤٣

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ واقِعَةَ آدَمَ في انْكِشافِ العَوْرَةِ أنَّهُ كانَ يَخْصِفُ الوَرَقَ عَلَيْها، أتْبَعَهُ بِأنْ بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ اللِّباسَ لِلْخَلْقِ لِيَسْتُرُوا بِها عَوْرَتَهم، ونَبَّهَ بِهِ عَلى المِنَّةِ العَظِيمَةِ عَلى الخَلْقِ بِسَبَبِ أنَّهُ أقْدَرَهم عَلى التَّسَتُّرِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى إنْزالِ اللِّباسِ ؟

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ المَطَرَ، وبِالمَطَرِ تَتَكَوَّنُ الأشْياءُ الَّتِي مِنها يَحْصُلُ اللِّباسُ، فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ اللِّباسَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي تَحْدُثُ في الأرْضِ لَمّا كانَتْ مُعَلَّقَةً بِالأُمُورِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ صارَ كَأنَّهُ تَعالى أنْزَلَها مِنَ السَّماءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ (الزُّمَرِ: ٦) وقَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ورِيشًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الرِّيشُ لِباسُ الزِّينَةِ، اسْتُعِيرَ مِن رِيشِ الطَّيْرِ لِأنَّهُ لِباسُهُ وزِينَتُهُ، أيْ أنْزَلَنا عَلَيْكم لِباسَيْنِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم، ولِباسًا يُزَيِّنُكم؛ لِأنَّ الزِّينَةَ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَما قالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ (النَّحْلِ: ٨) وقالَ: ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ (النَّحْلِ: ٦) .

البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ رِوايَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ (ورِياشًا) وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والباقُونَ (ورِيشًا) واخْتَلَفُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الرِّيشِ والرِّياشِ فَقِيلَ: رِياشٌ جَمْعُ رِيشٍ، كَذِيابٍ وذَيبٍ، وقِداحٍ وقِدْحٍ، وشِعابٍ وشِعْبٍ، وقِيلَ: هُما واحِدٌ، كَلِباسٍ ولِبْسٍ وجِلالٍ وجِلٍّ. رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَعِيشُ بِهِ الإنْسانُ مِن مَتاعٍ أوْ مالٍ أوْ مَأْكُولٍ فَهو رِيشٌ ورِياشٌ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ مُخْتَصٌّ بِالثِّيابِ والأثاثِ، والرِّيشُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى سائِرِ الأمْوالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ (ولِباسَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (لِباسًا) والعامِلُ فِيهِ أنْزَلْنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرُهُ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وقَوْلُهُ: (خَيْرٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ ومَعْنى قَوْلِنا: صِفَةٌ، أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) أُشِيرَ بِهِ إلى اللِّباسِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.

البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ والضّابِطُ فِيهِ أنَّ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ المَلْبُوسِ ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى غَيْرِهِ.

أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: إنَّ المُرادَ أنَّ اللِّباسَ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوارِيَ سَوْآتِكم هو لِباسُ التَّقْوى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِباسُ التَّقْوى هو اللِّباسُ الأوَّلُ، وإنَّما أعادَهُ اللَّهُ لِأجْلِ أنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ خَيْرٌ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَعَبَّدُونَ بِالتَّعَرِّي وخَلْعِ الثِّيابِ في الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَجَرى هَذا في التَّكْرِيرِ مَجْرى قَوْلِ القائِلِ: قَدْ عَرَّفْتُكَ الصِّدْقَ في أبْوابِ البِرِّ، والصِّدْقُ خَيْرٌ لَكَ مِن غَيْرِهِ. فَيُعِيدُ ذِكْرَ الصِّدْقِ لِيُخْبِرَ عَنْهُ بِهَذا المَعْنى.

وثانِيها: إنَّ المُرادَ مِن لِباسِ التَّقْوى ما يُلْبَسُ مِنَ الدُّرُوعِ والجَواشِنِ والمَغافِرِ وغَيْرِها مِمّا يُتَّقى بِهِ في الحُرُوبِ.

وثالِثُها: المُرادُ مِن لِباسِ التَّقْوى المَلْبُوساتُ المُعَدَّةُ لِأجْلِ إقامَةِ الصَّلَواتِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ عَلى المَجازاتِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: لِباسُ التَّقْوى الإيمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِباسُ التَّقْوى العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو السَّمْتُ الحَسَنُ،

صفحة ٤٤

وقِيلَ: هو العَفافُ والتَّوْحِيدُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا تَبْدُو عَوْرَتُهُ، وإنْ كانَ عارِيًا مِنَ الثِّيابِ. والفاجِرُ لا تَزالُ عَوْرَتُهُ مَكْشُوفَةً وإنْ كانَ كاسِيًا، وقالَ مَعْبَدٌ: هو الحَياءُ. وقِيلَ: هو ما يَظْهَرُ عَلى الإنْسانِ مِنَ السَّكِينَةِ والإخْباتِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وإنَّما حَمَلْنا لَفْظَ اللِّباسِ عَلى هَذِهِ المَجازاتِ؛ لِأنَّ اللِّباسَ الَّذِي يُفِيدُ التَّقْوى، لَيْسَ إلّا هَذِهِ الأشْياءَ أمّا قَوْلُهُ: (ذَلِكَ خَيْرٌ) قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ. قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ (النَّحْلِ: ١١٢) وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ مَعْناهُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ: يَعْنِي إنْزالَ اللِّباسِ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ عَظِيمَ النِّعْمَةِ فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском