Ar-RaziAl‑A'raf · 7:27–30

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:27–30

7:27Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ وبَيَّنَ فِيها شِدَّةَ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وأوْلادِهِ أتْبَعَها بِأنْ حَذَّرَ أوْلادَ آدَمَ مِن قَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمّا بَلَغَ أثَرُ كَيْدِهِ ولُطْفُ وسْوَسَتِهِ وشِدَّةُ اهْتِمامِهِ إلى أنْ قَدَرَ عَلى إلْقاءِ آدَمَ في الزَّلَّةِ المُوجِبَةِ لِإخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ، فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَضارِّ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أوْلى. فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَذَّرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنْ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ كَما فَتَنَ أبَوَيْكم، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خُرُوجُهُما مِنها وأصْلُ الفُتُونِ عَرْضُ الذَّهَبِ عَلى النّارِ وتَخْلِيصُهُ مِنَ الغِشِّ. ثُمَّ أتى في القُرْآنِ بِمَعْنى المِحْنَةِ وهَهُنا بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن نَسَبَ خُرُوجَ آدَمَ وحَوّاءَ وسائِرَ وُجُوهِ المَعاصِي إلى الشَّيْطانِ: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَرِيءٌ مِنها. فَيُقالُ لَهُ: لِمَ قُلْتُمْ أنَّ كَوْنَ هَذا العَمَلِ مَنسُوبًا إلى الشَّيْطانِ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ القُدْرَةَ والدّاعِيَةَ المُوجِبَتَيْنِ لِذَلِكَ العَمَلِ، كانَ مَنسُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى ؟ ولَمّا أجْرى عادَتَهُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ تِلْكَ الدّاعِيَةَ بَعْدَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، وتَحْسِينِهِ تِلْكَ الأعْمالَ عِنْدَ ذَلِكَ الكافِرِ، كانَ مَنسُوبًا إلى الشَّيْطانِ.

البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أخْرَجَ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الجَنَّةِ، عُقُوبَةً لَهُما عَلى تِلْكَ الزَّلَّةِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البَقَرَةِ: ٣٠) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما لِخِلافَةِ الأرْضِ وأنْزَلَهُما مِنَ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ لِهَذا المَقْصُودِ. فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟

صفحة ٤٥

وجَوابُهُ: أنَّهُ رُبَّما قِيلَ حَصَلَ لِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ حالٌ، أيْ أخْرَجَهُما نازِعًا لِباسَهُما وأضافَ نَزْعَ اللِّباسِ إلى الشَّيْطانِ وإنْ لَمْ يَتَوَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ بِسَبَبٍ مِنهُ، فَأُسْنِدَ إلَيْهِ كَما تَقُولُ: أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ لِمَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ بِسَبَبٍ، وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ، وكَذَلِكَ لَمّا كانَ نَزْعُ لِباسِهِما بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وغُرُورِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِ.

البَحْثُ الثّانِي: اللّامُ في قَوْلِهِ: (لِيُرِيَهُما) لامُ العاقِبَةِ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (لِيُبْدِيَ لَهُما) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما يَرى آدَمُ سَوْءَةَ حَوّاءَ وتَرى حَوّاءُ سَوْءَةَ آدَمَ.

البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في اللِّباسِ الَّذِي نُزِعَ مِنهُما، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ النُّورُ، وبَعْضُهم: التُّقى، وبَعْضُهم: اللِّباسُ الَّذِي هو ثِيابُ الجَنَّةِ، وهَذا القَوْلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ اللِّباسِ يَقْتَضِيهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَأْكِيدُ التَّحْذِيرِ لِبَنِي آدَمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ تَأْثِيرُ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في حَقِّ آدَمَ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِهِ إلى هَذا الحَدِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ آحادِ الخَلْقِ ؟ ثُمَّ أكَّدَ تَعالى هَذا التَّحْذِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: ﴿إنَّهُ يَراكُمْ﴾ يَعْنِي إبْلِيسَ ﴿هُوَ وقَبِيلُهُ﴾ أعادَ الكِنايَةَ لِيَحْسُنَ العَطْفُ كَقَوْلِهِ: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ .

البَحْثُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي زَيْدٍ: ”القَبِيلُ“ الجَماعَةُ يَكُونُونَ مِنَ الثَّلاثَةِ فَصاعِدًا مِن قَوْمٍ شَتّى، وجَمْعُهُ قُبُلٌ. والقَبِيلَةُ: بَنُو أبٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَبِيلُهُ أصْحابُهُ وجُنْدُهُ، وقالَ اللَّيْثُ: ﴿هُوَ وقَبِيلُهُ﴾ أيْ هو ومَن كانَ مِن نَسْلِهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ أصْحابُنا: إنَّهم يَرَوْنَ الإنْسَ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ في عُيُونِهِمْ إدْراكًا، والإنْسُ لا يَرَوْنَهم؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ هَذا الإدْراكَ في عُيُونِ الإنْسِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الوَجْهُ في أنَّ الإنْسَ لا يَرَوْنَ الجِنَّ، رِقَّةُ أجْسامِ الجِنِّ ولَطافَتُها. والوَجْهُ في رُؤْيَةِ الجِنِّ لِلْإنْسِ، كَثافَةُ أجْسامِ الإنْسِ، والوَجْهُ في أنْ يَرى بَعْضُ الجِنِّ بَعْضًا، أنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي شُعاعَ أبْصارِ الجِنِّ ويَزِيدُ فِيهِ، ولَوْ زادَ اللَّهُ في قُوَّةِ أبْصارِنا لَرَأيْناهم كَما يَرى بَعْضُنا بَعْضًا، ولَوْ أنَّهُ تَعالى كَثَّفَ أجْسامَهم وبَقِيَتْ أبْصارُنا عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَرَأيْناهم، فَعَلى هَذا كَوْنُ الإنْسِ مُبْصِرًا لِلْجِنِّ مَوْقُوفٌ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ: إمّا عَلى زِيادَةِ كَثافَةِ أجْسامِ الجِنِّ، أوْ عَلى زِيادَةِ قُوَّةِ أبْصارِ الإنْسِ.

البَحْثُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسَ لا يَرَوْنَ الجِنَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ يَتَناوَلُ أوْقاتَ الِاسْتِقْبالِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ ولَوْ قَدَرَ الجِنُّ عَلى تَغْيِيرِ صُوَرِ أنْفُسِهِمْ بِأيِّ صُورَةٍ شاءُوا وأرادُوا، لَوَجَبَ أنَّ تَرْتَفِعَ الثِّقَةُ عَنْ مَعْرِفَةِ النّاسِ، فَلَعَلَّ هَذا الَّذِي أُشاهِدُهُ وأحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ ولَدِي أوْ زَوْجَتِي جِنِّيٌّ صَوَّرَ نَفْسَهُ بِصُورَةِ ولَدِي أوْ زَوْجَتِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَرْتَفِعُ الوُثُوقُ عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْخاصِ، وأيْضًا فَلَوْ كانُوا قادِرِينَ عَلى تَخْبِيطِ النّاسِ وإزالَةِ العَقْلِ عَنْهم مَعَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الإنْسِ، فَلِمَ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في حَقِّ أكْثَرِ البَشَرِ وفي حَقِّ العُلَماءِ والأفاضِلِ والزُّهّادِ ؟ لِأنَّ هَذِهِ العَداوَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العُلَماءِ والزُّهّادِ أكْثَرُ وأقْوى، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى البَشَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾

صفحة ٤٦

[إبْراهِيمَ: ٢٢] قالَ مُجاهِدٌ: قالَ إبْلِيسُ: أُعْطِينا أرْبَعَ خِصالٍ: نَرى ولا نُرى، ونَخْرُجُ مِن تَحْتِ الثَّرى، ويَعُودُ شَيْخُنا فَتًى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا النَّصِّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي سَلَّطَ الشَّيْطانَ الرَّجِيمَ عَلَيْهِمْ حَتّى أضَلَّهم وأغْواهم، قالَ الزَّجّاجُ: ويَتَأكَّدُ هَذا النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ (مَرْيَمَ: ٨٣) قالَ القاضِي: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هو أنّا حَكَمْنا بِأنَّ الشَّيْطانَ ولِيٌّ لِمَن لا يُؤْمِنُ، قالَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ (مَرْيَمَ: ٨٣) هو أنّا خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَهم، كَما يُقالُ فِيمَن يَرْبُطُ الكَلْبَ في دارِهِ ولا يَمْنَعُهُ مِنَ التَّوَثُّبِ عَلى الدّاخِلِ: إنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ.

والجَوابُ: إنَّ القائِلَ إذا قالَ: إنَّ فُلانًا جَعَلَ هَذا الثَّوْبَ أبْيَضَ أوْ أسْوَدَ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّهُ حُكْمٌ بِهِ، بَلْ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ حَصَلَ السَّوادُ أوِ البَياضُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا وجَبَ حَمْلُ الجَعْلِ عَلى التَّأْثِيرِ والتَّحْصِيلِ، لا عَلى مُجَرَّدِ الحُكْمِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِذَلِكَ، لَكِنَّ مُخالَفَةَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ كَوْنَهُ كاذِبًا وهو مُحالٌ، فالمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَكَوْنُ العَبْدِ قادِرًا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُحالًا.

وأمّا قَوْلُهُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ﴾ أيْ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الكافِرِينَ فَهو ضَعِيفٌ أيْضًا، ألا تَرى أنَّ أهْلَ السُّوقِ يُؤْذِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويَشْتُمُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ إنَّ زَيْدًا وعَمْرًا إذا لَمْ يَمْنَعْ بَعْضُهم عَنِ البَعْضِ. لا يُقالُ إنَّهُ أرْسَلَ بَعْضَهم عَلى البَعْضِ، بَلْ لَفْظُ الإرْسالِ إنَّما يَصْدُقُ إذا كانَ تَسْلِيطُ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ بِسَبَبٍ مِن جِهَتِهِ، فَكَذا هَهُنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

7:28Page 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في النّاسِ مَن حَمَلَ الفَحْشاءَ عَلى ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِهِما، وفِيهِمْ مَن حَمَلَهُ عَلى أنَّهم كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً الرِّجالُ والنِّساءُ، والأوْلى أنْ يُحْكَمَ بِالتَّعْمِيمِ، والفَحْشاءُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الكَبائِرِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّ القَوْمَ كانُوا يُسَلِّمُونَ كَوْنَ تِلْكَ الأفْعالِ فَواحِشَ. ثُمَّ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ. بَلِ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ كانَتْ في أنْفُسِها فَواحِشَ، والقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّها طاعاتٌ، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم كانُوا يَحْتَجُّونَ عَلى إقْدامِهِمْ عَلى تِلْكَ الفَواحِشِ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: إنّا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا.

والثّانِي: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِها.

صفحة ٤٧

أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْها جَوابًا؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عَقْلِ كُلِّ أحَدٍ أنَّهُ طَرِيقَةٌ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّقْلِيدَ حاصِلٌ في الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ، فَلَوْ كانَ التَّقْلِيدُ طَرِيقًا حَقًّا لَلَزِمَ الحُكْمُ بِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَناقِضَيْنِ حَقًّا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ باطِلٌ، ولَمّا كانَ فَسادُ هَذا الطَّرِيقِ ظاهِرًا جَلِيًّا لِكُلِّ أحَدٍ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى الجَوابَ عَنْهُ.

وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ثَبَتَ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كَوْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مُنْكَرَةً قَبِيحَةً، فَكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا بِها ؟ وأقُولُ: لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ يَحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَقْبُحُ لِوَجْهٍ عائِدٍ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَهى عَنْهُ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْصُوفًا في نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ الفَحْشاءِ امْتَنَعَ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ في نَفْسِهِ مِنَ الفَحْشاءِ مُغايِرًا لِتَعَلُّقِ الأمْرِ والنَّهْبِ بِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.

وجَوابُهُ: يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْراءِ أنَّهُ تَعالى لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ مَصْلَحَةً لِلْعِبادِ، ولا يَنْهى إلّا عَمّا يَكُونُ مَفْسَدَةً لَهم، فَقَدْ صَحَّ هَذا التَّعْلِيلُ لِهَذا المَعْنى. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِهَذِهِ الأفْعالِ المَخْصُوصَةِ، فَعِلْمُكم بِأنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِها حَصَلَ؛ لِأنَّكم سَمِعْتُمْ كَلامَ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، أوْ عَرَفْتُمْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ.

أمّا الأوَّلُ: فَمَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ.

وأمّا الثّانِي: فَباطِلٌ عَلى قَوْلِكم؛ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الأنْبِياءِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ هَذِهِ المُناظَرَةَ وقَعَتْ مَعَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وهم كانُوا يُنْكِرُونَ أصْلَ النُّبُوَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَلا طَرِيقَ لَهم إلى تَحْصِيلِ العِلْمِ بِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهم: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِها؛ قَوْلًا عَلى اللَّهِ تَعالى بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا. وإنَّهُ باطِلٌ.

البَحْثُ الثّانِي: نُفاةُ القِياسِ قالُوا: الحُكْمُ المُثْبَتُ بِالقِياسِ مَظْنُونٌ وغَيْرُ مَعْلُومٍ، وما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لَمْ يَجُزِ القَوْلُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى في مَعْرِضِ الذَّمِّ والسُّخْرِيَةِ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وجَوابُ مُثْبِتِي القِياسِ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الدَّلالَةِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا. واللَّهُ أعْلَمُ.

7:29–30Page 153

قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

صفحة ٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أمْرَ الأمْرِ بِالفَحْشاءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَأْمُرُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ في نَفْسِهِ قِسْطًا لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ في ذاتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ بِهِ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحُسْنَ إنَّما يَحْسُنُ لِوُجُوهٍ عائِدَةٍ إلَيْهِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وبِما ظَهَرَ في المَعْقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا صَوابًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٨) وذَلِكَ القِسْطُ لَيْسَ إلّا شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَثَبَتَ أنَّ القِسْطَ لَيْسَ إلّا قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:

أوَّلُها: أنَّهُ أمَرَ بِالقِسْطِ، وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وهو يَشْتَمِلُ عَلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وأحْكامِهِ، ثُمَّ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.

وثانِيها: أنَّهُ أمَرَ بِالصَّلاةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ خَبَرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أمْرٌ، وعَطْفُ الأمْرِ عَلى الخَبَرِ لا يَجُوزُ. وجَوابُهُ: التَّقْدِيرُ: قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ، وقُلْ: أقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

البَحْثُ الثّانِي: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ بِقَوْلِهِ: (أقِيمُوا) هو اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ.

والثّانِي: إنَّ المُرادَ هو الإخْلاصُ، والسَّبَبُ في ذِكْرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ في العِبادَةِ قَدْ تَكُونُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، وقَدْ تَكُونُ بِالإخْلاصِ في تِلْكَ العِبادَةِ، والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الإخْلاصَ مَذْكُورٌ مِن بَعْدُ، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى مَعْنى الإخْلاصِ، صارَ كَأنَّهُ قالَ: وأخْلِصُوا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ.

فَإنْ قِيلَ: يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، إذا عَلَّقْتَ الإخْلاصَ بِالدُّعاءِ فَقَطْ.

قُلْنا: لَمّا أمْكَنَ رُجُوعُهُ إلَيْهِما جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ قَصْرُهُ عَلى أحَدِهِما، خُصُوصًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يُسَمّى دِينًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنهُ زَمانُ الصَّلاةِ أوْ مَكانُهُ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ إقامَةُ الوَجْهِ لِلْقِبْلَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَنا أنْ لا نَعْتَبِرَ الأماكِنَ، بَلْ نَعْتَبِرُ القِبْلَةَ، فَكانَ المَعْنى: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا فِيهِ، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكم، لا أُصَلِّي إلّا في مَسْجِدِ قَوْمِي.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَمْلُ لَفْظِ الآيَةِ عَلى هَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الوَجْهِ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ العُدُولُ مِن مَسْجِدٍ إلى مَسْجِدٍ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ في الآيَةِ الأُولى بِالتَّوَجُّهِ إلى القِبْلَةِ، أمَرَ بَعْدَهُ بِالدُّعاءِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِهِ أعْمالُ الصَّلاةِ، وسَمّاها دُعاءً؛ لِأنَّ الصَّلاةَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الدُّعاءِ، ولِأنَّ أشْرَفَ أجْزاءِ الصَّلاةِ هو الدُّعاءُ والذِّكْرُ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤْتى بِذَلِكَ الدُّعاءِ مَعَ

صفحة ٤٩

الإخْلاصِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البَيِّنَةِ: ٥) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ خَلَقَكم مُؤْمِنًا أوْ كافِرًا (تَعُودُونَ) فَبَعَثَ المُؤْمِنَ مُؤْمِنًا، والكافِرَ كافِرًا، فَإنَّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ في أوَّلِ الأمْرِ لِلشَّقاوَةِ، أعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاوَةِ، وكانَتْ عاقِبَتَهُ الشَّقاوَةُ، وإنْ خَلَقَهُ لِلسَّعادَةِ أعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وكانَتْ عاقِبَتَهُ السَّعادَةُ.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾ خَلَقَكم في الدُّنْيا ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، كَذَلِكَ تَعُودُونَ أحْياءً، فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: احْتَجُّوا عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَهُ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ وذَلِكَ يُوجِبُ ما قُلْناهُ. قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقُولُ إنَّهُ تَعالى بَدَأنا مُؤْمِنِينَ أوْ كافِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ في الإيمانِ والكُفْرِ أنْ يَكُونَ طارِئًا، وهَذا السُّؤالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ جَوابَهُ أنْ يُقالَ: كَما بَدَأكم بِالإيمانِ، والكُفْرِ، والسَّعادَةِ، والشَّقاوَةِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ الحالُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في الآيَةِ أوَّلًا بِكَلِمَةِ ”القِسْطِ“ وهي كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ أمَرَ بِالصَّلاةِ ثانِيًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الفائِدَةَ في الإتْيانِ بِهَذِهِ الأعْمالِ، إنَّما تَظْهَرُ في الدّارِ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في ”طه“ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ (طه: ١٤ - ١٥) .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ فَرِيقًا هَدى إلى الجَنَّةِ والثَّوابِ، وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، أيِ العَذابُ والصَّرْفُ عَنْ طَرِيقِ الثَّوابِ. قالَ القاضِي: لِأنَّ هَذا هو الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، إذِ العَبْدُ لا يَسْتَحِقُّ لِأنْ يَضِلَّ عَنِ الدِّينِ، إذْ لَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَأْمُرَ أنْبِياءَهُ بِإضْلالِهِمْ عَنِ الدِّينِ، كَما أمَرَهم بِإقامَةِ الحُدُودِ المُسْتَحَقَّةِ، وفي ذَلِكَ زَوالُ الثِّقَةِ بِالنُّبُوّاتِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ إشارَةٌ إلى الماضِي، وعَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ يَصِيرُ المَعْنى إلى أنَّهُ تَعالى سَيَهْدِيهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، ولَوْ كانَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ في الماضِي بِأنَّهُ سَيَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، كانَ هَذا عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ، لِأنّا بَيَّنّا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ لَيْسا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: نَقُولُ هَبْ أنَّ المُرادَ مِنَ الهِدايَةِ والضَّلالِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمّا حَصَلَ هَذا الحُكْمُ امْتَنَعَ مِنَ العَبْدِ صُدُورُ غَيْرِهِ، وإلّا لَزِمَ انْقِلابُ ذَلِكَ الحُكْمِ كَذِبًا، والكَذِبُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ صُدُورُ غَيْرِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِنَ العَبْدِ مُحالًا، وذَلِكَ يُوجِبُ فَسادَ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مِن هَذا الوَجْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

البَحْثُ الثّانِي: انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وخَذَلَ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي لِأجْلِهِ حَقَّتْ عَلى هَذِهِ الفِرْقَةِ الضَّلالَةُ، هو أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ فَقَبِلُوا ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَتَأمَّلُوا في التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

صفحة ٥٠

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذا التَّفْصِيلُ مَعَ قَوْلِكم، بِأنَّ الهُدى والضَّلالَ إنَّما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً. فَنَقُولُ: عِنْدَنا مَجْمُوعُ القُدْرَةِ، والدّاعِي يُوجِبُ الفِعْلَ، والدّاعِيَةُ الَّتِي دَعَتْهم إلى ذَلِكَ الفِعْلِ هي: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما بَيَّنَ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وهَذا بَعِيدٌ بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِهِ، فَكُلُّ مَن شَرَعَ في باطِلٍ، فَهو يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعَذابَ سَواءٌ حَسِبَ كَوْنَهُ حَقًّا، أوْ لَمْ يَحْسَبْ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ والحُسْبانِ لا يَكْفِي في صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ والقَطْعِ واليَقِينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ كَوْنَهم مُهْتَدِينَ، ولَوْلا أنَّ هَذا الحُسْبانَ مَذْمُومٌ، وإلّا لَما ذَمَّهم بِذَلِكَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском