Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:35–40
7:35–36Page 154
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥
O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦
But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يابَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ التَّكْلِيفِ وبَيَّنَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أجَلًا مُعَيَّنًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ المَوْتِ كانُوا مُطِيعِينَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا حُزْنٌ، وإنْ كانُوا مُتَمَرِّدِينَ وقَعُوا في أشَدِّ العَذابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ، وجَزاءُ هَذا الشَّرْطِ هو الفاءُ وما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وإنَّما قالَ: ”رُسُلٌ“ - وإنْ كانَ خِطابًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خاتَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ تَعالى أجْرى الكَلامَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سُنَّتُهُ في الأُمَمِ، وإنَّما قالَ: (مِنكم) لِأنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم أقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ وأبْيَنُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهاتٍ:
أحَدُها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِأحْوالِهِ وبِطَهارَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً.
وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِما يَلِيقُ بِقُدْرَتِهِ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً، فَلا جَرَمَ لا يَقَعُ في المُعْجِزاتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَيْهِ شَكٌّ وشُبْهَةٌ في أنَّها حَصَلَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لا بِقُدْرَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنْعامِ: ٩] .
وثالِثُها: ما يَحْصُلُ مِنَ الأُلْفَةِ وسُكُونِ القَلْبِ إلى أبْناءِ الجِنْسِ، بِخِلافِ ما لا يَكُونُ مِنَ الجِنْسِ، فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ مَعَهُ الأُلْفَةُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ فَقِيلَ: تِلْكَ الآياتُ هي القُرْآنُ. وقِيلَ: الدَّلائِلُ، وقِيلَ: الأحْكامُ والشَّرائِعُ. والأوْلى دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأشْياءِ آياتُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الرُّسُلَ إذا جاءُوا فَلا بُدَّ وأنْ يَذْكُرُوا جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ.
ثُمَّ قَسَّمَ تَعالى حالَ الأُمَّةِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ وجَمْعُ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِمّا يُوجِبُ الثَّوابَ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَتَّقِي كُلَّ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ودَخَلَ في قَوْلِهِ: (وأصْلَحَ) أنَّهُ أتى بِكُلِّ ما أُمِرَ بِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ المُسْتَقْبَلَةِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأحْوالِ الماضِيَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا جُوِّزَ وُصُولُ المَضَرَّةِ إلَيْهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ خافَ، وإذا تَفَكَّرَ فَعَلِمَ
صفحة ٥٨
أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ بَعْضُ ما لا يَنْبَغِي في الزَّمانِ الماضِي؛ حَصَلَ الحُزْنُ في قَلْبِهِ لِهَذا السَّبَبِ، والأوْلى في نَفْيِ الحُزْنِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنْ لا يَحْزَنَ عَلى ما فاتَهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ حُزْنَهُ عَلى عِقابِ الآخِرَةِ يَجِبُ أنْ يَرْتَفِعَ بِما حَصَلَ لَهُ مِن زَوالِ الخَوْفِ فَيَكُونُ كالمَعادِ، وحَمْلُهُ عَلى الفائِدَةِ الزّائِدَةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهُ في الآخِرَةِ تُفارِقُ حالَهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ في الآخِرَةِ لا يَحْصُلُ في قَلْبِهِ خَوْفٌ ولا حُزْنٌ البَتَّةَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الطّاعاتِ هَلْ يَلْحَقُهم خَوْفٌ وحُزْنٌ عِنْدَ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ. فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا يَلْحَقُهم ذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يَلْحَقُهم ذَلِكَ الفَزَعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] أيْ: مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
وأجابَ هَؤُلاءِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: بِأنَّ مَعْناهُ أنَّ أمْرَهم يَؤُولُ إلى الأمْنِ والسُّرُورِ، كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ، أيْ: أمْرُكَ يَؤُولُ إلى العافِيَةِ والسَّلامَةِ، وإنْ كانَ في الوَقْتِ في بَأْسٍ مِن عِلَّتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي يَجِيءُ بِها الرُّسُلُ ﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: أنِفُوا مِن قَبُولِها وتَمَرَّدُوا عَنِ التِزامِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وقَدْ تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفاسِقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِآياتِ اللَّهِ والمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ قَبُولِها، هُمُ الَّذِينَ يَبْقُونَ مُخَلَّدِينَ في النّارِ، وكَلِمَةُ ”هم“ تُفِيدُ الحَصْرَ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مَن لا يَكُونُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ، لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
7:37Page 154
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ وقَوْلِهِ: (فَمَن أظْلَمُ) أيْ: فَمَن أعْظَمُ ظُلْمًا مِمَّنْ يَقُولُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ. والأوَّلُ: هو الحُكْمُ بِوُجُودِ ما لَمْ يُوجَدْ.
والثّانِي: هو الحُكْمُ بِإنْكارِ ما وُجِدَ.
والأوَّلُ: دَخَلَ فِيهِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ الشَّرِيكَ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الشَّرِيكُ عِبارَةً عَنِ الأصْنامِ أوْ عَنِ الكَواكِبِ، أوْ عَنْ مَذْهَبِ القائِلِينَ بِيَزْدانُ وأهْرَمَنُ. ويَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أثْبَتَ البَناتَ والبَنِينَ لِلَّهِ تَعالى، ويَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أضافَ الأحْكامَ الباطِلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ مَن أنْكَرَ كَوْنَ القُرْآنِ كِتابًا نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُ مَن أنْكَرَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ٥٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِذَلِكَ النَّصِيبِ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ العَذابُ، والمَعْنى يَنالُهم ذَلِكَ العَذابُ المُعَيَّنُ الَّذِي جَعَلَهُ نَصِيبًا لَهم في الكِتابِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ العَذابِ المُعَيَّنِ، فَقالَ بَعْضُهم: هو سَوادُ الوَجْهِ وزُرْقَةُ العَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقالَ الزَّجّاجُ: هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجِنِّ: ١٧] وفي قَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافِرٍ: ٧١] فَهَذِهِ الأشْياءُ هي نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ في كُفْرِهِمْ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا النَّصِيبِ شَيْءٌ سِوى العَذابِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى يَجِبُ لَهم عَلَيْنا إذا كانُوا أهْلَ ذِمَّةٍ لَنا أنْ لا نَتَعَدّى عَلَيْهِمْ وأنْ نُنْصِفَهم وأنْ نَذُبَّ عَنْهم، فَذَلِكَ هو مَعْنى النَّصِيبِ مِنَ الكِتابِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ. أيْ: ما سَبَقَ لَهم في حُكْمِ اللَّهِ وفي مَشِيئَتِهِ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ، فَإنْ قَضى اللَّهُ لَهم بِالخَتْمِ عَلى الشَّقاوَةِ، أبْقاهم عَلى كُفْرِهِمْ، وإنْ قَضى لَهم بِالخَتْمِ عَلى السَّعادَةِ نَقَلَهم إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ.
وقالَ الرَّبِيعُ وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي ما كَتَبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمالِ والأعْمارِ، فَإذا فَنِيَتْ وانْقَرَضَتْ وفَرَغُوا مِنها ﴿جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ إنَّما حَصَلَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ ولَفْظُ ”النَّصِيبِ“ مُجْمَلٌ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: حَمْلُهُ عَلى العُمُرِ والرِّزْقِ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم وإنْ بَلَغُوا في الكُفْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ العَظِيمَ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمانِعٍ مِن أنْ يَنالَهم ما كُتِبَ لَهم مِن رِزْقٍ وعُمُرٍ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِكَيْ يُصْلِحُوا ويَتُوبُوا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ لِلتَّوَفِّي كالغايَةِ لِحُصُولِ ذَلِكَ النَّصِيبِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُصُولُ ذَلِكَ النَّصِيبِ مُتَقَدِّمًا عَلى حُصُولِ الوَفاةِ، والمُتَقَدِّمُ عَلى حُصُولِ الوَفاةِ لَيْسَ إلّا العُمُرَ والرِّزْقَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ إمالَةُ ”حَتّى“ و”ألّا“ و”أمّا“ وهَذِهِ ألِفاتٌ أُلْزِمَتِ الفَتْحَ؛ لِأنَّها أواخِرُ حُرُوفٍ جاءَتْ لِمَعانٍ، يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ أواخِرِ الأسْماءِ الَّتِي فِيها الألِفُ، نَحْوَ: حُبْلى وهُدًى. إلّا أنَّ ”حَتّى“ كُتِبَتْ بِالياءِ لِأنَّها عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ فَأشْبَهَتْ سَكْرى. وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا يَجُوزُ إمالَةُ ”حَتّى“ لِأنَّها حَرْفٌ لا يَتَصَرَّفُ، والإمالَةُ ضَرْبٌ مِنَ التَّصَرُّفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: المُرادُ هو قَبْضُ الأرْواحِ؛ لِأنَّ لَفْظَ الوَفاةِ يُفِيدُ هَذا المَعْنى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَوْتُ قِيامَةُ الكافِرِ، فالمَلائِكَةُ يُطالِبُونَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ عِنْدَ المَوْتِ عَلى سَبِيلِ الزَّجْرِ والتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ، وهَؤُلاءِ الرُّسُلُ هم مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأحَدُ قَوْلَيِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذا لا يَكُونُ في الآخِرَةِ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ أيْ: مَلائِكَةُ العَذابِ (يَتَوَفَّوْنَهم) أيْ: يَتَوَفَّوْنَ مُدَّتَهم عِنْدَ حَشْرِهِمْ إلى النّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم يَسْتَكْمِلُونَ عِدَّتَهم، حَتّى لا يَنْفَلِتَ مِنهم أحَدٌ.
صفحة ٦٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ مَعْناهُ: أيْنَ الشُّرَكاءُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَدْعُونَهم وتَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ. ولَفْظَةُ ”ما“ وقَعَتْ مَوْصُولَةً بِأيْنَ في خَطِّ المُصْحَفِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وكانَ حَقُّها أنْ تُفْصَلَ؛ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى: أيْنَ الآلِهَةُ الَّذِينَ تَدْعُونَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ بَطَلُوا وذَهَبُوا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُفّارِ عَنِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ التَّهْوِيلَ بِذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ مِمّا يَحْمِلُ العاقِلَ عَلى المُبالَغَةِ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ والتَّسَدُّدِ في الِاحْتِرازِ عَنِ التَّقْلِيدِ.
7:38–40Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وهو أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُهُمُ النّارَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (قالَ ادْخُلُوا) فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ذَلِكَ.
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ خازِنِ النّارِ.
وهَذا الِاخْتِلافُ بِناءً عَلى أنَّهُ تَعالى هَلْ يَتَكَلَّمُ مَعَ الكُفّارِ أمْ لا ؟ وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ بِالِاسْتِقْصاءِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في النّارِ مَعَ أُمَمٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفي الآيَةِ إضْمارٌ ومَجازٌ: أمّا الإضْمارُ فَلِأنّا أضْمَرْنا فِيها قَوْلَنا: في النّارِ. وأمّا المَجازُ، فَلِأنّا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”فِي“ عَلى ”مَعَ“ لِأنّا قُلْنا مَعْنى قَوْلِهِ: (في أُمَمٍ) أيْ: مَعَ أُمَمٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ لا يَلْتَزِمَ الإضْمارَ ولا يَلْتَزِمَ المَجازَ، والتَّقْدِيرُ: ادْخُلُوا في أُمَمٍ في النّارِ، ومَعْنى الدُّخُولِ في الأُمَمِ، الدُّخُولُ فِيما بَيْنَهم، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ زَمانُهم
صفحة ٦١
زَمانَكم، وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُدْخِلُ الكُفّارَ بِأجْمَعِهِمْ في النّارِ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَدْخُلُ الفَوْجُ بَعْدَ الفَوْجِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ سابِقٌ ومَسْبُوقٌ، لِيَصِحَّ هَذا القَوْلُ، ويُشاهِدُ الدّاخِلُ مِنَ الأُمَّةِ في النّارِ مَن سَبَقَها.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ والمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] .
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: (أُخْتَها) أيْ: في الدِّينِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ يَلْعَنُونَ المُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ اليَهُودُ تَلْعَنُ اليَهُودَ، والنَّصارى النَّصارى، وكَذا القَوْلُ في المَجُوسِ، والصّابِئَةِ وسائِرِ أدْيانِ الضَّلالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ: تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا، واجْتَمَعُوا في النّارِ، وأدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا، واسْتَقَرَّ مَعَهُ ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الأُولى والأُخْرى قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: أُخْراهم يَعْنِي آخِرَهم دُخُولًا في النّارِ، لِأُولاهم دُخُولًا فِيها.
والثّانِي: أُخْراهم مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، لِأُولاهم مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: (لِأُخْراهم) لامُ أجْلٍ، والمَعْنى: لِأجْلِهِمْ ولِإضْلالِهِمْ إيّاهم قالُوا ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ذَكَرُوا هَذا القَوْلَ لِأُولاهم؛ لِأنَّهم ما خاطَبُوا أُولاهم، وإنَّما خاطَبُوا اللَّهَ تَعالى بِهَذا الكَلامِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ فالمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ يَقُولُونَ: إنَّ المُتَقَدِّمِينَ أضَلُّونا، واعْلَمْ أنَّ هَذا الإضْلالَ يَقَعُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ لِلْمُتَأخِّرِينَ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: بِالدَّعْوَةِ إلى الباطِلِ وتَزْيِينِهِ في أعْيُنِهِمْ، والسَّعْيِ في إخْفاءِ الدَّلائِلِ المُبْطِلَةِ لِتِلْكَ الأباطِيلِ.
والوَجْهُ الثّانِي: بِأنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُونَ مُعَظِّمِينَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، فَيُقَلِّدُونَهم في تِلْكَ الأباطِيلِ والأضالِيلِ الَّتِي لَفَّقُوها ويَتَأسَّوْنَ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِإقْدامِ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ عَلى الإضْلالِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّهم يَدْعُونَ عَلى أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ بِمَزِيدِ العَذابِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ وفي الضِّعْفِ، قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ”الضِّعْفُ“ هو مِثْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما يُقارِبُ هَذا، فَقالَ في رَجُلٍ أوْصى، فَقالَ: أعْطُوا فُلانًا ضِعْفَ نَصِيبِ ولَدِي. قالَ: يُعْطى مِثْلَهُ مَرَّتَيْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الأزْهَرِيُّ: ”الضِّعْفُ“ في كَلامِ العَرَبِ المِثْلُ إلى ما زادَ ولَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى المِثْلَيْنِ، وجائِزٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: هَذا ضِعْفُهُ أيْ مِثْلاهُ وثَلاثَةُ أمْثالِهِ؛ لِأنَّ الضِّعْفَ في الأصْلِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ [سَبَأٍ: ٣٧] ولَمْ يُرِدْ بِهِ مِثْلًا ولا مِثْلَيْنِ، بَلْ أوْلى الأشْياءِ بِهِ أنْ يُجْعَلَ عَشْرَةَ أمْثالِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنْعامِ: ١٦٠] فَثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الضِّعْفِ مَحْصُورٌ وهو المِثْلُ، وأكْثَرَهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
وأمّا مَسْألَةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فاعْلَمْ أنَّ التَّرِكَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الوَرَثَةِ، إلّا أنّا لِأجْلِ الوَصِيَّةِ صَرَفْنا طائِفَةً مِنها إلى المُوصى لَهُ، والقَدْرُ المُتَيَقَّنُ في الوَصِيَّةِ هو المِثْلُ، والباقِي مَشْكُوكٌ، فَلا جَرَمَ أخَذْنا المُتَيَقَّنَ وطَرَحْنا المَشْكُوكَ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَمَلْنا الضِّعْفَ في تِلْكَ المَسْألَةِ عَلى المِثْلَيْنِ.
صفحة ٦٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ، فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كُلٍّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ لِلْمُخاطَبِينَ فَهو اسْمٌ ظاهِرٌ مَوْضُوعٌ لِلْغَيْبَةِ، فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا ما مِقْدارُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العَذابِ ضِعْفُ ما يَسْتَحِقُّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ ظُلْمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ، فَما مَعْنى كَوْنِهِ ضِعْفًا ؟
والجَوابُ: أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يَزِيدُ، فَكُلُّ ألَمٍ يَحْصُلُ فَإنَّهُ يَعْقُبُهُ حُصُولُ ألَمٍ آخَرَ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الآلامُ مُتَضاعِفَةً مُتَزايِدَةً لا إلى آخِرَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُخْراهم كَما خاطَبَتْ أُولاهم، فَكَذَلِكَ تُجِيبُ أُولاهم أُخْراهم، فَقالَ: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإنّا مُتَشارِكُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا مِنهم كَذِبٌ؛ لِأنَّهم لِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ وسادَةً وقادَةً قَدْ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وبالَغُوا في التَّرْغِيبِ فِيهِ، فَكانُوا ضالِّينَ ومُضِلِّينَ. وأمّا الأتْباعُ والسَّفَلَةُ فَهم وإنْ كانُوا ضالِّينَ إلّا أنَّهم ما كانُوا مُضِلِّينَ، فَبَطَلَ قَوْلُهم أنَّهُ لا فَضْلَ لِلْأتْباعِ عَلى الرُّؤَساءِ في تَرْكِ الضَّلالِ والكُفْرِ.
وجَوابُهُ: أنَّ أقْصى ما في البابِ أنَّ الكُفّارَ كَذَبُوا في هَذا القَوْلِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَنا أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، وقَدْ قَرَّرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ القادَةِ، وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم جَمِيعًا.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ التَّخْوِيفُ والزَّجْرُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ أنَّ بَعْضَهم يَتَبَرَّأُ عَنْ بَعْضٍ، ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ في القَلْبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences