Ar-RaziAl‑A'raf · 7:54

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:54

7:54Page 157

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allāh, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ .

صفحة ٨٠

اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ مَدارَ أمْرِ القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ هَذِهِ المَسائِلِ الأرْبَعِ، وهي التَّوْحِيدُ والنُّبُوَّةُ والمَعادُ والقَضاءُ والقَدَرُ، ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ إثْباتِ المَعادِ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، فَلَمّا بالَغَ اللَّهُ تَعالى في تَقْرِيرِ أمْرِ المَعادِ عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وكَمالِ القُدْرَةِ، والعِلْمِ، لِتَصِيرَ تِلْكَ الدَّلائِلُ مُقَرِّرَةً لِأُصُولِ التَّوْحِيدِ، ومُقَرِّرَةً أيْضًا لِإثْباتِ المَعادِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: حَكى الواحِدِيُّ عَنِ اللَّيْثِ أنَّهُ قالَ: الأصْلُ في السِّتِّ والسِّتَّةِ سِدْسٍ وسِدْسَةٍ، أبْدَلَ السِّينَ تاءً، ولَمّا كانَ مَخْرَجُ الدّالِ والتّاءِ قَرِيبًا أدْغَمَ أحَدَهُما في الآخَرِ واكْتَفى بِالتّاءِ عَلَيْهِ، فَإنَّكَ تَقُولُ في تَصْغِيرِ سِتَّةٍ سُدَيْسَةٌ، وكَذَلِكَ الأسْداسُ وجَمِيعُ تَصَرُّفاتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (الخَلْقُ) التَّقْدِيرُ عَلى ما قَرَّرْناهُ فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ إشارَةٌ إلى تَقْدِيرِ حالَةٍ مِن أحْوالِهِما، وذَلِكَ التَّقْدِيرُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً:

أوَّلُها: تَقْدِيرُ ذَواتِهِما بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَعَ أنَّ العَقْلَ يَقْضِي بِأنَّ الأزْيَدَ مِنهُ والأنْقَصَ مِنهُ جائِزٌ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمِقْدارِهِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى افْتِقارِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ.

وثانِيها: أنَّ كَوْنَ هَذِهِ الأجْسامِ مُتَحَرِّكَةً في الأزَلِ مُحالٌ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ انْتِقالٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، فالحَرَكَةُ يَجِبُ كَوْنُها مَسْبُوقَةً بِحالَةٍ أُخْرى، والأزَلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ فَكانَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَرَكَةِ وبَيْنَ الأزَلِ مُحالًا.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الأفْلاكُ والكَواكِبُ، إمّا أنْ يُقالَ: أنَّ ذَواتَها كانَتْ مَعْدُومَةً في الأزَلِ ثُمَّ وُجِدَتْ، أوْ يُقالُ: إنَّها وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً لَكِنَّها كانَتْ واقِفَةً ساكِنَةً في الأزَلِ، ثُمَّ ابْتَدَأتْ بِالحَرَكَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَتِلْكَ الحَرَكاتُ ابْتَدَأتْ بِالحُدُوثِ والوُجُودِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِها قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ وبَعْدَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ ابْتِداءِ تِلْكَ الحَرَكاتِ بِتِلْكَ الأوْقاتِ المُعَيَّنَةِ تَقْدِيرًا وخَلْقًا، ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ إلّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ ومُخْتارٍ.

وثالِثُها: أنَّ أجْرامَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ والعَناصِرِ مُرَكَّبَةٌ مِن أجْزاءٍ صَغِيرَةٍ، ولا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ تِلْكَ الأجْزاءِ حَصَلَتْ في داخِلِ تِلْكَ الأجْسامِ وبَعْضُها حَصَلَتْ عَلى سُطُوحِها، فاخْتِصاصُ حُصُولِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ بِحَيِّزِهِ المُعَيَّنِ ووَضْعِهِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ المُخَصِّصِ القادِرِ المُخْتارِ.

ورابِعُها: أنَّ بَعْضَ الأفْلاكِ أعْلى مِن بَعْضٍ، وبَعْضُ الكَواكِبِ حَصَلَ في المِنطَقَةِ وبَعْضُها في القُطْبَيْنِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِمَوْضِعِهِ المُعَيَّنِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قادِرٍ مُخْتارٍ.

وخامِسُها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأفْلاكِ مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وحَرَكَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مَخْصُوصٍ مِنَ البُطْءِ والسُّرْعَةِ، وذَلِكَ أيْضًا خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ ويَدُلُّ عَلى وُجُودِ المُخَصِّصِ القادِرِ.

وسادِسُها: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الكَواكِبِ مُخْتَصٌّ بِلَوْنٍ مَخْصُوصٍ مِثْلُ كُمُودَةِ زُحَلٍ، ودُرِّيَّةِ المُشْتَرِي، وحُمْرَةِ المِرِّيخِ، وضِياءِ الشَّمْسِ، وإشْراقِ الزُّهَرَةِ، وصُفْرَةِ عُطارِدٍ، وزُهُورِ القَمَرِ، والأجْسامُ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ. فَكانَ اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِلَوْنِهِ المُعَيَّنِ خَلْقًا وتَقْدِيرًا ودَلِيلًا عَلى افْتِقارِها إلى الفاعِلِ المُخْتارِ.

وسابِعُها: أنَّ الأفْلاكَ والعَناصِرَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الأجْزاءِ الصَّغِيرَةِ، وواجِبُ الوُجُودِ لا يَكُونُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ فَهي مُمْكِنَةُ الوُجُودِ في ذَواتِها، فَكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلى المُؤَثِّرِ، والحاجَةُ إلى المُؤَثِّرِ لا تَكُونُ في حالِ البَقاءِ، وإلّا لَزِمَ تَكَوُّنُ الكائِنِ، فَتِلْكَ الحاجَةُ لا تَحْصُلُ إلّا في زَمانِ الحُدُوثِ، أوْ في زَمانِ العَدَمِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ هَذِهِ الأجْزاءِ مُحْدَثَةً ومَتى كانَتْ مُحْدَثَةً كانَ حُدُوثُها مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وذَلِكَ خَلْقٌ

صفحة ٨١

وتَقْدِيرٌ ويَدُلُّ عَلى الحاجَةِ إلى الصّانِعِ القادِرِ المُخْتارِ.

وثامِنُها: أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ لا تَخْلُو عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وهُما مُحْدَثانِ، وما لا يَخْلُو عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ، فَهَذِهِ الأجْسامُ مُحْدَثَةٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَقَدْ حَصَلَ حُدُوثُهُ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وذَلِكَ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ ولا بُدَّ لَهُ مِنَ الصّانِعِ القادِرِ المُخْتارِ.

وتاسِعُها: أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فاخْتِصاصُ بَعْضِها بِالصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ سَماواتٍ وكَواكِبَ، والبَعْضُ الآخَرُ بِالصِّفاتِ الَّتِي لِأجْلِها كانَتْ أرْضًا أوْ ماءً أوْ هَواءً أوْ نارًا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أمْرًا جائِزًا، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ وتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وهو المَطْلُوبُ.

وعاشِرُها: أنَّهُ كَما حَصَلَ الِامْتِيازُ المَذْكُورُ بَيْنَ الأفْلاكِ والعَناصِرِ فَقَدْ حَصَلَ أيْضًا مِثْلُ هَذا الِامْتِيازِ بَيْنَ الكَواكِبِ وبَيْنَ الأفْلاكِ وبَيْنَ العَناصِرِ، بَلْ حَصَلَ مِثْلُ هَذا الِامْتِيازِ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الكَواكِبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الِافْتِقارِ إلى الفاعِلِ القادِرِ المُخْتارِ.

واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، فَإذا دَلَّلْنا عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ حَصَلَتْ لِجِسْمٍ مُعَيَّنٍ، فَإنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّفَةِ مُمْكِنٌ لِسائِرِ الأجْسامِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ الجِسْمِ المُعَيَّنِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ خَلْقًا وتَقْدِيرًا فَكانَ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: كَوْنُ هَذِهِ الأشْياءِ مَخْلُوقَةً في سِتَّةِ أيّامٍ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلى إثْباتِ الصّانِعِ ؟ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ وجْهَ دَلالَةِ هَذِهِ المُحْدَثاتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ هو حُدُوثُها أوْ إمْكانُها أوْ مَجْمُوعُهُما، فَأمّا وُقُوعُ ذَلِكَ الحُدُوثِ في سِتَّةِ أيّامٍ أوْ في يَوْمٍ واحِدٍ فَلا أثَرَ لَهُ في ذَلِكَ البَتَّةَ.

والثّانِي: أنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُدُوثَ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ جائِزٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِأنَّ هَذا الحُدُوثَ وقَعَ في سِتَّةِ أيّامٍ إلّا بِإخْبارِ مُخْبِرٍ صادِقٍ، وذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَلَوْ جَعَلْنا هَذِهِ المُقَدِّمَةَ مُقَدِّمَةً في إثْباتِ الصّانِعِ لَزِمَ الدَّوْرُ.

والثّالِثُ: أنَّ حُدُوثَ السَّماواتِ والأرْضِ دُفْعَةً واحِدَةً أدَلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ مِن حُدُوثِها في سِتَّةِ أيّامٍ.

إذا ثَبَتَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ فَنَقُولُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ في إثْباتِ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ؟

والرّابِعُ: أنَّهُ ما السَّبَبُ في أنَّهُ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى ذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولَمْ يَذْكُرْ خَلْقَ سائِرِ الأشْياءِ ؟

السُّؤالُ الخامِسُ: اليَوْمُ إنَّما يَمْتازُ عَنِ اللَّيْلَةِ بِسَبَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها فَقَبْلَ خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ كَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ الأيّامِ ؟

والسُّؤالُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القَمَرِ: ٥٠] وهَذا كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ .

والسُّؤالُ السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في مُدَّةٍ مُتَراخِيَةٍ، فَما الحِكْمَةُ في تَقْيِيدِها وضَبْطِها بِالأيّامِ السِّتَّةِ ؟

فَنَقُولُ: أمّا عَلى مَذْهَبِنا فالأمْرُ في الكُلِّ سَهْلٌ واضِحٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وكُلُّ شَيْءٍ صُنْعُهُ ولا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ. ثُمَّ نَقُولُ:

أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَجَوابُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في أوَّلِ التَّوْراةِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ

صفحة ٨٢

والعَرَبُ كانُوا يُخالِطُونَ اليَهُودَ، والظّاهِرُ أنَّهم سَمِعُوا ذَلِكَ مِنهم فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: لا تَشْتَغِلُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ فَإنَّ رَبَّكم هو الَّذِي سَمِعْتُمْ مِن عُقَلاءِ النّاسِ أنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ عَلى غايَةِ عَظَمَتِها ونِهايَةِ جَلالَتِها في سِتَّةِ أيّامٍ.

وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ كانَ قادِرًا عَلى إيجادِ جَمِيعِ الأشْياءِ دُفْعَةً واحِدَةً، لَكِنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًّا مَحْدُودًا ووَقْتًا مُقَدَّرًا، فَلا يُدْخِلُهُ في الوُجُودِ إلّا عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، فَهو وإنْ كانَ قادِرًا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلى المُطِيعِينَ في الحالِ، وعَلى إيصالِ العِقابِ إلى المُذْنِبِينَ في الحالِ، إلّا أنَّهُ يُؤَخِّرُهُما إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ.

فَهَذا التَّأْخِيرُ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى أهْمَلَ العِبادَ بَلْ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ خَصَّ كُلَّ شَيْءٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِسابِقِ مَشِيئَتِهِ فَلا يَفْتُرُ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ق: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٨، ٣٩] بَعْدَ أنْ قالَ قَبْلَ هَذا: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٦، ٣٧] فَأخْبَرَهم بِأنَّهُ قَدْ أهْلَكَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِهِ والمُكَذِّبِينَ لِأنْبِيائِهِ مَن كانَ أقْوى بَطْشًا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، إلّا أنَّهُ أمْهَلَ هَؤُلاءِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، كَما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ مُتَّصِلَةٍ لا لِأجْلِ لُغُوبٍ لَحِقَهُ في الإمْهالِ، ولَمّا بَيَّنَ بِهَذا الطَّرِيقِ أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ العالَمَ لا دُفْعَةً لَكِنْ قَلِيلًا قَلِيلًا قالَ بَعْدَهُ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] مِنَ الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ العَذابَ، بَلْ تَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ تَعالى وفَوِّضِ الأمْرَ إلَيْهِ، وهَذا مَعْنى ما يَقُولُهُ المُفَسِّرُونَ مِن أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ العالَمَ في سِتَّةِ أيّامٍ لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ الرِّفْقَ في الأُمُورِ والصَّبْرَ فِيها ولِأجْلِ أنْ لا يَحْمِلَ المُكَلَّفُ تَأخُّرَ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى الإهْمالِ والتَّعْطِيلِ.

ومِنَ العُلَماءِ مَن ذَكَرَ فِيهِ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الشَّيْءَ إذا أُحْدِثَ دُفْعَةً واحِدَةً ثُمَّ انْقَطَعَ طَرِيقُ الإحْداثِ فَلَعَلَّهُ يَخْطُرُ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذاكَ إنَّما وقَعَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ، أمّا إذا حَدَثَتِ الأشْياءُ عَلى التَّعاقُبِ والتَّواصُلِ مَعَ كَوْنِها مُطابِقَةً لِلْمَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ، كانَ ذَلِكَ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها واقِعَةً بِإحْداثِ مُحْدِثٍ قَدِيمٍ حَكِيمٍ، وقادِرٍ عَلِيمٍ رَحِيمٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ العاقِلَ أوَّلًا ثُمَّ يَخْلُقُ السَّماواتِ والأرْضَ بَعْدَهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ العاقِلَ إذا شاهَدَ في كُلِّ ساعَةٍ وحِينَ حُدُوثِ شَيْءٍ آخَرَ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، كانَ ذَلِكَ أقْوى لِعِلْمِهِ وبَصِيرَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ عَلى عَقْلِهِ ظُهُورُ هَذا الدَّلِيلِ لَحْظَةً بَعْدَ لَحْظَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ أقْوى في إفادَةِ اليَقِينِ.

وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: فَجَوابُهُ أنَّ ذِكْرَ السَّماواتِ والأرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ يَشْتَمِلُ أيْضًا عَلى ذِكْرِ ما بَيْنَهُما، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ سائِرَ المَخْلُوقاتِ في سائِرِ الآياتِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ وقالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨، ٥٩] وقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [ق: ٣٨] .

وأمّا السُّؤالُ الخامِسُ: فَجَوابُهُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] والمُرادُ عَلى مِقْدارِ البُكْرَةِ والعَشِيِّ في الدُّنْيا لِأنَّهُ لا لَيْلَ ثَمَّ ولا نَهارَ.

صفحة ٨٣

وأمّا السُّؤالُ السّادِسُ: فَجَوابُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القَمَرِ: ٥٠] مَحْمُولٌ عَلى إيجادِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الذَّواتِ وعَلى إعْدامِ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ لِأنَّ إيجادَ الذّاتِ الواحِدَةِ وإعْدامَ المَوْجُودِ الواحِدِ لا يَقْبَلُ التَّفاوُتَ فَلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ إلّا دُفْعَةً واحِدَةً، وأمّا الإمْهالُ والمُدَّةُ فَذاكَ لا يَحْصُلُ إلّا في المُدَّةِ.

وأمّا السُّؤالُ السّابِعُ: وهو تَقْدِيرُ هَذِهِ المُدَّةِ بِسِتَّةِ أيّامٍ، فَهو غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أحْدَثَهُ في مِقْدارٍ آخَرَ مِنَ الزَّمانِ لَعادَ ذَلِكَ السُّؤالُ، وأيْضًا قالَ بَعْضُهم: لِعَدَدِ السَّبْعَةِ شَرَفٌ عَظِيمٌ، وهو مَذْكُورٌ في تَقْرِيرِ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ هي لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ، وإذا ثَبَتَ هَذا قالُوا: فالأيّامُ السِّتَّةُ في تَخْلِيقِ العالَمِ واليَوْمُ السّابِعُ في حُصُولِ كَمالِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ. وبِهَذا الطَّرِيقِ حَصَلَ الكَمالُ في الأيّامِ السَّبْعَةِ انْتَهى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُقَلاءِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ والمَعْنى أنَّ الَّذِي يُرَبِّيكم ويُصْلِحُ شَأْنَكم ويُوَصِّلُ إلَيْكُمُ الخَيْراتِ ويَدْفَعُ عَنْكُمُ المَكْرُوهاتِ، هو الَّذِي بَلَغَ كَمالَ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ إلى حَيْثُ خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ وأوْدَعَ فِيها أصْنافَ المَنافِعِ وأنْواعَ الخَيْراتِ، ومَن كانَ لَهُ مُرَبٍّ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ والرَّحْمَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يَرْجِعَ إلى غَيْرِهِ في طَلَبِ الخَيْراتِ أوْ يُعَوِّلَ عَلى غَيْرِهِ في تَحْصِيلِ السَّعاداتِ ؟

ثُمَّ في الآيَةِ دَقِيقَةٌ أُخْرى فَإنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أنْتُمْ عَبِيدُهُ، بَلْ قالَ: هو رَبُّكم، ودَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّهُ تَعالى لَمّا نَسَبَ نَفْسَهُ إلَيْنا سَمّى نَفْسَهُ في هَذِهِ الحالَةِ بِالرَّبِّ، وهو مُشْعِرٌ بِالتَّرْبِيَةِ وكَثْرَةِ الفَضْلِ والإحْسانِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ مَن كانَ لَهُ مُرَبٍّ مَعَ كَثْرَةِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ؟

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ عَقْلِيَّةٌ، ووُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ.

أمّا العَقْلِيَّةُ فَأُمُورٌ:

أوَّلُها: أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ لَكانَ مِنَ الجانِبِ الَّذِي يَلِي العَرْشَ مُتَناهِيًا وإلّا لَزِمَ كَوْنُ العَرْشِ داخِلًا في ذاتِهِ وهو مُحالٌ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا فَإنَّ العَقْلَ يَقْضِي بِأنَّهُ لا يَمْنَعُ أنْ يَصِيرَ أزْيَدَ مِنهُ أوْ أنْقَصَ مِنهُ بِذَرَّةٍ، والعِلْمُ بِهَذا الجَوازِ ضَرُورِيٌّ، فَلَوْ كانَ البارِي تَعالى مُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجَوانِبِ لَكانَتْ ذاتُهُ قابِلَةً لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ المِقْدارِ المُعَيَّنِ لِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عَلى العَرْشِ لَكانَ مِنَ الجانِبِ الَّذِي يَلِي العَرْشَ مُتَناهِيًا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُحْدَثًا وهَذا مُحالٌ فَكَوْنُهُ عَلى العَرْشِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحالًا.

وثانِيها: لَوْ كانَ في مَكانٍ وجِهَةٍ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن كُلِّ الجِهاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا في كُلِّ الجِهاتِ. وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجِهاتِ دُونَ البَعْضِ والكُلُّ باطِلٌ، فالقَوْلُ بِكَوْنِهِ في المَكانِ والحَيِّزِ باطِلٌ قَطْعًا.

بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الأوَّلِ: أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتُهُ مُخالِطَةً لِجَمِيعِ الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ والعُلْوِيَّةِ، وأنْ تَكُونَ مُخالِطَةً لِلْقاذُوراتِ والنَّجاساتِ، وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ، وأيْضًا فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: تَكُونُ السَّماواتُ حالَّةً في ذاتِهِ، وتَكُونُ الأرْضُ أيْضًا حالَّةً في ذاتِهِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّيْءُ الَّذِي هو مَحَلُّ السَّماواتِ، إمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي هو مَحَلُّ الأرَضِينَ أوْ غَيْرُهُ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ لَزِمَ كَوْنُ السَّماواتِ والأرَضِينَ حالَّتَيْنِ في مَحَلٍّ واحِدٍ مِن غَيْرِ امْتِيازٍ بَيْنَ مَحَلَّيْهِما أصْلًا، وكُلُّ حالَّيْنِ حَلّا في مَحَلٍّ واحِدٍ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما مُمْتازًا عَنِ الآخَرِ، فَلَزِمَ أنْ يُقالَ:

صفحة ٨٤

السَّماواتُ لا تَمْتازُ عَنِ الأرَضِينَ في الذّاتِ، وذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ الثّانِي: لَزِمَ أنْ تَكُونَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى مُرَكَّبَةً مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ وهو مُحالٌ.

والثّالِثُ: وهو أنَّ ذاتَ اللَّهِ تَعالى إذا كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأحْيازِ والجِهاتِ، فَإمّا أنْ يُقالَ: الشَّيْءُ الَّذِي حَصَلَ فَوْقُ هو عَيْنُ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ تَحْتُ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الذّاتُ الواحِدَةُ قَدْ حَصَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً في أحْيازٍ كَثِيرَةٍ، وإنْ عُقِلَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يُعْقَلُ أيْضًا حُصُولُ الجِسْمِ الواحِدِ في أحْيازٍ كَثِيرَةٍ دُفْعَةً واحِدَةً ؟ وهو مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ.

وأمّا إنْ قِيلَ: الشَّيْءُ الَّذِي حَصَلَ فَوْقُ غَيْرُ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ تَحْتُ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ حُصُولُ التَّرْكِيبِ والتَّبْعِيضِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وهو مُحالٌ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: أنَّهُ تَعالى مُتَناهٍ مِن كُلِّ الجِهاتِ. فَنَقُولُ: كُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو قابِلٌ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُهُ بِالمِقْدارِ المُعَيَّنِ لِأجْلِ تَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وأيْضًا فَإنْ جازَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ المَحْدُودُ مِن كُلِّ الجَوانِبِ قَدِيمًا أزَلِيًّا فاعِلًا لِلْعالَمِ، فَلِمَ لا يُعْقَلُ أنْ يُقالَ: خالِقُ العالَمِ هو الشَّمْسُ، أوِ القَمَرُ، أوْ كَوْكَبٌ آخَرُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِاتِّفاقٍ.

وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو أنْ يُقالَ: أنَّهُ مُتَناهٍ مِن بَعْضِ الجَوانِبِ، وغَيْرُ مُتَناهٍ مِن سائِرِ الجَوانِبِ، فَهَذا أيْضًا باطِلٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الجانِبَ الَّذِي صَدَقَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُتَناهِيًا غَيْرُ ما صَدَقَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَناهٍ، وإلّا لَصَدَقَ النَّقِيضانِ مَعًا وهو مُحالٌ. وإذا حَصَلَ التَّغايُرُ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى مُرَكَّبًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ.

وثانِيها: أنَّ الجانِبَ الَّذِي صَدَقَ حُكْمُ العَقْلِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُتَناهِيًا، إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلْجانِبِ الَّذِي صَدَقَ حُكْمُ العَقْلِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَناهٍ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الأشْياءَ المُتَساوِيَةَ في تَمامِ الماهِيَّةِ كُلُّ ما صَحَّ عَلى واحِدٍ مِنها صَحَّ عَلى الباقِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ: فالجانِبُ لِلَّذِي هو غَيْرُ مُتَناهٍ يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ مُتَناهِيًا، والجانِبُ الَّذِي هو مُتَناهٍ يُمْكِنُ أنْ يَصِيرَ غَيْرَ مُتَناهٍ.

ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ النُّمُوُّ والذُّبُولُ والزِّيادَةُ والنُّقْصانُ والتَّفَرُّقُ والتَّمَزُّقُ عَلى ذاتِهِ مُمْكِنًا، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وذَلِكَ عَلى الإلَهِ القَدِيمِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ حاصِلًا في الحَيِّزِ والجِهَةِ، لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن كُلِّ الجِهاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا مِن كُلِّ الجِهاتِ، أوْ كانَ مُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجِهاتِ، وغَيْرَ مُتَناهٍ مِن سائِرِ الجِهاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ باطِلَةٌ، فَوَجَبَ أنْ نَقُولَ: القَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعالى حاصِلًا في الحَيِّزِ والجِهَةِ مُحالٌ.

والبُرْهانُ الثّالِثُ: لَوْ كانَ البارِي تَعالى حاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، لَكانَ الأمْرُ المُسَمّى بِالجِهَةِ إمّا أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مُشارًا إلَيْهِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، والقِسْمانِ باطِلانِ، فَكانَ القَوْلُ بِكَوْنِهِ تَعالى حاصِلًا في الحَيِّزِ والجِهَةِ باطِلًا.

أمّا بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الأوَّلِ: فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ المُسَمّى بِالحَيِّزِ والجِهَةِ مَوْجُودًا مُشارًا إلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُسَمّى بِالحَيِّزِ والجِهَةِ بُعْدًا وامْتِدادًا، والحاصِلُ فِيهِ أيْضًا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَهُ في نَفْسِهِ بُعْدٌ وامْتِدادٌ، وإلّا لامْتَنَعَ حُصُولُهُ فِيهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَداخُلُ البُعْدَيْنِ، وذَلِكَ مُحالٌ لِلدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ المَشْهُورَةِ في هَذا البابِ، وأيْضًا فَيَلْزَمُ مِن كَوْنِ البارِي تَعالى قَدِيمًا أزَلِيًّا كَوْنُ الحَيِّزِ والجِهَةِ أزَلِيَّيْنِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ في الأزَلِ مَوْجُودٌ قائِمٌ بِنَفْسِهِ سِوى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ بِإجْماعِ أكْثَرِ العُقَلاءِ باطِلٌ.

صفحة ٨٥

وأمّا بَيانُ فَسادِ القِسْمِ الثّانِي: فَهو مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ العَدَمَ نَفْيٌ مَحْضٌ، وعَدَمٌ صِرْفٌ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِغَيْرِهِ وجِهَةً لِغَيْرِهِ.

وثانِيهِما: أنَّ كُلَّ ما كانَ حاصِلًا في جِهَةٍ فَجِهَتُهُ مُمْتازَةٌ في الحِسِّ عَنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ الجِهَةُ عَدَمًا مَحْضًا لَزِمَ كَوْنُ العَدَمِ المَحْضِ مُشارًا إلَيْهِ بِالحِسِّ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ حاصِلًا في حَيِّزٍ وجِهَةٍ لَأفْضى إلى أحَدِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ الباطِلَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ باطِلًا.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْكم في قَوْلِكم: الجِسْمُ حاصِلٌ في الحَيِّزِ والجِهَةِ.

فَنَقُولُ: نَحْنُ عَلى هَذا الطَّرِيقِ لا نُثْبِتُ لِلْجِسْمِ حَيِّزًا ولا جِهَةً أصْلًا البَتَّةَ، بِحَيْثُ تَكُونُ ذاتُ الجِسْمِ نافِدَةً فِيهِ وسارِيَةً فِيهِ، بَلِ المَكانُ عِبارَةٌ عَنِ السَّطْحِ الباطِنِ مِنَ الجِسْمِ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ مِنَ الجِسْمِ المَحْوِيِّ، وهَذا المَعْنى مُحالٌ بِالِاتِّفاقِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ.

البُرْهانُ الرّابِعُ: لَوِ امْتَنَعَ وُجُودُ البارِي تَعالى إلّا بِحَيْثُ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالحَيِّزِ والجِهَةِ، لَكانَتْ ذاتُ البارِي مُفْتَقِرَةً في تَحَقُّقِها ووُجُودِها إلى الغَيْرِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، يَنْتُجُ أنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ وُجُودُ البارِي إلّا في الجِهَةِ والحَيِّزِ، لَزِمَ كَوْنُهُ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، ولَمّا كانَ هَذا مُحالًا كانَ القَوْلُ بِوُجُوبِ حُصُولِهِ في الحَيِّزِ مُحالًا.

بَيانُ المَقامِ الأوَّلِ: هو أنَّهُ لَمّا امْتَنَعَ حُصُولُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، إلّا إذا كانَ مُخْتَصًّا بِالحَيِّزِ والجِهَةِ. فَنَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الحَيِّزَ والجِهَةَ أمْرٌ مُغايِرٌ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ ذاتُ اللَّهِ تَعالى مُفْتَقِرَةً في تَحَقُّقِها إلى أمْرٍ يُغايِرُها، وكُلُّ ما افْتَقَرَ تَحَقُّقُهُ إلى ما يُغايِرُهُ، كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ.

والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الواجِبَ لِذاتِهِ هو الَّذِي لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ غَيْرِهِ عَدَمُهُ، والمُفْتَقِرَ إلى الغَيْرِ هو الَّذِي يَلْزَمُ مِن عَدَمِ غَيْرِهِ عَدَمُهُ، فَلَوْ كانَ الواجِبُ لِذاتِهِ مُفْتَقِرًا إلى الغَيْرِ لَزِمَ أنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ النَّقِيضانِ، وهو مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَوْ وجَبَ حُصُولُهُ في الحَيِّزِ لَكانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ، لا واجِبًا لِذاتِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ.

والوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ هَذِهِ الحُجَّةِ: هو أنَّ المُمْكِنَ مُحْتاجٌ إلى الحَيِّزِ والجِهَةِ. أمّا عِنْدَ مَن يُثْبِتُ الخَلاءَ، فَلا شَكَّ أنَّ الحَيِّزَ والجِهَةَ تَتَقَرَّرُ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ، وأمّا عِنْدَ مَن يَنْفِي الخَلاءَ فَلا؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُعْتَقِدًا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُتَمَكِّنٍ يَحْصُلُ في الجِهَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَقُولُ بِأنَّهُ لا بُدَّ لِتِلْكَ الجِهَةِ مِن مُتَمَكِّنٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ أيُّ شَيْءٍ كانَ فَقَدْ كَفى في كَوْنِهِ شاغِلًا لِذَلِكَ الحَيِّزِ إذا ثَبَتَ هَذا، فَلَوْ كانَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصَّةً بِجِهَةٍ وحَيِّزٍ لَكانَتْ ذاتُهُ مُفْتَقِرَةً إلى ذَلِكَ الحَيِّزِ، وكانَ ذَلِكَ الحَيِّزُ غَنِيًّا تَحَقُّقُهُ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى. وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: الحَيِّزُ واجِبٌ لِذاتِهِ غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ، وأنْ يُقالَ: ذاتُ اللَّهِ تَعالى مُفْتَقِرَةٌ في ذاتِها واجِبَةٌ بِغَيْرِها، وذَلِكَ يَقْدَحُ في قَوْلِنا: الإلَهُ تَعالى واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: الحَيِّزُ والجِهَةُ لَيْسَ بِأمْرٍ مَوْجُودٍ حَتّى يُقالَ ذاتُ اللَّهِ تَعالى مُفْتَقِرَةٌ إلَيْهِ ومُحْتاجَةٌ إلَيْهِ.

فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ قَطْعًا؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ إنَّ ذاتَ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِجِهَةِ فَوْقٍ، فَإنَّما نُمَيِّزُ بِحَسَبِ الحِسِّ بَيْنَ تِلْكَ الجِهَةِ وبَيْنَ سائِرِ الجِهاتِ، وما حَصَلَ فِيهِ الِامْتِيازُ بِحَسَبِ الحِسِّ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ عَدَمٌ مَحْضٌ ونَفْيٌ صِرْفٌ ؟ ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ مِثْلُهُ في كُلِّ المَحْسُوساتِ، وذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الشَّكِّ في وُجُودِ كُلِّ

صفحة ٨٦

المَحْسُوساتِ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.

البُرْهانُ الخامِسُ في تَقْرِيرِ أنَّهُ تَعالى يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِالحَيِّزِ والجِهَةِ: نَقُولُ: الحَيِّزُ والجِهَةُ لا مَعْنى لَهُ إلّا الفَراغُ المَحْضُ، والخَلاءُ الصِّرْفُ، وصَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ أنَّ هَذا المَفْهُومَ مَفْهُومٌ واحِدٌ لا اخْتِلافَ فِيهِ البَتَّةَ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَتِ الأحْيازُ بِأسْرِها مُتَساوِيَةً في تَمامِ الماهِيَّةِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ الإلَهُ تَعالى مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ، لَكانَ مُحْدَثًا، وهَذا مُحالٌ؛ فَذاكَ مُحالٌ.

وبَيانُ المُلازَمَةِ: أنَّ الأحْيازَ لَمّا ثَبَتَ أنَّها بِأسْرِها مُتَساوِيَةٌ، فَلَوِ اخْتَصَّ ذاتُ اللَّهِ تَعالى بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَكانَ اخْتِصاصُهُ بِهِ لِأجْلِ أنَّ مُخَصِّصًا خَصَّصَهُ بِذَلِكَ الحَيِّزِ. وكُلُّ ما كانَ فِعْلًا لِفاعِلٍ مُخْتارٍ فَهو مُحْدَثٌ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اخْتِصاصُ ذاتِ اللَّهِ بِالحَيِّزِ المُعَيَّنِ مُحْدَثًا، فَإذا كانَتْ ذاتُهُ مُمْتَنِعَةَ الخُلُوِّ عَنِ الحُصُولِ في الحَيِّزِ، وثَبَتَ أنَّ الحُصُولَ في الحَيِّزِ مُحْدَثٌ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ شاهِدَةٌ بِأنَّ ما لا يَخْلُو عَنِ المُحْدَثِ فَهو مُحْدَثٌ، لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا في الحَيِّزِ لَكانَ مُحْدَثًا، ولَمّا كانَ هَذا مُحالًا كانَ ذَلِكَ أيْضًا مُحالًا.

فَإنْ قالُوا: الأحْيازُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ أنَّ بَعْضَها عُلْوٌ وبَعْضَها سُفْلٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ذاتُ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِجِهَةِ عُلْوٍ ؟ فَنَقُولُ: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ كَوْنَ بَعْضِ تِلْكَ الجِهاتِ عُلْوًا وبَعْضِها سُفْلًا أحْوالٌ لا تَحْصُلُ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى وُجُودِ هَذا العالَمِ، فَلَمّا كانَ هَذا العالَمُ مُحْدَثًا كانَ قَبْلَ حُدُوثِهِ لا عُلْوٌ ولا سُفْلٌ ولا يَمِينٌ ولا يَسارٌ، بَلْ لَيْسَ إلّا الخَلاءُ المَحْضُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الإلْزامُ المَذْكُورُ بِتَمامِهِ.

وأيْضًا لَوْ جازَ القَوْلُ بِأنَّ ذاتَ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِبَعْضِ الأحْيازِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ ؟ فَلِمَ لا يُعْقَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الأجْسامِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ الأحْيازِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ اسْمٌ لا يَكُونُ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَلا يَجْرِي فِيهِ دَلِيلُ حُدُوثِ الأجْسامِ، والقائِلُ بِهَذا القَوْلِ لا يُمْكِنُهُ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِ كُلِّ الأجْسامِ بِطَرِيقِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والكَرّامِيَّةُ وافَقُونا عَلى أنَّ تَجْوِيزَ هَذا يُوجِبُ الكُفْرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском