Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:59–64
7:59–62Page 158
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩
We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day."
قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠
Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."
قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١
[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.
أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢
I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في تَقْرِيرِ المَبْدَأِ والمَعادِ دَلائِلَ ظاهِرَةً، وبَيِّناتٍ قاهِرَةً، وبَراهِينَ باهِرَةً أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ فَوائِدُ:
أحَدُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إعْراضَ النّاسِ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لَيْسَ مِن خَواصِّ قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هَذِهِ العادَةُ المَذْمُومَةُ كانَتْ حاصِلَةً في جَمِيعِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والمُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ؛ فَكانَ ذِكْرُ قِصَصِهِمْ وحِكايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى الجَهْلِ والعِنادِ يُفِيدُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَخْفِيفَ ذَلِكَ عَلى قَلْبِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى يَحْكِي في هَذِهِ القِصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمْرِ أُولَئِكَ المُنْكِرِينَ كانَ إلى الكُفْرِ واللَّعْنِ في الدُّنْيا والخَسارَةِ في الآخِرَةِ، وعاقِبَةُ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا والسَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يُقَوِّي قُلُوبَ المُحِقِّينَ ويَكْسِرُ قُلُوبَ المُبْطِلِينَ.
وثالِثُها: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَ يُمْهِلُ هَؤُلاءِ المُبْطِلِينَ ولَكِنَّهُ لا يُهْمِلُهم بَلْ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ.
ورابِعُها: بَيانُ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ دالَّةٌ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أُمِّيًّا وما طالَعَ كِتابًا ولا تُلْمِذَ عَلى أُسْتاذٍ، فَإذا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَصَ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خَطَأٍ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ الماضِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ، لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ إنَّ إبْلِيسَ شاهَدَ هَذِهِ الوَقائِعَ فَألْقاها إلَيْهِ، أمّا الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ المُسْتَقْبَلَةِ فَإنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُها.
صفحة ١٢٠
والقِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتْوَشْلِخَ بْنِ أخْنُوخَ، وأخْنُوخُ اسْمُ إدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
فَإنْ قالُوا: ما السَّبَبُ في أنَّهم لا يَكادُونَ يَنْطِقُونَ بِهَذِهِ اللّامِ إلّا مَعَ قَدْ، وذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ بِدُونِ قَدْ نادِرٌ كَقَوْلِهِ:
حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا
إنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها. فَكانَتْ مَظِنَّةً لِمَنعِ التَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى ”قَدْ“ عِنْدَ اسْتِماعِ المُخاطَبِ كَلِمَةَ القَسَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”غَيْرِهِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْإلَهِ عَلى اللَّفْظِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْإلَهِ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وجْهُ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ قَوْلُهُ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٢] فَكَما أنَّ قَوْلَهُ: (إلّا اللَّهُ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ (ما مِن إلَهٍ) كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿غَيْرُهُ﴾ يَكُونُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن إلَهٍ﴾ فَيَكُونُ ”غَيْرُ“ رَفْعًا بِالِاسْتِثْناءِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”غَيْرُ“ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، وذَكَرَ وجْهَ الرَّفْعِ والجَرِّ كَما تَقَدَّمَ، قالَ: وأمّا النَّصْبُ فَعَلى الِاسْتِثْناءِ بِمَعْنى ما لَكم مِن إلَهٍ إلّا إيّاهُ، كَقَوْلِكَ ما في الدّارِ مِن أحَدٍ إلّا زَيْدًا وغَيْرَ زَيْدٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، وهو خَبَرُ ”ما“ لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ ”غَيْرُهُ“ صِفَةً لِقَوْلِهِ ”إلَهٍ“ لَمْ يَبْقَ لِهَذا المَنفِيِّ خَبَرٌ، والكَلامُ لا يَسْتَقِلُّ بِالصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ زَيْدٌ العاقِلُ وسَكَتَّ، لَمْ يُفِدْ ما لَمْ تَذْكُرْ خَبَرَهُ. ويَكُونُ التَّقْدِيرُ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ في الوُجُودِ. أقُولُ: اتَّفَقَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ قَوْلَنا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: لا إلَهَ في الوُجُودِ أوْ لا إلَهَ لَنا إلّا اللَّهُ ولَمْ يَذْكُرُوا عَلى هَذا الكَلامِ حُجَّةً، فَإنّا نَقُولُ لِمَ لا يَجُوزُ أنَّ يُقالَ دَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وعَلى هَذِهِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ لا تَحَقُّقَ لِحَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ إلّا في حَقِّ اللَّهِ ؟ وإذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا المَعْنى اسْتَغْنَيْنا عَنِ الإضْمارِ الَّذِي ذَكَرُوهُ.
فَإنْ قالُوا: صَرْفُ النَّفْيِ إلى الماهِيَّةِ لا يُمْكِنُ لِأنَّ الحَقائِقَ لا يُمْكِنُ نَفْيُها، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لا سَوادَ بِمَعْنى ارْتِفاعِ هَذِهِ الماهِيَّةِ، وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الحَقائِقَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ ولا حاصِلَةٍ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ إضْمارُ الخَبَرِ.
فَنَقُولُ: هَذا الكَلامُ بِناءً عَلى أنَّ الماهِيَّةَ لا يُمْكِنُ انْتِفاؤُها وارْتِفاعُها، وذَلِكَ باطِلٌ قَطْعًا؛ إذْ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَوَجَبَ امْتِناعُ ارْتِفاعِ الوُجُودِ لَأنَّ الوُجُودَ أيْضًا حَقِيقَةٌ مِنَ الحَقائِقِ وماهِيَّةٌ، فَلِمَ لا يُمْكِنُ ارْتِفاعُ سائِرِ الماهِيّاتِ ؟
فَإنْ قالُوا: إذا قُلْنا لا رَجُلَ، وعَنَيْنا بِهِ نَفْيَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، فَهَذا النَّفْيُ لَمْ يَنْصَرِفْ إلى ماهِيَّةِ الوُجُودِ، وإنَّما انْصَرَفَ إلى كَوْنِ ماهِيَّةِ الرَّجُلِ مَوْصُوفَةً بِالوُجُودِ.
فَنَقُولُ: تِلْكَ المَوْصُوفِيَّةُ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ أمْرًا زائِدًا عَلى الماهِيَّةِ وعَلى الوُجُودِ، إذْ لَوْ كانَتْ
صفحة ١٢١
المَوْصُوفِيَّةُ ماهِيَّةً، والوُجُودُ ماهِيَّةً أُخْرى، لَكانَتْ تِلْكَ الماهِيَّةُ مَوْصُوفَةً أيْضًا بِالوُجُودِ، والكَلامُ فِيهِ كَما فِيما قَبْلَهُ، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، ويَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ المَوْجُودُ الواحِدُ مَوْجُودًا واحِدًا، بَلْ مَوْجُوداتٍ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ وهو مُحالٌ. ثُمَّ نَقُولُ: مَوْصُوفِيَّةُ الماهِيَّةِ بِالوُجُودِ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مُغايِرًا لِلْماهِيَّةِ والوُجُودِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ أمْرًا مُغايِرًا لَها فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِذَلِكَ المُغايِرِ ماهِيَّةٌ ووُجُودٌ، وماهِيَّتُهُ لا تَقْبَلُ الِارْتِفاعَ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ السُّؤالُ المَذْكُورُ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الماهِيَّةَ أنَّ ”لَمْ“ تَقْبَلُ النَّفْيَ والرَّفْعَ، امْتَنَعَ صَرْفُ حَرْفِ النَّفْيِ إلى شَيْءٍ مِنَ المَفْهُوماتِ، فَإنْ كانَتِ الماهِيَّةُ قابِلَةً لِلنَّفْيِ والرَّفْعِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ صَرْفُ كَلِمَةِ ”لا“ في قَوْلِنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى التِزامِ الحَذْفِ والإضْمارِ الَّذِي يَذْكُرُهُ النَّحْوِيُّونَ، فَهَذا كَلامٌ عَقْلِيٌّ صِرْفٌ وقَعَ في هَذا البَحْثِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَعَثْنا.
وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الإرْسالِ أنَّهُ تَعالى حَمَّلَهُ رِسالَةً يُؤَدِّيها، فالرِّسالَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ مُتَضَمِّنَةً لِلْبَعْثِ، فَيَكُونُ البَعْثُ كالتّابِعِ لا أنَّهُ الأصْلُ، وهَذا البَحْثُ بِناءً عَلى مَسْألَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وهي أنَّهُ هَلْ مِن شَرْطِ إرْسالِ الرَّسُولِ إلى قَوْمٍ، أنْ يُعَرِّفَهم عَلى لِسانِهِ أحْكامًا لا سَبِيلَ لَهم إلى مَعْرِفَتِها بِعُقُولِهِمْ، أوْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ، بَلْ يَكُونُ الغَرَضُ مِن بَعْثَةِ الرُّسُلِ مُجَرَّدَ تَأْكِيدِ ما في العُقُولِ ؟ وهَذا الخِلافُ إنَّما يَلِيقُ بِتَفارِيعِ المُعْتَزِلَةِ، ولا يَلِيقُ بِتَفارِيعِ مَذْهَبِنا وأُصُولِنا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ نُوحٍ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّهُ حَكَمَ أنْ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ إثْباتُ التَّكْلِيفِ، والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ الثّانِي الإقْرارُ بِالتَّوْحِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ إمّا عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهو قَدْ خَوَّفَهم بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهَذا هو الدَّعْوى الثّالِثَةُ، أوْ عَذابُ يَوْمِ الطُّوفانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَقَدِ ادَّعى الوَحْيَ والنُّبُوَّةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والحاصِلُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الدَّعاوى الثَّلاثَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ عَلى صِحَّةِ واحِدٍ مِنها دَلِيلًا ولا حُجَّةً، فَإنْ كانَ قَدْ أمَرَهم بِالإنْذارِ بِها عَلى سَبِيلِ التَّقْلِيدِ، فَهَذا باطِلٌ، لِما أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ. وأيْضًا فاللَّهُ تَعالى قَدْ مَلَأ القُرْآنَ مِن ذَمِّ التَّقْلِيدِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المَعْصُومِ الدَّعْوَةُ إلى التَّقْلِيدِ ؟ وإنْ كانَ قَدْ أمَرَهم بِالإقْرارِ بِها مَعَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ، فَهَذا الدَّلِيلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وصِحَّةَ المَعادِ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لا يَدْعُو أحَدًا إلى هَذِهِ الأُصُولِ إلّا بِذِكْرِ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. أقْصى ما في البابِ أنَّهُ تَعالى ما حَكى عَنْ نُوحٍ تِلْكَ الدَّلائِلَ في هَذا المَقامِ إلّا أنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ لَمّا كانَتْ مَعْلُومَةً لَمْ يَكُنْ إلى ذِكْرِها حاجَةٌ في هَذا المَقامِ، فَتَرَكَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الدَّلائِلِ لِهَذا السَّبَبِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وثانِيًا قَوْلَهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ والثّانِي كالعِلَّةِ لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهم إلَهٌ غَيْرُهُ كانَ كُلُّ ما حَصَلَ عِنْدَهم مِن وُجُوهِ النَّفْعِ والإحْسانِ والبِرِّ واللُّطْفِ حاصِلًا مِنَ اللَّهِ، ونِهايَةُ الإنْعامِ تُوجِبُ نِهايَةَ التَّعْظِيمِ، فَإنَّما وجَبَتْ عِبادَةُ اللَّهِ لِأجْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ،
صفحة ١٢٢
ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا البَحْثِ مَسْألَةٌ وهي: إنّا قَبْلَ العِلْمِ بِأنْ لا إلَهَ واحِدٌ أوْ أكْثَرُ مِن واحِدٍ لا نَعْلَمُ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْنا بِوُجُوهِ النِّعَمِ الحاصِلَةِ عِنْدَنا هو هَذا أمْ ذاكَ ؟ وإذا جَهِلْنا ذَلِكَ فَقَدْ جَهِلْنا مَن كانَ هو المُنْعِمَ في حَقِّنا، وحِينَئِذٍ لا يَحْسُنُ عِبادَتُهُ، فَعَلى هَذا القَوْلِ كانَ العِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ شَرْطًا لِلْعِلْمِ بِحُسْنِ العِبادَةِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الإلَهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إثْباتٌ ونَفْيٌ، فَيَجِبُ أنْ يَتَوارَدا عَلى مَفْهُومٍ واحِدٍ حَتّى يَسْتَقِيمَ الكَلامُ، فَكانَ المَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن مَعْبُودٍ غَيْرُهُ، حَتّى يَتَطابَقَ النَّفْيُ والإثْباتُ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإلَهَ لَيْسَ هو المَعْبُودَ، وإلّا لَوَجَبَ كَوْنُ الأصْنامِ آلِهَةً، وأنْ لا يَكُونَ الإلَهُ إلَهًا في الأزَلِ لِأجْلِ أنَّهُ في الأزَلِ غَيْرُ مَعْبُودٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الإلَهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ هَلْ هو اليَقِينُ، أوِ الخَوْفُ بِمَعْنى الظَّنِّ والشَّكِّ ؟ قالَ قَوْمٌ: المُرادُ مِنهُ الجَزْمُ واليَقِينُ؛ لِأنَّهُ كانَ جازِمًا بِأنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ الدِّينَ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ الشَّكُّ وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا كَما جَوَّزَ أنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، ومَعَ هَذا التَّجْوِيزِ لا يَكُونُ قاطِعًا بِنُزُولِ العَذابِ، فَوَجَبَ أنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظِ الخَوْفِ.
والثّانِي: أنَّ حُصُولَ العِقابِ عَلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ أمْرٌ لا يُعْرَفُ إلّا بِالسَّمْعِ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى ما بَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَلا جَرَمَ بَقِيَ مُتَوَقِّفًا مُجَوِّزًا أنَّهُ تَعالى هَلْ يُعاقِبُهم عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ أمْ لا ؟ .
والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الخَوْفِ الحَذَرَ كَما قالَ في المَلائِكَةِ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ [النحل: ٥٠] أيْ يَحْذَرُونَ المَعاصِيَ خَوْفًا مِنَ العِقابِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ قاطِعًا بِنُزُولِ أصْلِ العَذابِ، لَكِنَّهُ ما كانَ عارِفًا بِمِقْدارِ ذَلِكَ العَذابِ، وهو أنَّهُ عَظِيمٌ جِدًّا أوْ مُتَوَسِّطٌ، فَكانَ هَذا الشَّكُّ راجِعًا إلى وصْفِ العِقابِ، وهو كَوْنُهُ عَظِيمًا أمْ لا، لا في أصْلِ حُصُولِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى ما ذَكَرَهُ في قَوْمِهِ، فَقالَ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ”المَلَأُ“ الكُبَراءُ والسّاداتُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم أضْدادَ الأنْبِياءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ المَلَأ بَعْضُ قَوْمِهِ، وذَلِكَ البَعْضُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِصِفَةٍ لِأجْلِها اسْتَحَقُّوا هَذا الوَصْفَ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ صُدُورَ المَجالِسِ، وتَمْتَلِئُ القُلُوبُ مِن هَيْبَتِهِمْ، وتَمْتَلِئُ الأبْصارُ مِن رُؤْيَتِهِمْ، وتَتَوَجَّهُ العُيُونُ في المَحافِلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ الصِّفاتُ لا تَحْصُلُ إلّا في الرُّؤَساءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المَلَأِ الرُّؤَساءُ والأكابِرُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ والظَّنِّ دُونَ المُشاهَدَةِ والرُّؤْيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ في خَطَأٍ ظاهِرٍ وضَلالٍ بَيِّنٍ، ولا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُرادُهم نِسْبَةَ نُوحٍ إلى الضَّلالِ في المَسائِلِ الأرْبَعِ الَّتِي بَيَّنّا أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَها، وهي التَّكْلِيفُ والتَّوْحِيدُ والنُّبُوَّةُ والمَعادُ، ولَمّا ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ أجابَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ .
فَإنْ قالُوا: إنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
فَجَوابُهُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ بِي ضَلالٌ، فَلِمَ تَرَكَ هَذا الكَلامَ، وقالَ: لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ؟
قُلْتُ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ أيْ لَيْسَ بِي نَوْعٌ مِن أنْواعِ الضَّلالَةِ البَتَّةَ، فَكانَ هَذا أبْلَغَ في عُمُومِ السَّلْبِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ العَيْبَ الَّذِي وصَفُوهُ بِهِ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِأشْرَفِ الصِّفاتِ
صفحة ١٢٣
وأجَلِّها، وهو كَوْنُهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ مِن رَبِّ العالَمِينَ - ذَكَرَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ، وهو أمْرانِ:
الأوَّلُ: تَبْلِيغُ الرِّسالَةِ.
والثّانِي: تَقْرِيرُ النَّصِيحَةِ. فَقالَ: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ”أُبْلِغُكم“ بِالتَّخْفِيفِ، مِن ”أبْلَغَ“، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. قالَ الواحِدِيُّ: وكِلا الوَجْهَيْنِ جاءَ في التَّنْزِيلِ، فالتَّخْفِيفُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: ٥٧] والتَّشْدِيدُ ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وبَيْنَ النَّصِيحَةِ هو أنَّ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ مَعْناهُ: أنْ يُعَرِّفَهم أنْواعَ تَكالِيفِ اللَّهِ وأقْسامَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وأمّا النَّصِيحَةُ: فَهو أنَّهُ يُرَغِّبُهُ في الطّاعَةِ، ويُحَذِّرُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ويَسْعى في تَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَمَّلَهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الرِّسالَةِ. وهي أقْسامُ التَّكالِيفِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وشَرْحُ مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ في الآخِرَةِ، ومَقادِيرِ الحُدُودِ والزَّواجِرِ في الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ: نَصَحْتُكَ، إنَّما تَقُولُ: نَصَحْتُ لَكَ، ويَجُوزُ أيْضًا نَصَحْتُكَ. قالَ النّابِغَةُ:
نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا رَسُولِي ولَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ رَسائِلِي
وحَقِيقَةُ النُّصْحِ الإرْسالُ إلى المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ، والمَعْنى: أنِّي أُبَلِّغُ إلَيْكم تَكالِيفَ اللَّهِ، ثُمَّ أُرْشِدُكم إلى الأصْوَبِ الأصْلَحِ، وأدْعُوكم إلى ما دَعانِي، وأُحَبِّبُ إلَيْكم ما أُحِبَّهُ لِنَفْسِي.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وأعْلَمُ أنَّكم إنْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ عاقَبَكم بِالطُّوفانِ.
الثّانِي: وأعْلَمُ أنَّهُ يُعاقِبُكم في الآخِرَةِ عِقابًا شَدِيدًا خارِجًا عَمّا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُكم.
الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وأعْلَمُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وصِفاتِ جَلالِهِ ما لا تَعْلَمُونَ. ويَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ حَمْلَ القَوْمِ عَلى أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ في طَلَبِ تِلْكَ العُلُومِ.
7:63–64Page 158
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣
Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤
But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَ القَوْمِ مِن قَوْلِهِمْ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هو أنَّهم نَسَبُوهُ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ إلى الضَّلالِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ لِلَّهِ رَسُولٌ إلى خَلْقِهِ، لِأجْلِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ المَقْصُودَ مِنَ
صفحة ١٢٤
الإرْسالِ هو التَّكْلِيفُ، والتَّكْلِيفُ لا مَنفَعَةَ فِيهِ لِلْمَعْبُودِ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، ولا مَنفَعَةَ فِيهِ لِلْعابِدِ؛ لِأنَّهُ في الحالِ يُوجِبُ المَضَرَّةَ العَظِيمَةَ، وكُلُّ ما يُرْجى فِيهِ مِنَ الثَّوابِ ودَفْعِ العِقابِ، فاللَّهُ قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِهِ بِدُونِ واسِطَةِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، واللَّهُ مُتَعالٍ عَنِ العَبَثِ، وإذا بَطَلَ التَّكْلِيفُ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ.
وثانِيها: أنَّهم وإنْ جَوَّزُوا التَّكْلِيفَ إلّا أنَّهم قالُوا: ما عُلِمَ حُسْنُهُ بِالعَقْلِ فَعَلْناهُ، وما عُلِمَ قُبْحُهُ تَرَكْناهُ، وما لا نَعْلَمُ فِيهِ لا حُسْنَهُ ولا قُبْحَهُ، فَإنْ كُنّا مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ فَعَلْناهُ؛ لِعِلْمِنا أنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُكَلِّفَ عَبْدَهُ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ، وإنْ لَمْ نَكُنْ مُضْطَرِّينَ إلَيْهِ تَرَكْناهُ؛ لِلْحَذَرِ عَنْ خَطَرِ العِقابِ، ولَمّا كانَ رَسُولُ العَقْلِ كافِيًا فَلا حاجَةَ إلى بِعْثَةِ رَسُولٍ آخَرَ.
وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرَّسُولِ فَإنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ أوْلى؛ لِأنَّ مَهابَتَهم أشَدُّ، وطَهاراتِهِمْ أكْمَلُ، واسْتِغْناءَهم عَنِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ أظْهَرُ، وبُعْدَهم عَنِ الكَذِبِ والباطِلِ أعْظَمُ.
ورابِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَلَعَلَّ القَوْمَ اعْتَقَدُوا أنَّ مَن كانَ فَقِيرًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ تَبَعٌ ورِياسَةٌ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ مَنصِبُ الرِّسالَةِ، ولَعَلَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الَّذِي ظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِن بابِ الوَحْيِ فَهو مِن جِنْسِ الجُنُونِ والعَتَهِ وتَخْيِيلاتِ الشَّيْطانِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى مَجامِعِ الوُجُوهِ الَّتِي لِأجْلِها أنْكَرَ الكُفّارُ رِسالَةَ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ حَكَمُوا عَلى نُوحٍ بِالضَّلالَةِ، ثُمَّ إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أزالَ تَعَجُّبَهم وقالَ: إنَّهُ تَعالى خالِقُ الخَلْقِ، فَلَهُ بِحُكْمِ الإلَهِيَّةِ أنْ يَأْمُرَ عَبِيدَهُ بِبَعْضِ الأشْياءِ ويَنْهاهم عَنْ بَعْضِها، ولا يَجُوزَ أنْ يُخاطِبَهم بِتِلْكَ التَّكالِيفِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي إلى حَدِّ الإلْجاءِ، وهو يُنافِي التَّكْلِيفَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّسُولُ واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ إيصالُ تِلْكَ التَّكالِيفِ إلى الخَلْقِ بِواسِطَةِ إنْسانٍ، وذَلِكَ الإنْسانُ إنَّما يُبَلِّغُهم تِلْكَ التَّكالِيفَ لِأجْلِ أنْ يُنْذِرَهم ويُحَذِّرَهم، ومَتى أنْذَرَهُمُ اتَّقَوْا مُخالَفَةَ تَكْلِيفِ اللَّهِ، ومَتى اتَّقَوْا مُخالَفَةَ تَكْلِيفِ اللَّهِ اسْتَوْجَبُوا رَحْمَةَ اللَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَلْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ﴾ فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أكَذَّبْتُمْ وعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ؟ أيْ عَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ. وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذا الذِّكْرِ وُجُوهًا:
قالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الوَحْيُ الَّذِي جاءَهم بِهِ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِهَذا الذِّكْرِ المُعْجِزُ، ثُمَّ ذَلِكَ المُعْجِزُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا، وكانَ ذَلِكَ الكِتابُ مُعْجِزًا، فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى ذِكْرًا، كَما سَمّى القُرْآنَ بِهَذا الِاسْمِ، وجَعَلَهُ مُعْجِزَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ المُعْجِزَ كانَ شَيْئًا آخَرَ سِوى الكِتابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رَجُلٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: ”عَلى“ مهَهُنا بِمَعْنى ”مَعَ“ كَما تَقُولُ: جاءَ بِالخَبَرِ عَلى وجْهِهِ ومَعَ وجْهِهِ، كِلاهُما جائِزٌ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ عَلى لِسانِ رَجُلٍ مِنكم، كَما قالَ ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] أيْ عَلى لِسانِ رُسُلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: ﴿ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ مُنَزَّلٌ عَلى رَجُلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ تَعْرِفُونَ نَسَبَهُ فَهو مِنكم نَسَبًا، وذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنهم يُزِيلُ التَّعَجُّبَ؛ لِأنَّ المَرْءَ بِمَن هو مِن جِنْسِهِ أعْرَفُ، وبِطَهارَةِ أحْوالِهِ أعْلَمُ، وبِما يَقْتَضِي السُّكُونُ إلَيْهِ أبْصَرُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يُبْعَثُ الرَّسُولُ، فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾؛ وما لِأجْلِهِ يُنْذِرُ، فَقالَ: ﴿ولِتَتَّقُوا﴾؛ وما لِأجْلِهِ يَتَّقُونَ، فَقالَ: ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ الإنْذارُ، والمَقْصُودَ مِنَ الإنْذارِ التَّقْوى عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، والمَقْصُودَ مِنَ التَّقْوى الفَوْزُ بِالرَّحْمَةِ في
صفحة ١٢٥
دارِ الآخِرَةِ. قالَ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ والقاضِي: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الَّذِينَ بَعَثَ الرُّسُلَ إلَيْهِمُ التَّقْوى والفَوْزَ بِالرَّحْمَةِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى أرادَ مِن بَعْضِهِمُ الكُفْرَ والعِنادَ، وخَلَقَهم لِأجْلِ العَذابِ والنّارِ.
وجَوابُ أصْحابِنا أنْ نَقُولَ: إنْ لَمْ يَتَوَقَّفِ الفِعْلُ عَلى الدّاعِي لَزِمَ رُجْحانُ المُمْكِنِ لا لِمُرَجِّحٍ، وإنْ تَوَقَّفَ لَزِمَ الجَبْرُ، ومَتى لَزِمَ ذَلِكَ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى أرادَ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ مَذْهَبَكم. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ ذَلِكَ كَذَّبُوهُ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ وتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ مِنَ اللَّهِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أنْجاهُ في الفُلْكِ وأنْجى مَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأغْرَقَ الكُفّارَ والمُكَذِّبِينَ. وبَيَّنَ العِلَّةَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِيَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: يُقالُ رَجُلٌ عَمٍ في البَصِيرَةِ وأعْمى في البَصَرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] وقالَ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٠٤] قالَ زُهَيْرٌ:
وأعْلَمُ ما في اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِي
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”عامِينَ“ والفَرْقُ بَيْنَ العَمِي والعامِي أنَّ العَمِيَ يَدُلُّ عَلى عَمًى ثابِتٍ، والعامِيَ عَلى عَمًى حادِثٍ، ولا شَكَّ أنَّ عَماهم كانَ ثابِتًا راسِخًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences