Ar-RaziAl‑A'raf · 7:73–80

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:73–80

7:73–74Page 159

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣

And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤

And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّالِثَةُ، وهو قِصَّةُ صالِحٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ فالمَعْنى ”ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا، وإلى عادٍ أخاهم هُودًا، وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا“ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: سُمِّيَتْ ثَمُودَ لِقِلَّةِ مائِها، مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ وإلى وادِي القُرى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ ثَمُودَ لِأنَّهُ اسْمُ أبِيهِمُ الأكْبَرِ وهو ثَمُودُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”وإلى ثَمُودَ“ بِمَنعِ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ ”وإلى ثَمُودٍ“ بِالصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ الحَيِّ أوْ بِاعْتِبارِ الأصْلِ؛ لِأنَّهُ اسْمُ أبِيهِمُ الأكْبَرِ، وقَدْ ورَدَ القُرْآنُ بِهِما صَرِيحًا. قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: ٦٨] .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ، ونَهاهم عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ كَما ذَكَرَهُ مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهَذِهِ الزِّيادَةُ مَذْكُورَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا يَذْكُرُونَ الدَّلائِلَ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ التَّقْلِيدَ وحْدَهُ لَوْ كانَ كافِيًا لَكانَتْ

صفحة ١٣٢

تِلْكَ البَيِّنَةُ هَهُنا لَغْوًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ البَيِّنَةَ هي النّاقَةُ، فَقالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا أنَّهُ تَعالى لَمّا أهْلَكَ عادًا قامَ ثَمُودُ مَقامَهم، وطالَ عُمُرُهم، وكَثُرَ تَنَعُّمُهم، ثُمَّ عَصَوُا اللَّهَ، وعَبَدُوا الأصْنامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ صالِحًا وكانَ مِنهم، فَطالَبُوهُ بِالمُعْجِزَةِ. فَقالَ: ما تُرِيدُونَ ؟ فَقالُوا: تَخْرُجُ مَعَنا في عِيدِنا، ونُخْرِجُ أصْنامَنا وتَسْألُ إلَهَكَ ونَسْألُ أصْنامَنا، فَإذا ظَهَرَ أثَرُ دُعائِكَ اتَّبَعْناكَ، وإنْ ظَهَرَ أثَرُ دُعائِنا اتَّبَعْتَنا، فَخَرَجَ مَعَهم، فَسَألُوهُ أنْ يُخْرِجَ لَهم ناقَةً كَبِيرَةً مِن صَخْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَأخَذَ مَواثِيقَهم أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ آمَنُوا فَقَبِلُوا، فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا اللَّهَ فَتَمَخَّضَتْ تِلْكَ الصَّخْرَةُ كَما تَتَمَخَّضُ الحامِلُ، ثُمَّ انْفَرَجَتْ وخَرَجَتِ النّاقَةُ مِن وسَطِها، وكانَتْ في غايَةِ الكِبَرِ، وكانَ الماءُ عِنْدَهم قَلِيلًا، فَجَعَلُوا ذَلِكَ الماءَ بِالكُلِّيَّةِ شِرْبًا لَها في يَوْمٍ، وفي اليَوْمِ الثّانِي شِرْبًا لِكُلِّ القَوْمِ. قالَ السُّدِّيُّ: وكانَتِ النّاقَةُ في اليَوْمِ الَّتِي تَشْرَبُ فِيهِ الماءَ تَمُرُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ فَتَعْلُوهُما، ثُمَّ تَأْتِي فَتَشْرَبُ، فَتَحْلِبُ ما يَكْفِي الكُلَّ، وكَأنَّها كانَتْ تَصُبُّ اللَّبَنَ صَبًّا، وفي اليَوْمِ الَّذِي يَشْرَبُونَ الماءَ فِيهِ لا تَأْتِيهِمْ، وكانَ مَعَها فَصِيلٌ لَها. فَقالَ لَهم صالِحٌ: يُولَدُ في شَهْرِكم هَذا غُلامٌ يَكُونُ هَلاكُكم عَلى يَدَيْهِ، فَذَبَحَ تِسْعَةُ نَفَرٍ مِنهم أبْناءَهم، ثُمَّ وُلِدَ العاشِرُ فَأبى أنْ يَذْبَحَهُ أبُوهُ، فَنَبَتَ نَباتًا سَرِيعًا، ولَمّا كَبِرَ الغُلامُ جَلَسَ مَعَ قَوْمٍ يُصِيبُونَ مِنَ الشَّرابِ، فَأرادُوا ماءً يَمْزُجُونَهُ بِهِ، وكانَ يَوْمُ شِرْبِ النّاقَةِ فَما وجَدُوا الماءَ، واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ الغُلامُ: هَلْ لَكم في أنْ أعْقِرَ هَذِهِ النّاقَةَ ؟ فَشَدَّ عَلَيْها، فَلَمّا بَصُرَتْ بِهِ شَدَّتْ عَلَيْهِ، فَهَرَبَ مِنها إلى خَلْفِ صَخْرَةٍ، فَأحاشُوها عَلَيْهِ، فَلَمّا مَرَّتْ بِهِ تَناوَلَها فَعَقَرَها فَسَقَطَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] وأظْهَرُوا حِينَئِذٍ كُفْرَهم وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، فَقالَ لَهم صالِحٌ: إنَّ آيَةَ العَذابِ أنْ تُصْبِحُوا غَدًا حُمْرًا، واليَوْمَ الثّانِيَ صُفْرًا، واليَوْمَ الثّالِثَ سُودًا، فَلَمّا صَبَّحَهُمُ العَذابُ تَحَنَّطُوا واسْتَعَدُّوا.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في وجْهِ كَوْنِ النّاقَةِ آيَةً، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها كانَتْ آيَةً بِسَبَبِ خُرُوجِها بِكَمالِها مِنَ الصَّخْرَةِ. قالَ القاضِي: هَذا إنْ صَحَّ فَهو مُعْجِزٌ مِن جِهاتٍ:

أحَدُها: خُرُوجُها مِنَ الجَبَلِ.

والثّانِيَةُ: كَوْنُها لا مِن ذِكْرٍ وأُنْثى.

والثّالِثَةُ: كَمالُ خَلْقِها مِن غَيْرِ تَدْرِيجٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها إنَّما كانَتْ آيَةً لِأجْلِ أنَّ لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولِجَمِيعِ ثَمُودَ شِرْبُ يَوْمٍ، واسْتِيفاءُ ناقَةٍ شِرْبَ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ عَجِيبٌ، وكانَتْ مَعَ ذَلِكَ تَأْتِي بِما يَلِيقُ بِذَلِكَ الماءِ مِنَ الكَلَأِ والحَشِيشِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ وجْهَ الإعْجازِ فِيها أنَّهم كانُوا في يَوْمِ شِرْبِها يَحْلُبُونَ مِنها القَدْرَ الَّذِي يَقُومُ لَهم مَقامَ الماءِ في يَوْمِ شِرْبِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّها لَمْ تَحْلُبْ قَطْرَةَ لَبَنٍ قَطُّ، وهَذا الكَلامُ مُنافٍ لِما تَقَدَّمَ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ وجْهَ الإعْجازِ فِيها أنَّ يَوْمَ مَجِيئِها إلى الماءِ كانَ جَمِيعُ الحَيَواناتِ تَمْتَنِعُ مِنَ الوُرُودِ عَلى الماءِ، وفي يَوْمِ امْتِناعِها كانَتِ الحَيَواناتُ تَأْتِي.

واعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ فِيها آيَةً، فَأمّا ذِكْرُ أنَّها كانَتْ آيَةً مِن أيِّ الوُجُوهِ فَهو غَيْرُ مَذْكُورٍ، والعِلْمُ حاصِلٌ بِأنَّها كانَتْ مُعْجِزَةً مِن وجْهٍ ما لا مَحالَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

صفحة ١٣٣

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ فَقَوْلُهُ: (آيَةً) نَصْبٌ عَلى الحالِ، أيْ أُشِيرَ إلَيْها في حالِ كَوْنِها آيَةً، ولَفْظَةُ ”هَذِهِ“ تَتَضَمَّنُ مَعْنى الإشارَةِ، و”آيَةً“ في مَعْنى دالَّةٍ؛ فَلِهَذا جازَ أنْ تَكُونَ حالًا.

فَإنْ قِيلَ: تِلْكَ النّاقَةُ كانَتْ آيَةً لِكُلِّ أحَدٍ، فَلِماذا خَصَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِها فَقالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ .

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهم عايَنُوها وغَيْرُهم أُخْبِرُوا عَنْها، ولَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ.

وثانِيها: لَعَلَّهُ يُثْبِتُ سائِرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ التَمَسُوا مِنهُ هَذِهِ المُعْجِزَةَ نَفْسَها عَلى سَبِيلِ الِاقْتِراحِ، فَأظْهَرَها اللَّهُ تَعالى لَهم؛ فَلِهَذا المَعْنى حَسُنَ هَذا التَّخْصِيصُ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في تَخْصِيصِ تِلْكَ النّاقَةِ بِأنَّها ناقَةُ اللَّهِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

قِيلَ: أضافَها إلى اللَّهِ تَشْرِيفًا وتَخْصِيصًا، كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ.

وقِيلَ: لِأنَّهُ خَلَقَها بِلا واسِطَةٍ.

وقِيلَ: لِأنَّها لا مالِكَ لَها غَيْرُ اللَّهِ.

وقِيلَ: لِأنَّها حُجَّةُ اللَّهِ عَلى القَوْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيِ الأرْضُ أرْضُ اللَّهِ، والنّاقَةُ ناقَةُ اللَّهِ، فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ رَبِّها، فَلَيْسَتِ الأرْضُ لَكم ولا ما فِيها مِنَ النَّباتِ مِن إنْباتِكم، ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، ولا تَضْرِبُوها، ولا تَطْرُدُوها، ولا تَقْرَبُوا مِنها شَيْئًا مِن أنْواعِ الأذى. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يا عَلِيُّ، أشْقى الأوَّلِينَ عاقِرُ ناقَةِ صالِحٍ، وأشْقى الآخِرِينَ قاتِلُكَ» .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أهْلَكَ عادًا عَمَّرَتْ ثَمُودُ بِلادَها، وخَلَفُوهم في الأرْضِ، وكَثُرُوا وعُمِّرُوا أعْمارًا طِوالًا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أنْزَلَكم، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ مِنَ الأرْضِ، أيْ في أرْضِ الحِجْرِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تُبَوَّؤُنَ القُصُورَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ، فَإنَّ القُصُورَ إنَّما تُبْنى مِنَ الطِّينِ واللَّبِنِ والآجُرِّ، وهَذِهِ الأشْياءُ إنَّما تُتَّخَذُ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ يُرِيدُ تَنْحِتُونَ بُيُوتًا مِنَ الجِبالِ تَسْقُفُونَها.

فَإنْ قالُوا: عَلامَ انْتَصَبَ ”بُيُوتًا“ ؟

قُلْنا: عَلى الحالِ كَما يُقالُ: خَطَّ هَذا الثَّوْبَ قَمِيصًا، وأبَّرَ هَذِهِ القَصَبَةَ قَلَمًا، وهي مِنَ الحالِ المُقَدَّرَةِ؛ لِأنَّ الجَبَلَ لا يَكُونُ بَيْتًا في حالِ النَّحْتِ، ولا الثَّوْبَ والقَصَبَةَ قَمِيصًا، وقَلَمًا في حالِ الخِياطَةِ والبَرْيِ. وقِيلَ: كانُوا يَسْكُنُونَ السُّهُولَ في الصَّيْفِ، والجِبالَ في الشِّتاءِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُتَنَعِّمِينَ مُتَرَفِّهِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي قَدْ ذَكَرْتُ لَكم بَعْضَ أقْسامِ ما آتاكُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، وذِكْرُ الكُلِّ طَوِيلٌ، فاذْكُرُوا أنْتُمْ بِعُقُولِكم ما فِيها ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ مِنهُ: النَّهْيُ عَنْ عَقْرِ النّاقَةِ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى ظاهِرِهِ وهو المَنعُ عَنْ كُلِّ أنْواعِ الفَسادِ.

7:75–79Page 160

قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٧٥

Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Ṣāliḥ is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٧٦

Said those who were arrogant, "Indeed we, in that which you have believed, are disbelievers."

فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧

So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Ṣāliḥ, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٧٩

And he [i.e., Ṣāliḥ] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the message of my Lord and advised you, but you do not like advisors."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهم أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ المَلَأ عِبارَةٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ تَمْتَلِئُ القُلُوبُ مِن هَيْبَتِهِمْ، ومَعْنى الآيَةِ: قالَ المَلَأُ وهُمُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا، يُرِيدُ المَساكِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ لِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ. واعْلَمْ أنَّهُ وصَفَ أُولَئِكَ الكُفّارَ بِكَوْنِهِمْ مُسْتَكْبِرِينَ، ووَصَفَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ بِكَوْنِهِمْ مُسْتَضْعَفِينَ، وكَوْنُهم مُسْتَكْبِرِينَ فِعْلٌ اسْتَوْجَبُوا بِهِ الذَّمَّ، وكَوْنُ المُؤْمِنِينَ مُسْتَضْعَفِينَ مَعْناهُ: أنَّ غَيْرَهم يَسْتَضْعِفُهم ويَسْتَحْقِرُهم، وهَذا لَيْسَ فِعْلًا صادِرًا عَنْهم، بَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَهو لا يَكُونُ صِفَةَ ذَمٍّ في حَقِّهِمْ، بَلِ الذَّمُّ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَسْتَحْقِرُونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهم. ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُسْتَكْبِرِينَ سَألُوا المُسْتَضْعَفِينَ عَنْ حالِ صالِحٍ، فَقالَ المُسْتَضْعَفُونَ: نَحْنُ مُوقِنُونَ مُصَدِّقُونَ بِما جاءَ بِهِ صالِحٌ. وقالَ المُسْتَكْبِرُونَ: بَلْ نَحْنُ كافِرُونَ بِما جاءَ بِهِ صالِحٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ ما يُحْتَجُّ بِهِ في بَيانِ أنَّ الفَقْرَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى؛ وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن كَثْرَةِ المالِ والجاهِ، والِاسْتِضْعافُ إنَّما يَحْصُلُ مِن قِلَّتِهِما، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهِ حَمَلَهم عَلى التَّمَرُّدِ، والإباءِ، والإنْكارِ، والكُفْرِ. وقِلَّةَ المالِ والجاهِ حَمَلَهم عَلى الإيمانِ، والتَّصْدِيقِ، والِانْقِيادِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَقْرَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: العَقْرُ عِنْدَ العَرَبِ كَشْفُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ، ولَمّا كانَ العَقْرُ سَبَبًا لِلنَّحْرِ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ. واعْلَمْ أنَّهُ أسْنَدَ العَقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّهُ كانَ بِرِضاهم مَعَ أنَّهُ ما باشَرَهُ إلّا بَعْضُهم، وقَدْ يُقالُ لِلْقَبِيلَةِ العَظِيمَةِ: أنْتُمْ فَعَلْتُمْ كَذا، مَعَ أنَّهُ ما فَعَلَهُ إلّا واحِدٌ مِنهم.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ يُقالُ: عَتا يَعْتُو عُتُوًّا، إذا اسْتَكْبَرَ. ومِنهُ يُقالُ: جَبّارٌ عاتٍ، قالَ مُجاهِدٌ:

صفحة ١٣٥

العُتُوُّ: الغُلُوُّ في الباطِلِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ رَبِّهِمْ، وذَلِكَ الأمْرُ هو الَّذِي أوْصَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ .

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، فَكَأنَّ أمْرَ رَبِّهِمْ بِتَرْكِها صارَ سَبَبًا في إقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ العُتُوِّ، كَما يُقالُ: المَمْنُوعُ مَتْبُوعٌ ﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: رَجَفَ الشَّيْءُ يَرْجُفُ رَجْفًا ورَجَفانًا، كَرَجَفانِ البَعِيرِ تَحْتَ الرَّحْلِ، وكَما يَرْجُفُ الشَّجَرُ إذا أرْجَفَتْهُ الرِّيحُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ يَعْنِي في بَلَدِهِمْ؛ ولِذَلِكَ وحَّدَ الدّارَ، كَما يُقالُ: دارُ الحَرْبِ، ومَرَرْتُ بِدارِ البَزّازِينَ، وجَمَعَ في آيَةٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ [هود: ٦٧] لِأنَّهُ أرادَ بِالدّارِ ما لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِن مَنزِلِهِ الخاصِّ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿جاثِمِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجُثُومُ لِلنّاسِ والطَّيْرِ بِمَنزِلَةِ البُرُوكِ لِلْإبِلِ، فَجُثُومِ الطَّيْرِ هو وُقُوعُهُ لاطِئًا بِالأرْضِ في حالِ سُكُونِهِ بِاللَّيْلِ، والمَعْنى: أنَّهم أصْبَحُوا جاثِمِينَ خامِدِينَ لا يَتَحَرَّكُونَ مَوْتى، يُقالُ: النّاسُ جَثْمٌ، أيْ قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ ولا يُحِسُّونَ بِشَيْءٍ، ومِنهُ المُجَثَّمَةُ الَّتِي جاءَ النَّهْيُ عَنْها، وهي البَهِيمَةُ الَّتِي تُرْبَطُ لِتُرْمى، فَثَبَتَ أنَّ الجُثُومَ عِبارَةٌ عَنِ السُّكُونِ والخُمُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: لَمّا سَمِعُوا الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وماتُوا جاثِمِينَ عَلى الرُّكَبِ، وقِيلَ: بَلْ سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ: وصَلَتِ الصّاعِقَةُ إلَيْهِمْ فاحْتَرَقُوا وصارُوا كالرَّمادِ. وقِيلَ: بَلْ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ سَقَطَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، والكُلُّ مُتَقارِبٌ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّجْفَةَ أخَذَتْهم عَقِيبَ ما ذَكَرُوا ذَلِكَ الكَلامَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] .

والجَوابُ: أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَ الشَّيْءِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ قَدْ يُقالُ فِيهِ إنَّهُ حَصَلَ عَقِيبَهُ فَزالَ السُّؤالُ.

السُّؤالُ الثّانِي: طَعَنَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ في هَذِهِ الآياتِ بِأنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ قَدِ اخْتَلَفَتْ في حِكايَةِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وهي الرَّجْفَةُ والطّاغِيَةُ والصَّيْحَةُ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ.

والجَوابُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الطّاغِيَةُ اسْمٌ لِكُلِّ ما تَجاوَزَ حَدَّهُ سَواءٌ كانَ حَيَوانًا أوْ غَيْرَ حَيَوانٍ وألْحَقَ الهاءَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، فالمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ المَلِكَ العاتِيَ بِالطّاغِيَةِ والطّاغُوتِ. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٦، ٧] ويُقالُ: طَغى طُغْيانًا، وهو طاغٍ وطاغِيَةٌ. وقالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] وقالَ في غَيْرِ الحَيَوانِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [الحاقة: ١١] أيْ غَلَبَ وتَجاوَزَ عَنِ الحَدِّ، وأمّا الرَّجْفَةُ، فَهي الزَّلْزَلَةُ في الأرْضِ، وهي حَرَكَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُعْتادِ، فَلَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ اسْمِ الطّاغِيَةِ عَلَيْها، وأمّا الصَّيْحَةُ، فالغالِبُ أنَّ الزَّلْزَلَةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ الصَّيْحَةِ العَظِيمَةِ الهائِلَةِ. وأمّا الصّاعِقَةُ فالغالِبُ أنَّها الزَّلْزَلَةُ، وكَذَلِكَ الزَّجْرَةُ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] فَبَطَلَ ما قالَهُ الطّاعِنُ.

صفحة ١٣٦

السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ قَدْ شاهَدُوا خُرُوجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ وذَلِكَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ تُقَرِّبُ حالَ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ مِنَ الإلْجاءِ، وأيْضًا شاهَدُوا أنَّ الماءَ الَّذِي كانَ شِرْبًا لِكُلِّ أُولَئِكَ الأقْوامِ في أحَدِ اليَوْمَيْنِ كانَ شِرْبًا لِتِلْكَ النّاقَةِ الواحِدَةِ في اليَوْمِ الثّانِي، وذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا نَحَرُوها، وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَوَعَّدَهم بِالعَذابِ الشَّدِيدِ إنْ نَحَرُوها، فَلَمّا شاهَدُوا بَعْدَ إقْدامِهِمْ عَلى نَحْرِها آثارَ العَذابِ، وهو ما يُرْوى أنَّهُمُ احْمَرُّوا في اليَوْمِ الأوَّلِ، ثُمَّ اصْفَرُّوا في اليَوْمِ الثّانِي، ثُمَّ اسْوَدُّوا في اليَوْمِ الثّالِثِ، فَمَعَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ شاهَدُوا نُزُولَ العَذابِ الشَّدِيدِ في آخِرِ الأمْرِ، هَلْ يُحْتَمَلُ أنْ يَبْقى العاقِلُ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ مُصِرًّا عَلى كُفْرِهِ غَيْرَ تائِبٍ مِنهُ ؟

والجَوابُ الأُولى أنْ يُقالَ: إنَّهم قَبْلَ أنْ شاهَدُوا تِلْكَ العَلاماتِ كانُوا يُكَذِّبُونَ صالِحًا في نُزُولِ العَذابِ، فَلَمّا شاهَدُوا العَلاماتِ خَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ حَدِّ التَّكْلِيفِ، وخَرَجُوا عَنْ أنْ تَكُونَ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَوَلّى عَنْهم بَعْدَ أنْ ماتُوا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ والفاءُ تَدُلُّ عَلى التَّعْقِيبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ هَذا التَّوَلِّي بَعْدَ جُثُومِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَلّى عَنْهم قَبْلَ مَوْتِهِمْ، بِدَلِيلِ: أنَّهُ خاطَبَ القَوْمَ وقالَ: ﴿ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ أحْياءً مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ قالَ لَهم: (يا قَوْمِ) والأمْواتُ لا يُوصَفُونَ بِالقَوْمِ؛ لِأنَّ اشْتِقاقَ لَفْظِ القَوْمِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ بِالقِيامِ، وذَلِكَ في حَقِّ المَيِّتِ مَفْقُودٌ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ خِطابٌ مَعَ أُولَئِكَ وخِطابُ المَيِّتِ لا يَجُوزُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَصِحُّ حُصُولُ المَحَبَّةِ فِيهِمْ.

ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ فَنَقُولُ: قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ وهو مَيِّتٌ وكانَ قَدْ نَصَحَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ تِلْكَ النَّصِيحَةَ حَتّى ألْقى نَفْسَهُ في الهَلاكِ: يا أخِي مُنْذُ كَمْ نَصَحْتُكَ فَلَمْ تَقْبَلْ، وكَمْ مَنَعْتُكَ فَلَمْ تَمْتَنِعْ، فَكَذا هَهُنا، والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إمّا لِأنْ يَسْمَعَهُ بَعْضُ الأحْياءِ، فَيَعْتَبِرَ بِهِ ويَنْزَجِرَ عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ. وإمّا لِأجْلِ أنَّهُ احْتَرَقَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ تِلْكَ الواقِعَةِ، فَإذا ذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ فَرَّجَتْ تِلْكَ القَضِيَّةُ عَنْ قَلْبِهِ، وقِيلَ: يَخِفُّ عَلَيْهِ أثَرُ تِلْكَ المُصِيبَةِ. وذَكَرُوا جَوابًا آخَرَ، وهو: أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهم بَعْدَ كَوْنِهِمْ جاثِمِينَ كَما أنَّ نَبِيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاطَبَ قَتْلى بَدْرٍ، فَقِيلَ: تَتَكَلَّمُ مَعَ هَؤُلاءِ الجِيَفِ ؟ فَقالَ: ”«ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ مِنهم لَكِنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الجَوابِ» “ .

7:80Page 160

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ. قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّما صُرِفَ لُوطٌ ونُوحٌ لِخِفَّتِهِ، فَإنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ وهو ساكِنُ الوَسَطِ ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أتَفْعَلُونَ السَّيِّئَةَ المُتَمادِيَةَ في القُبْحِ ؟ وفي قَوْلِهِ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

صفحة ١٣٧

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”مِنَ“ الأُولى زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ، وإفادَةُ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مَعَ أنَّ الشَّهْوَةَ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ العَمَلِ أبَدًا ؟

والجَوابُ: أنّا نَرى كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَسْتَقْذِرُ ذَلِكَ العَمَلَ، فَإذا جازَ في الكَثِيرِ مِنهُمُ اسْتِقْذارَهُ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا انْقِضاءُ كَثِيرٍ مِنَ الأعْصارِ بِحَيْثُ لا يُقْدِمُ أحَدٌ مِن أهْلِ تِلْكَ الأعْصارِ عَلَيْهِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: لَعَلَّهم بِكُلِّيَّتِهِمْ أقْبَلُوا عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، والإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ مِمّا لَمْ يُوجَدْ في الأعْصارِ السّابِقَةِ، قالَ الحَسَنُ: كانُوا يَنْكِحُونَ الرِّجالَ في أدْبارِهِمْ، وكانُوا لا يَنْكِحُونَ إلّا الغُرَباءَ. وقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: اسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ حَتّى فَعَلَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ما سَبَقَكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا في التَّوْبِيخِ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الفاحِشَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] وقالَ الشّاعِرُ:

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском