Ar-RaziAl‑A'raf · 7:88–95

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:88–95

7:88–89Page 162

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩

We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا لَمّا قَرَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وأنِفُوا مِن تَصْدِيقِهِ وقَبُولِ قَوْلِهِ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ:

إمّا أنْ نُخْرِجَكَ ونُخْرِجَ أتْباعَكَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ.

وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا.

والإشْكالُ فِيهِ أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهم: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمُ الَّتِي هي الكُفْرُ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ يَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَعْنى.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ أتْباعَ شُعَيْبٍ كانُوا قَبْلَ دُخُولِهِمْ في دِينِهِ كُفّارًا، فَخاطَبُوا شُعَيْبًا بِخِطابِ أتْباعِهِ وأجْرَوْا عَلَيْهِ أحْكامَهم.

الثّانِي: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّلْبِيسِ عَلى العَوامِّ يُوهِمُونَ أنَّهُ كانَ مِنهم، وأنَّ شُعَيْبًا ذَكَرَ جَوابَهُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الإيهامِ.

الثّالِثُ: أنَّ شُعَيْبًا في أوَّلِ أمْرِهِ كانَ يُخْفِي دِينَهُ ومَذْهَبَهُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِ قَوْمِهِ.

الرّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ شُعَيْبًا كانَ عَلى شَرِيعَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَسَخَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِالوَحْيِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ.

الخامِسُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ أيْ لَتَصِيرُنَّ إلى مِلَّتِنا، فَوَقَعَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ. تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ، يُرِيدُونَ قَدْ صارَ إلَيَّ مِنهُ المَكْرُوهُ ابْتِداءً. قالَ الشّاعِرُ:

فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مُدَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ

أرادَ فَقَدْ صارَتْ لَهُنَّ ذُنُوبٌ، ولَمْ يَرِدْ أنَّ ذُنُوبًا كانَتْ لَهُنَّ قَبْلَ الإحْسانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ أجابَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ كَلامِهِمْ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ الهَمْزَةُ

صفحة ١٤٥

لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ واوُ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا ومَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ ؟ .

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ والجَوابُ الأوَّلُ يَجْرِي مَجْرى الرَّمْزِ في أنَّهُ لا يَعُودُ إلى مِلَّتِهِمْ، وهَذا الجَوابُ الثّانِي تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ إنْ فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ. وأصْلُ البابِ في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ صِدْقُ اللَّهْجَةِ، والبَراءَةُ عَنِ الكَذِبِ، فالعَوْدُ في مِلَّتِكم يُبْطِلُ النُّبُوَّةَ، ويُزِيلُ الرِّسالَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْنى ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ عَلَّمَنا قُبْحَهُ وفَسادَهُ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى أنَّهُ باطِلٌ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ نَجّى قَوْمَهُ مِن تِلْكَ المِلَّةِ، إلّا أنَّهُ نَظَمَ نَفْسَهُ في جُمْلَتِهِمْ، وإنْ كانَ بَرِيئًا مِنهُ، إجْراءَ الكَلامِ عَلى حُكْمِ التَّغْلِيبِ.

والثّالِثُ: أنَّ القَوْمَ أُوهِمُوا أنَّهُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمْ، أوِ اعْتَقَدُوا أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ أيِ حَسَبَ مُعْتَقَدِكم وزَعْمِكم.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .

فاعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَشاءُ الكُفْرَ، والمُعْتَزِلَةُ يَتَمَسَّكُونَ بِها عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا الخَيْرَ والصَّلاحَ. أمّا وجْهُ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِهَذِهِ فَمِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنَجِّيَ مِنَ الكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَوْ كانَ الإيمانُ يَحْصُلُ بِخَلْقِ العَبْدِ لَكانَتِ النَّجاةُ مِنَ الكُفْرِ تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، لا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ .

الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لَنا أنَّ نَعُودَ إلى مِلَّتِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُعِيدَنا إلى تِلْكَ المِلَّةِ، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ المِلَّةُ كُفْرًا كانَ هَذا تَجْوِيزًا مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعِيدَهم إلى الكُفْرِ، فَكادَ هَذا يَكُونُ تَصْرِيحًا مِن شُعَيْبٍ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ شاءَ رَدَّ المُسْلِمَ إلى الكُفْرِ، وذَلِكَ غَيْرُ مَذْهَبِنا. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ تَزَلِ الأنْبِياءُ والأكابِرُ يَخافُونَ العاقِبَةَ وانْقِلابَ الأمْرِ ألا تَرى إلى قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وكَثِيرًا ما كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ والأبْصارِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ وطاعَتِكَ» “ وقالَ يُوسُفُ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] .

أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: لَيْسَ لَنا أنْ نَعُودَ إلى تِلْكَ المِلَّةِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ يُعِيدَنا إلَيْها - قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ، ولَيْسَ فِيها بَيانٌ أنَّهُ تَعالى شاءَ ذَلِكَ أوْ ما شاءَ.

والثّانِي: أنَّ هَذا مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، كَما يُقالُ: لا أفْعَلُ ذَلِكَ إلّا إذا ابْيَضَّ القارُ، وشابَ الغُرابُ، فَعَلَّقَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَوْدَهُ إلى مِلَّتِهِمْ عَلى مَشِيئَتِهِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَكُونُ نَفْيًا لِذَلِكَ أصْلًا، فَهو عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، لا عَلى وجْهِ الشَّرْطِ.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ أنَّ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ ما هو، فَنَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا بِأنْ يُظْهِرَ هَذا الكُفْرَ مِن أنْفُسِنا إذا أكْرَهْتُمُونا عَلَيْهِ بِالقَتْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ الإكْراهِ عَلى إظْهارِ الكُفْرِ بِالقَتْلِ يَجُوزُ إظْهارُهُ، وما كانَ جائِزًا كانَ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى، وكَوْنُ الضَّمِيرِ أفْضَلَ مِنَ الإظْهارِ، لا يُخْرِجُ ذَلِكَ الإظْهارَ مِن أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى، كَما أنَّ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ مُرادُ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أفْضَلَ.

الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ المُرادُ: الإخْراجُ عَنِ القَرْيَةِ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ كانَ حَرَّمَ عَلَيْهِ إذا أخْرَجُوهُ عَنِ القَرْيَةِ أنْ يَعُودَ فِيها إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ.

الخامِسُ: أنْ نَقُولَ يَجِبُ حَمْلُ المَشِيئَةِ هَهُنا عَلى الأمْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا شاءَ كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيْ يَكُونَ ذَلِكَ العَوْدُ جائِزًا،

صفحة ١٤٦

والمَشِيئَةُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ لا تُوجِبُ جَوازَ الفِعْلِ، فَإنَّهُ تَعالى يَشاءُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ عِنْدَهم، ولا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، إنَّما الَّذِي يُوجِبُ الجَوازَ هو الأمْرُ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنَ المَشِيئَةِ هَهُنا الأمْرُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِعَوْدِنا في مِلَّتِكم فَإنّا نَعُودُ إلَيْها، والشَّرِيعَةُ الَّتِي صارَتْ مَنسُوخَةً لا يَبْعُدُ أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالعَمَلِ بِها مَرَّةً أُخْرى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ اسْتِدْلالُكم.

والوَجْهُ السّادِسُ لِلْقَوْمِ في الجَوابِ: ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ، فَقالَ: المُرادُ مِنَ المِلَّةِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي يَجُوزُ اخْتِلافُ العِبادَةِ فِيها بِالأوْقاتِ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، فَقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ ولَمّا دَخَلَ في ذَلِكَ كُلُّ ما هم عَلَيْهِ، وكانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ بَعْضُ تِلْكَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ باقِيًا غَيْرَ مَنسُوخٍ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والمَعْنى: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إبْقاءَ بَعْضِها فَيَدُلَّنا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ نَعُودُ إلَيْها. فَهَذا الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي يَجُوزُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيها، وغَيْرُ عائِدٍ إلى ما لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ البَتَّةَ. فَهَذِهِ أسْئِلَةُ القَوْمِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وهي جَيِّدَةٌ، وفي الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا كَثْرَةٌ، ولا يَلْزَمُ مِن ضَعْفِ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ دُخُولُ الضَّعْفِ في المَذْهَبِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: لَمّا قالُوا: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَوْدَنا إلَيْها لَكانَ لَنا أنْ نَعُودَ إلَيْها، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما شاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ كانَ فِعْلُهُ جائِزًا مَأْذُونًا فِيهِ، ولَمْ يَكُنْ حَرامًا. قالُوا: وهَذا عَيْنُ مَذْهَبِنا أنَّ كُلَّ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ كانَ حَسَنًا مَأْذُونًا فِيهِ، وما كانَ حَرامًا مَمْنُوعًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى.

والوَجْهُ الثّانِي لَهم أنْ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ﴾ ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ لا وجْهَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى قَوْلِ الخَصْمِ؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِهِمْ: خُرُوجُهم مِنَ القَرْيَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ وعَوْدُهم إلى تِلْكَ المِلَّةِ أيْضًا بِخَلْقِ اللَّهِ، وإذا كانَ حُصُولُ القِسْمَيْنِ بِخَلْقِ اللَّهِ، لَمْ يَبْقَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القِسْمَيْنِ فائِدَةٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ اسْتِدْلالُ الفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الآيَةِ وجَبَ الرُّجُوعُ إلى سائِرِ الآياتِ في هَذا البابِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِالكَلامِ الأوَّلِ وُجُوهٌ: قالَ القاضِي: قَدْ نَقَلْنا عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ قَوْلَ شُعَيْبٍ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَخْلُقَ المَصْلَحَةَ في تِلْكَ العِباداتِ فَحِينَئِذٍ يُكَلِّفُنا بِها، والعالِمُ بِالمَصالِحِ لَيْسَ إلّا مَن وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِهَذا القَوْلِ. وقالَ أصْحابُنا: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، هو أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا لِشُعَيْبٍ: إمّا أنْ تَخْرُجَ مِن قَرْيَتِنا وإمّا أنْ تَعُودَ إلى مِلَّتِنا، فَقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَرُبَّما كانَ في عِلْمِهِ حُصُولُ قِسْمٍ ثالِثٍ، وهو أنَّ نَبْقى في هَذِهِ القَرْيَةِ مِن غَيْرِ أنْ نَعُودَ إلى مِلَّتِكم، بَلْ يَجْعَلُكم مَقْهُورِينَ تَحْتَ أمْرِنا ذَلِيلِينَ خاضِعِينَ تَحْتَ حُكْمِنا، وهَذا الوَجْهُ أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لائِقٌ بِهَذا الوَجْهِ، لا بِما قالَهُ القاضِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا في الأزَلِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وسِعَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ ماضٍ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِجَمِيعِ

صفحة ١٤٧

المَعْلُوماتِ، وثَبَتَ أنَّ تَغَيُّرَ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لَزِمَ أنَّهُ ثَبَتَتِ الأحْكامُ وجَفَّتِ الأقْلامُ، والسَّعِيدُ مَن سَعِدَ في عِلْمِ اللَّهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في عِلْمِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ الماضِيَ والحالَ والمُسْتَقْبَلَ، وعَلِمَ المَعْدُومَ أنَّهُ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ، ثُمَّ كَلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ يَقَعُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أمّا الماضِي: فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لَمّا كانَ ماضِيًا فَإنَّهُ كَيْفَ كانَ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ماضِيًا بَلْ كانَ حاضِرًا فَإنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْتَقْبَلًا كَيْفَ يَكُونُ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ كانَ عَدَمًا مَحْضًا كَيْفَ يَكُونُ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ بِحَسَبِ الماضِي، واعْتَبَرَ هَذِهِ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِحَسَبِ الحالِ، وبِحَسَبِ المُسْتَقْبَلِ، وبِحَسَبِ المَعْدُومِ المَحْضِ فَيَكُونُ المَجْمُوعُ سِتَّةَ عَشَرَ، ثُمَّ اعْتَبَرَ هَذِهِ الأقْسامَ السِّتَّةَ عَشَرَ بِحَسَبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الذَّواتِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ المُفْرَداتِ مِن أنْواعِ الأعْراضِ وأجْناسِها، فَحِينَئِذٍ يَلُوحُ لِعَقْلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ بَحْرٌ لا يَنْتَهِي مَجْمُوعُ عُقُولِ العُقَلاءِ إلى أوَّلِ خَطْوَةٍ مِن خُطُواتِ ساحِلِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَتَمَ كَلامَهُ بِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ فَهَذا يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ في هَذا المَقامِ عَزَلَ الأسْبابَ، وارْتَقى عَنْها إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ.

والثّانِي: الدُّعاءُ، فَقالَ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: احْكم واقْضِ. وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ عَمّانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ والفَتّاحَ؛ لِأنَّهُ يَفْتَحُ مَواضِعَ الحَقِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي قَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنٍ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ أُفاتِحْكَ، أيْ أُحاكِمْكَ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ أيْ أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ، والمُرادُ مِنهُ: أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، وعَلى كَوْنِ شُعَيْبٍ وقَوْمِهِ مُحِقِّينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُرادُ بِهِ الكَشْفُ والتَّبْيِينُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ والمُرادُ مِنهُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا اللَّفْظِ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَخْلُقُ الإيمانَ في العَبْدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ أشْرَفُ المُحْدَثاتِ، ولَوْ فَسَّرْنا الفَتْحَ بِالكَشْفِ والتَّبْيِينِ فَلا شَكَّ أنَّ الإيمانَ كَذَلِكَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ المُوجِدُ لِلْإيمانِ هو العَبْدَ لَكانَ خَيْرُ الفاتِحِينَ هو العَبْدَ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ تَعالى خَيْرَ الفاتِحِينَ.

7:90–93Page 162

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢

Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣

And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ .

صفحة ١٤٨

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ عِظَمَ ضَلالَتِهِمْ بِتَكْذِيبِ شُعَيْبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ، حَتّى أضَلُّوا غَيْرَهم، ولامُوهم عَلى مُتابَعَتِهِ فَقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: خاسِرُونَ في الدِّينِ، وقالَ آخَرُونَ: خاسِرُونَ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُكم مِن أخْذِ الزِّيادَةِ مِن أمْوالِ النّاسِ، وعِنْدَ هَذا المَقالِ كَمُلَ حالَهم في الضَّلالِ أوَّلًا وفي الإضْلالِ ثانِيًا، فاسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وهي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ المُهْلِكَةُ، فَإذا انْضافَ إلَيْها الجَزاءُ الشَّدِيدُ المُخَوِّفُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قِصَّةِ الظَّلَمَةِ، كانَ الهَلاكُ أعْظَمَ؛ لِأنَّهُ أحاطَ بِهِمُ العَذابَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ خامِدِينَ ساكِنِينَ بِلا حَياةٍ، وقَدْ سَبَقَ الِاسْتِقْصاءُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الألْفاظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: في قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يُقالُ: غَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ، إذا طالَ مَقامُهم فِيها.

والثّانِي: المَنازِلُ الَّتِي كانَ بِها أهْلُوها واحِدُها مَغْنًى. قالَ الشّاعِرُ:

ولَقَدْ غَنُوا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ

أرادَ أقامُوا فِيها، وعَلى هَذا الوَجْهِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا بِها ولَمْ يَنْزِلُوا فِيها.

والقَوْلُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ يَغْنى إذا اسْتَغْنى، وهو مِنَ الغِنى الَّذِي هو ضِدُّ الفَقْرِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ: شَبَّهَ اللَّهُ حالَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِحالِ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ في تِلْكَ الدِّيارِ، قالَ الشّاعِرُ:

كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرٌ

بَلى نَحْنُ كُنّا أهْلَها فَأبادَنا ∗∗∗ صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَواثِرُ

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ الَّذِينَ: يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مُخْتَصًّا بِأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أشْياءَ:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما حَدَثَ بِتَخْلِيقِ فاعِلٍ مُخْتارٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ أثَرُ الكَواكِبِ والطَّبِيعَةِ، وإلّا لَحَصَلَ في أتْباعِ شُعَيْبٍ كَما حَصَلَ في حَقِّ الكُفّارِ.

والثّانِي: يَدُلُّ

صفحة ١٤٩

عَلى أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ المُخْتارَ عالِمٌ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ، حَتّى يُمْكِنَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي.

وثالِثُها: يَدُلُّ عَلى المُعْجِزِ العَظِيمِ في حَقِّ شُعَيْبٍ؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ لَمّا وقَعَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِمْ مُجْتَمِعِينَ في بَلْدَةٍ واحِدَةٍ، كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ وإنَّما كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ لِتَعْظِيمِ المَذَلَّةِ لَهم وتَفْظِيعِ ما يَسْتَحِقُّونَ مِنَ الجَزاءِ عَلى جَهْلِهِمْ، والعَرَبُ تُكَرِّرُ مِثْلَ هَذا في التَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أخُوكَ الَّذِي ظَلَمَنا، أخُوكَ الَّذِي أخَذَ أمْوالَنا، أخُوكَ الَّذِي هَتَكَ أعْراضَنا، وأيْضًا أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ وخالَفُوهُ هُمُ الخاسِرُونَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَوَلّى بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ. قالَ الكَلْبِيُّ: خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، ولَمْ يُعَذَّبْ قَوْمُ نَبِيٍّ حَتّى أُخْرِجَ مِن بَيْنِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، قالَ العَجّاجُ:

وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلى قَوْمِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِينَ، وكانَ يَتَوَقَّعُ مِنهُمُ الِاسْتِجابَةَ لِلْإيمانِ، فَلَمّا أنْ نَزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ الهَلاكُ العَظِيمُ حَصَلَ في قَلْبِهِ مِن جِهَةِ الوَصْلَةِ والقَرابَةِ والمُجاوَرَةِ وطُولِ الأُلْفَةِ، ثُمَّ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أهْلَكُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ لَقَدْ أعْذَرْتُ إلَيْكم في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ والتَّحْذِيرِ مِمّا حَلَّ بِكم، فَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلِي، ولَمْ تَقْبَلُوا نَصِيحَتِي فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم ؟ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا مُسْتَحِقِّينَ بِأنْ يَأْسى الإنْسانُ عَلَيْهِمْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ”فَكَيْفَ إيسى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

7:94–95Page 162

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ٩٤

And We sent to no city a prophet [who was denied] except that We seized its people with poverty and hardship that they might humble themselves [to Allāh].

ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩٥

Then We exchanged in place of the bad [condition], good, until they increased [and prospered] and said, "Our fathers [also] were touched with hardship and ease."1 So We seized them suddenly while they did not perceive.2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَنا أحْوالَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأحْوالَ ما جَرى عَلى أُمَمِهِمْ كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ

صفحة ١٥٠

أنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا في زَمَنِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ فَقَطْ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الهَلاكِ قَدْ فَعَلَهُ بِغَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ العِلَّةَ الَّتِي بِها يَفْعَلُ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ وإنَّما ذَكَرَ القَرْيَةَ لِأنَّها مُجْتَمَعُ القَوْمِ الَّذِينَ إلَيْهِمْ يُبْعَثُ الرُّسُلُ، ويَدْخُلُ تَحْتَ هَذا اللَّفْظِ المَدِينَةُ؛ لِأنَّها مُجْتَمَعُ الأقْوامِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: مِن نَبِيٍّ فَكُذِّبَ أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: البَأْساءُ كُلُّ ما نالَهم مِنَ الشِّدَّةِ في أحْوالِهِمْ، والضَّرّاءُ ما نالَهم مِنَ الأمْراضِ. وقِيلَ عَلى العَكْسِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكَيْ يَضَّرَّعُوا، مَعْناهُ: يَتَضَرَّعُوا، والتَّضَرُّعُ هو الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِلَّهِ تَعالى، ولَمّا عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: (لَعَلَّهم) لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الشَّكِّ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ هَذا الفِعْلَ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ المُكَلَّفِينَ الإيمانَ والطّاعَةَ. وقالَ أصْحابُنا: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ تَعْلِيلَ أفْعالِ اللَّهِ وأحْكامِهِ مُحالٌ وجَبَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فَعَلَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالعِلَّةِ والغَرَضِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَدْبِيرَهُ في أهْلِ القُرى لا يَجْرِي عَلى نَمَطٍ واحِدٍ، وإنَّما يُدَبِّرُهم بِما يَكُونُ إلى الإيمانِ أقْرَبَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ لِأنَّ وُرُودَ النِّعْمَةِ في البَدَنِ والمالِ بَعْدَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ يَدْعُو إلى الِانْقِيادِ والِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، ومَعْنى الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هَهُنا الشِّدَّةُ والرَّخاءُ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”السَّيِّئَةُ“ كُلُّ ما يَسُوءُ صاحِبَهُ، و”الحَسَنَةُ“ ما يَسْتَحْسِنُهُ الطَّبْعُ والعَقْلُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أهْلَ المَعاصِي بِالشِّدَّةِ تارَةً وبِالرَّخاءِ أُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: قَدْ عَفا الشَّعَرُ وغَيْرُهُ، إذا كَثُرَ، يَعْفُو فَهو عافٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يَعْنِي كَثُرُوا، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أمَرَ أنْ تُحَفَّ الشَّوارِبُ، وتُعْفى اللِّحى» يَعْنِي تَوَفَّرَ وتُكَثَّرَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم مَتى نالَهم شِدَّةٌ قالُوا: لَيْسَ هَذا بِسَبَبِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والعَمَلِ، وتِلْكَ عادَةُ الدَّهْرِ، ولَمْ يَكُنْ ما مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ، وهَذِهِ الحِكايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما دَبَّرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن رَخاءٍ بَعْدَ شِدَّةٍ، وأمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ، بَلْ عَدَلُوا إلى أنَّ هَذِهِ عادَةَ الزَّمانِ في أهْلِهِ، فَمَرَّةً يَحْصُلُ فِيهِمُ الشِّدَّةُ والنَّكَدُ، ومَرَّةً يَحْصُلُ لَهُمُ الرَّخاءُ والرّاحَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أزالَ عُذْرَهم وأزاحَ عِلَّتَهم، فَلَمْ يَنْقادُوا ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ الإمْهالِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ والمَعْنى: أنَّهم لَمّا تَمَرَّدُوا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أخَذَهُمُ اللَّهُ بَغْتَةً أيْنَما كانُوا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في الحَسْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ يَرَوْنَ العَذابَ والحِكْمَةَ في حِكايَةِ هَذا المَعْنى أنْ يَحْصُلَ الِاعْتِبارُ لِمَن سَمِعَ هَذِهِ القِصَّةَ وعَرَفَها.

﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِن أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِن أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском