Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
المعارج
Al-Ma'arij
The Ascending Stairways · Meccan · 44 ayahs
70:1–3Page 568
سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ ١
A supplicant asked for a punishment bound to happen1
لِّلۡكَٰفِرِينَ لَيۡسَ لَهُۥ دَافِعٞ ٢
To the disbelievers; of it there is no preventer.
مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلۡمَعَارِجِ ٣
[It is] from Allāh, owner of the ways of ascent.
صفحة ١٠٧
سُورَةُ المَعارِجِ
أرْبَعُونَ وأرْبَعُ آياتٍ
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
﷽
﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَألَ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ مِنهم مَن قَرَأهُ بِالهَمْزَةِ، ومِنهم مَن قَرَأهُ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، أمّا الأوَّلُونَ وهُمُ الجُمْهُورُ فَهَذِهِ القِراءَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ لَمّا قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنْفالِ: ٣٢] فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ أيْ: دَعا داعٍ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ مِن قَوْلِكَ دَعا بِكَذا إذا اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وعَلى هَذا القَوْلِ تَقْدِيرُ الباءِ الإسْقاطُ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ: سَألَ سائِلٌ عَذابًا واقِعًا، فَأكَّدَ بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مَرَيْمَ: ٢٥] وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَمّا كانَ ﴿سَألَ﴾ مَعْناهُ هَهُنا دَعا لا جَرَمَ عُدِّيَ تَعْدِيَتُهُ، كَأنَّهُ قالَ: دَعا داعٍ بِعَذابٍ مِنَ اللَّهِ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وخَوَّفَ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ قالَ المُشْرِكُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَن هَذا العَذابُ وبِمَن يَقَعُ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والتَّأْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ عَنْ عَذابٍ والباءُ بِمَعْنى عَنْ، كَقَوْلِهِ:
فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
وقالَ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩] وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿سَألَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ في تَقْدِيرِ عَنى واهْتَمَّ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْتَمَّ مُهْتَمٌّ بِعَذابٍ واقِعٍ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: هَذا السّائِلُ هو رَسُولُ اللَّهِ اسْتَعْجَلَ بِعَذابِ الكافِرِينَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ هَذا العَذابَ واقِعٌ بِهِمْ، فَلا دافِعَ لَهُ، قالُوا: والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المَعارِجِ: ٥] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ هو الَّذِي أمَرَهُ بِالصَّبْرِ
صفحة ١٠٨
الجَمِيلِ.
أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي ”سالَ“ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَلَها وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ ﴿سَألَ﴾ بِالهَمْزَةِ فَخَفَّفَ وقَلَبَ قالَ:
سالَتْ هُذَيْلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ∗∗∗ ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِما سَألَتْ ولَمْ تُصِبِ
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّيَلانِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ”سالَ سَيْلٌ“ والسَّيْلُ مَصْدَرٌ في مَعْنى السّائِلِ، كالغَوْرِ بِمَعْنى الغائِرِ، والمَعْنى انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ قالا: سالَ وادٍ مِنَ أوْدِيَةِ جَهَنَّمَ ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ . أمّا سائِلٌ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ الهَمْزِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن سَألَ المَهْمُوزِ، فَهو بِالهَمْزِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَهْمُوزِ كانَ بِالهَمْزِ أيْضًا نَحْوَ قائِلٍ وخائِفٍ، إلّا أنَّكَ إنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الهَمْزَةَ فَجَعَلْتَها بَيْنَ بَيْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ﴿لِلْكافِرينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ، وذَلِكَ لِأنّا إنْ فَسَّرْنا قَوْلَهُ: سَألَ بِما ذَكَرْنا مِنَ أنَّ النَّضْرَ طَلَبَ العَذابَ، كانَ المَعْنى أنَّهُ طَلَبَ طالِبٌ عَذابًا هو واقِعٌ لا مَحالَةَ سَواءٌ طَلَبَ أوْ لَمْ يَطْلُبْ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ العَذابَ نازِلٌ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ واقِعٌ بِهِمْ لا يَدْفَعُهُ عَنْهم أحَدٌ، وقَدْ وقَعَ بِالنَّضْرِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ، وأمّا إذا فَسَّرْناهُ بِالوَجْهِ الثّانِي وهو أنَّهم سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ هَذا العَذابَ بِمَن يَنْزِلُ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّهُ واقِعٌ لِلْكافِرِينَ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو السَّدِيدُ.
وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الآيَةِ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ، أيْ: لَيْسَ لِذَلِكَ العَذابِ الصّادِرِ مِنَ اللَّهِ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ، فَإنَّهُ إذا أوْجَبَتِ الحِكْمَةُ وُقُوعَهُ امْتَنَعَ أنْ لا يَفْعَلَهُ اللَّهُ وقَوْلُهُ: ﴿ذِي المَعارِجِ﴾ المَعارِجُ: جَمْعُ مِعْرَجٍ وهو المَصْعَدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الكَلْبِيِّ ذِي المَعارِجِ، أيْ: ذِي السَّماواتِ، وسَمّاها مَعارِجَ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ فِيها.
وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: ذِي الفَواضِلِ والنِّعَمِ وذَلِكَ لِأنَّ لِأيادِيهِ ووُجُوهِ إنْعامِهِ مَراتِبَ، وهي تَصِلُ إلى النّاسِ عَلى مَراتِبَ مُخْتَلِفَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ المَعارِجَ هي الدَّرَجاتُ الَّتِي يُعْطِيها أوْلِياءَهُ في الجَنَّةِ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ هَذِهِ السَّماواتِ كَما أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ والكِبَرِ والصِّغَرِ، فَكَذا الأرْواحُ المَلَكِيَّةُ مُخْتَلِفَةٌ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والكَمالِ والنَّقْصِ، وكَثْرَةِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وقُوَّتِها وشِدَّةِ القُوَّةِ عَلى تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وضَعْفِ تِلْكَ القُوَّةِ، ولَعَلَّ نُورَ إنْعامِ اللَّهِ وأثَرَ فَيْضِ رَحْمَتِهِ لا يَصِلُ إلى هَذا العالَمِ بِواسِطَةِ تِلْكَ الأرْواحِ، إمّا عَلى سَبِيلِ العادَةِ أوْ لا كَذَلِكَ عَلى ما قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤]، ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النّازِعاتِ: ٥] فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ﴾ الإشارَةُ إلى تِلْكَ الأرْواحِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي كالمَصاعِدِ لِارْتِفاعِ مَراتِبِ الحاجاتِ مِن هَذا العالَمِ إلَيْها، وكالمَنازِلِ لِنُزُولِ أثَرِ الرَّحْمَةِ مِن ذَلِكَ العالَمِ إلى هَهُنا.
70:4Page 568
تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ ٤
The angels and the Spirit [i.e., Gabriel] will ascend to Him during a Day the extent of which is fifty thousand years.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى في القُرْآنِ أنَّهُ مَتى ذَكَرَ المَلائِكَةَ في مَعْرِضِ التَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ أفْرَدَ الرُّوحَ بَعْدَهم بِالذِّكْرِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وكَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الرُّوحَ أعْظَمُ [مِنَ] المَلائِكَةِ قَدْرًا، ثُمَّ هَهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عِنْدَ العُرُوجِ
صفحة ١٠٩
المَلائِكَةَ أوَّلًا والرُّوحَ ثانِيًا، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ عِنْدَ القِيامِ الرُّوحَ أوَّلًا والمَلائِكَةَ ثانِيًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ الرُّوحِ أوَّلًا في دَرَجَةِ النُّزُولِ وآخِرًا في دَرَجَةِ الصُّعُودِ، وعِنْدَ هَذا قالَ بَعْضُ المُكاشِفِينَ: إنَّ الرُّوحَ نُورٌ عَظِيمٌ هو أقْرَبُ الأنْوارِ إلى جَلالِ اللَّهِ، ومِنهُ تَتَشَعَّبُ أرْواحُ سائِرِ المَلائِكَةِ والبَشَرِ في آخِرِ دَرَجاتِ مَنازِلِ الأرْواحِ، وبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَعارِجُ مَراتِبِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ ومَدارِجُ مَنازِلِ الأنْوارِ القُدْسِيَّةِ، ولا يَعْلَمُ كَمِّيَّتَها إلّا اللَّهُ، وأمّا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ وهو أنَّ الرُّوحَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ قَرَّرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ في مَكانٍ، إمّا في العَرْشِ أوْ فَوْقَهُ، بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ذُو المَعارِجِ وهو إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ في جِهَةِ فَوْقٍ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عُرُوجَ المَلائِكَةِ وصُعُودَهم إلَيْهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ تَعالى في جِهَةِ فَوْقٍ (والجَوابُ) لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى امْتِناعِ كَوْنِهِ في المَكانِ والجِهَةِ ثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَأمّا وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ”ذُو المَعارِجِ“ فَقَدْ ذَكَرْنا الوُجُوهَ فِيهِ، وأمّا حَرْفُ إلى في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ المَكانَ، بَلِ المُرادُ انْتِهاءُ الأُمُورِ إلى مُرادِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هُودٍ: ١٢٣] المُرادُ الِانْتِهاءُ إلى مَوْضِعِ العِزِّ والكَرامَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصّافّاتِ: ٩٩] ويَكُونُ هَذا إشارَةً إلى أنَّ دارَ الثَّوابِ أعْلى الأمْكِنَةِ وأرْفَعُها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ مِن صِلَةِ تَعْرُجُ، أيْ يَحْصُلُ العُرُوجُ في مِثْلِ هَذا اليَوْمِ، وقالَ مُقاتِلٌ: بَلْ هَذا مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَذَلِكَ اليَوْمُ إمّا أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، فَذَلِكَ الطُّولُ إمّا أنْ يَكُونَ واقِعًا، وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي تَحْمِلُها هَذِهِ الآيَةُ، ونَحْنُ نَذْكُرُ تَفْصِيلَها.
القَوْلُ الأوَّلُ: هو أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ العُرُوجَ يَقَعُ في يَوْمٍ مِنَ أيّامِ الآخِرَةِ؛ طُولُهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ قالَ: ولَيْسَ يَعْنِي أنَّ مِقْدارَ طُولِهِ هَذا فَقَطْ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَحَصَلَتْ لَهُ غايَةٌ ولَفَنِيَتِ الجَنَّةُ والنّارُ عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ وهَذا غَيْرُ جائِزٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ مَوْقِفَهم لِلْحِسابِ حَتّى يُفْصَلَ بَيْنَ النّاسِ، خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ الدُّنْيا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَقِرُّ أهْلُ النّارِ في دَرَكاتِ النِّيرانِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها. واعْلَمْ أنَّ هَذا الطُّولَ إنَّما يَكُونُ في حَقِّ الكافِرِ، أمّا في حَقِّ المُؤْمِنِ فَلا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٤] واتَّفَقُوا عَلى [أنَّ] ذَلِكَ [المَقِيلَ والمُسْتَقَرَّ] هو الجَنَّةُ، وأمّا الخَبَرُ فَما رُوِيَ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما طُولُ هَذا اليَوْمِ ؟ فَقالَ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا» “ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وإنْ طالَ فَهو يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ السُّرُورِ والرّاحَةِ لِأهْلِ الجَنَّةِ، ويَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ الحُزْنِ والغَمِّ لِأهْلِ النّارِ. (الجَوابُ) عَنْهُ أنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ، فَلا بُدَّ مِنَ أنْ يُعَجَّلَ لِلْمُثابِينَ ثَوابُهم، ودارُ الثَّوابِ هي الجَنَّةُ لا المَوْقِفُ، فَإذَنْ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ طُولِ المَوْقِفِ بِالكُفّارِ.
القَوْلُ الثّانِي: هو أنَّ هَذِهِ المُدَّةَ واقِعَةٌ في الآخِرَةِ، لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ لا عَلى سَبِيلِ التَّحَقُّقِ، والمَعْنى أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ القَضاءِ
صفحة ١١٠
والحُكُومَةِ أعْقَلُ الخَلْقِ وأذْكاهم لَبَقِيَ فِيهِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُتَمِّمُ ذَلِكَ القَضاءَ والحُكُومَةَ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنَ أيّامِ الدُّنْيا، وأيْضًا المَلائِكَةُ يَعْرُجُونَ إلى مَواضِعَ لَوْ أرادَ واحِدٌ مِنَ أهْلِ الدُّنْيا أنْ يَصْعَدَ إلَيْها لَبَقِيَ في ذَلِكَ الصُّعُودِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم يَصْعَدُونَ إلَيْها في ساعَةٍ قَلِيلَةٍ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
القَوْلُ الثّالِثُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ الدُّنْيا كُلِّها مِنَ أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ إلى آخِرِ الفَناءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ في يَوْمِ الدُّنْيا مِن عُرُوجِ المَلائِكَةِ ونُزُولِهِمْ، وهَذا اليَوْمُ مُقَدَّرٌ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ لا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَصِيرَ وقْتُ القِيامَةِ مَعْلُومًا؛ لِأنّا لا نَدْرِي كَمْ مَضى وكَمْ بَقِيَ.
القَوْلُ الرّابِعُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ مِنَ اللَّهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ اسْتِطالَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّتِهِ عَلى الكُفّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَقْدِيرَ مُدَّتِهِ، وعَلى هَذا فَلَيْسَ المُرادُ تَقْدِيرَ العَذابِ بِهَذا المِقْدارِ، بَلِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى طُولِ مُدَّةِ العَذابِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّ العَذابَ الَّذِي سَألَهُ ذَلِكَ السّائِلُ يَكُونُ مُقَدَّرًا بِهَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَنْقُلُهُ إلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، وعَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السَّجْدَةِ: ٥] فَقالَ: أيّامٌ سَمّاها اللَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِها كَيْفَ تَكُونُ، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ فِيها ما لا أعْلَمُ، فَإنْ قِيلَ: فَما قَوْلُكم في التَّوْفِيقِ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ؟ قُلْنا: قالَ وهْبٌ في الجَوابِ عَنْ هَذا: ما بَيْنَ أسْفَلِ العالَمِ إلى أعْلى شُرُفاتِ العَرْشِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ومِنَ أعْلى السَّماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ؛ لِأنَّ عَرْضَ كُلِّ سَماءٍ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وما بَيْنَ أسْفَلِ السَّماءِ إلى قَرارِ الأرْضِ خَمْسُمِائَةٌ أُخْرى، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ يُرِيدُ مِنَ أيّامِ الدُّنْيا وهو مِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ لَوْ صَعَدُوا فِيهِ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ومِقْدارُ ألْفِ سَنَةٍ لَوْ صَعَدُوا إلى أعالِي العَرْشِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِ ”﴿سَألَ سائِلٌ﴾“ لِأنَّ اسْتِعْجالَ النَّضْرِ بِالعَذابِ إنَّما كانَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ والتَّكْذِيبِ بِالوَحْيِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَن يَسْألُ عَنِ العَذابِ لِمَن هو فَإنَّما يَسْألُ عَلى طَرِيقِ التَّعَنُّتِ مِن كُفّارِ مَكَّةَ، ومَن قَرَأ: ”سالَ سائِلٌ“ فَمَعْناهُ جاءَ العَذابُ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ فاصْبِرْ فَقَدْ جاءَ وقْتُ الِانْتِقامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ الرَّسُولُ بِالقِتالِ.
70:6–10Page 568
إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا ٦
Indeed, they see it [as] distant,
وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا ٧
But We see it [as] near.
يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ ٨
On the Day the sky will be like murky oil,1
وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٩
And the mountains will be like wool,1
وَلَا يَسۡـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمٗا ١٠
And no friend will ask [anything of] a friend,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿ونَراهُ قَرِيبًا﴾ .
الضَّمِيرُ في ﴿يَرَوْنَهُ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى العَذابِ الواقِعِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى: ﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلى جِهَةِ الإحالَةِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا هَيِّنًا في
صفحة ١١١
قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذِّرٍ. فالمُرادُ بِالبَعِيدِ البَعِيدُ مِنَ الإمْكانِ، وبِالقَرِيبِ القَرِيبُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ تَكُونُ“ مَنصُوبٌ بِماذا ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: بِقَرِيبًا، والتَّقْدِيرُ: ونَراهُ قَرِيبًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ، أيْ يُمْكِنُ ولا يَتَعَذَّرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وثانِيها: التَّقْدِيرُ: سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ، يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ كانَ كَذا وكَذا.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”يَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ذَكَرَ لِذَلِكَ اليَوْمِ صِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّ السَّماءَ تَكُونُ فِيهِ كالمُهْلِ وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُهْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، ورَوى عَنْهُ عَطاءٌ: كَعَكَرِ القَطْرانِ، وقالَ الحَسَنُ: مِثْلُ الفِضَّةِ إذا أُذِيبَتْ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنْ تَكُونَ الجِبالُ فِيهِ كالعِهْنِ، ومَعْنى العِهْنِ في اللُّغَةِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ ألْوانًا، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بِهِ؛ لِأنَّ الجِبالَ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٍ. فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَمِيمُ القَرِيبُ الَّذِي يَعْصِبُ لَهُ، وعَدَمُ السُّؤالِ إنَّما كانَ لِاشْتِغالِ كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٧] ثُمَّ في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمِهِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
الثّانِي: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمَهُ كَيْفَ حالُكَ ولا يُكَلِّمُهُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَشْغَلُهُ عَنْ هَذا الكَلامِ.
الثّالِثُ: لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا شَفاعَةً، ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا إحْسانًا إلَيْهِ ولا رِفْقًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”ولا يُسْألُ“ بِضَمِّ الياءِ، والمَعْنى لا يُسْألُ عَنْ حَمِيمِهِ لِيُتَعَرَّفَ شَأْنُهُ مِن جِهَتِهِ، كَما يُتَعَرَّفُ خَبَرُ الصَّدِيقِ مِن جِهَةِ صَدِيقِهِ، وهَذا أيْضًا عَلى حَذْفِ الجارِّ. قالَ الفَرّاءُ: أيْ لا يُقالُ لِحَمِيمٍ: أيْنَ حَمِيمُكَ. ولَسْتُ أُحِبُّ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِأنَّها مُخالِفَةٌ لِما أجْمَعَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
70:11–13Page 569
يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ ١١
They will be shown each other. The criminal will wish that he could be ransomed from the punishment of that Day by his children
وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ ١٢
And his wife and his brother
وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ ١٣
And his nearest kindred who shelter him
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يُقالُ: بَصُرْتُ بِهِ أُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] ويُقالُ: بَصَّرْتُ زَيْدًا بِكَذا فَإذا حَذَفْتَ الجارَّ قُلْتَ: بَصَّرَنِي زَيْدٌ كَذا فَإذا أثْبَتَ الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ بِهِ وقَدْ حَذَفْتَ الجارَّ
صفحة ١١٢
قُلْتَ: بَصِّرْنِي زَيْدًا، فَهَذا هو مَعْنى يُبَصَّرُونَهم، وإنَّما جُمِعَ فَقِيلَ: يُبَصَّرُونَهم لِأنَّ الحَمِيمَ وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ فالمُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ والجَمِيعُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٠] ومَعْنى يُبَصَّرُونَهم يُعَرَّفُونَهم، أيْ يُعَرَّفُ الحَمِيمُ الحَمِيمَ حَتّى يَعْرِفَهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَسْألُهُ عَنْ شَأْنِهِ لِشُغْلِهِ بِنَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: ما مَوْضِعُ يُبَصَّرُونَهم ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ قِيلَ: لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ يُبَصَّرُونَهم ولَكِنَّهم لِاشْتِغالِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَساؤُلِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والمَعْنى أنَّ المُجْرِمِينَ يُبْصَّرُونَ المُؤْمِنِينَ حالَ ما يَوَدُّ أحَدُهم أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِكُلِّ ما يَمْلِكُهُ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا كانَ في البِلاءِ الشَّدِيدِ ثُمَّ رَآهُ عَدُوُّهُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ ﴿وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُجْرِمُ هو الكافِرُ، وقِيلَ: يَتَناوَلُ كُلَّ مُذْنِبٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”يَوْمِئِذٍ“ بِالجَرِّ والفَتْحِ عَلى البِناءِ، لِسَبَبِ الإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وقُرِئَ أيْضًا: ”مِن عَذابٍ يَوْمَئِذٍ“ بِتَنْوِينِ ”عَذابٍ“ ونَصْبِ ”يَوْمَئِذٍ“ وانْتِصابُهُ بِعَذابٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ.
﴿وفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ فَصِيلَةُ الرَّجُلِ، أقارِبُهُ الأقْرَبُونَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم ويَنْتَهِي إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الفَصِيلَةِ المَفْصُولَةُ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَكُونُ مُنْفَصِلًا مِنَ الأبَوَيْنِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي“» فَلَمّا كانَ هو مَفْصُولًا مِنهُما، كانا أيْضًا مَفْصُولَيْنِ مِنهُ، فَسُمِّيا فَصِيلَةً لِهَذا السَّبَبِ، وكانَ يُقالُ لِلْعَبّاسِ فَصِيلَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ العَمَّ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُؤْوِيهِ﴾ فالمَعْنى تَضُمُّهُ انْتِماءً إلَيْها في النَّسَبِ، أوْ تَمَسُّكًا بِها في النَّوائِبِ.
70:14–16Page 569
وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ ١٤
And whoever is on earth entirely [so] then it could save him.
كـَلَّآۖ إِنَّهَا لَظَىٰ ١٥
No!1 Indeed, it is the Flame [of Hell],
نَزَّاعَةٗ لِّلشَّوَىٰ ١٦
A remover of exteriors.1
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى يَفْتَدِي، والمَعْنى: يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي بِهَذِهِ الأشْياءِ ثُمَّ يُنْجِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ والتَّقْدِيرُ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي بِمَن في الأرْضِ ثُمَّ يُنْجِيهِ، و”ثُمَّ“ لِاسْتِبْعادِ الإنْجاءِ، يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ، وبَذَلُهم في فِداءِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ، وهَيْهاتَ أنْ يُنْجِيَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها لَظى﴾ ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ ”كَلّا“ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَوَدُّ الِافْتِداءَ بِبَنِيهِ، وعَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الِافْتِداءُ، ولا يُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّها﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الضَّمِيرَ لِلنّارِ، ولَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، إلّا أنَّ ذِكْرَ العَذابِ دَلَّ عَلَيْها.
والثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مِن أسْماءِ النّارِ. قالَ اللَّيْثُ: اللَّظى، اللَّهَبُ الخالِصُ، يُقالُ: لَظَّتِ النّارُ تَلَظّى لَظًى، وتَلَظَّتْ تَلَظِّيًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿نارًا تَلَظّى﴾ [اللَّيْلِ: ١٤] ولَظى عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى، وهو مَعْرِفَةٌ لا يَنْصَرِفُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وقَوْلُهُ: ﴿نَزّاعَةً﴾ مَرْفُوعَةٌ، وفي سَبَبِ هَذا الِارْتِفاعِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ في أنَّها عِمادٌ، أوْ تَجْعَلَ لَظى اسْمَ إنَّ، ونَزّاعَةً خَبَرَ إنَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لَظى نَزّاعَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَجْعَلَ الهاءَ ضَمِيرَ القِصَّةِ، ولَظى مُبْتَدَأً، ونَزّاعَةً خَبَرًا، وتَجْعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ القِصَّةَ لَظى نَزّاعَةٌ لِلشَّوى.
والثّالِثُ: أنْ تَرْتَفِعَ عَلى الذَّمِّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى وهي نَزّاعَةٌ لِلشَّوى، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ. وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ
صفحة ١١٣
فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، كَما قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطِرٍ: ٣١] وكَما يَقُولُ: أنا زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اعْتَرَضَ أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ عَلى هَذا وقالَ: حَمْلُهُ عَلى الحالِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَعْمَلُ في الحالِ، فَإنْ قُلْتَ في قَوْلِهِ: ﴿لَظى﴾ مَعْنى التَّلَظِّي والتَّلَهُّبِ، فَهَذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ لَظى اسْمُ عَلَمٍ لِماهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، والماهِيَّةُ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها بِالأحْوالِ، إنَّما الَّذِي يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالأحْوالِ هو الأفْعالُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رَأيْتُ رَجُلًا حالَ كَوْنِهِ عالِمًا.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ لَظى اسْمًا لِنارٍ تَتَلَظّى تَلَظِّيًا شَدِيدًا، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ ناصِبًا، لِقَوْلِهِ: ﴿نَزّاعَةً﴾ .
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى الِاخْتِصاصِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّها لَظى أعْنِيها نَزّاعَةً لِلشَّوى، ولَمْ تُمْنَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿لِلشَّوى﴾ الأطْرافُ، وهي اليَدانِ والرِّجْلانِ، ويُقالُ لِلرّامِي إذا لَمْ يُصِبِ المَقْتَلَ أشْوى، أيْ أصابَ الشَّوى، والشَّوى أيْضًا جِلْدُ الرَّأْسِ، واحِدَتُها شَواةٌ. ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لَهُ قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ
هَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: تَنْزِعُ النّارُ الهامَةَ والأطْرافَ فَلا تَتْرُكُ لَحْمًا ولا جِلْدًا إلّا أحْرَقَتْهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: العَصَبُ والعَقِبُ ولَحْمُ السّاقَيْنِ واليَدَيْنِ، وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: لِمَكارِمِ وجْهِ بَنِي آدَمَ. واعْلَمْ أنَّ النّارَ إذا أفْنَتْ هَذِهِ الأعْضاءَ، فاللَّهُ تَعالى يُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى، كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النِّساءِ: ٥٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences