Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
نوح
Nuh
Noah · Meccan · 28 ayahs
71:1–4Page 570
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١
Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."
قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢
He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -
أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣
To worship Allāh, fear Him and obey me.
يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤
He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."
صفحة ١١٩
(سُورَةُ نُوحٍ)
عِشْرُونَ وثَمانِ آياتٍ مَكِّيَّةٍ
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
﷽
﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ في قَوْلِهِ ”أنْ“ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أصْلُهُ بِأنْ أنْذِرْ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ أيْ أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْدارِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً، والتَّقْدِيرُ: إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ”أنْذِرْ“ بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الغَرَقَ بِالطُّوفانِ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ امْتَثَلَ ذَلِكَ الأمْرَ، و﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أنِ اعْبُدُوا هو نَظِيرُ أنْ أنْذِرْ في الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ القَوْمَ بِثَلاثَةِ أشْياءَ؛ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ وطاعَةِ نَفْسِهِ، فالأمْرُ بِالعِبادَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الواجِباتِ والمَندُوباتِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ وأفْعالِ الجَوارِحِ، والأمْرُ بِتَقْواهُ يَتَناوَلُ الزَّجْرَ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ والمَكْرُوهاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأطِيعُونِ﴾ يَتَناوَلُ أمْرَهم بِطاعَتِهِ وجَمِيعَ المَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ، وهَذا وإنْ كانَ داخِلًا في الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ، إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ ومُبالَغَةً في تَقْرِيرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا كَلَّفَهم بِهَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ وعَدَهم عَلَيْها
صفحة ١٢٠
بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُزِيلَ مَضارَّ الآخِرَةِ عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ .
الثّانِي: يُزِيلُ عَنْهم مَضارَّ الدُّنْيا بِقَدْرِ الإمْكانِ، وذَلِكَ بِأنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهم إلى أقْصى الإمْكانِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ (والجَوابُ) مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم.
والثّانِي: أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ هو أنْ لا يُؤاخَذَ بِهِ، فَلَوْ قالَ: يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم، لَكانَ مَعْناهُ أنْ لا يُؤاخِذَكم بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكم، وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِالمَجْمُوعِ لا يُوجِبُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ المَجْمُوعِ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: لا أُطالِبُكَ بِمَجْمُوعِ ذُنُوبِكَ، ولَكِنِّي أُطالِبُكَ بِهَذا الذَّنْبِ الواحِدِ فَقَطْ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ كانَ تَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما كانَ مِن ذُنُوبِكم، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مَجْمُوعِ الذُّنُوبِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ أيْضًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَجْمُوعِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هَبْ أنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ لَكِنَّهُ حَتّى لِأنَّ مَن آمَنَ فَإنَّهُ يَصِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن ذُنُوبِهِ عَلى إيمانِهِ مَغْفُورًا، أمّا ما تَأخَّرَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَغْفُورًا، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ هَهُنا مِن حَرْفِ التَّبْعِيضِ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿ويُؤَخِّرْكُمْ﴾ مَعَ إخْبارِهِ بِامْتِناعِ تَأْخِيرِ الأجَلِ، وهَلْ هَذا إلّا تَناقُضٌ ؟ (الجَوابُ) قَضى اللَّهُ مَثَلًا أنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنْ آمَنُوا عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ألْفَ سَنَةٍ، وإنْ بَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهم عَلى رَأْسِ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ لَهم: آمِنُوا ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ إلى وقْتٍ سَمّاهُ اللَّهُ وجَعَلَهُ غايَةَ الطُّولِ في العُمْرِ، وهو تَمامُ الألْفِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ إذا انْقَضى ذَلِكَ الأجَلُ الأطْوَلُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (( الجَوابُ) الغَرَضُ الزَّجْرُ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، وعَنِ التَّهالُكِ عَلَيْها والإعْراضِ عَنِ الدِّينِ بِسَبَبِ حُبِّها، يَعْنِي أنَّ غُلُوَّهم في حُبِّ الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها بَلَغَ إلى حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم شاكُّونَ في المَوْتِ.
71:5–6Page 570
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥
He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.
فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦
But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى إنْسانَيْنِ يَسْمَعانِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الكَلامُ في حَقِّ أحَدِهِما سَبَبًا لِحُصُولِ الهِدايَةِ، والمَيْلِ والرَّغْبَةِ، وفي حَقِّ الثّانِي سَبَبًا لِمَزِيدِ العُتُوِّ والتَّكَبُّرِ، ونِهايَةِ النَّفْرَةِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ تِلْكَ النَّفْرَةَ والرَّغْبَةَ حَصَلَتا بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ، فَإنَّ هَذا مُكابَرَةٌ في المَحْسُوسِ، فَإنَّ صاحِبَ النَّفْرَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ النَّفْرَةِ، وصاحِبُ الرَّغْبَةِ يَجِدُ قَلْبَهُ كالمُضْطَرِّ إلى تِلْكَ الرَّغْبَةِ، ومَتى حَصَلَتْ تِلْكَ النَّفْرَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ التَّمَرُّدُ والإعْراضُ، وإنْ حَصَلَتِ الرَّغْبَةُ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ عَقِيبَهُ الِانْقِيادُ والطّاعَةُ، فَعَلِمْنا أنَّ إفْضاءَ سَماعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في حَقِّ أحَدِهِما إلى الرَّغْبَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وفي حَقِّ الثّانِي إلى النَّفْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِحُصُولِ التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ لا يَكُونُ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ حُصُولَ النَّفْرَةِ والرَّغْبَةِ لَيْسَ بِاخْتِيارِهِ، لَكِنْ حُصُولُ العِصْيانِ عِنْدَ النَّفْرَةِ يَكُونُ بِاخْتِيارِهِ، فَإنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مَعَ تِلْكَ النَّفْرَةِ أنْ يَنْقادَ ويُطِيعَ، قُلْنا: إنَّهُ لَوْ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ غَيْرَ مُعارَضَةٍ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الرَّغْبَةِ بَلْ خالِصَةً عَنْ جَمِيعِ
صفحة ١٢١
شَوائِبِ الرَّغْبَةِ امْتَنَعَ أنْ يَحْصُلَ مَعَهُ الفِعْلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عِنْدَما تَحْصُلُ النَّفْرَةُ والرَّغْبَةُ لَمْ يَحْصُلِ الفِعْلُ البَتَّةَ، فَعِنْدَ حُصُولِ النَّفْرَةِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ المُقْتَضِي وُجُودُ المانِعِ، فَبِأنْ يَصِيرَ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ.
71:7–9Page 570
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧
And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.
ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨
Then I invited them publicly.
ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩
Then I announced to them and [also] confided to them secretly
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما دَعاهم إلى العِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، لِأجْلِ أنْ يُغْفَرَ لَهم، فَإنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هو حُصُولُ المَغْفِرَةِ، وأمّا الطّاعَةُ فَهي إنَّما طُلِبَتْ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى تَحْصِيلِ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ فَلَمّا كانَ المَطْلُوبُ الأوَّلُ مِنَ الدَّعْوَةِ حُصُولَ المَغْفِرَةِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم عامَلُوهُ بِأشْياءَ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم بَلَغُوا في التَّقْلِيدِ إلى حَيْثُ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا الحُجَّةَ والبَيِّنَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: تَغَطَّوْا بِها، إمّا لِأجْلِ أنْ لا يُبْصِرُوا وجْهَهُ، كَأنَّهم لَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَسْمَعُوا كَلامَهُ، ولا أنْ يَرَوْا وجْهَهُ. وإمّا لِأجْلِ المُبالَغَةِ في أنْ لا يَسْمَعُوا، فَإنَّهم إذا جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ، ثُمَّ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهم مَعَ ذَلِكَ، صارَ المانِعُ مِنَ السَّماعِ أقْوى.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأصَرُّوا﴾ والمَعْنى أنَّهم أصَرُّوا عَلى مَذْهَبِهِمْ، أوْ عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ أيْ عَظِيمًا بالِغًا إلى النِّهايَةِ القُصْوى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَراتِبَ دَعْوَتِهِ كانَتْ ثَلاثَةً، فَبَدَأ بِالمُناصَحَةِ في السِّرِّ، فَعامَلُوهُ بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ ثَنى بِالمُجاهَرَةِ، فَلَمّا لَمْ يُؤَثِّرْ جَمَعَ بَيْنَ الإعْلانِ والإسْرارِ، وكَلِمَةُ ”ثُمَّ“ دالَّةٌ عَلى تَراخِي بَعْضِ هَذِهِ المَراتِبِ عَنْ بَعْضٍ إمّا بِحَسَبِ الزَّمانِ، أوْ بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ؛ لِأنَّ الجِهارَ أغْلَظُ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَ الإسْرارِ والجِهارِ أغْلَظُ مِنَ الجِهارِ وحْدَهُ، فَإنْ قِيلَ: بِمَ انْتَصَبَ جِهارًا ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ أحَدُ نَوْعَيْهِ الجِهارُ، فَنُصِبَ بِهِ نَصْبَ القُرْفُصاءِ بِقَعَدَ لِكَوْنِها أحَدَ أنْواعِ القُعُودِ.
وثانِيها: أنَّهُ أُرِيدَ بِدَعَوْتُهم جاهَرْتُهم.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ دَعا بِمَعْنى دُعاءً جِهارًا، أيْ مُجاهِرًا بِهِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُجاهَرًا.
71:10Page 570
فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠
And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.
صفحة ١٢٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ قَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوهُ زَمانًا طَوِيلًا حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَرَجَعُوا فِيهِ إلى نُوحٍ، فَقالَ نُوحٌ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم مِنَ الشِّرْكِ حَتّى يَفْتَحَ عَلَيْكم أبْوابَ نِعَمِهِ.
واعْلَمْ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالطّاعَةِ سَبَبٌ لِانْفِتاحِ أبْوابِ الخَيْراتِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ لِخَرابِ العالَمِ عَلى ما قالَ في كُفْرِ النَّصارى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٠] فَلَمّا كانَ الكُفْرُ سَبَبًا لِخَرابِ العالَمِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ سَبَبًا لِعِمارَةِ العالَمِ.
وثانِيها: الآياتُ مِنها هَذِهِ الآيَةُ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] فَإذا اشْتَغَلُوا بِتَحْصِيلِ المَقْصُودِ حَصَلَ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ.
ورابِعُها: أنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَما زادَ عَلى الِاسْتِغْفارِ، فَقِيلَ لَهُ: ما رَأيْناكَ اسْتَسْقَيْتَ، فَقالَ: لَقَدِ اسْتَسْقَيْتُ بِمَجادِيحِ السَّماءِ. المِجْدَحُ ثَلاثَةُ كَواكِبَ مَخْصُوصَةٍ، ونَوْؤُهُ يَكُونُ عَزِيزًا، شَبَّهَ عُمَرُ الِاسْتِغْفارَ بِالأنْواءِ الصّادِقَةِ الَّتِي لا تُخْطِئُ، وعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ أكْثَرَ النّاسِ ذُنُوبًا أقَلُّهُمُ اسْتِغْفارًا، وأكْثَرَهُمُ اسْتِغْفارًا أقَلُّهم ذُنُوبًا، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ رَجُلًا شَكا إلَيْهِ الجَدْبَ، فَقالَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وشَكا إلَيْهِ آخَرُ الفَقْرَ، وآخَرُ قِلَّةَ النَّسْلِ، وآخَرُ قِلَّةَ رَيْعِ أرْضِهِ، فَأمَرَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ القَوْمِ: أتاكَ رِجالٌ يَشْكُونَ إلَيْكَ أنْواعًا مِنَ الحاجَةِ، فَأمَرْتَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ، فَتَلا لَهُ الآيَةَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ الكُفّارَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِالعِبادَةِ والتَّقْوى والطّاعَةِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في أنْ أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالعِبادَةِ قالُوا لَهُ: إنْ كانَ الدِّينُ القَدِيمُ الَّذِي كُنّا عَلَيْهِ حَقًّا فَلِمَ تَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ، وإنْ كانَ باطِلًا فَكَيْفَ يَقْبَلُنا بَعْدَ أنْ عَصَيْناهُ، فَقالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّكم وإنْ كُنْتُمْ عَصَيْتُمُوهُ ولَكِنِ اسْتَغْفِرُوهُ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كانَ غَفّارًا.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنَّهُ غَفّارٌ ؟ قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ غَفّارًا في حَقِّ كُلِّ مَنِ اسْتَغْفَرُوهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا تَظُنُّوا أنَّ غَفّارِيَّتَهُ إنَّما حَدَثَتِ الآنَ، بَلْ هو أبَدًا هَكَذا كانَ، فَكَأنَّ هَذا هو حِرْفَتُهُ وصَنْعَتُهُ.
71:11–13Page 571
يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١
He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers
وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢
And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.
مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣
What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الخَلْقَ مَجْبُولُونَ عَلى مَحَبَّةِ الخَيْراتِ العاجِلَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصَّفِّ: ١٣]
صفحة ١٢٣
فَلا جَرَمَ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهم مَعَ الحَظِّ الوافِرِ في الآخِرَةِ الخِصْبَ والغِنى في الدُّنْيا.
والأشْياءُ الَّتِي وعَدَهم مِن مَنافِعِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ خَمْسَةٌ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ وفي السَّماءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ المَطَرَ مِنها يَنْزِلُ إلى السَّحابِ.
وثانِيها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ السَّحابُ.
وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ المَطَرُ مِن قَوْلِهِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ [رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا]
والمِدْرارُ الكَثِيرُ الدَّرُورُ، ومِفْعالٌ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ مِعْطارٌ ومِثْقالٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ﴾ وهَذا لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ المالِ بَلْ يَعُمُّ الكُلَّ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وبَنِينَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّجاءَ هَهُنا بِمَعْنى الخَوْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرُجُ لَسْعَها
والوَقارُ العَظَمَةُ والتَّوْقِيرُ التَّعْظِيمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوَقِّرُوهُ﴾ بِمَعْنى ما بالُكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. وهَذا القَوْلُ عِنْدِي غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الرَّجاءَ ضِدُّ الخَوْفِ في اللُّغَةِ المُتَواتِرَةِ الظّاهِرَةِ، فَلَوْ قُلْنا: إنَّ لَفْظَةَ الرَّجاءِ في اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ بِمَعْنى الخَوْفِ لَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلرِّوايَةِ الثّابِتَةِ بِالآحادِ عَلى الرِّوايَةِ المَنقُولَةِ بِالتَّواتُرِ وهَذا يُفْضِي إلى القَدْحِ في القُرْآنِ، فَإنَّهُ لا لَفْظَ فِيهِ إلّا ويُمْكِنُ جَعْلُ نَفْيِهِ إثْباتًا وإثْباتِهِ نَفْيًا بِهَذا الطَّرِيقِ.
الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهو أنَّ المَعْنى ”ما لَكم“ لا تَأْمَلُونَ لِلَّهِ تَوْقِيرًا أيْ تَعْظِيمًا، والمَعْنى ”ما لَكُمْ“ لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمَلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم و”لِلَّهِ“ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قالَ: ما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، والحالُ هَذِهِ وهي حالٌ مُوجِبَةٌ لِلْإيمانِ بِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ تاراتٍ خَلَقَكم أوَّلًا تُرابًا، ثُمَّ خَلَقَكم نُطَفًا، ثُمَّ خَلَقَكم عَلَقًا، ثُمَّ خَلَقَكم مُضَغًا، ثُمَّ خَلَقَكم عِظامًا ولَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في الِاسْتِخْفافِ بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وتَرْكِ الِاسْتِخْفافِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهم: إنَّكم إذا وقَّرْتُمْ نُوحًا وتَرَكْتُمُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ اللَّهِ، فَما لَكَمَ لا تَرْجُونَ وقارًا وتَأْتُونَ بِهِ لِأجْلِ اللَّهِ ولِأجْلِ أمْرِهِ وطاعَتِهِ، فَإنَّ كُلَّ ما يَأْتِي بِهِ الإنْسانُ لِأجْلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَرْجُو مِنهُ خَيْرًا.
ووَجْهٌ رابِعٌ: وهو أنَّ الوَقارَ وهو الثَّباتُ مِن وقَرَ إذا ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ أيْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَباتًا وبَقاءً، فَإنَّكم لَوْ رَجَوْتُمْ ثَباتَهُ وبَقاءَهُ لَخِفْتُمُوهُ، ولَما أقْدَمْتُمْ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِ وأوامِرِهِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْجُونَ﴾ أيْ تَعْتَقِدُونَ لِأنَّ الرّاجِيَ لِلشَّيْءِ مُعْتَقِدٌ لَهُ.
71:14–16Page 571
وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤
While He has created you in stages?1
أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥
Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1
وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦
And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?
صفحة ١٢٤
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ اسْتَدَلَّ عَلى التَّوْحِيدِ بِوُجُوهٍ مِنَ الدَّلائِلِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الطَّوْرَةُ التّارَةُ يَعْنِي حالًا بَعْدَ حالٍ كَما ذَكَرْنا أنَّهُ كانَ نُطْفَةً، ثُمَّ عَلَقَةً إلى آخِرِ التّاراتِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّوْرُ الحالُ، والمَعْنى خَلَقَكم أصْنافًا مُخْتَلِفِينَ لا يُشْبِهُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولَمّا ذَكَرَ هَذا الدَّلِيلَ مِنَ الأنْفُسِ عَلى التَّوْحِيدِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ مِنَ الآفاقِ عَلى العادَةِ المَعْهُودَةِ في كُلِّ القُرْآنِ.
الدَّلِيلُ الثّانِي: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى تارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ، وبَعْدَها بِدَلائِلِ الآفاقِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ الإنْسانِ أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْهِ، فَلا جَرَمَ بَدَأ بِالأقْرَبِ، وتارَةً يَبْدَأُ بِدَلائِلِ الآفاقِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ إمّا لِأنَّ دَلائِلَ الآفاقِ أبْهَرُ وأعْظَمُ، فَوَقَعَتِ البِدايَةُ بِها لِهَذا السَّبَبِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ دَلائِلَ الأنْفُسِ حاضِرَةٌ، لا حاجَةَ بِالعاقِلِ إلى التَّأمُّلِ فِيها، إنَّما الَّذِي يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ فِيهِ دَلائِلُ الآفاقِ؛ لِأنَّ الشُّبَهَ فِيها أكْثَرُ، فَلا جَرَمَ تَقَعُ البِدايَةُ بِها، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ بَعْضِها مُنْطَبِقًا عَلى البَعْضِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ بَيْنَها فُرَجٌ، فالمَلائِكَةُ كَيْفَ يَسْكُنُونَ فِيها ؟ (الجَوابُ): المَلائِكَةُ أرْواحٌ فَلَعَلَّ المُرادَ مِن كَوْنِها طِباقًا كَوْنُها مُتَوازِيَةً لا أنَّها مُتَماسَّةٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ والقَمَرُ لَيْسَ فِيها بِأسْرِها بَلْ في السَّماءِ الدُّنْيا ؟ (والجَوابُ): هَذا كَما يُقالُ: السُّلْطانُ في العِراقِ لَيْسَ المُرادُ أنَّ ذاتَهُ حاصِلَةٌ في جَمِيعِ أحْيازِ العِراقِ بَلْ إنَّ ذاتَهُ في حَيِّزٍ مِن جُمْلَةِ أحْيازِ العِراقِ فَكَذا هَهُنا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: السِّراجُ ضَوْءُهُ عَرَضِيٌّ وضَوْءُ القَمَرِ عَرَضِيٌّ مُتَبَدِّلٌ فَتَشْبِيهُ القَمَرِ بِالسِّراجِ أوْلى مِن تَشْبِيهِ الشَّمْسِ بِهِ (الجَوابُ): اللَّيْلُ عِبارَةٌ عَنْ ظِلِّ الأرْضِ، والشَّمْسُ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِزَوالِ ظِلِّ الأرْضِ كانَتْ شَبِيهَةً بِالسِّراجِ، وأيْضًا فالسِّراجُ لَهُ ضَوْءٌ والضَّوْءُ أقْوى مِنَ النُّورِ فَجَعَلَ الأضْعَفَ لِلْقَمَرِ والأقْوى لِلشَّمْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسَ: ٥] .
71:17–18Page 571
وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧
And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.
ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨
Then He will return you into it and extract you [another] extraction.
الدَّلِيلُ الثّالِثُ: عَلى التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى رَجَعَ هَهُنا إلى دَلائِلِ الأنْفُسِ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم أطْوارًا﴾ فَإنَّهُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى
صفحة ١٢٥
خَلَقَهم مِنَ الأرْضِ ثُمَّ يَرُدُّهم إلَيْها ثُمَّ يُخْرِجُهم مِنها مَرَّةً أُخْرى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ أنْبَتْ أباكم مِنَ الأرْضِ كَما قالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] .
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْبَتَ الكُلَّ مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُنا مِنَ النُّطَفِ وهي مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِنَ النَّباتِ المُتَوَلِّدِ مِنَ الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: أنْبَتَكم إنْباتًا إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: أنْبَتَكم نَباتًا، والتَّقْدِيرُ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا، وفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْبَتَكم إنْباتًا كانَ المَعْنى أنْبَتَكم إنْباتًا غَرِيبًا، ولَمّا قالَ: أنْبَتْكم نَباتًا كانَ المَعْنى أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا عَجِيبًا، وهَذا الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ الإنْباتَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وصِفَةُ اللَّهِ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ لَنا، فَلا نَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ الإنْباتَ إنْباتٌ عَجِيبٌ كامِلٌ إلّا بِواسِطَةِ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا المَقامُ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِالسَّمْعِ، أمّا لَمّا قالَ: ”أنْبَتَكم نَباتًا“ عَلى مَعْنى أنَبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا عَجِيبًا كامِلًا، كانَ ذَلِكَ وصْفًا لِلنَّباتِ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا كامِلًا، وكَوْنُ النَّباتِ كَذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ، فَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا مُوافِقًا لِهَذا المَقامِ.
فَظَهَرَ أنَّ العُدُولَ مِن تِلْكَ الحَقِيقَةِ إلى هَذا المَجازِ كانَ لِهَذا السِّرِّ اللَّطِيفِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ فَهو إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ المَعْهُودَةِ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الِابْتِداءِ كانَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: يُخْرِجُكم حَقًّا لا مَحالَةَ.
71:19–21Page 571
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩
And Allāh has made for you the earth an expanse
لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠
That you may follow therein roads of passage.'"
قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١
Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.
الدَّلِيلُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً واحِدُها فَجٌّ وهو مُفَسَّرٌ فِيما تَقَدَّمَ.
واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ ونَبَّهَهم عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ حَكى عَنْهم أنْواعَ قَبائِحِهِمْ وأقْوالَهم وأفْعالَهم.
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، فَكَأنَّهُ قالَ قُلْتُ لَهم: أطِيعُونِ فَهم عَصَوْنِي.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم عَصَوْهُ وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ضَمُّوا إلى عِصْيانِهِ مَعْصِيَةً أُخْرى وهي طاعَةُ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ يَعْنِي هَذانِ وإنْ كانا مِن جُمْلَةِ المَنافِعِ في الدُّنْيا إلّا أنَّهُما لَمّا صارا سَبَبًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ فَكَأنَّهُما صارا مَحْضَ الخَسارِ،
صفحة ١٢٦
والأمْرُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الدُّنْيا في جَنْبِ الآخِرَةِ كالعَدَمِ فَإذا صارَتِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ أسْبابًا لِلْخَسارَةِ في الآخِرَةِ صارَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى اللُّقْمَةِ الواحِدَةِ مِنَ الحُلْوِ إذا كانَتْ مَسْمُومَةً سُمَّ الوَقْتِ، واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ نِعْمَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ النِّعَمَ اسْتِدْراجاتٌ ووَسائِلُ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ فَكانَتْ كالعَدَمِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”ووُلْدُهُ“ بِضَمِّ الواوِ واعْلَمْ أنَّ الوُلْدَ بِالضَّمِّ لُغَةٌ في الوَلَدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ إمّا جَمْعُ ولَدٍ كالفُلْكِ، وهَهُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences