Ar-RaziAl‑Jinn · 72:4–17

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:4–17

72:4–5Page 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا ٤

And that our foolish one [i.e., Iblees]1 has been saying about Allāh an excessive transgression.

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ٥

And we had thought that mankind and the jinn would never speak about Allāh a lie.

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِمّا ذَكَرَهُ الجِنُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾ السَّفَهُ خِفَّةُ العَقْلِ، والشَّطَطُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الظُّلْمِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ أشَطَّ في الصَّوْمِ إذا أبْعَدَ فِيهِ، أيْ يَقُولُ قَوْلًا هو في نَفْسِهِ شَطَطٌ لِفَرْطِ ما أشَطَّ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّطَطُ هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في جانِبِ النَّفْيِ أوْ في جانِبِ الإثْباتِ، فَحِينَئِذٍ ظَهَرَ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ مَذْمُومٌ، فَمُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفْيِ تُفْضِي إلى التَّعْطِيلِ، ومُجاوَزَةُ الحَدِّ في الإثْباتِ تُفْضِي إلى التَّشْبِيهِ وإثْباتِ الشَّرِيكِ والصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وكِلا الأمْرَيْنِ شَطَطٌ ومَذْمُومٌ.

النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنّا إنَّما أخَذْنا قَوْلَ الغَيْرِ لِأنّا ظَنَنّا أنَّهُ لا يُقالُ الكَذِبُ عَلى اللَّهِ، فَلَمّا

صفحة ١٣٨

سَمِعْنا القُرْآنَ عَلِمْنا أنَّهم قَدْ يَكْذِبُونَ، وهَذا مِنهم إقْرارٌ بِأنَّهم إنَّما وقَعُوا في تِلْكَ الجَهالاتِ، بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهم إنَّما تَخَلَّصُوا عَنْ تِلْكَ الظُّلُماتِ بِبَرَكَةِ الِاسْتِدْلالِ والِاحْتِجاجِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: كَذِبًا بِمَ نُصِبَ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ قَوْلًا كَذِبًا.

وثانِيها: أنَّهُ نُصِبَ نَصْبَ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الكَذِبَ نَوْعٌ مِنَ القَوْلِ.

وثالِثُها: أنَّ مَن قَرَأ: ”أنْ لَنْ تَقُولَ“ وضَعَ كَذِبًا مَوْضِعَ تَقَوُّلًا، ولَمْ يَجْعَلْهُ صِفَةً؛ لِأنَّ التَّقَوُّلَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا.

72:6–7Page 572

وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا ٦

And there were men from mankind who sought refuge in men from the jinn, so they [only] increased them in burden [i.e., sin].

وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا ٧

And they had thought, as you thought, that Allāh would never send anyone [as a messenger].

النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ إذا سافَرَ فَأمْسى في قَفْرٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ: أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي أوْ بِعَزِيزِ هَذا المَكانِ مِن شَرِّ سُفَهاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ في جِوارٍ مِنهم حَتّى يُصْبِحَ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا قُحِطُوا بَعَثُوا رائِدَهم، فَإذا وجَدَ مَكانًا فِيهِ كَلَأٌ وماءٌ رَجَعَ إلى أهْلِهِ فَيُنادِيهِمْ، فَإذا انْتَهَوْا إلى تِلْكَ الأرْضِ نادَوْا نَعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِنَ أنْ يُصِيبَنا آفَةٌ يَعْنُونَ الجِنَّ، فَإنْ لَمْ يُفْزِعْهم أحَدٌ نَزَلُوا، ورُبَّما تُفْزِعُهُمُ الجِنُّ فَيَهْرُبُونَ.

القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الإنْسِ أيْضًا، لَكِنْ مِن شَرِّ الجِنِّ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِن شَرِّ جِنِّ هَذا الوادِي، وأصْحابُ هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما ذَهَبُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ اسْمُ الإنْسِ لا اسْمُ الجِنِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذَّكَرَ مِنَ الجِنِّ لا يُسَمّى رَجُلًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ زادُوهم إثْمًا وجُرْأةً وطُغْيانًا وخَطِيئَةً وغَيًّا وشَرًّا، كُلُّ هَذا مِن ألْفاظِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: الرَّهَقُ غَشَيانُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ [يُونُسَ: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عَبَسَ: ٤١] ورَجُلٌ مُرْهَقٌ أيْ يَغْشاهُ السّائِلُونَ.

ويُقالُ: رَهَقَتْنا الشَّمْسُ إذا قَرُبَتْ، والمَعْنى أنَّ رِجالَ الإنْسِ إنَّما اسْتَعاذُوا بِالجِنِّ خَوْفًا مِن أنْ يَغْشاهُمُ الجِنُّ، ثُمَّ إنَّهم زادُوا في ذَلِكَ الغَشَيانِ، فَإنَّهم لَمّا تَعَوَّذُوا بِهِمْ، ولَمْ يَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ، اسْتَذَلُّوهم واجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ فَزادُوهم ظُلْمًا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ عَطاءٍ خَبَطُوهم وخَنَقُوهم، وعَلى هَذا القَوْلِ زادُوا مِن فِعْلِ الجِنِّ، وفي الآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ وهو أنَّ زادُوا مِن فِعْلِ الإنْسِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسَ لَمّا اسْتَعاذُوا بِالجِنِّ، فالجِنُّ يَزْدادُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعَوُّذِ طُغْيانًا فَيَقُولُونَ: سُدْنا الجِنَّ والإنْسَ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو اللّائِقُ بِمَساقِ الآيَةِ والمُوافِقُ لِنَظْمِها.

النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ والَّتِي قَبْلَها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مِن كَلامِ الجِنِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مِن جُمْلَةِ الوَحْيِ، فَإنْ كانا مِن كَلامِ الجِنِّ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، كانَ التَّقْدِيرُ وأنَّ الإنْسَ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أيُّها الجِنُّ، وإنْ كانا مِنَ الوَحْيِ كانَ التَّقْدِيرُ: وأنَّ الجِنَّ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يا كُفّارَ قُرَيْشٍ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ الجِنَّ كَما أنَّهم كانَ فِيهِمْ مُشْرِكٌ ويَهُودِيٌّ ونَصْرانِيٌّ فَفِيهِمْ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يَبْعَثُ أحَدًا لِلرِّسالَةِ عَلى ما هو مَذْهَبُ البَراهِمَةِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَهُ عَلى كَلامِ الجِنِّ أوْلى؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ كَلامُ الجِنِّ، فَإلْقاءُ كَلامٍ أجْنَبِيٍّ عَنْ كَلامِ الجِنِّ في البَيْنِ غَيْرُ لائِقٍ.

72:8–9Page 572

وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨

And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.

وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩

And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.

النَّوْعُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ اللَّمْسُ المَسُّ فاسْتُعِيرَ لِلطَّلَبِ؛ لِأنَّ الماسَّ طالِبٌ مُتَعَرِّفٌ يُقالُ: لَمَسَهُ والتَمَسَهُ، ومِثْلُهُ الجَسُّ يُقالُ: جَسُّوهُ بِأعْيُنِهِمْ وتَجَسَّسُوهُ، والمَعْنى طَلَبْنا بُلُوغَ السَّماءِ واسْتِماعَ كَلامِ أهْلِها، والحَرَسُ اسْمٌ مُفْرَدٌ في مَعْنى الحُرّاسِ كالخَدَمِ في مَعْنى الخُدّامِ؛ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِشَدِيدٍ ولَوْ ذَهَبَ إلى مَعْناهُ لَقِيلَ شِدادًا.

النَّوْعُ الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ أيْ كُنّا نَسْتَمِعُ فالآنَ مَتى حاوَلْنا الِاسْتِماعَ رُمِينا بِالشُّهُبِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿شِهابًا رَصَدًا﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي رَمْيًا مِنَ الشُّهُبِ ورَصَدًا مِنَ المَلائِكَةِ، وعَلى هَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ شِهابًا ورَصَدًا؛ لِأنَّ الرَّصَدَ غَيْرُ الشِّهابِ وهو جَمْعُ راصِدٍ.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: أيْ شِهابًا قَدْ أُرْصِدَ لَهُ لِيُرْجَمَ بِهِ، وعَلى هَذا الرَّصَدُ نَعْتٌ لِلشِّهابِ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

وثالِثُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَصَدًا أيْ راصِدًا، وذَلِكَ لِأنَّ الشِّهابَ لَمّا كانَ مُعَدًّا لَهُ، فَكَأنَّ الشِّهابَ راصِدٌ لَهُ ومُتَرَصِّدٌ لَهُ، واعْلَمْ أنّا قَدِ اسْتَقْصَيْنا في هَذِهِ المَسْألَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥] فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الشُّهُبُ، كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ جَمِيعَ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ تَكَلَّمُوا في أسْبابِ انْقِضاضِ هَذِهِ الشُّهُبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ ذَكَرَ في خَلْقِ الكَواكِبِ فائِدَتَيْنِ، التَّزْيِينُ ورَجْمُ الشَّياطِينِ.

وثالِثُها: أنَّ وصْفَ هَذا الِانْقِضاضِ جاءَ في شِعْرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:

فانْقَضَّ كالدَّرِّيِّ يَتْبَعُهُ نَقْعٌ يَثُورُ نَخالُهُ طُنُبا

وقالَ عَوْفُ بْنُ الخَرْعِ:

يَرُدُّ عَلَيْنا العِيرَ مِن دُونِ إلْفِهِ ∗∗∗ أوِ الثَّوْرَ كالدَّرِّيِّ يَتْبَعُهُ الدَّمُ

ورَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”«بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فاسْتَنارَ فَقالَ: ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا في الجاهِلِيَّةِ ؟ فَقالُوا كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ» “ الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ قالُوا: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ، أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، فَما مَعْنى تَخْصِيصِها بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ و(الجَوابُ): مَبْنِيٌّ عَلى مَقامَيْنِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ ما كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «كانَ الجِنُّ يَصْعَدُونَ إلى السَّماءِ فَيَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فَإذا سَمِعُوا

صفحة ١٤٠

الكَلِمَةَ زادُوا فِيها تِسْعًا، أمّا الكَلِمَةُ فَإنَّها تَكُونُ حَقَّةً، وأمّا الزِّياداتُ فَتَكُونُ باطِلَةً، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ مُنِعُوا مَقاعِدَهم، ولَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرى بِها قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهم إبْلِيسُ: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ في الأرْضِ، فَبَعَثَ جُنُودَهُ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قائِمًا يُصَلِّي»، الحَدِيثَ إلى آخِرِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَمْ يُرْمَ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسى حَتّى بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ فَرُمِيَ بِها، فَرَأتْ قُرَيْشٌ أمْرًا ما رَأوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَجَعَلُوا يُسَيِّبُونَ أنْعامَهم ويَعْتِقُونَ رِقابَهم، يَظُنُّونَ أنَّهُ الفَناءُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَعْضَ أكابِرِهِمْ، فَقالَ: لِمَ فَعَلْتُمْ ما أرى ؟ قالُوا: رُمِيَ بِالنُّجُومِ فَرَأيْناها تَتَهافَتُ مِنَ السَّماءِ، فَقالَ: اصْبِرُوا فَإنْ تَكُنْ نُجُومًا مَعْرُوفَةً فَهو وقْتُ فَناءِ النّاسِ، وإنْ كانَتْ نُجُومًا لا تُعْرَفُ فَهو أمْرٌ قَدْ حَدَثَ فَنَظَرُوا، فَإذا هي لا تُعْرَفُ، فَأخْبَرُوهُ فَقالَ: في الأمْرِ مُهْلَةٌ، وهَذا عِنْدَ ظُهُورِ نَبِيٍّ فَما مَكَثُوا إلّا يَسِيرًا حَتّى قَدِمَ أبُو سُفْيانَ عَلى أمْوالِهِ وأخْبَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِأنَّهُ ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ويَدَّعِي أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وهَؤُلاءِ زَعَمُوا أنَّ كُتُبَ الأوائِلِ قَدْ تَوالَتْ عَلَيْها التَّحْرِيفاتُ فَلَعَلَّ المُتَأخِّرِينَ ألْحَقُوا هَذِهِ المَسْألَةَ بِها؛ طَعْنًا مِنهم في هَذِهِ المُعْجِزَةِ، وكَذا الأشْعارُ المَنسُوبَةُ إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ لَعَلَّها مُخْتَلَقَةٌ عَلَيْهِمْ ومَنحُولَةٌ.

المَقامُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى الصَّوابِ أنَّ هَذِهِ الشُّهُبَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ المَبْعَثِ إلّا أنَّها زِيدَتْ بَعْدَ المَبْعَثِ وجُعِلَتْ أكْمَلَ وأقْوى، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحادِثَ هو المَلْءُ والكَثْرَةُ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ﴾ أيْ كُنّا نَجِدُ فِيها بَعْضَ المَقاعِدِ خالِيَةً مِنَ الحَرَسِ والشُّهُبِ والآنَ مُلِئَتِ المَقاعِدُ كُلُّها، فَعَلى هَذا الَّذِي حَمَلَ الجِنَّ عَلى الضَّرْبِ في البِلادِ وطَلَبِ السَّبَبِ، إنَّما هو كَثْرَةُ الرَّجْمِ ومَنعُ الِاسْتِراقِ بِالكُلِّيَّةِ.

72:10Page 572

وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.

النَّوْعُ التّاسِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنّا لا نَدْرِي أنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَنعِ مِنَ الِاسْتِراقِ هو أشَرٌّ أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ أمْ صَلاحٌ وخَيْرٌ.

والثّانِي: لا نَدْرِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ الَّذِي عِنْدَهُ مَنعٌ مِنَ الِاسْتِراقِ هو أنْ يُكَذِّبُوهُ فَيَهْلَكُوا كَما هَلَكَ مَن كَذَّبَ مِنَ الأُمَمِ، أمْ أرادَ أنْ يُؤْمِنُوا فَيَهْتَدُوا.

72:11–13Page 572

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١

And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢

And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣

And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1

النَّوْعُ العاشِرُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ .

أيْ مِنّا الصّالِحُونَ المُتَّقُونَ أيْ ومِنّا قَوْمٌ دُونَ ذَلِكَ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] ثُمَّ المُرادُ بِالَّذِينِ هم دُونَ الصّالِحِينَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُمُ المُقْتَصِدُونَ الَّذِينَ يَكُونُونَ في الصَّلاحِ غَيْرَ كامِلَيْنِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مَن لا يَكُونُ كامِلًا في الصَّلاحِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُقْتَصِدُونَ والكافِرُونَ، والقِدَةُ مِن قَدَدَ، كالقِطْعَةِ مِن قَطَعَ. ووُصِفَتِ الطَّرائِقُ بِالقِدَدِ لِدَلالَتِها عَلى مَعْنى التَّقَطُّعِ والتَّفَرُّقِ، وفي تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: المُرادُ كُنّا ذَوِي ﴿طَرائِقَ قِدَدًا﴾ أيْ ذَوِي مَذاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ. قالَ السُّدِّيُّ:

صفحة ١٤١

الجِنُّ أمْثالُكم، فِيهِمْ مُرْجِئَةٌ وقَدَرِيَّةٌ ورَوافِضُ وخَوارِجُ.

وثانِيها: كُنّا في اخْتِلافِ أحْوالِنا مِثْلَ الطَّرائِقِ المُخْتَلِفَةِ.

وثالِثُها: كانَتْ طَرائِقُنا طَرائِقَ قِدَدٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ الَّذِي هو الطَّرائِقُ، وإقامَةِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.

النَّوْعُ الحادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الظَّنُّ، بِمَعْنى اليَقِينِ، و﴿فِي الأرْضِ﴾ و(هَرَبًا) فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُما حالانِ، أيْ لَنْ نُعْجِزَهُ كائِنِينَ في الأرْضِ أيْنَما كُنّا فِيها، ولَنْ نُعْجِزَهُ هارِبِينَ مِنها إلى السَّماءِ.

والثّانِي: لَنْ نُعْجِزَهُ في الأرْضِ إنْ أرادَ بِنا أمْرًا، ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إنْ طَلَبَنا.

النَّوْعُ الثّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ ﴿لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ أيِ القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] (آمَنّا بِهِ) [القَصَصِ: ٥٣] أيْ آمَنّا بِالقُرْآنِ ﴿فَلا يَخافُ﴾ فَهو لا يَخافُ، أيْ فَهو غَيْرُ خائِفٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ في تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، أُدْخِلَ عَلَيْها لِتَصِيرَ جَزاءً لِلشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمُها، ولَوْلا ذاكَ لِقِيلَ لا يَخَفْ، فَإنْ قِيلَ أيُّ فائِدَةٍ في رَفْعِ الفِعْلِ، وتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ قَبْلَهُ حَتّى يَقَعَ خَبَرًا لَهُ ووُجُوبِ إدْخالِ الفاءِ، وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِأنْ لا يُقالَ: لا يَخَفْ ؟ قُلْنا: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ فَهو لا يَخافُ، فَكانَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ لِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ فَهو لا يَخافُ مَعْناهُ أنَّ غَيْرَهُ يَكُونُ خائِفًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: فَلا يَخَفْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ البَخْسُ النَّقْصُ، والرَّهَقُ الظُّلْمُ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لا يَخافُ جَزاءَ بَخْسٍ ولا رَهَقٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَبْخَسْ أحَدًا حَقًّا، ولا ظَلَمَ أحَدًا، فَلا يَخافُ جَزاءَهُما.

الثّانِي: لا يَخافُ أنْ يُبْخَسَ، بَلْ يَقْطَعُ بِأنَّهُ يُجْزى الجَزاءَ الأوْفى، ولا يَخافُ أنْ تُرْهِقَهُ ذِلَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ . [يُونُسَ: ٢٧]

72:14–17Page 573

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤

And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.

وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥

But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'

وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا ١٦

And [Allāh revealed] that if they had remained straight on the way, We would have given them abundant rain [i.e., provision]

لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا ١٧

So We might test them therein. And whoever turns away from the remembrance of his Lord1 He will put into arduous punishment.

النَّوْعُ الثّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ القاسِطُ الجائِرُ، والمُقْسِطُ العادِلُ، وذَكَرْنا مَعْنى قَسَطَ وأقْسَطَ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ، فالقاسِطُونَ الكافِرُونَ الجائِرُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ لَهُ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ، حَسِبُوا أنَّهُ يَصِفُهُ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ: ﴿وأمّا القاسِطُونَ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنْعامِ: ١]، ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ قَصَدُوا طَرِيقَ الحَقِّ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَحَرَّوْا تَوَخَّوْا، قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّحَرِّي مِن قَوْلِهِمْ: ذَلِكَ أحْرى، أيْ أحَقُّ وأقْرَبُ، وبِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ يَجِبُ عَلَيْكَ.

ثُمَّ إنَّ الجِنَّ ذَمُّوا الكافِرِينَ فَقالُوا: ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:

صفحة ١٤٢

الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ عِقابَ القاسِطِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ ثَوابَ المُسْلِمِينَ ؟ (الجَوابُ) بَلْ ذَكَرَ ثَوابَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ أيْ تَوَخَّوْا رَشَدًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ومِثْلُ هَذا لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الثَّوابِ.

السُّؤالُ الثّانِي: الجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ حَطَبًا لِلنّارِ ؟ (الجَوابُ) أنَّهم وإنْ خُلِقُوا مِنَ النّارِ، لَكِنَّهم تَغَيَّرُوا عَنْ تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ وصارُوا لَحْمًا ودَمًا هَكَذا، قِيلَ وهَهُنا آخِرُ كَلامِ الحَسَنِ.

﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ .

هَذا مِن جُمْلَةِ المُوحى إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجِنِّ: ١] ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ فَيَكُونُ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ لَوِ اسْتَقامُوا لَكانَ كَذا وكَذا. قالَ الواحِدِيُّ: وفَصْلُ لَوْ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ كَفَصْلِ لا والسِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩] و﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) إلى مَن يَرْجِعُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهم: إلى الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم ووَصْفُهم، أيْ هَؤُلاءِ القاسِطُونَ لَوْ آمَنّا لَفَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا.

وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ الإنْسُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّرْغِيبَ بِالِانْتِفاعِ بِالماءِ الغَدَقِ إنَّما يَلِيقُ بِالإنْسِ لا بِالجِنِّ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَما حَبَسَ اللَّهُ المَطَرَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ سِنِينَ، أقْصى ما في البابِ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الإنْسِ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا جَرى مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وقالَ القاضِي: الأقْرَبُ أنَّ الكُلَّ يَدْخُلُونَ فِيهِ. وأقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُحْتَجَّ لِصِحَّةِ قَوْلِ القاضِي بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ حُكْمًا مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ وهو الِاسْتِقامَةُ، وجَبَ أنْ يُعَمَّ الحُكْمُ بِعُمُومِ العِلَّةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الغَدَقُ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها: الماءُ الكَثِيرُ، وقُرِئَ بِهِما، يُقالُ: غَدَقَتِ العَيْنُ بِالكَسْرِ فَهي غَدِقَةٌ، ورَوْضَةٌ مُغْدِقَةٌ أيْ كَثِيرَةُ الماءِ، ومَطَرٌ مَغْدُوقٌ وغَيْداقٌ وغَيْدَقٌ إذا كانَ كَثِيرَ الماءِ، وفي المُرادِ بِالماءِ الغَدَقِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الغَيْثُ والمَطَرُ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ كَما قالَ: ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البُرُوجِ: ١٢] .

وثالِثُها: أنَّهُ المَنافِعُ والخَيْراتُ جُعِلَ الماءُ كِنايَةً عَنْها؛ لِأنَّ الماءَ أصْلُ الخَيْراتِ كُلِّها في الدُّنْيا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إنْ قُلْنا: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (اسْتَقامُوا) راجِعٌ إلى الجِنِّ كانَ في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ عَلى الطَّرِيقَةِ المُثْلى أيْ: لَوْ ثَبَتَ أبُوهُمُ الجانُّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَكْبِرْ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ولَمْ يَكْفُرْ، وتَبِعَهُ ولَدُهُ عَلى الإسْلامِ لَأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائِدَةِ: ٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ ١٠ - ١٢] وإنَّما ذَكَرَ الماءَ كِنايَةً عَنْ طِيبِ العَيْشِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ، فَإنَّ اللّائِقَ بِالجِنِّ هو هَذا الماءُ المَشْرُوبُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْ لَوِ اسْتَقامَ الجِنُّ الَّذِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ عَلى طَرِيقَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قَبْلَ الِاسْتِماعِ ولَمْ يَنْتَقِلُوا عَنْها إلى الإسْلامِ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (ولَوْلا أنْ)

صفحة ١٤٣

﴿يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٣] واخْتارَ الزَّجّاجُ الوَجْهَ الأوَّلَ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّرِيقَةَ مُعَرَّفَةً بِالألِفِ واللّامِ فَتَكُونُ راجِعَةً إلى الطَّرِيقَةِ المَعْرُوفَةِ المَشْهُورَةِ، وهي طَرِيقَةُ الهُدى، والذّاهِبُونَ إلى التَّأْوِيلِ الثّانِي اسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨] ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ أنَّ مَن آمَنَ فَأنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أيْضًا ابْتِلاءً واخْتِبارًا حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ هَلْ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ أمْ لا، وهَلْ يُنْفِقُهُ في طَلَبِ مَراضِي اللَّهِ، أوْ في مَراضِي الشَّهْوَةِ والشَّيْطانِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسِ، فالوَجْهانِ عائِدانِ فِيهِ بِعَيْنِهِ وهَهُنا يَكُونُ إجْراءُ قَوْلِهِ: ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى؛ لِأنَّ انْتِفاعَ الإنْسِ بِذَلِكَ أتَمُّ وأكْمَلُ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ، والمُعْتَزِلَةُ أجابُوا بِأنَّ الفِتْنَةَ هي الِاخْتِبارُ كَما يُقالُ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، لا خَلْقُ الضَّلالِ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ لِنَفْتِنَهم عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ لِغَرَضٍ، وأصْحابُنا أجابُوا أنَّ الفِتْنَةَ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، عَلى أنَّ اللّامَ لَيْسَتْ لِلْغَرَضِ في حَقِّ اللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ عَنْ عِبادَتِهِ أوْ عَنْ مَوْعِظَتِهِ، أوْ عَنْ وحْيِهِ. (يَسْلُكْهُ)، وقُرِئَ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً ومَضْمُومَةً أيْ نُدْخِلْهُ عَذابًا، والأصْلُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] إلّا أنَّ هَذِهِ العِبارَةَ أيْضًا مُسْتَقِيمَةٌ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَسْلُكْهُ في عَذابٍ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٥] .

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْنى نَسْلُكْهُ أيْ نُدْخِلْهُ، يُقالُ: سَلَكَهُ وأسْلَكَهُ، والصَّعَدُ مَصْدَرُ صَعَدَ، يُقالُ: صَعَدَ صَعَدًا وصُعُودًا، فَوُصِفَ بِهِ العَذابُ لِأنَّهُ يَصْعَدُ [فَوْقَ] طاقَةِ المُعَذَّبِ أيْ يَعْلُوهُ، ويَغْلِبُهُ فَلا يُطِيقُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ ما تَصَعَّدَنِي خُطْبَةُ النِّكاحِ، يُرِيدُ ما شَقَّ عَلَيَّ ولا غَلَبَنِي، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ صَعَدًا جَبَلٌ في جَهَنَّمَ، وهو صَخْرَةٌ مَلْساءُ، فَيُكَلَّفُ الكافِرُ صُعُودَها ثُمَّ يُجْذَبُ مِن أمامِهِ بِسَلاسِلَ ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعَ حَتّى يَبْلُغَ أعْلاها في أرْبَعِينَ سَنَةً، فَإذا بَلَغَ أعْلاها جُذِبَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ الصُّعُودَ مَرَّةً أُخْرى، فَهَذا دَأْبُهُ أبَدًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المُدَّثِّرِ: ١٧] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском