Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Jinn 72:18–26
72:18Page 573
وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا ١٨
And [He revealed] that the masjids1 are for Allāh, so do not invoke2 with Allāh anyone.
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِن جُمْلَةِ المُوحى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّقْدِيرُ: قُلْ أُوحِي إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّ التَّقْدِيرَ ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا، فَعَلى هَذا اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ، فَلا تَدْعُوا، أيْ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا في المَساجِدِ؛ لِأنَّها لِلَّهِ خاصَّةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ٥٢] عَلى مَعْنى، ولِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ، أيْ لِأجْلِ هَذا المَعْنى فاعْبُدُونِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المَساجِدِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّها المَواضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلاةِ وذِكْرِ اللَّهِ، ويَدْخُلُ فِيها الكَنائِسُ والبِيَعُ ومَساجِدُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ يُشْرِكُونَ في صَلاتِهِمْ في البِيَعِ والكَنائِسِ، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِالإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.
وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أرادَ بِالمَساجِدِ البِقاعَ كُلَّها قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» “ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: الأرْضُ كُلُّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ
صفحة ١٤٤
تَعالى فَلا تَسْجُدُوا عَلَيْها لِغَيْرِ خالِقِها.
وثالِثُها: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المَساجِدُ هي الصَّلَواتُ. فالمَساجِدُ عَلى هَذا القَوْلِ جَمْعُ مَسْجَدٍ بِفَتْحِ الجِيمِ، والمَسْجَدُ عَلى هَذا القَوْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى السُّجُودِ.
ورابِعُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المَساجِدُ الأعْضاءُ الَّتِي يَسْجُدُ العَبْدُ عَلَيْها وهي سَبْعَةٌ؛ القَدَمانِ والرُّكْبَتانِ واليَدانِ والوَجْهُ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ: لِأنَّ هَذِهِ الأعْضاءَ هي الَّتِي يَقَعُ السُّجُودُ عَلَيْها وهي مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَسْجُدَ العاقِلُ عَلَيْها لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ مَعْنى المَساجِدِ مَواضِعُ السُّجُودِ مِنَ الجَسَدِ واحِدُها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ.
وخامِسُها: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمَساجِدِ مَكَّةَ بِجَمِيعِ ما فِيها مِنَ المَساجِدِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَكَّةَ قِبْلَةُ الدُّنْيا وكُلُّ أحَدٍ يَسْجُدُ إلَيْها، قالَ الواحِدِيُّ: وواحِدُ المَساجِدِ عَلى الأقْوالِ كُلِّها مَسْجَدٌ بِفَتْحِ الجِيمِ إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها المَواضِعُ الَّتِي بُنَيَتْ لِلصَّلاةِ فَإنَّ واحِدَها بِكَسْرِ الجِيمِ لِأنَّ المَواضِعَ والمَصادِرَ كُلَّها مِن هَذا البابِ بِفَتْحِ العَيْنِ إلّا في أحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ وهي: المَسْجِدُ والمَطْلِعُ والمَنسِكُ والمَسْكِنُ والمَنبِتُ والمَفْرِقُ والمَسْقِطُ والمَجْزِرُ والمَحْشِرُ والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِها الفَتْحُ وهو المَنسَكُ والمَسْكَنُ والمَفْرَقُ والمَطْلَعُ، وهو جائِزٌ في كُلِّها وإنْ لَمْ يُسْمَعْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: مِنَ السُّنَّةِ إذا دَخَلَ الرَّجُلُ المَسْجِدَ أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ في ضِمْنِهِ أمْرٌ بِذِكْرِ اللَّهِ وبِدُعائِهِ.
72:19Page 573
وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا ١٩
And that when the Servant [i.e., Prophet] of Allāh stood up supplicating Him, they almost became about him a compacted mass."1
النَّوْعُ الرّابِعُ: مِن جُمْلَةِ المُوحى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ اعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ هو النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِ الجَمِيعِ، ثُمَّ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الجِنِّ لا مِن جُمْلَةِ المُوحى؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لا يَلِيقُ أنْ يَحْكِيَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٥] والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى؛ إذْ لَوْ كانَ مِن كَلامِ الجِنِّ لَكانَ ما لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ. وفي خَلَلِ ما هو كَلامُ الجِنِّ مُخْتَلًّا بَعِيدًا عَنْ سَلامَةِ النَّظْمِ، وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مَن جَعَلَهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى فَتَحَ الهَمْزَةَ في أنَّ، ومَن جَعَلَهُ مِن كَلامِ الجِنِّ كَسَرَها، ونَحْنُ نُفَسِّرُ الآيَةَ عَلى القَوْلَيْنِ، أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن جُمْلَةِ المُوحى فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ كادُوا إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: إلى الجِنِّ، ومَعْنى قامَ يَدْعُوهُ أيْ قامَ يَعْبُدُهُ يُرِيدُ قِيامَهُ لِصَلاةِ الفَجْرِ حِينَ أتاهُ الجِنُّ، فاسْتَمَعُوا القِراءَةَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا، أيْ يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ مُتَراكِمِينَ تَعَجُّبًا مِمّا رَأوْا مِن عِبادَتِهِ، واقْتِداءِ أصْحابِهِ بِهِ قائِمًا وراكِعًا، وساجِدًا. وإعْجابًا بِما تَلا مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّهم رَأوْا ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ، وسَمِعُوا ما لَمْ يَسْمَعُوا مِثْلَهُ.
والثّانِي: لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ مُخالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ، كادَ المُشْرِكُونَ لِتَظاهُرِهِمْ عَلَيْهِ وتَعاوُنِهِمْ عَلى عَداوَتِهِ، يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: وهو قَوْلُ قَتادَةَ، لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ تَلَبَّدَتِ الإنْسُ والجِنُّ، وتَظاهَرُوا عَلَيْهِ لِيُبْطِلُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَ بِهِ ويُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَنْصُرَهُ ويُظْهِرَهُ عَلى مَن عاداهُ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ، فالوَجْهانِ أيْضًا عائِدانِ فِيهِ، وقَوْلُهُ: (لِبَدًا) فَهو جَمْعُ لِبْدَةٍ وهو ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ وارْتَكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ شَيْءٍ ألْصَقْتَهُ بِشَيْءٍ إلْصاقًا شَدِيدًا فَقَدْ لَبَّدْتَهُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ هَذِهِ اللُّبُودِ الَّتِي تُفْرَشُ. ويُقالُ: لِبْدَةُ الأسَدِ لِما يَتَلَبَّدُ مِنَ الشَّعْرِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
صفحة ١٤٥
[لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ] لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
وقُرِئَ: ”لُبَدًا“ بِضَمِّ اللّامِ واللُّبْدَةُ في مَعْنى اللِّبْدَةِ، وقُرِئَ لُبَّدًا جَمْعَ لابِدٍ كَسُجَّدٍ وساجِدٍ. وقُرِئَ أيْضًا: ”لُبُدًا“ بِضَمِّ اللّامِ والباءِ جَمْعُ لَبُودٍ كَصُبُرٍ جَمْعِ صَبُورٍ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ سُمِّي مُحَمَّدٌ بِعَبْدِ اللَّهِ، وما ذَكَرَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ أوْ نَبِيِّ اللَّهِ ؟ قُلْنا: لِأنَّهُ إنْ كانَ هَذا الكَلامُ مِن جُمْلَةِ المُوحى، فاللّائِقُ بِتَواضُعِ الرَّسُولِ أنْ يَذْكُرَ نَفْسَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ الجِنِّ كانَ المَعْنى أنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمّا اشْتَغَلَ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لِمَ اجْتَمَعُوا ولِمَ حاوَلُوا مَنعَهُ مِنهُ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ هو المُوافِقُ لِقانُونِ العَقْلِ ؟ .
72:20–22Page 573
قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٠
Say, [O Muḥammad], "I only invoke my Lord and do not associate with Him anyone."
قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١
Say, "Indeed, I do not possess for you [the power of] harm or right direction."
قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا ٢٢
Say, "Indeed, there will never protect me from Allāh anyone [if I should disobey], nor will I find in other than Him a refuge.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ قَرَأ العامَّةُ قالَ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: قُلْ حَتّى يَكُونَ نَظِيرًا لِما بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”إنَّكَ جِئْتَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ عادَيْتَ النّاسَ كُلَّهم، فارْجِعْ عَنْ هَذا“ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ وهَذا حُجَّةٌ لِعاصِمٍ وحَمْزَةَ، ومَن قَرَأ ”قالَ“ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا ذَلِكَ، أجابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ”قالَ“ . أوْ يَكُونُ ذاكَ مِن بَقِيَّةِ حِكايَةِ الجِنِّ أحْوالَ الرَّسُولِ لِقَوْمِهِمْ.
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ إمّا أنْ يُفَسَّرَ الرَّشَدُ بِالنَّفْعِ حَتّى يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: لا أمْلِكُ لَكم غَيًّا ولا رَشَدًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ غَيًّا ولا رَشَدًا، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ النّافِعَ والضّارَّ، والمُرْشِدَ والمُغْوِيَ هو اللَّهُ، وإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهم قالُوا: اتْرُكْ ما تَدْعُو إلَيْهِ ونَحْنُ نُجِيرُكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً وحِرْزًا، قالَ المُبَرِّدُ: مُلْتَحَدًا مِثْلُ قَوْلِكَ مُنْعَرَجًا، والتَحَدَ مَعْناهُ في اللُّغَةِ مالَ، فالمُلْتَحَدُ المَدْخَلُ مِنَ الأرْضِ مِثْلَ السِّرْبِ الذّاهِبِ في الأرْضِ.
72:23Page 573
إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ٢٣
But [I have for you] only notification from Allāh, and His messages." And whoever disobeys Allāh and His Messenger - then indeed, for him is the fire of Hell; they will abide therein forever.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ ذَكَرُوا في هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: (لا أمْلِكُ) أيْ لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وقَعَتْ في البَيْنِ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ وبَيانِ عَجْزِهِ، عَلى مَعْنى: أنَّهُ تَعالى إنْ أرادَ بِهِ سُوءًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
وثانِيها: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: (مُلْتَحَدًا) والمَعْنى: ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مَلْجَأً إلّا بَلاغًا، أيْ لا يُنْجِينِي إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما أُرْسِلْتُ بِهِ، وأقُولُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا لَمْ يَقُلْ: ولَنْ أجِدَ مُلْتَحَدًا، بَلْ قالَ: ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا،
صفحة ١٤٦
والبَلاغُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ لِأنَّ البَلاغَ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.
ثالِثُها: قالَ بَعْضُهم: (إلّا) مَعْناهُ إنْ، ومَعْناهُ: إنْ لا أُبَلِّغْ بَلاغًا كَقَوْلِكَ: (إلّا) قِيامًا فَقُعُودًا، والمَعْنى: إنْ لا أُبَلِّغْ، لَمْ أجِدْ مُلْتَحَدًا، فَإنْ قِيلَ: المَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ: بَلَّغَ عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بَلِّغُوا عَنِّي، بَلِّغُوا عَنِّي» “ فَلِمَ قالَ هَهُنا: ﴿بَلاغًا مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ قُلْنا مِن لَيْسَتْ بِصِفَةٍ لِلتَّبَلُّغِ إنَّما هي بِمَنزِلَةِ مِن في قَوْلِهِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١] بِمَعْنى بَلاغًا كائِنًا مِنَ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (ورِسالاتِهِ) فَهو عَطْفٌ عَلى بَلاغًا كَأنَّهُ قالَ: لا أمْلِكُ لَكم إلّا التَّبْلِيغَ والرِّسالاتِ، والمَعْنى إلّا أنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ، فَأقُولُ قالَ اللَّهُ كَذا ناسِبًا القَوْلَ إلَيْهِ، وأنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِهِ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ لِأنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ مَوْضِعُ ابْتِداءٍ ولِذَلِكَ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ عَلى أنَّ المُبْتَدَأ فِيها مُضْمَرٌ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وقُرِئَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ فَجَزاؤُهُ أنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِكَ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أيْ فَحُكْمُهُ أنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حَمْلًا عَلى مَعْنى الجَمْعِ في مَن وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ مُخَلَّدُونَ في النّارِ، وأنَّ هَذا العُمُومَ يَشْمَلُهم كَشُمُولِهِ الكُفّارَ، قالُوا: وهَذا الوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَوْبَةٌ ولا طاعَةٌ أعْظَمَ مِنها، قالُوا: وهَذا العُمُومُ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ مِن سائِرِ العُمُوماتِ؛ لِأنَّ سائِرَ العُمُوماتِ ما جاءَ فِيها قَوْلُهُ: (أبَدًا) فالمُخالِفُ يَحْمِلُ الخُلُودَ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ، أمّا هَهُنا [فَقَدْ] جاءَ لَفْظُ الأبَدِ فَيَكُونُ ذَلِكَ صَرِيحًا في إسْقاطِ الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُخالِفُ (والجَوابُ) أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ وُجُوهَ الأجْوِبَةِ عَلى التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ العُمُوماتِ، ونُزِيدُ هَهُنا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ تَخْصِيصَ العُمُومِ بِالواقِعَةِ الَّتِي لِأجْلِها ورَدَ ذَلِكَ العُمُومُ عُرْفٌ مَشْهُورٌ، فَإنَّ المَرْأةَ إذا أرادَتْ أنْ تَخْرُجَ مِنَ الدّارِ ساعَةً، فَقالَ الزَّوْجُ: إنْ خَرَجْتِ فَأنْتِ طالِقٌ يُفِيدُ ذَلِكَ اليَمِينَ بِتِلْكَ السّاعَةِ المُعَيَّنَةِ حَتّى إنَّها لَوْ خَرَجَتْ في يَوْمٍ آخَرَ لَمْ تُطَلَّقْ، فَهَهُنا أجْرى الحَدِيثَ في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ: ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ مَن يَعْصِ اللَّهَ في تَبْلِيغِ رِسالاتِهِ وأداءِ وحْيِهِ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ، وإذا كانَ ما ذَكَرْنا مُحْتَمَلًا سَقَطَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ هَذا الوَعِيدَ لا بُدَّ وأنْ يَتَناوَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ؛ لِأنَّ مِنَ القَبِيحِ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ هَذِهِ الواقِعَةِ حُكْمًا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِها، فَيَكُونُ هَذا الوَعِيدُ وعِيدًا عَلى تَرْكِ التَّبْلِيغِ مِنَ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَ التَّبْلِيغِ مِنَ اللَّهِ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، والعُقُوبَةُ المُتَرَتِّبَةُ عَلى أعْظَمِ الذُّنُوبِ، لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُرَتَّبَةً عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ المُتَفاوِتَةَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَساوِيَةً في العُقُوبَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ عَلى هَذا الذَّنْبِ، وثَبَتَ أنَّ ما كانَ عُقُوبَةً عَلى هَذا الذَّنْبِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلى سائِرِ الذُّنُوبِ، عَلِمْنا أنَّ هَذا الحَكَمَ مُخْتَصٌّ بِهَذا الذَّنْبِ وغَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى سائِرِ الذُّنُوبِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عُمُوماتِ الوَعِيدِ في سائِرِ آياتِ القُرْآنِ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِقَيْدِ الأبَدِ، وذَكَرَها هَهُنا بِقَيْدِ الأبَدِ، فَلا بُدَّ في هَذا التَّخْصِيصِ مِن سَبَبٍ، ولا سَبَبَ إلّا أنَّ هَذا الذَّنْبَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ، وإذا كانَ السَّبَبُ في هَذا التَّخْصِيصِ هَذا المَعْنى، عَلِمْنا أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِهَذا الذَّنْبِ وغَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ مُخْتَصٌّ بِفاعِلِ هَذا
صفحة ١٤٧
الذَّنْبِ، صارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ حالَ سائِرِ المُذْنِبِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ مَعْناهُ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ [الكافِرُونَ: ٦] أيْ لَكم لا لِغَيْرِكم. وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهم هَذِهِ الحالَةَ لا لِغَيْرِهِمْ، وجَبَ في سائِرِ المُذْنِبِينَ أنْ لا يَكُونَ لَهم نارُ جَهَنَّمَ عَلى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةٌ لَنا عَلَيْهِمْ. وعَلى تَمَسُّكِهِمْ بِالآيَةِ سُؤالٌ آخَرُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، وذَلِكَ هو الكافِرُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِأنَّ الكافِرَ يَبْقى في النّارِ مُؤَبَّدًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إنَّما يَتَناوَلُ مَن عَصى اللَّهَ بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ جَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي عَنْهُ، مِثْلُ أنْ يُقالَ: ومَن يَعْصِ اللَّهَ إلّا في الكُفْرِ وإلّا في الزِّنا، وإلّا في شُرْبِ الخَمْرِ، ومِن مَذْهَبِ القائِلِينَ بِالوَعِيدِ أنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْناءِ إخْراجُ ما لَوْلاهُ لَكانَ داخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ مُتَناوِلًا لِمَن أتى بِكُلِّ المَعاصِي، والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ هو الكافِرُ، فالآيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَسَقَطَ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها. فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ الإنْسانِ الواحِدِ آتِيًا لِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي مُحالٌ؛ لِأنَّ مِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ قائِلًا بِالتَّجْسِيمِ، وأنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ قائِلًا بِالتَّعْطِيلِ، وإذا كانَ ذَلِكَ مُحالًا فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ جائِزٍ، قُلْنا: تَخْصِيصُ العامِّ بِدَلِيلِ العَقْلِ جائِزٌ، فَقَوْلُنا: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ يُفِيدُ كَوْنَهُ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ المَعاصِي، تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في القَدْرِ الَّذِي امْتَنَعَ عَقْلًا حُصُولُهُ فَيَبْقى مُتَناوِلًا لِلْآتِي بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَها. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ مُمْكِنٌ فَتَكُونُ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: تارِكُ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦]، ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ [الكَهْفِ: ٦٩] والعاصِي مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ .
72:24–25Page 573
حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا ٢٤
[The disbelievers continue] until, when they see that which they are promised, then they will know who is weaker in helpers and less in number.
قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥
Say, "I do not know if what you are promised is near or if my Lord will grant for it a [long] period."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: ما الشَّيْءُ الَّذِي جَعَلَ ما بَعْدَ حَتّى غايَةً لَهُ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّهم يَتَظاهَرُونَ عَلَيْهِ بِالعَداوَةِ ويَسْتَضْعِفُونَ أنْصارَهُ ويَسْتَقِلُّونَ عَدَدَهُ ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ﴾ مِن يَوْمِ بَدْرٍ وإظْهارِ اللَّهِ لَهُ عَلَيْهِمْ أوْ مِن يَوْمِ القِيامَةِ، فَسَيَعْلَمُونَ أيُّهم أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا.
الثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الحالُ مِنَ اسْتِضْعافِ الكُفّارِ لَهُ واسْتِقْلالِهِمْ لِعَدَدِهِ. كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ لا يَزالُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، حَتّى إذا كانَ كَذا كانَ كَذا، واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في مَرْيَمَ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ [مَرْيَمَ: ٧٥] واعْلَمْ أنَّ الكافِرَ لا ناصِرَ لَهُ ولا شَفِيعَ يَوْمَ القِيامَةِ، عَلى ما قالَ: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافِرٍ: ١٨] ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] ويَفِرُّ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِن صاحِبِهِ، عَلى ما قالَ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عَبَسَ: ٣٤] إلى آخِرِهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحَجِّ: ٢] وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَهُمُ العِزَّةُ والكَرامَةُ والكَثْرَةُ قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾
صفحة ١٤٨
[الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] والمَلِكُ القُدُّوسُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فَهُناكَ يَظْهَرُ أنَّ القُوَّةَ والعَدَدَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ أوْ في جانِبِ الكُفّارِ.
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: مَتى يَكُونُ هَذا الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ إلى آخِرِهِ والمَعْنى أنَّ وُقُوعَهُ مُتَيَقَّنٌ، أمّا وقْتُ وُقُوعِهِ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ أيْ: غايَةً وبُعْدًا وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٩] فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ: ”بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ“ فَكانَ عالِمًا بِقُرْبِ وُقُوعِ القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: هَهُنا لا أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ؟ قُلْنا: المُرادُ بِقُرْبِ وُقُوعِهِ هو أنَّ ما بَقِيَ مِنَ الدُّنْيا أقَلُّ مِمّا انْقَضى، فَهَذا القَدْرُ مِنَ القُرْبِ مَعْلُومٌ، وأمّا مَعْنى مَعْرِفَةِ القُرْبِ القَرِيبِ وعَدَمِ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ.
72:26Page 573
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦
[He is] Knower of the unseen, and He does not disclose His [knowledge of the] unseen to anyone
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ لَفْظَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: مِن رَسُولٍ تَبْيِينٌ لِمَنِ ارْتَضى يَعْنِي أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى الغَيْبِ إلّا المُرْتَضى الَّذِي يَكُونُ رَسُولًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وفي هَذا إبْطالُ الكَراماتِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ تُضافُ الكَراماتُ إلَيْهِمْ وإنْ كانُوا أوْلِياءَ مُرْتَضِينَ فَلَيْسُوا بِرُسُلٍ، وقَدْ خَصَّ اللَّهُ الرُّسُلَ مِن بَيْنِ المُرْتَضِينَ بِالِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ، وفِيها أيْضًا إبْطالُ الكِهانَةِ والسِّحْرِ والتَّنْجِيمِ؛ لِأنَّ أصْحابَها أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الِارْتِضاءِ وأدْخَلُهُ في السَّخَطِ، قالَ الواحِدِيُّ: وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَنِ ادَّعى أنَّ النُّجُومَ تَدُلُّهُ عَلى ما يَكُونُ مِن حَياةٍ أوْ مَوْتٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ كَفَرَ بِما في القُرْآنِ.
واعْلَمْ أنَّ الواحِدِيَّ يُجَوِّزُ الكَراماتِ، وأنْ يُلْهِمَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ وُقُوعَ بَعْضِ الوَقائِعِ في المُسْتَقْبَلِ. ونِسْبَةُ الآيَةِ إلى الصُّورَتَيْنِ واحِدَةٌ فَإنْ جَعَلَ الآيَةَ دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ أحْكامِ النُّجُومِ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَها دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ الكَراماتِ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“، وإنْ زَعَمَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الإلْهاماتِ الحاصِلَةِ لِلْأوْلِياءِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَجْعَلَها دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ الدَّلائِلِ النُّجُومِيَّةِ، فَأمّا التَّحَكُّمُ بِدَلالَتِها عَلى المَنعِ مِنَ الأحْكامِ النُّجُومِيَّةِ وعَدَمِ دَلالَتِها عَلى الإلْهاماتِ الحاصِلَةِ لِلْأوْلِياءِ فَمُجَرَّدُ التَّشَهِّي، وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى شَيْءٍ مِمّا قالُوهُ، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ أنْ لا يُظْهِرَ تَعالى خَلْقَهُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ مِن غُيُوبِهِ فَنَحْمِلَهُ عَلى وقْتِ وُقُوعِ القِيامَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ، فَلا يَبْقى في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُظْهِرُ شَيْئًا مِنَ الغُيُوبِ لِأحَدٍ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أمَدًا﴾ يَعْنِي لا أدْرِي وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ أيْ وقْتَ وُقُوعِ القِيامَةِ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُظْهِرُهُ اللَّهُ لِأحَدٍ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلى غَيْبِهِ﴾ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُضافٌ، فَيَكْفِي في العَمَلِ بِهِ حَمْلُهُ عَلى غَيْبٍ واحِدٍ، فَأمّا العُمُومُ فَلَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: فَإذا حَمَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى القِيامَةِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يُظْهِرُ هَذا الغَيْبَ لِأحَدٍ مِن رُسُلِهِ ؟ قُلْنا: بَلْ يُظْهِرُهُ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ إقامَةِ القِيامَةِ، وكَيْفَ لا وقَدْ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٥] ولا شَكَّ أنَّ المَلائِكَةَ
صفحة ١٤٩
يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِيامَ القِيامَةِ، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، كَأنَّهُ قالَ: عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ المَخْصُوصِ وهو قِيامُ القِيامَةِ أحَدًا، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: لَكِنْ مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهُ مِن شَرِّ مَرَدَةِ الإنْسِ والجِنِّ؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ جَوابًا لِسُؤالِ مَن سَألَهُ عَنْ وقْتِ وُقُوعِ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ، والِاسْتِحْقارِ لِدِينِهِ ومَقالَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ مُرادُ اللَّهِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُطْلِعَ أحَدًا عَلى شَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ إلّا الرُّسُلَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّواتُرِ أنَّ شَقًّا وسَطِيحًا كانا كاهِنَيْنِ يُخْبِرانِ بِظُهُورِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ زَمانِ ظُهُورِهِ، وكانا في العَرَبِ مَشْهُورَيْنِ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ، حَتّى رَجَعَ إلَيْهِما كِسْرى في تَعَرُّفِ أخْبارِ رَسُولِنا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُطْلِعُ غَيْرَ الرُّسُلِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ.
وثانِيها: أنَّ جَمِيعَ أرْبابِ المِلَلِ والأدْيانِ مُطْبِقُونَ عَلى صِحَّةِ عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وأنَّ المُعَبِّرَ قَدْ يُخْبِرُ عَنْ وُقُوعِ الوَقائِعِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ، ويَكُونُ صادِقًا فِيهِ.
وثالِثُها: أنَّ الكاهِنَةَ البَغْدادِيَّةَ الَّتِي نَقَلَها السُّلْطانُ سَنْجَرُ بْنُ مُلْكِ شاهْ مِن بَغْدادَ إلى خُراسانَ، وسَألَها عَنِ الأحْوالِ الآتِيَةِ في المُسْتَقْبَلِ فَذَكَرَتْ أشْياءَ، ثُمَّ إنَّها وقَعَتْ عَلى وفْقِ كَلامِها.
(قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ) خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالحُسْنى: وأنا قَدْ رَأيْتُ أُناسًا مُحَقِّقِينَ في عُلُومِ الكَلامِ والحِكْمَةِ، حَكَوْا عَنْها أنَّها أخْبَرَتْ عَنِ الأشْياءِ الغائِبَةِ إخْبارًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وجاءَتْ تِلْكَ الوَقائِعُ عَلى وفْقِ خَبَرِها، وبالَغَ أبُو البَرَكاتِ في كِتابِ المُعْتَبَرِ في شَرْحِ حالِها، وقالَ: لَقَدْ تَفَحَّصْتُ عَنْ حالِها مُدَّةَ ثَلاثِينَ سَنَةً حَتّى تَيَقَّنْتُ أنَّها كانَتْ تُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ إخْبارًا مُطابِقًا.
ورابِعُها: أنّا نُشاهِدُ [ذَلِكَ] في أصْحابِ الإلْهاماتِ الصّادِقَةِ، ولَيْسَ هَذا مُخْتَصًّا بِالأوْلِياءِ بَلْ قَدْ يُوجَدُ في السَّحَرَةِ أيْضًا مَن يَكُونُ كَذَلِكَ، نَرى الإنْسانَ الَّذِي يَكُونُ سَهْمُ الغَيْبِ عَلى دَرَجَةِ طالِعِهِ يَكُونُ كَذَلِكَ في كَثِيرٍ مِن أخْبارِهِ وإنْ كانَ قَدْ يَكْذِبُ أيْضًا في أكْثَرِ تِلْكَ الأخْبارِ، ونَرى الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ قَدْ تَكُونُ مُطابِقَةً ومُوافِقَةً لِلْأُمُورِ، وإنْ كانُوا قَدْ يَكْذِبُونَ في كَثِيرٍ مِنها، وإذا كانَ ذَلِكَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا، فالقَوْلُ بِأنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ مِمّا يَجُرُّ الطَّعْنَ إلى القُرْآنِ، وذَلِكَ باطِلٌ فَعَلِمْنا أنَّ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences