Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Muzzammil 73:7–16
73:7–8Page 574
إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧
Indeed, for you by day is prolonged occupation.
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨
And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُبَرِّدُ: سَبْحًا أيْ تَقَلُّبًا فِيما يَجِبُ، ولِهَذا سُمِّي السّابِحُ سابِحًا لِتَقَلُّبِهِ بِيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، ثُمَّ في كَيْفِيَّةِ المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: إنَّ لَكَ في النَّهارِ تَصَرُّفًا وتَقَلُّبًا في مُهِمّاتِكَ فَلا تَتَفَرَّغْ لِخِدْمَةِ اللَّهِ إلّا بِاللَّيْلِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرْتُكَ بِالصَّلاةِ في اللَّيْلِ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إنْ فاتَكَ مِنَ اللَّيْلِ شَيْءٌ مِنَ النَّوْمِ والرّاحَةِ فَلَكَ في النَّهارِ فَراغُهُ فاصْرِفْهُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”سَبْخًا“ بِالخاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن سَبَخِ الصُّوفِ وهو نَفْشُهُ ونَشْرُ أجْزائِهِ، فَإنَّ القَلْبَ في النَّهارِ يَتَفَرَّغُ بِسَبَبِ الشَّواغِلِ، وتَخْتَلِفُ هُمُومُهُ بِسَبَبِ المُوجِباتِ المُخْتَلِفَةِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أوَّلًا بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّبَبَ في أنَّهُ لِمَ خَصَّ اللَّيْلَ بِذَلِكَ دُونَ النَّهارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أشْرَفَ الأعْمالِ المَأْمُورِ بِها عِنْدَ قِيامِ اللَّيْلِ ما هو.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: الذِّكْرُ.
والثّانِي: التَّبَتُّلُ، أمّا الذِّكْرُ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ هَهُنا وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٥] لِأنَّهُ لا بُدَّ في أوَّلِ الأمْرِ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ بِاللِّسانِ مُدَّةً ثُمَّ يَزُولُ الِاسْمُ
صفحة ١٥٧
ويَبْقى المُسَمّى، فالدَّرَجَةُ الأُولى هي المُرادُ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ .
والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ في السُّورَةِ الأُخْرى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ وإنَّما تَكُونُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ الرَّبِّ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُطالَعَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، ورُبُوبِيَّتُهُ عِبارَةٌ عَنْ أنْواعِ تَرْبِيَتِهِ لَكَ وإحْسانِهِ إلَيْكَ، فَما دُمْتَ في هَذا المَقامِ تَكُونُ مَشْغُولَ القَلْبِ بِمُطالَعَةِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ فَلا تَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِهِ، وحِينَئِذٍ يَزْدادُ التَّرَقِّي فَتَصِيرُ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ إلَهِيَّتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٠] وفي هَذا المَقامِ يَكُونُ الإنْسانُ في مَقامِ الهَيْبَةِ والخَشْيَةِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ إشارَةٌ إلى القَهارِيَّةِ والعِزَّةِ والعُلُوِّ والصَّمَدِيَّةِ، ولا يَزالُ العَبْدُ يَرْقى في هَذا المَقامِ مُتَرَدِّدًا في مَقاماتِ الجَلالِ والتَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ إلى أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى مَقامِ الهَوِيَّةِ الأحَدِيَّةِ، الَّتِي كَلَّتِ العِباراتُ عَنْ شَرْحِها، وتَقاصَرَتِ الإشاراتُ عَنِ الِانْتِهاءِ إلَيْها، وهُناكَ الِانْتِهاءُ إلى الواحِدِ الحَقِّ، ثُمَّ يَقِفُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ نَظِيرٌ في الصِّفاتِ، حَتّى يَحْصُلَ الِانْتِقالُ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، ولا تَكُونُ الهَوِيَّةُ مُرَكَّبَةً حَتّى يَنْتَقِلَ نَظَرُ العَقْلِ مِن جُزْءٍ إلى جُزْءٍ، ولا مُناسِبَةً لِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ المُدْرَكَةِ عَنِ النَّفْسِ حَتّى تُعْرَفَ عَلى سَبِيلِ المُقايَسَةِ، فَهي الظّاهِرَةُ لِأنَّها مَبْدَأُ ظُهُورِ كُلِّ ظاهِرٍ، وهي الباطِنَةُ؛ لِأنَّها فَوْقَ عُقُولِ كُلِّ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَنِ احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ واخْتَفى عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا التَّبَتُّلَ بِالإخْلاصِ، وأصْلُ التَّبَتُّلِ في اللُّغَةِ القَطْعُ، وقِيلَلِمَرْيَمَ البَتُولُ لِأنَّها انْقَطَعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، وصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ مِن مالِ صاحِبِها. وقالَ اللَّيْثُ: التَّبْتِيلُ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ، والبَتُولُ كُلُّ امْرَأةٍ تَنْقَبِضُ مِنَ الرِّجالِ، لا رَغْبَةَ لَها فِيهِمْ. إذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْعابِدِ إذا تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ وأقْبَلَ عَلى العِبادَةِ قَدْ تَبَتَّلَ أيِ انْقَطَعَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلى أمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَّبَتُّلُ رَفْضُ الدُّنْيا مَعَ كُلِّ ما فِيها والتِماسُ ما عِنْدَ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ فَوْقَ ما قالَهُ هَؤُلاءِ الظّاهِرِيُّونَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (وتَبَتَّلْ) أيِ انْقَطِعْ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ إلَيْهِ فالمَشْغُولُ بِطَلَبِ الآخِرَةِ غَيْرُ مُتَبَتِّلٍ إلى اللَّهِ تَعالى، بَلِ التَّبَتُّلُ إلى الآخِرَةِ، والمَشْغُولُ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إلى العِبادَةِ لا إلى اللَّهِ، والطّالِبُ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُتَبَتِّلٌ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ لا إلى اللَّهِ، فَمَن آثَرَ العِبادَةَ لِنَفْسِ العِبادَةِ أوْ لِطَلَبِ الثَّوابِ أوْ لِيَصِيرَ مُتَعَبِّدًا كامِلًا بِتِلْكَ العُبُودِيَّةِ لِلْعُبُودِيَّةِ فَهو مُتَبَتِّلٌ إلى غَيْرِ اللَّهِ، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَهو مُتَبَتِّلٌ إلى العِرْفانِ، ومَن آثَرَ العُبُودِيَّةَ لا لِلْعُبُودِيَّةِ بَلْ لِلْمَعْبُودِ وآثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ، فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، وهَذا مَقامٌ لا يَشْرَحُهُ المَقالُ ولا يُعَبِّرُ عَنْهُ الخَيالُ، ومَن أرادَهُ فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
ولا يَجِدُ الإنْسانُ لِهَذا مِثالًا إلّا عِنْدَ العِشْقِ الشَّدِيدِ إذا مَرِضَ البَدَنُ بِسَبَبِهِ وانْحَبَسَتِ القُوى وعَمِيَتِ العَيْنانِ، وزالَتِ الأغْراضُ بِالكُلِّيَّةِ وانْقَطَعَتِ النَّفْسُ عَمّا سِوى المَعْشُوقِ بِالكُلِّيَّةِ، فَهُناكَ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ التَّبَتُّلِ إلى المَعْشُوقِ وبَيْنَ التَّبَتُّلِ إلى رُؤْيَةِ المَعْشُوقِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواجِبُ أنْ يُقالَ: وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبَتُّلًا أوْ يُقالُ: بَتِّلْ نَفْسَكَ إلَيْهِ تَبْتِيلًا، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْهُما واخْتارَ هَذِهِ العِبارَةَ الدَّقِيقَةَ وهي أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ إنَّما هو التَّبَتُّلُ. فَأمّا التَّبْتِيلُ فَهو تَصَرُّفٌ
صفحة ١٥٨
والمُشْتَغِلُ بِالتَّصَرُّفِ لا يَكُونُ مُتَبَتِّلًا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِغَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ أوَّلًا مِنَ التَّبْتِيلِ حَتّى يَحْصُلَ التَّبَتُّلُ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٩] فَذَكَرَ التَّبَتُّلَ أوَّلًا إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وذَكَرَ التَّبْتِيلَ ثانِيًا إشْعارًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، ولَكِنَّهُ مَقْصُودٌ بِالغَرَضِ.
73:9Page 574
رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩
[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالذِّكْرِ أوَّلًا ثُمَّ بِالتَّبَتُّلِ ثانِيًا ذَكَرَ السَّبَبَ فِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ التَّبَتُّلَ إلَيْهِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ لا تَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ سَبَبَ المَحَبَّةِ إمّا الكَمالُ وإمّا التَّكْمِيلُ، أمّا الكَمالُ فَلِأنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ كُلُّ شَيْءٍ إنَّما كانَ مَحْبُوبًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإذًا لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ، والكَمالُ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ فُلانًا الَّذِي كانَ قَبْلَ هَذا بِألْفِ سَنَةٍ كانَ مَوْصُوفًا بِعِلْمٍ أزْيَدَ مِن عِلْمِ سائِرِ النّاسِ، مالَ طَبْعُهُ إلَيْهِ وأحَبَّهُ شاءَ أمْ أبى، ومَنِ اعْتَقَدَ في رُسْتُمَ أنَّهُ كانَ مَوْصُوفًا بِشَجاعَةٍ زائِدَةٍ عَلى شَجاعَةِ سائِرِ النّاسِ أحَبَّهُ شاءَ أمْ أبى، فَعَلِمْنا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، وكَمالُ الكَمالِ لِلَّهِ تَعالى، فاللَّهُ تَعالى مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، فَمَن لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ مَحَبَّتُهُ كانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِكَمالِهِ، وأمّا التَّكْمِيلُ فَهو أنَّ الجَوادَ مَحْبُوبٌ، والجَوادُ المُطْلَقُ هو اللَّهُ تَعالى، فالمَحْبُوبُ المُطْلَقُ هو اللَّهُ تَعالى، والتَّبَتُّلُ المُطْلَقُ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لَهُ والتَّكْمِيلَ المُطْلَقَ مِنهُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ التَّبَتُّلُ المُطْلَقُ إلّا إلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ التَّبَتُّلَ الحاصِلَ إلَيْهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلتَّكْمِيلِ مُقَدَّمٌ عَلى التَّبَتُّلِ الحاصِلِ إلَيْهِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ كامِلًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في مَبْدَأِ السَّيْرِ يَكُونُ طالِبًا لِلْحِصَّةِ، فَيَكُونُ تَبَتُّلُهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِلتَّكْمِيلِ والإحْسانِ، ثُمَّ في آخِرِ السَّيْرِ يَتَرَقّى عَنْ طَلَبِ الحِصَّةِ كَما بَيَّنّا مِن أنَّهُ يَصِيرُ طالِبًا لِلْمَعْرُوفِ لا لِلْعِرْفانِ، فَيَكُونُ تَبَتُّلُهُ في هَذِهِ الحالَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ كامِلًا فَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الأُولى الَّتِي هي أوَّلُ دَرَجاتِ المُتَبَتِّلِينَ وقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى الحالَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى دَرَجاتِ المُتَبَتِّلِينَ ومُنْتَهى أقْدامِ الصِّدِّيقِينَ، فَسُبْحانَ مَن لَهُ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ سِرٌّ مَخْفِيٌّ، ثُمَّ وراءَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مَقامٌ آخَرُ، وهو مَقامُ التَّفْوِيضِ، وهو أنْ يَرْفَعَ الِاخْتِيارَ مِنَ البَيْنِ، ويُفَوِّضَ الأمْرَ بِالكُلِّيَّةِ إلَيْهِ، فَإنْ أرادَ الحَقَّ بِهِ أنْ يَجْعَلَهُ مُتَبَتِّلًا رَضِيَ بِالتَّبَتُّلِ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ هو، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُرادُ الحَقِّ، وإنْ أرادَ بِهِ عَدَمَ التَّبَتُّلِ رَضِيَ بِعَدَمِ التَّبَتُّلِ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ عَدَمُ التَّبَتُّلِ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُرادُ الحَقِّ، وهَهُنا آخِرُ الدَّرَجاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما جَرى بِهِ القَلَمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الزَّوايا خَبايا، ومِن أسْرارِ هَذِهِ الآيَةِ بَقايا ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لُقْمانَ: ٢٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”رَبُّ“ فِيهِ قِراءَتانِ:
إحْداهُما: الرَّفْعُ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: عَلى المَدْحِ، والتَّقْدِيرُ هو رَبُّ المَشْرِقِ، فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحَجِّ: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾
صفحة ١٥٩
[ آلِ عِمْرانَ: ١٧٩] أيْ تَقَلُّبُهم مَتاعٌ قَلِيلٌ.
والثّانِي: أنْ تَرْفَعَهُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، والعائِدُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ.
والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: الخَفْضُ، وفِيها وجْهانِ:
الأوَّلُ: عَلى البَدَلِ مِن ”رَبِّكَ“ .
والثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى القَسَمِ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ كَقَوْلِكَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ وجَوابُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ كَما تَقُولُ: واللَّهِ لا أحَدَ في الدّارِ إلّا زِيدٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ.“
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَزِمَكَ أنْ تَتَّخِذَهُ وكِيلًا وأنْ تُفَوِّضَ كُلَّ أُمُورِكَ إلَيْهِ، وهَهُنا مَقامٌ عَظِيمٌ، فَإنَّهُ لَمّا كانَتْ مَعْرِفَةُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تُوجِبُ تَفْوِيضَ كُلِّ الأُمُورِ إلَيْهِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ مَن لا يُفَوِّضُ كُلَّ الأُمُورِ إلَيْهِ، فَإنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِحَقِيقَةِ ”لا إلَهَ إلّا هو“، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مُمْكِنٌ ومُحْدَثٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ ومُحْدَثٍ فَإنَّهُ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ لَمْ يَجِبْ، ولَمّا كانَ الواجِبُ لِذاتِهِ واحِدًا كانَ جَمِيعُ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِ مُنْتَهِيَةً إلَيْهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ . وقالَ بَعْضُهم: (وكِيلًا) أيْ: كَفِيلًا بِما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ والإظْهارِ.
73:10–11Page 574
وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠
And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.
وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١
And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ المَعْنى: إنَّكَ لَمّا اتَّخَذْتَنِي وكِيلًا فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وفَوِّضْ أمْرَهم إلَيَّ فَإنَّنِي لَمّا كُنْتُ وكِيلًا لَكَ أقُومُ بِإصْلاحِ أمْرِكَ أحْسَنَ مِن قِيامِكَ بِإصْلاحِ أُمُورِ نَفْسِكَ، واعْلَمْ أنَّ مُهِمّاتِ العِبادِ مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: كَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ، وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ. والأوَّلُ أهَمُّ مِنَ الثّانِي، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقِسْمِ الأوَّلِ أتْبَعَهُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالقِسْمِ الثّانِي، وهو سُبْحانَهُ جَمَعَ كَلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن هَذا البابِ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِطًا لِلنّاسِ أوْ مُجانِبًا عَنْهم. فَإنْ خالَطَهم فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ المُصابَرَةِ عَلى إيذائِهِمْ وإيحاشِهِمْ، فَإنَّهُ إنْ كانَ يَطْمَعُ مِنهم في الخَيْرِ والرّاحَةِ لَمْ يَجِدْ فَيَقَعَ في الغُمُومِ والأحْزانِ، فَثَبَتَ أنَّ مَن أرادَ مُخالَطَةً مَعَ الخَلْقِ فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ الكَثِيرِ، فَأمّا إنْ تَرَكَ المُخالَطَةَ فَذاكَ هو الهَجْرُ الجَمِيلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، والهَجْرُ الجَمِيلُ أنْ يُجانِبَهم بِقَلْبِهِ وهَواهُ ويُخالِفَهم في الأفْعالِ مَعَ المُداراةِ والإغْضاءِ وتَرْكِ المُكافَأةِ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٦٣] ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٩٩] ﴿فَأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ [ النَّجْمِ: ٢٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ هو الأخْذُ بِإذْنِ اللَّهِ فِيما يَكُونُ أدْعى إلى القَبُولِ فَلا يَرِدُ النَّسْخُ في مِثْلِهِ، وهَذا أصَحُّ.
﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ إذا اهْتَمَّ إنْسانٌ بِمُهِمٍّ وكانَ غَيْرُهُ قادِرًا عَلى كِفايَةِ ذَلِكَ المُهِمِّ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ قالَ لَهُ: ذَرْنِي أنا وذاكَ، أيْ: لا حاجَةَ مَعَ اهْتِمامِي بِذاكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ﴾ [ القَلَمِ: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بِالفَتْحِ التَّنَعُّمُ، وبِالكَسْرِ الإنْعامُ، وبِالضَّمِّ المَسَرَّةُ، يُقالُ: أنْعَمَ بِكَ ونَعِمَكَ عَيْنًا، أيْ: أسَرَّ عَيْنَكَ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ وكانُوا أهْلَ تَنَعُّمٍ وتَرَفُّهٍ. ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: المُرادُ مِنَ القَلِيلِ الحَياةُ الدُّنْيا.
والثّانِي: المُرادُ مِنَ القَلِيلِ تِلْكَ المُدَّةُ القَلِيلَةُ الباقِيَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ.
صفحة ١٦٠
73:12–14Page 574
إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢
Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire
وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣
And food that chokes and a painful punishment -
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤
On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.
ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: إنَّ لَدَيْنا في الآخِرَةِ ما يُضادُّ تَنَعُّمَهم في الدُّنْيا، وذَكَرَ أُمُورًا أرْبَعَةً:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: (أنْكالًا) واحِدُها نِكْلٌ ونُكْلٌ، قالَ الواحِدِيُّ: النِّكْلُ القَيْدُ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: النِّكْلُ القَيْدُ الثَّقِيلُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: (وجَحِيمًا) ولا حاجَةَ بِهِ إلى التَّفْسِيرِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾ الغُصَّةُ ما يُغَصُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ الطَّعامُ هو الزَّقُّومُ والضَّرِيعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [ الغاشِيَةِ: ٦] قالُوا: إنَّهُ شَوْكٌ كالعَوْسَجِ يَأْخُذُ بِالحَلْقِ يَدْخُلُ ولا يَخْرُجُ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ سائِرُ أنْواعِ العَذابِ. واعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ عَلى العُقُوبَةِ الرُّوحانِيَّةِ، أمّا الأنْكالُ فَهي عِبارَةٌ عَنْ بَقاءِ النَّفْسِ في قَيْدِ التَّعَلُّقاتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، فَإنَّها في الدُّنْيا لَمّا اكْتَسَبَتْ مَلَكَةَ تِلْكَ المَحَبَّةِ والرَّغْبَةِ، فَبَعْدَ البَدَنِ يَشْتَدُّ الحَنِينُ، مَعَ أنَّ آلاتِ الكَسْبِ قَدْ بَطَلَتْ فَصارَتْ تِلْكَ كالأنْكالِ والقُيُودِ المانِعَةِ لَهُ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى عالَمِ الرُّوحِ والصَّفاءِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ القُيُودِ الرُّوحانِيَّةِ نِيرانٌ رُوحانِيَّةٌ، فَإنَّ شَدَّةَ مَيْلِها إلى الأحْوالِ البَدَنِيَّةِ وعَدَمَ تَمَكُّنِها مِنَ الوُصُولِ إلَيْها - يُوجِبُ حُرْقَةً شَدِيدَةً رُوحانِيَّةً كَمَن تَشْتَدُّ رَغْبَتُهُ في وِجْدانِ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَجِدُهُ فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، فَذاكَ هو الجَحِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَجَرَّعُ غُصَّةَ الحِرْمانِ وألَمَ الفِراقِ، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ﴾، ثُمَّ إنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأحْوالِ بَقِيَ مَحْرُومًا عَنْ تَجَلِّي نُورِ اللَّهِ والِانْخِراطِ في سِلْكِ المُقَدَّسِينَ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾، والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: (وعَذابًا) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ وأكْمَلُ، واعْلَمْ أنِّي لا أقُولُ المُرادُ بِهَذِهِ الآياتِ هو ما ذَكَرْتُهُ فَقَطْ، بَلْ أقُولُ: إنَّها تُفِيدُ حُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وحُصُولَ المَراتِبِ الأرْبَعَةِ الرُّوحانِيَّةِ، ولا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَيْهِما، وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الجُسْمانِيَّةِ حَقِيقَةً، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَراتِبِ الرُّوحانِيَّةِ مَجازًا مُتَعارَفًا مَشْهُورًا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ العَذابَ، أخْبَرَ أنَّهُ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ بِقَوْلِ: ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ أيْ نُنَكِّلُ بِالكافِرِينَ ونُعَذِّبُهم يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْفَةُ الزَّلْزَلَةُ والزَّعْزَعَةُ الشَّدِيدَةُ، والكَثِيبُ القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الرَّمْلِ تَجْتَمِعُ مُحْدَوْدِبَةً، وجَمْعُهُ الكُثْبانُ، وفي كَيْفِيَّةِ الِاشْتِقاقِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن كَثَبَ الشَّيْءَ إذا جَمَعَهُ كَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
والثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: الكَثِيبُ نَثْرُ التُّرابِ أوِ الشَّيْءِ، يُرْمى بِهِ، والفِعْلُ اللّازِمُ انْكَثَبَ يَنْكَثِبُ انْكِثابًا، وسُمِّيَ الكَثِيبُ كَثِيبًا؛ لِأنَّ تُرابَهُ دِقاقٌ، كَأنَّهُ مَكْثُوبٌ مَنثُورٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ لِرَخاوَتِهِ، وقَوْلُهُ: (مَهِيلًا) أيْ سائِلًا قَدْ أُسِيلُ، يُقالُ: تُرابٌ مَهِيلٌ ومَهْيُولٌ أيْ مَصْبُوبٌ ومَسِيلٌ. الأكْثَرُ في اللُّغَةِ مَهِيلٌ، وهو مِثْلُ قَوْلِكَ مَكِيلٌ ومَكْيُولٌ، ومَدِينٌ ومَدْيُونٌ، وذَلِكَ أنَّ الياءَ تُحْذَفُ مِنهُ الضَّمَّةُ فَتَسْكُنُ، والواوُ أيْضًا ساكِنَةٌ، فَتُحْذَفُ الواوُ
صفحة ١٦١
لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى يُفَرِّقُ تَرْكِيبَ أجْزاءِ الجِبالِ ويَنْسِفُها نَسْفًا ويَجْعَلُها كالعِهْنِ المَنفُوشِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ كالكَثِيبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُحَرِّكُها عَلى ما قالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [ الكَهْفِ: ٤٧] وقالَ: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقالَ: ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ [ النَّبَأِ: ٢٠] فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ مَهِيلًا، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وكانَتِ الجِبالُ كُثْبانًا مَهِيلَةً ؟ قُلْنا: لِأنَّها بِأسْرِها تَجْتَمِعُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا واحِدًا مَهِيلًا.
73:15–16Page 574
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥
Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.
فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦
But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَوَّفَ المُكَذِّبِينَ ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ بِأهْوالِ القِيامَةِ خَوَّفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأهْوالِ الدُّنْيا فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمَقْصُودُ تَهْدِيدُهم بِالأخْذِ الوَبِيلِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ نُكِّرَ الرَّسُولُ ثُمَّ عُرِّفَ ؟ الجَوابُ: التَّقْدِيرُ: أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصاهُ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا، فَأرْسَلْنا إلَيْكم أيْضًا رَسُولًا فَعَصَيْتُمْ ذَلِكَ الرَّسُولَ، فَلا بُدَّ وأنْ نَأْخُذَكم أخْذًا وبِيلًا.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ ؟ والجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَنْتَظِمُ لَوْ قِسْنا إحْدى الصُّورَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ القِياسَ في هَذِهِ الصُّورَةِ حُجَّةٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ في سائِرِ الصُّوَرِ حُجَّةٌ، وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى قِياسِ سائِرِ القِياساتِ عَلى هَذا القِياسِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إثْباتًا لِلْقِياسِ بِالقِياسِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ ؟ قُلْنا: لا نُثْبِتُ سائِرَ القِياساتِ بِالقِياسِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، وإلّا لَزِمَ المَحْذُورُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ، بَلْ وجْهُ التَمَسُّكِ هو أنْ نَقُولَ: لَوْلا أنَّهُ تَمَهَّدَ عِنْدَهم أنَّ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْتَرِكانِ في مَناطِ الحُكْمِ ظَنًّا يَجِبُ اشْتِراكُهُما في الحُكْمِ، وإلّا لَما أوْرَدَ هَذا الكَلامَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ احْتِمالَ الفَرْقِ المَرْجُوحِ قائِمٌ هَهُنا، فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّهم إنَّما اسْتَوْجَبُوا الأخْذَ الوَبِيلَ بِخُصُوصِيَّةِ حالَةِ العِصْيانِ في تِلْكَ الصُّورَةِ، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هَهُنا، فَلا يَلْزَمُ حُصُولُ الأخْذِ الوَبِيلِ هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى مَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ جَزَمَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُكْمِ فَهَذا الجَزْمُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مَسْبُوقًا بِتَقْرِيرِ أنَّهُ مَتى وقَعَ الِاشْتِراكُ في المَناطِ الظّاهِرِ وجَبَ الجَزْمُ بِالِاشْتِراكِ في الحُكْمِ، وإنَّ مُجَرَّدَ احْتِمالِ الفَرْقِ بِالأشْياءِ الَّتِي لا يُعْلَمُ كَوْنُها مُناسِبَةً لِلْحُكْمِ لا يَكُونُ قادِحًا في تِلْكَ التَّسْوِيَةِ، فَلا مَعْنى لِقَوْلِنا: القِياسُ حُجَّةٌ - إلّا هَذا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ قِصَّةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ عَلى التَّعْيِينِ دُونَ سائِرِ الرُّسُلِ والأُمَمِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ ازْدَرَوْا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتَخَفُّوا بِهِ لِأنَّهُ وُلِدَ فِيهِمْ، كَما أنَّ فِرْعَوْنَ ازْدَرى مُوسى لِأنَّهُ رَبّاهُ ووُلِدَ فِيما بَيْنَهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٨] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما مَعْنى كَوْنِ الرَّسُولِ شاهِدًا عَلَيْهِمْ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ شاهِدٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ.
الثّانِي: المُرادُ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ في الدُّنْيا، ومُبَيِّنًا لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ
صفحة ١٦٢
الكُفْرِ؛ لِأنَّ الشّاهِدَ بِشَهادَتِهِ يُبَيِّنُ الحَقَّ، ولِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها بَيِّنَةٌ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُوصَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ بَيَّنَ الحَقَّ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [ البَقَرَةِ: ١٤٣] أيْ عُدُولًا خِيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ حَمْلَهُ عَلى الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ، وحَمْلُهُ عَلى البَيانِ مَجازٌ، والحَقِيقَةُ أوْلى.
السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى الوَبِيلِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: الوَبِيلُ: الثَّقِيلُ الغَلِيظُ، ومِنهُ قَوْلُهم: صارَ هَذا وبالًا عَلَيْهِمْ، أيْ أفْضى بِهِ إلى غايَةِ المَكْرُوهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلْمَطَرِ العَظِيمِ: وابِلٌ، والوَبِيلُ: العَصا الضَّخْمَةُ.
الثّانِي: قالَ أبُو زَيْدٍ: الوَبِيلُ الَّذِي لا يُسْتَمْرَأُ، وماءٌ وبِيلٌ وخِيمٌ إذا كانَ غَيْرَ مَرِيءٍ، وكَلَأٌ مُسْتَوْبَلٌ، إذا أدَّتْ عاقِبَتُهُ إلى مَكْرُوهٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ يَعْنِي الغَرَقَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ وقَتادَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences