Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Muddaththir 74:30–37
ثُمَّ قالَ: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّهُ يَلِي أمْرَ تِلْكَ النّارِ، ويَتَسَلَّطُ عَلى أهْلِها تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا. وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ: مالِكٌ، ومَعَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أعْيُنُهم كالبَرْقِ، وأنْيابُهم كالصَّياصِي، وأشْعارُهم تَمَسُّ أقْدامَهم، يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفَّ أحَدِهِمْ مِثْلُ رَبِيعَةَ ومُضَرَ، نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّأْفَةُ والرَّحْمَةُ، يَأْخُذُ أحَدُهم سَبْعِينَ ألْفًا في كَفِّهِ ويَرْمِيهِمْ حَيْثُ أرادَ مِن جَهَنَّمَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ أرْبابُ المَعانِي في تَقْدِيرِ هَذا العَدَدِ وُجُوهًا:
أحَدُها: وهو الوَجْهُ الَّذِي تَقَوَّلَهُ أرْبابُ الحِكْمَةِ؛ أنَّ سَبَبَ فَسادِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في قُوَّتِها النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ هو القُوى الحَيَوانِيَّةُ والطَّبِيعِيَّةُ.
أمّا القُوى الحَيَوانِيَّةُ فَهي: الخَمْسَةُ الظّاهِرَةُ، والخَمْسَةُ الباطِنَةُ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، ومَجْمُوعُهُما اثْنَتا عَشْرَةَ.
وأمّا القُوى الطَّبِيعِيَّةُ فَهي: الجاذِبَةُ والماسِكَةُ والهاضِمَةُ والدّافِعَةُ والغاذِيَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وهَذِهِ سَبْعَةٌ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَلَمّا كانَ مَنشَأُ الآفاتِ هو هَذِهِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، لا جَرَمَ كانَ عَدَدُ الزَّبانِيَةِ هَكَذا.
وثانِيها: أنَّ أبْوابَ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ مِنها لِلْكُفّارِ، وواحِدٌ لِلْفُسّاقِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ يَدْخُلُونَ النّارَ لِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ: تَرْكِ الِاعْتِقادِ وتَرْكِ الإقْرارِ وتَرْكِ العَمَلِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ بابٍ مِن تِلْكَ الأبْوابِ السِّتَّةِ ثَلاثَةٌ، والمَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وأمّا بابُ الفُسّاقِ فَلَيْسَ هُناكَ زَبانِيَةٌ بِسَبَبِ تَرْكِ الِاعْتِقادِ ولا بِسَبَبِ تَرْكِ القَوْلِ، بَلْ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ تَرْكِ العَمَلِ، فَلا يَكُونُ عَلى بابِهِمْ إلّا زَبانِيَةٌ واحِدَةٌ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ.
وثالِثُها: أنَّ السّاعاتِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ، خَمْسَةٌ مِنها مَشْغُولَةٌ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ فَيَبْقى مِنها تِسْعَةَ عَشَرَ مَشْغُولَةٌ بِغَيْرِ العِبادَةِ، فَلا جَرَمَ صارَ عَدَدُ الزَّبانِيَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَزِيدَ وطَلْحَةَ بْنِ سُلَيْمانَ ”﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾“ عَلى تَقْطِيعِ فاعِلانِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في المُحْتَسَبِ: والسَّبَبُ أنَّ الِاسْمَيْنِ كاسْمٍ واحِدٍ، فَكَثُرَتِ الحَرَكاتُ، فَأُسْكِنَ أوَّلُ الثّانِي لِلتَّخْفِيفِ، وجَعَلَ ذَلِكَ أمارَةَ القُوَّةِ اتِّصالَ أحَدِ الِاسْمَيْنِ بِصاحِبِهِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ”تِسْعَةَ أعْشُرٍ“ قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذِهِ القِراءَةُ لا نَعْرِفُ لَها وجْهًا، إلّا أنْ يَعْنِيَ: تِسْعَةَ أعْشُرٍ؛ جَمْعَ عَشِيرٍ، مِثْلَ يَمِينٍ وأيْمُنٍ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَجْمُوعُ تِسْعِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم، قالَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ: إنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الجَمْعُ العَظِيمُ، أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُما، فَقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ، وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ واكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنَ ! فَلَمّا قالَ أبُو جَهْلٍ وأبُو الأشَدِّ ذَلِكَ، قالَ المُسْلِمُونَ: ويْحَكم لا تُقاسُ المَلائِكَةُ بِالحَدّادِينَ ! فَجَرى هَذا مَثَلًا في كُلِّ شَيْئَيْنِ لا يُسَوّى بَيْنَهُما، والمَعْنى لا تُقاسُ المَلائِكَةُ بِالسَّجّانِينَ
صفحة ١٨٠
والحَدّادُ: السَّجّانُ الَّذِي يَحْبِسُ النّارَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما جَعَلَهم مَلائِكَةً لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِيَكُونُوا بِخِلافِ جِنْسِ المُعَذَّبِينَ، لِأنَّ الجِنْسِيَّةَ مَظَنَّةُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ بُعِثَ الرَّسُولُ المَبْعُوثُ إلَيْنا مِن جِنْسِنا لِيَكُونَ لَهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً بِنا.
وثانِيها: أنَّهم أبْعَدُ الخَلْقِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى وأقْواهم عَلى الطّاعاتِ الشّاقَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ قُوَّتَهم أعْظَمُ مِن قُوَّةِ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنْ قِيلَ: ثَبَتَ في الأخْبارِ أنَّ المَلائِكَةَ مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، والمَخْلُوقُ مِنَ النُّورِ كَيْفَ يُطِيقُ المُكْثَ في النّارِ ؟ قُلْنا: مَدارُ القَوْلِ في إثْباتِ القِيامَةِ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَكَما أنَّهُ لا اسْتِبْعادَ في أنْ يَبْقى الحَيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ العَذابِ الشَّدِيدِ أبَدَ الآبادِ ولا يَمُوتُ، فَكَذا لا اسْتِبْعادَ في بَقاءِ المَلائِكَةِ هُناكَ مِن غَيْرِ ألَمٍ.
74:31–33Page 576
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١
And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] and the disbelievers will say, "What does Allāh intend by this as an example?" Thus does Allāh send astray whom He wills and guide whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And it [i.e., mention of the Fire] is not but a reminder to humanity.
كـَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ٣٢
No! By the moon
وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ٣٣
And [by] the night when it departs
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا العَدَدُ إنَّما صارَ سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ يَسْتَهْزِئُونَ، يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ يَكُونُوا عِشْرِينَ، وما المُقْتَضى لِتَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ بِالوُجُودِ ؟
الثّانِي: أنَّ الكُفّارَ يَقُولُونَ هَذا العَدَدُ القَلِيلُ كَيْفَ يَكُونُونَ وافِينَ بِتَعْذِيبِ أكْثَرِ خَلْقِ العالَمِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ إلى قِيامِ القِيامَةِ ؟ وأمّا أهْلُ الإيمانِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ.
أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَلِأنَّ جُمْلَةَ العالَمِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِلْجَواهِرِ الفَرْدَةِ الَّتِي مِنها تَألَّفَتْ جُمْلَةُ هَذا العالَمِ - عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَجِيءُ ذَلِكَ السُّؤالُ، وهو أنَّهُ لِمَ خَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدَ بِالإيجادِ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ العَدَدِ جَوْهَرٌ آخَرُ ولَمْ يُنْقِصْ، وكَذا القَوْلُ في إيجادِ العالَمِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ العالَمُ مُحْدَثًا والإلَهُ قَدِيمًا، فَقَدْ تَأخَّرَ العالَمُ عَنِ الصّانِعِ بِتَقْدِيرِ مُدَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، فَلِمَ لَمْ يَحْدُثِ العالَمُ قَبْلَ أنْ حَدَثَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ أوْ بَعْدَ أنْ وُجِدَ بِتَقْدِيرِ لَحْظَةٍ ؟ وكَذا القَوْلُ في تَقْدِيرِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُحْدَثاتِ بِزَمانِهِ المُعَيَّنِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الأجْسامِ بِأجْزائِهِ المَحْدُودَةِ المَعْدُودَةِ، ولا جَوابَ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا بِأنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ، والمُخْتارُ لَهُ أنْ يُرَجِّحَ الشَّيْءَ عَلى مِثْلِهِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، وإذا كانَ هَذا الجَوابُ هو المُعْتَمَدُ في خَلْقِ جُمْلَةِ العالَمِ، فَكَذا في تَخْصِيصِ زَبانِيَةِ النّارِ بِهَذا العَدَدِ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعْطِيَ هَذا العَدَدَ مِنَ القُدْرَةِ والقُوَّةِ ما يَصِيرُونَ بِهِ قادِرِينَ عَلى تَعْذِيبِ جُمْلَةِ الخَلْقِ، ومُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ خَلَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَمَدارُ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ عَلى القَدْحِ في كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَأمّا مَنِ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ، وعَلِمَ أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ عَلى خِلافِ أحْوالِ الدُّنْيا زالَ عَنْ قَلْبِهِ هَذِهِ الِاسْتِبْعاداتُ بِالكُلِّيَّةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ الإضْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
صفحة ١٨١
يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنَّما هو فِتْنَةُ الكافِرِينَ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ تَشْدِيدُ التَّعَبُّدِ لِيَسْتَدِلُّوا ويَعْرِفُوا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُقَوِّيَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَلى ما لا يَقْوى عَلَيْهِ مِائَةُ ألْفِ مَلَكٍ أقْوِياءَ.
وثانِيها: قالَ الكَعْبِيُّ: المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ الِامْتِحانُ حَتّى يُفَوِّضَ المُؤْمِنُونَ حِكْمَةَ التَّخْصِيصِ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ إلى عِلْمِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، وهَذا مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الفِتْنَةِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِعَدَدِ الخَزَنَةِ، والمَعْنى: إلّا فِتْنَةً عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُكَذِّبُوا بِهِ، ولِيَقُولُوا ما قالُوا، وذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الألْطافِ، والجَوابُ: أنَّهُ لا نِزاعَ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمْ، إلّا أنّا نَقُولُ: هَلْ لِإنْزالِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، أمْ لا ؟ فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، كانَ إنْزالُها كَسائِرِ الأُمُورِ الأجْنَبِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْلِ بِأنَّ إنْزالَ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ فِتْنَةٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا وجْهٌ البَتَّةَ، وإنْ كانَ لَهُ أثَرٌ في تَقْوِيَةِ داعِيَةِ الكُفْرِ، فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، لِأنَّهُ إذا تَرَجَّحَتْ داعِيَةُ الفِعْلِ، صارَتْ داعِيَةُ التَّرْكِ مَرْجُوحَةً، والمَرْجُوحُ يَمْتَنِعُ أنْ يُؤَثِّرَ، فالتَّرْكُ يَكُونُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، فَيَصِيرُ الفِعْلُ واجِبَ الوُقُوعِ، واللَّهُ أعْلَمُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ .
وثانِيها: ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ .
وثالِثُها: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ .
ورابِعُها: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ لا يَتَلَخَّصُ إلّا بِسُؤالاتٍ وجَواباتٍ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ افْتِتانَ الكُفّارِ بِعَدَدِ الزَّبانِيَةِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَما الوَجْهُ في ذَلِكَ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ ما جَعَلَ افْتِتانَهم بِالعَدَدِ سَبَبًا لِهَذِهِ الأشْياءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا، وإلّا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، كَما يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ، قالُوا: والعاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هو أنَّهُ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ؛ إلّا أنَّهُ وضَعَ فِتْنَةً لِلَّذِينِ كَفَرُوا مَوْضِعَ تِسْعَةَ عَشَرَ؛ كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنِ المُؤَثِّرِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الأثَرِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الأثَرَ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ المُؤَثِّرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما وجْهُ تَأْثِيرِ إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ في اسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا العَدَدَ لَمّا كانَ مَوْجُودًا في كِتابِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ سابِقَةِ دِراسَةٍ وتَعَلُّمٍ، فَظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ الوَحْيِ مِنَ السَّماءِ، فالَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ يَزْدادُونَ بِهِ إيمانًا.
وثانِيها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كانا مُحَرَّفَيْنِ، فَأهْلُ الكِتابِ كانُوا يَقْرَءُونَ فِيهِما أنَّ عَدَدَ الزَّبانِيَةِ هو هَذا القَدْرُ، ولَكِنَّهم ما كانُوا يُعَوِّلُونَ عَلى ذَلِكَ كُلَّ التَّعْوِيلِ لِعِلْمِهِمْ بِتَطَرُّقِ التَّحْرِيفِ إلى هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوِيَ إيمانُهم بِذَلِكَ واسْتَيْقَنُوا أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ هو الحَقُّ والصِّدْقُ.
وثالِثُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْلَمُ مِن حالِ قُرَيْشٍ أنَّهُ مَتى أخْبَرَهم بِهَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَإنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، مَعَ أنَّ تِلْكَ المَسائِلَ أوْضَحُ وأظْهَرُ فَكَيْفَ في ذِكْرِ هَذا العَدَدِ العَجِيبِ ؟ ثُمَّ إنَّ اسْتِهْزاءَهم بِرَسُولِ اللَّهِ وشِدَّةَ سُخْرِيَتِهِمْ بِهِ ما مَنَعَهُ مِن إظْهارِ هَذا الحَقِّ، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّهُ لَوْ كانَ غَرَضُ مُحَمَّدٍ ﷺ طَلَبَ الدُّنْيا والرِّياسَةَ لاحْتَرَزَ عَنْ ذِكْرِ هَذا
صفحة ١٨٢
العَدَدِ العَجِيبِ، فَلَمّا ذَكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَسْتَهْزِئُوا بِهِ عَلِمَ كُلُّ عاقِلٍ أنَّ مَقْصُودَهُ مِنهُ إنَّما هو تَبْلِيغُ الوَحْيِ، وأنَّهُ ما كانَ يُبالِي في ذَلِكَ لا بِتَصْدِيقِ المُصَدِّقِينَ ولا بِتَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما تَأْثِيرُ هَذِهِ الواقِعَةِ في ازْدِيادِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُكَلَّفَ ما لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحادِثاتِ مُنَزَّهًا عَنِ الكَذِبِ والخُلْفِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقادَ لِهَذِهِ العِدَّةِ ويَعْتَرِفَ بِحَقِيقَتِها، فَإذا اشْتَغَلَ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الدَّلائِلِ ثُمَّ جَعَلَ العِلْمَ الإجْمالِيَّ بِأنَّهُ صادِقٌ لا يَكْذِبُ حَكِيمٌ لا يَجْهَلُ دافِعًا لِلتَّعَجُّبِ الحاصِلِ في الطَّبْعِ مِن هَذا العَدَدِ العَجِيبِ، فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُهُ أنْ يُؤْمِنَ بِحَقِيقَةِ هَذا العَدَدِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنَ يَصِيرُ عِنْدَ اعْتِبارِ هَذِهِ المَقاماتِ أشَدَّ اسْتِحْضارًا لِلدَّلائِلِ وأكْثَرَ انْقِيادًا لِلدِّينِ، فالمُرادُ بِازْدِيادِ الإيمانِ هَذا.
السُّؤالُ الرّابِعُ: حَقِيقَةُ الإيمانِ عِنْدَكم لا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ فَما قَوْلُكم في هَذِهِ الآيَةِ ؟ الجَوابُ: نَحْمِلُهُ عَلى ثَمَراتِ الإيمانِ وعَلى آثارِهِ ولَوازِمِهِ.
السُّؤالُ الخامِسُ: لَمّا أُثْبِتَ الِاسْتِيقانُ لِأهْلِ الكِتابِ وأُثْبِتَ زِيادَةُ الإيمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ ؟ الجَوابُ: أنَّ المَطْلُوبَ إذا كانَ غامِضًا دَقِيقَ الحُجَّةِ كَثِيرَ الشُّبْهَةِ، فَإذا اجْتَهَدَ الإنْسانُ فِيهِ وحَصَلَ لَهُ اليَقِينُ فَرُبَّما غَفَلَ عَنْ مُقَدِّمَةٍ مِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الدَّقِيقِ، فَيَعُودُ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ، فَإثْباتُ اليَقِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ لا يُنافِي طَرَيانِ الِارْتِيابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فالمَقْصُودُ مِن إعادَةِ هَذا الكَلامِ هو أنَّهُ حَصَلَ لَهم يَقِينٌ جازِمٌ، بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ عَقِيبَهُ البَتَّةَ شَكٌّ ولا رَيْبٌ.
السُّؤالُ السّادِسُ: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: إنَّهُمُ الكافِرُونَ، وذَكَرَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ البَجَلِيُّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، فالمَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِمَعْنى النِّفاقِ، والجَوابُ: قَوْلُ المُفَسِّرِينَ حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّ النِّفاقَ سَيَحْدُثُ فَأخْبَرَ عَمّا سَيَكُونُ، وعَلى هَذا تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً، لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ غَيْبٍ سَيَقَعُ، وقَدْ وقَعَ عَلى وفْقِ الخَبَرِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمَرَضِ الشَّكُّ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانَ أكْثَرُهم شاكِّينَ، وبَعْضُهم كانُوا قاطِعِينَ بِالكَذِبِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَبْ أنَّ الِاسْتِيقانَ وانْتِفاءَ الِارْتِيابِ يَصِحُّ أنْ يَكُونا مَقْصُودَيْنِ مِن إنْزالِ هَذا المُتَشابِهِ، فَكَيْفَ صَحَّ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ مَقْصُودًا ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى أصْلِنا فَلا إشْكالَ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِهَذا في الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ لَمّا وقَعَتْ أشْبَهَتِ الغَرَضَ في كَوْنِهِ واقِعًا، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ اللّامِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٧٩] .
السُّؤالُ الثّامِنُ: لِمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا العَدَدُ عَدَدًا عَجِيبًا ظَنَّ القَوْمُ أنَّهُ رُبَّما لَمْ يَكُنْ مُرادُ اللَّهِ مِنهُ ما أشْعَرَ بِهِ ظاهِرُهُ بَلْ جَعَلَهُ مَثَلًا لِشَيْءٍ آخَرَ وتَنْبِيهًا عَلى مَقْصُودٍ آخَرَ لا جَرَمَ سَمَّوْهُ مَثَلًا.
السُّؤالُ التّاسِعُ: القَوْمُ كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ قالُوا: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا ؟ الجَوابُ: أمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ فَكانُوا في الظّاهِرِ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلا جَرَمَ قالُوا ذَلِكَ بِاللِّسانِ، وأمّا الكُفّارُ فَقالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ القُرْآنَ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما قالَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ.
صفحة ١٨٣
* قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ لِلْأصْحابِ ظاهِرٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ .
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ ذَكَرُوا الوُجُوهَ المَشْهُورَةَ الَّتِي لَهم:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الإضْلالِ مَنعُ الألْطافِ.
وثانِيها: أنَّهُ لَمّا اهْتَدى قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ وضَلَّ قَوْمٌ بِاخْتِيارِهِمْ عِنْدَ نُزُولِها أشْبَهَ ذَلِكَ أنَّ المُؤَثِّرَ في ذَلِكَ الِاهْتِداءِ وذَلِكَ الإضْلالِ هو هَذِهِ الآياتُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم إيمانًا﴾ وكَقَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا﴾ .
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي﴾ - حُكْمُ اللَّهُ بِكَوْنِهِ ضالًّا وبِكَوْنِهِ مُهْتَدِيًا.
ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى يُضِلُّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ دارِ الثَّوابِ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مَعَ أجْوِبَتِها تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأوْلى أنَّ القَوْمَ اسْتَقْبَلُوا ذَلِكَ العَدَدَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ فَهَبْ أنَّ هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ إلّا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأعْوانِ والجُنُودِ ما لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ.
وثانِيها: وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ لِفَرْطِ كَثْرَتِها إلّا هو، فَلا يَعِزُّ عَلَيْهِ تَتْمِيمُ الخَزَنَةِ عِشْرِينَ، ولَكِنَّ لَهُ في هَذا العَدَدِ حِكْمَةً لا يَعْلَمُها الخَلْقُ وهو جَلَّ جَلالُهُ يَعْلَمُها.
وثالِثُها: أنَّهُ لا حاجَةَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ في تَعْذِيبِ الكُفّارِ والفُسّاقِ إلى هَؤُلاءِ الخَزَنَةِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي يُعَذِّبُهم في الحَقِيقَةِ، وهو الَّذِي يَخْلُقُ الآلامَ فِيهِمْ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى قَلَّبَ شَعْرَةً في عَيْنِ ابْنِ آدَمَ أوْ سَلَّطَ الألَمَ عَلى عِرْقٍ واحِدٍ مِن عُرُوقِ بَدَنِهِ لَكَفاهُ ذَلِكَ بَلاءً ومِحْنَةً، فَلا يَلْزَمُ مِن تَقْلِيلِ عَدَدِ الخَزَنَةِ قِلَّةُ العَذابِ، فَجُنُودُ اللَّهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما هِيَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى ”سَقَرَ“، والمَعْنى: وما سَقَرُ وصِفَتُها إلّا تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى هَذِهِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى هَذِهِ المُتَشابِهاتِ، وهي ذِكْرى لِجَمِيعِ العالَمِينَ، وإنْ كانَ المُنْتَفِعُ بِها لَيْسَ إلّا أهْلَ الإيمانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ذِكْرًى، أنْ تَكُونَ لَهم ذِكْرًى لِأنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ.
وثانِيها: أنَّهُ رَدْعٌ لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ إحْدى الكُبَرِ نَذِيرًا.
وثالِثُها: أنَّهُ رَدْعٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ: إنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ النّارِ.
ورابِعُها: أنَّهُ رَدْعٌ لَهم عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعُدَّةِ المَخْصُوصَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والقَمَرِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: دَبَرَ وأدْبَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَقَبَلَ وأقْبَلَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”إذا دَبَرَ“ ورُوِيَ أنَّ مُجاهِدًا سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ ”دَبَرَ“ فَسَكَتَ حَتّى إذا أدْبَرَ اللَّيْلُ قالَ: يا مُجاهِدُ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَّيْلُ، ورَوى أبُو الضُّحى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَعِيبُ هَذِهِ
صفحة ١٨٤
القِراءَةَ، ويَقُولُ: إنَّما يَدْبُرُ ظَهْرُ البَعِيرِ، قالَ الواحِدِيُّ: والقِراءَتانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ سَواءٌ عَلى ما ذَكَرْنا، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:
وأبى الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم بِصِهابِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدّابِرِ
القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: دَبَرَ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، يُقالُ: دَبَرَنِي أيْ جاءَ خَلْفِي، ودَبَرَ اللَّيْلُ أيْ جاءَ بَعْدَ النَّهارِ، قالَ قُطْرُبٌ: فَعَلى هَذا مَعْنى إذا دَبَرَ إذا أقْبَلَ بَعْدَ مُضِيِّ النَّهارِ.
74:34–37Page 576
وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ ٣٤
And [by] the morning when it brightens,
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥
Indeed, it [i.e., the Fire] is of the greatest [afflictions]
نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ٣٦
As a warning to humanity -
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ٣٧
To whoever wills among you to proceed1 or stay behind.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ أضاءَ، وفي الحَدِيثِ: ”«أسْفِرُوا بِالفَجْرِ» “ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [ عَبَسَ: ٣٨] أيْ مُضِيئَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكَلامُ هو جَوابُ القَسَمِ أوْ تَعْلِيلٌ لِكَلامٍ، والقَسَمُ مُعْتَرَضٌ لِلتَّوْكِيدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ألِفُ إحْدى مَقْطُوعٌ ولا تَذْهَبُ في الوَصْلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ إنَّها ”لَحْدى الكُبَرِ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ كَما يُقالُ: ويْلُمِّهِ، ولَيْسَ هَذا الحَذْفُ بِقِياسٍ، والقِياسُ التَّخْفِيفُ، وهو أنْ يُجْعَلَ بَيْنَ بَيْنَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الكُبَرُ جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتاءِ التَّأْنِيثِ، فَكَما جُمِعَتْ فُعْلَةٌ عَلى فُعَلٍ جُمِعَتْ فُعْلى عَلَيْها، ونَظِيرُ ذَلِكَ السَّوافِي جَمْعُ السّافِياءِ وهو التُّرابُ الَّذِي سَفَتْهُ الرِّيحُ، والقَواصِعُ في جَمْعِ القاصِعاءِ كَأنَّهُما جَمْعُ فاعِلَةٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ يَعْنِي أنَّ سَقَرَ الَّتِي جَرى ذِكْرُها لَإحْدى الكُبَرِ، والمُرادُ مِنَ الكُبَرِ دَرَكاتُ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعَةٌ: جَهَنَّمُ، ولَظى، والحُطَمَةُ، والسَّعِيرُ، وسَقَرُ، والجَحِيمُ، والهاوِيَةُ، أعاذَنا اللَّهُ مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ”نَذِيرًا“ تَمْيِيزٌ مِن ”إحْدى“ عَلى مَعْنى أنَّها لَإحْدى الدَّواهِي إنْذارًا كَما تَقُولُ: هي إحْدى النِّساءِ عَفافًا، وقِيلَ: هو حالٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ”نَذِيرٌ“ بِالرَّفْعِ خَبَرٌ، أوْ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ﴿أنْ يَتَقَدَّمَ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و﴿لِمَن شاءَ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ لِمَن تَوَضَّأ أنْ يُصَلِّيَ، ومَعْناهُ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مُطْلَقانِ لِمَن شاءَهُما مِنكم، والمُرادُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ السَّبْقُ إلى الخَيْرِ والتَّخَلُّفُ عَنْهُ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩] .
الثّانِي: ﴿لِمَن شاءَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لِلْبَشَرِ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنَّها نَذِيرٌ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ، نَظِيرُهُ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُتَمَكِّنًا مِنَ الفِعْلِ غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ. وجَوابُهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مُعَلَّقٌ عَلى مَشِيئَتِهِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ مُعَلَّقَةٌ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٨٥
﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [ الإنْسانِ: ٣٠] وحِينَئِذٍ تَصِيرُ هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ، وذَكَرَ الأصْحابُ عَنْ وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ جَوابَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى إضافَةِ المَشِيئَةِ إلى المُخاطَبِينَ التَّهْدِيدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى لِمَن شاءَ اللَّهُ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences