Ar-RaziAl‑Qiyamah · 75:11–21

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qiyamah 75:11–21

75:11–14Page 577

كـَلَّا لَا وَزَرَ ١١

No! There is no refuge.

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢

To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.

يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣

Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2

بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤

Rather, man, against himself, will be a witness,1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا﴾ وهو رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ المَفَرِّ ﴿لا وزَرَ﴾ قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: أصْلُ الوَزَرِ الجَبَلُ المَنِيعُ، ثُمَّ يُقالُ لِكُلِّ ما التَجَأْتَ إلَيْهِ وتَحَصَّنْتَ بِهِ وزَرٌ، وأنْشَدَ المُبَرِّدُ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:

النّاسُ آلَتْ عَلَيْنا فِيكَ لَيْسَ لَنا إلّا السُّيُوفَ وأطْرافَ القَنا وزَرُ

ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا شَيْءَ يُعْتَصَمُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، بِمَعْنى أنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْتَقِرُّوا إلى غَيْرِهِ، ويَنْصَبُّوا إلى غَيْرِهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [ العَلَقِ: ٨] ﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ [ فاطِرٍ: ١٨] ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشُّورى: ٥٣] ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [ النَّجْمِ: ٤٢] .

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى إلى رَبِّكَ مُسْتَقَرُّهم، أيْ مَوْضِعُ قَرارِهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ، أيْ مُفَوَّضُ ذَلِكَ إلى مَشِيئَتِهِ مَن شاءَ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، ومَن شاءَ أدْخَلَهُ النّارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلٍ عَمِلَهُ، وبِما أخَّرَ مِن عَمَلٍ لَمْ يَعْمَلْهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ وبِما أخَّرَهُ فَخَلَّفَهُ، أوْ بِما قَدَّمَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ والشَّرِّ وبِما أخَّرَ مِن سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أوْ سَيِّئَةٍ، فَعُمِلَ بِها بَعْدَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ مُفَسَّرٌ بِأوَّلِ العَمَلِ وآخِرِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٦] وقالَ: ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [ يس: ١٢] واعْلَمْ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ هَذا الإنْباءَ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ والمُحاسَبَةِ ووَزْنِ الأعْمالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ وذَلِكَ أنَّهُ إذا ماتَ بُيِّنَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِأعْمالِهِ، قالَ: بَلْ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُنَبِّئَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا لِتِلْكَ الأفْعالِ، مُقْدِمًا عَلَيْها، ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: جَعَلَهُ في نَفْسِهِ بَصِيرَةً كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، فَهَهُنا أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ الإنْسانَ بِضَرُورَةِ عَقْلِهِ يَعْلَمُ

صفحة ١٩٦

أنَّ ما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ فَهو السَّعادَةُ، وما يُبْعِدُهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ ويَشْغَلُهُ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها فَهو الشَّقاوَةُ، فَهَبْ أنَّهُ بِلِسانِهِ يُرَوِّجُ ويُزَوِّرُ ويَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، لَكِنَّهُ بِعَقْلِهِ السَّلِيمِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ في ظاهِرِهِ جَيِّدٌ أوْ رَدِيءٌ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ جَوارِحُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِما عَمِلَ فَهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُقاتِلٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ [ النُّورِ: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [ يس: ٦٥] وقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٢٠] فَأمّا تَأْنِيثُ البَصِيرَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ هَهُنا الجَوارِحُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ جَوارِحُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِ الإنْسانِ بَصِيرَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذِهِ الهاءُ لِأجْلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ: رَجُلٌ راوِيَةٌ وطاغِيَةٌ وعَلّامَةٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الإنْسانَ يُخْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأعْمالِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما عَمِلَ، فَقالَ الواحِدِيُّ: هَذا يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ فَإنَّهم يُنْكِرُونَ ما عَمِلُوا فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ ويُنْطِقُ جَوارِحَهم.

75:15–16Page 577

وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥

Even if he presents his excuses.

لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦

Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: قالَ الواحِدِيُّ: المَعاذِيرُ جَمْعُ مَعْذِرَةٍ، يُقالُ: مَعْذِرَةٌ ومَعاذِرُ ومَعاذِيرُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ جَمْعُ المَعْذِرَةِ مَعاذِرُ، والمَعاذِيرُ لَيْسَ جَمْعَ مَعْذِرَةٍ، وإنَّما هو اسْمُ جَمْعٍ لَها، ونَحْوُهُ المَناكِيرُ في المُنْكَرِ، والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ وإنِ اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ وجادَلَ عَنْها وأتى بِكُلِّ عُذْرٍ وحُجَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ.

القَوْلُ الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: المَعاذِيرُ السُّتُورُ واحِدُها مِعْذارٌ، قالَ المُبَرِّدُ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ فَذاكَ مَجازٌ مِن حَيْثُ إنَّ السِّتْرَ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ المُحْتَجِبِ كَما تَمْنَعُ المَعْذِرَةُ عُقُوبَةَ الذَّنْبِ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ وإنْ أسْبَلَ السِّتْرَ لِيُخْفِيَ ما يَعْمَلُ، فَإنَّ نَفْسَهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ.

﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: زَعَمَ قَوْمٌ مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ أنَّ هَذا القُرْآنَ قَدْ غُيِّرَ وبُدِّلَ وزِيدَ فِيهِ ونُقِصَ عَنْهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها، ولَوْ كانَ هَذا التَّرْتِيبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ في بَيانِ المُناسِبَةِ وُجُوهًا:

أوَّلُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِعْجالُ المَنهِيُّ عَنْهُ إنَّما اتَّفَقَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ إنْزالِ هَذِهِ الآياتِ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالِ في هَذا الوَقْتِ، وقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وهَذا كَما أنَّ المُدَرِّسَ إذا كانَ يُلْقِي عَلى تِلْمِيذِهِ شَيْئًا، فَأخَذَ التِّلْمِيذُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَقُولُ المُدَرِّسُ في أثْناءِ ذَلِكَ الدَّرْسِ لا تَلْتَفِتْ يَمِينًا وشِمالًا ثُمَّ يَعُودُ إلى الدَّرْسِ، فَإذا نَقَلَ ذَلِكَ الدَّرْسَ مَعَ هَذا الكَلامِ في أثْنائِهِ، فَمَن لَمْ يَعْرِفِ السَّبَبَ يَقُولُ: إنَّ وُقُوعَ تِلْكَ الكَلِمَةِ في أثْناءِ ذَلِكَ الدَّرْسِ غَيْرُ مُناسِبٍ، لَكِنَّ مَن عَرَفَ الواقِعَةَ عَلِمَ أنَّهُ حَسُنَ التَّرْتِيبُ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يُحِبُّونَ

صفحة ١٩٧

السَّعادَةَ العاجِلَةَ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّعْجِيلَ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا حَتّى التَّعْجِيلَ في أُمُورِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وقالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿ولَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾ فَهَهُنا كانَ الرَّسُولُ ﷺ يُظْهِرُ التَّعْجِيلَ في القِراءَةِ مَعَ جِبْرِيلَ، وكانَ يَجْعَلُ العُذْرَ فِيهِ خَوْفَ النِّسْيانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ إذا أتَيْتَ بِهَذا العُذْرِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ الحِفْظَ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وإعانَتِهِ فاتْرُكْ هَذا التَّعْجِيلَ واعْتَمِدْ عَلى هِدايَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ .

ورابِعُها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ غَرَضَكَ مِن هَذا التَّعْجِيلِ أنْ تَحْفَظَهُ وتُبَلِّغَهُ إلَيْهِمْ لَكِنْ لا حاجَةَ إلى هَذا، فَإنَّ ”الإنْسانَ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ“، وهم بِقُلُوبِهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأوْثانِ وإنْكارِ البَعْثِ مُنْكَرٌ باطِلٌ، فَإذا كانَ غَرَضُكَ مِن هَذا التَّعْجِيلِ أنْ تُعَرِّفَهم قُبْحَ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ حاصِلَةٌ عِنْدَهم، فَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعْجِيلِ فائِدَةٌ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ .

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ أنَّهُ يَقُولُ: أيْنَ المَفَرُّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ فالكافِرُ كَأنَّهُ كانَ يَفِرُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ، فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ: إنَّكَ في طَلَبِ حِفْظِ القُرْآنِ تَسْتَعِينُ بِالتَّكْرارِ، وهَذا اسْتِعانَةٌ مِنكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فاتْرُكْ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، واسْتَعِنْ في هَذا الأمْرِ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الكافِرَ يَفِرُّ مِنَ اللَّهِ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنْتَ فَكُنْ كالمُضادِّ لَهُ، فَيَجِبُ أنْ تَفِرَّ مِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ وأنْ تَسْتَعِينَ في كُلِّ الأُمُورِ بِاللَّهِ، حَتّى يَحْصُلَ لَكَ المَقْصُودُ عَلى ما قالَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [ طه: ١١٤] أيْ: لا تَسْتَعِنْ في طَلَبِ الحِفْظِ بِالتَّكْرارِ، بَلِ اطْلُبْهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وسادِسُها: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ حالَ ما يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كِتابُهُ، فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [ الإسْراءِ: ١٤] فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ فَيُقالُ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ، فَإذا قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالإقْرارِ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ أمْرِهِ وشَرْحَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ، وحاصِلُ الأمْرِ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلى الكافِرِ جَمِيعَ أعْمالِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا وأشَدُّ التَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ الذَّنْبَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ إنْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ نَهاهُ عَنْهُ ؟ وإنْ كانَ لا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ ؟ الجَوابُ: لَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْجالَ كانَ مَأْذُونًا فِيهِ إلى وقْتِ النَّهْيِ عَنْهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْذُونًا فِيهِ في وقْتٍ ثُمَّ يَصِيرُ مَنهِيًّا عَنْهُ في وقْتٍ آخَرَ، ولِهَذا السَّبَبِ قُلْنا: يَجُوزُ النَّسْخُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حِفْظُ التَّنْزِيلِ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَ، فَأنْزَلَ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أيْ: بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ والقُرْآنِ، وإنَّما جازَ هَذا الإضْمارُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَما

صفحة ١٩٨

أُضْمِرَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [ القَدْرِ: ١]، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [ طه: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أيْ: لِتَعْجَلَ بِأخْذِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالواجِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فَذَلِكَ الوُجُوبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ البَعْثَةِ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ الوَحْيُ مَحْفُوظًا مُبَرَّأً عَنِ النِّسْيانِ، فَكانَ ذَلِكَ واجِبًا نَظَرًا إلى الحِكْمَةِ.

75:17–18Page 577

إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧

Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.

فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨

So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ مَعْناهُ: عَلَيْنا جَمْعُهُ في صَدْرِكَ وحِفْظِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ القُرْآنِ القِراءَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيُعِيدُهُ عَلَيْكَ حَتّى تَحْفَظَهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنّا سَنُقْرِئُكَ يا مُحَمَّدُ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [ الأعْلى: ٦]؛ فَعَلى هَذا الوَجْهِ الأوَّلِ القارِئُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي القارِئُ مُحَمَّدٌ ﷺ .

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القُرْآنِ الجَمْعَ والتَّأْلِيفَ، مِن قَوْلِهِمْ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ: ما جَمَعَتْ، وبِنْتُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ القُرْءِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ الجَمْعُ والقُرْآنُ واحِدًا فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ، قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَمْعِ جَمْعَهُ في نَفْسِهِ ووُجُودَهُ الخارِجِيَّ، ومِنَ القُرْآنِ جَمْعَهُ في ذِهْنِهِ، وحِفْظَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: جَعَلَ قِراءَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِراءَتَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ العَظِيمِ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَظِيرُهُ في حَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [ النِّساءِ: ٨٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ فَإذا قَرَأهُ جِبْرِيلُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ قَتادَةُ: فاتَّبِعْ حَلالَهُ وحَرامَهُ.

والثّانِي: فاتَّبِعْ قِراءَتَهُ، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ مُقارِنَةً لِقِراءَةِ جِبْرِيلَ، لَكِنْ يَجِبُ أنْ تَسْكُتَ حَتّى يُتِمَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ القِراءَةَ، فَإذا سَكَتَ جِبْرِيلُ فَخُذْ أنْتَ في القِراءَةِ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَدَعَ القِراءَةَ ويَسْتَمِعَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى إذا فَرَغَ جِبْرِيلُ قَرَأهُ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الأمْرِ بِاتِّباعِ ما فِيهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ أطْرَقَ واسْتَمَعَ، فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ.

75:19–21Page 577

ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩

Then upon Us is its clarification [to you].

كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠

No! But you [i.e., mankind] love the immediate

وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١

And leave [i.e., neglect] the Hereafter.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَسْألُ في

صفحة ١٩٩

أثْناءِ قِراءَتِهِ مُشْكِلاتِهِ ومَعانِيَهُ لِغايَةِ حِرْصِهِ عَلى العِلْمِ، فَنُهِيَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، أمّا عَنِ القِراءَةِ مَعَ قِراءَةِ جِبْرِيلَ فَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وأمّا عَنْ إلْقاءِ الأسْئِلَةِ في البَيانِ فَبِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن جَوَّزَ تَأْخِيرَ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

وأجابَ أبُو الحُسَيْنِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهِ.

الثّانِي: أنَّ عِنْدَنا الواجِبَ أنْ يُقْرَنَ بِاللَّفْظِ إشْعارًا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ اللَّفْظِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُهُ، فَأمّا البَيانُ التَّفْصِيلِيُّ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ التَّفْصِيلِيِّ، وذَكَرَ القَفّالُ وجْهًا ثالِثًا: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ: ثُمَّ إنّا نُخْبِرُكَ بِأنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [ البَلَدِ: ١٧] .

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَأْخِيرِ البَيانِ بَلْ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ وُجُوبِ البَيانِ، وعِنْدَنا الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ وُجُوبَ البَيانِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ الحاجَةِ.

وعَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ثُمَّ“ دَخَلَتْ مُطْلَقَ البَيانِ فَيَتَناوَلُ البَيانَ المُجْمَلَ والمُفَصَّلَ، وأمّا سُؤالُ القَفّالِ فَضَعِيفٌ أيْضًا لِأنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيانَ المُجْمَلِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. أمّا عِنْدَنا فَبِالوَعْدِ والتَّفَضُّلِ. وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَبِالحِكْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿كَلّا﴾ رَدْعٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ عادَةِ العَجَلَةَ، وحَثٌّ عَلى الأناةِ والتُّؤَدَةِ، وقَدْ بالَغَ في ذَلِكَ بِإتْباعِهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ؛ لِأنَّكم خُلِقْتُمْ مِن عَجَلٍ وطُبِعْتُمْ عَلَيْهِ تَعْجَلُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن ثَمَّ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ، وقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كَلّا﴾ مَعْناهُ حَقًّا، أيْ: حَقًّا تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُوَنَ الآخِرَةَ، والمَعْنى أنَّهم يُحِبُّونَ الدُّنْيا ويَعْمَلُونَ لَها ويَتْرُكُونَ الآخِرَةَ ويُعْرِضُونَ عَنْها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”تُحِبُّونَ“ و”تَذَرُونَ“ بِالتّاءِ والياءِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: القُرْآنُ إذا نَزَلَ تَعْرِيفًا لِحالِ قَوْمٍ، فَتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ لَهم. وتارَةً يَنْزِلُ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [ يُونُسَ: ٢٢] .

الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الياءُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [ المَعارِجِ: ١٩] والمَعْنى: أنَّهم يُحِبُّونَ ويَذَرُونَ، والتّاءُ عَلى: قُلْ لَهم: بَلْ تُحِبُّونَ وتَذَرُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском