Ar-RaziAl‑Insan · 76:15–22

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:15–22

76:15–16Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَعامَهم ولِباسَهم ومَسْكَنَهم وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرابَهم، وقَدَّمَ عَلَيْهِ وصْفَ تِلْكَ الأوانِي الَّتِي فِيها يَشْرَبُونَ، فَقالَ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، والصِّحافُ هي القِصاعُ، والغالِبُ فِيها الأكْلُ، فَإذا كانَ ما يَأْكُلُونَ فِيهِ ذَهَبًا، فَما يَشْرَبُونَ فِيهِ أوْلى أنْ يَكُونَ ذَهَبًا؛ لِأنَّ العادَةَ أنْ يُتَنَوَّقَ في إناءِ الشُّرْبِ ما لا يُتَنَوَّقُ في إناءِ الأكْلِ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إناءَ شُرْبِهِمْ يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ ذُكِرَ هَهُنا أنَّهُ مِنَ الفِضَّةِ، (والجَوابُ): أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَتارَةً يُسْقَوْنَ بِهَذا، وتارَةً بِذاكَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآنِيَةِ والأكْوابِ ؟ (الجَوابُ): قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأكْوابُ: الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى أنَّ الإناءَ يَقَعُ فِيهِ الشُّرْبُ كالقَدَحِ، والكُوبُ ما صُبَّ مِنهُ في الإناءِ كالإبْرِيقِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ”كانَتْ“ ؟ (الجَوابُ): هو مِن ”يَكُونُ“ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ تَكَوَّنَتْ قَوارِيرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ؛ تَفْخِيمًا لِتِلْكَ الخِلْقَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الجامِعَةِ بَيْنَ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الأكْوابُ مِن فِضَّةٍ ومِن قَوارِيرَ ؟ (الجَوابُ) عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أصْلَ القَوارِيرِ في الدُّنْيا الرَّمْلُ، وأصْلُ قَوارِيرِ الجَنَّةِ هو فِضَّةُ الجَنَّةِ، فَكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ الرَّمْلَ الكَثِيفَ زُجاجَةً صافِيَةً، فَكَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى أنْ يَقْلِبَ فِضَّةَ الجَنَّةِ قارُورَةً لَطِيفَةً، فالغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ نِسْبَةَ قارُورَةِ الجَنَّةِ إلى قارُورَةِ الدُّنْيا كَنِسْبَةِ فِضَّةِ الجَنَّةِ إلى رَمْلِ الدُّنْيا، فَكَما أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ

صفحة ٢٢١

هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، فَكَذا بَيْنَ القارُورَتَيْنِ في الصَّفاءِ واللَّطافَةِ.

وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في الدُّنْيا شَيْءٌ مِمّا في الجَنَّةِ إلّا الأسْماءُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكَمالُ الفِضَّةِ في بَقائِها ونَقائِها وشَرَفِها إلّا أنَّهُ كَثِيفُ الجَوْهَرِ، وكَمالُ القارُورَةِ في شَفافِيَّتِها وصَفائِها إلّا أنَّهُ سَرِيعُ الِانْكِسارِ، فَآنِيَةُ الجَنَّةِ آنِيَةٌ يَحْصُلُ فِيها مِنَ الفِضَّةِ بَقاؤُها ونَقاؤُها وشَرَفُ جَوْهَرِها، ومِنَ القارُورَةِ صَفاؤُها وشَفافِيَّتُها.

وثالِثُها: أنَّها تَكُونُ فِضَّةً ولَكِنْ لَها صَفاءُ القارُورَةِ، ولا يُسْتَبْعَدُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ.

ورابِعُها: أنَّ المُرادَ بِالقَوارِيرِ في الآيَةِ لَيْسَ هو الزُّجاجَ؛ فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّيَ ما اسْتَدارَ مِنَ الأوانِي الَّتِي تُجْعَلُ فِيها الأشْرِبَةُ ورَقَّ وصَفا قارُورَةً، فَمَعْنى الآيَةِ: وأكْوابٍ مِن فِضَّةٍ مُسْتَدِيرَةٍ صافِيَةٍ رَقِيقَةٍ.

السُّؤالُ الخامِسُ: كَيْفَ القِراءَةُ في (قَوارِيرًا قَوارِيرَ) ؟ (الجَوابُ) قُرِئا غَيْرَ مُنَوَّنَيْنِ، وبِتَنْوِينِ الأوَّلِ، وبِتَنْوِينِهِما، وهَذا التَّنْوِينُ بَدَلٌ عَنْ ألْفِ الإطْلاقِ؛ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، وفي الثّانِي لِإتْباعِهِ الأوَّلَ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، فَيَتْبَعُ البَدَلُ المُبْدَلَ، وقُرِئَ: ”قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ“ بِالرَّفْعِ عَلى: هي قَوارِيرُ. و”قَدَّرُوها“ صِفَةٌ لِـ ”قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ“ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ مِنَ الرِّيِّ؛ لِيَكُونَ ألَذَّ لِشُرْبِهِمْ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: إنَّ تِلْكَ الأوانِيَ تَكُونُ بِمِقْدارِ مِلْءِ الكَفِّ، لَمْ تَعْظُمْ فَيَثْقُلَ حِمْلُها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُنْتَهى مُرادِ الرَّجُلِ في الآنِيَةِ الَّتِي يَشْرَبُ مِنها الصَّفاءُ والنَّقاءُ والشَّكْلُ، أمّا الصَّفاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتْ قَوارِيرَ﴾ وأمّا النَّقاءُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فِضَّةٍ﴾، وأمّا الشَّكْلُ فَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُقَدِّرُ لِهَذا التَّقْدِيرِ مَن هو ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ الطّائِفُونَ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ رِيِّ الشّارِبِ.

والثّانِي: أنَّهم هُمُ الشّارِبُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا اشْتَهَوْا مِقْدارًا مِنَ المَشْرُوبِ جاءَهم عَلى ذَلِكَ القَدْرِ.

76:17–18Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أوانِيَ مَشْرُوبِهِمْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وصْفَ مَشْرُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾، العَرَبُ كانُوا يُحِبُّونَ جَعْلَ الزَّنْجَبِيلِ في المَشْرُوبِ؛ لِأنَّهُ يُحْدِثُ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ اللَّذْعِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ شَرابَ أهْلِ الجَنَّةِ بِذَلِكَ، ولا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في الطِّيبِ عَلى أقْصى الوُجُوهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ مِمّا في الجَنَّةِ، فَلَيْسَ مِنهُ في الدُّنْيا إلّا الِاسْمُ. وتَمامُ القَوْلِ هَهُنا مِثْلُ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لَمْ أسْمَعِ السَّلْسَبِيلَ إلّا في القُرْآنِ، فَعَلى هَذا لا يُعْرَفُ لَهُ اشْتِقاقٌ، وقالَ الأكْثَرُونَ: يُقالُ: شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ وسَلْسَبِيلٌ، أيْ: عَذْبٌ سَهْلُ المَساغِ، وقَدْ زِيدَتِ الباءُ في التَّرْكِيبِ

صفحة ٢٢٢

حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً، ودَلَّتْ عَلى غايَةِ السَّلاسَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّلْسَبِيلُ في اللُّغَةِ صِفَةٌ لِما كانَ في غايَةِ السَّلاسَةِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ السَّلْسَبِيلِ هو أنَّ ذَلِكَ الشَّرابَ يَكُونُ في طَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ لَذْعَةٌ؛ لِأنَّ نَقِيضَ اللَّذْعِ هو السَّلاسَةُ، وقَدْ عَزَوْا إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ مَعْناهُ: سَلْ سَبِيلًا إلَيْها. وهو بَعِيدٌ، إلّا أنْ يُرادَ أنَّ جُمْلَةَ قَوْلِ القائِلِ: (سَلْ سَبِيلًا) جُعِلَتْ عَلَمًا لِلْعَيْنِ، كَما قِيلَ: تَأبَّطَ شَرًّا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَشْرَبُ مِنها إلّا مَن سَألَ إلَيْها سَبِيلًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ ”عَيْنًا“ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”زَنْجَبِيلًا“ .

وثانِيهِما: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”سَلْسَبِيلًا“ صُرِفَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ”الظُّنُونا“ و”السَّبِيلا“، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ ذَلِكَ.

76:19–20Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَن يَكُونُ خادِمًا في تِلْكَ المَجالِسِ فَقالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في سُورَةِ الواقِعَةِ، والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ دَوامُ كَوْنِهِمْ عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي لا يُرادُ في الخَدَمِ أبْلَغُ مِنها، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ دَوامَ حَياتِهِمْ وحُسْنِهِمْ ومُواظَبَتِهِمْ عَلى الخِدْمَةِ الحَسَنَةِ المُوافِقَةِ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: مُخَلَّدُونَ مُسَوَّرُونَ، ويُقالُ: مُقَرَّطُونَ. ورَوى نَفْطَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّدُونَ مُحَلَّوْنَ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ وفي كَيْفِيَّةِ التَّشْبِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: شُبِّهُوا في حُسْنِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في مَجالِسِهِمْ ومَنازِلِهِمْ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِأنْواعِ الخِدْمَةِ بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ، ولَوْ كانَ صَفًّا لَشُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فَإذا كانُوا يَطُوفُونَ كانُوا مُتَناثِرِينَ.

وثانِيها: أنَّهم شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ إذا انْتَثَرَ مِن صَدَفِهِ؛ لِأنَّهُ أحْسَنُ وأكْثَرُ ماءً.

وثالِثُها: قالَ القاضِي: هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ العَجِيبِ؛ لِأنَّ اللُّؤْلُؤَ إذا كانَ مُتَفَرِّقًا يَكُونُ أحْسَنَ في المَنظَرِ لِوُقُوعِ شُعاعِ بَعْضِهِ عَلى البَعْضِ، فَيَكُونُ مُخالِفًا لِلْمُجْتَمِعِ مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ تَفْصِيلَ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ، أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ هُناكَ أُمُورًا أعْلى وأعْظَمَ مِن هَذا القَدْرِ المَذْكُورِ فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾؛ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”رَأيْتَ“ هَلْ لَهُ مَفْعُولٌ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، وصَلُحَ إضْمارُ ”ما“ كَما قالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] يُرِيدُ ما بَيْنَكم، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ إضْمارُ ”ما“؛ لِأنَّ ”ثَمَّ“ صِلَةٌ، و”ما“ مَوْصُولُها، ولا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفْعُولٌ ظاهِرٌ ولا مُقَدَّرٌ، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَشِيعَ ويَعُمَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا وجَدْتَ الرُّؤْيَةَ ثَمَّ، ومَعْناهُ أنَّ بَصَرَ الرّائِي أيْنَما وقَعَ لَمْ يَتَعَلَّقْ إدْراكُهُ إلّا بِنَعِيمٍ كَثِيرٍ ومُلْكٍ كَبِيرٍ. و”ثَمَّ“ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ، يَعْنِي في الجَنَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مَحْصُورَةٌ في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وإمْضاءِ الغَضَبِ،

صفحة ٢٢٣

واللَّذَّةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِحُبِّ المالِ والجاهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحْقَرٌ، فَإنَّ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ قَدْ تُشارِكُ الإنْسانَ في واحِدٍ مِنها، فالمُلْكُ الكَبِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ هَهُنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِتِلْكَ اللَّذّاتِ الحَقِيرَةِ، وما هو إلّا أنْ تَصِيرَ نَفْسُهُ مُنْتَقَشَةً بِقُدْسِ المَلَكُوتِ، مُتَحَلِّيَةً بِجَلالِ حَضْرَةِ اللّاهُوتِ، وأمّا ما هو عَلى أُصُولِ المُتَكَلِّمِينَ فالوَجْهُ فِيهِ أيْضًا أنَّهُ الثَّوابُ والمَنفَعَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، فَبَيَّنَ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ تَفْصِيلَ تِلْكَ المَنافِعِ، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حُصُولَ التَّعْظِيمِ، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَكُونُ كالمَلِكِ العَظِيمِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَمِنهم مَن حَمَلَ هَذا المُلْكَ الكَبِيرَ عَلى أنَّ هُناكَ مَنافِعَ أزْيَدَ مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَقْدِرُ واصِفٌ يَصِفُ حُسْنَهُ ولا طِيبَهُ.

ويُقالُ: إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً يَنْظُرُ في مُلْكِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، ويَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ، وقِيلَ: لا زَوالَ لَهُ، وقِيلَ: إذا أرادُوا شَيْئًا حَصَلَ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّعْظِيمِ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: هو أنْ يَأْتِيَ الرَّسُولُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكَرامَةٍ مِنَ الكُسْوَةِ والطَّعامِ والشَّرابِ والتُحَفِ إلى ولِيِّ اللَّهِ وهو في مَنزِلِهِ فَيَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ، ولا يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَسُولُ رَبِّ العِزَّةِ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ المُطَهَّرِينَ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ خاصَّةً، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أرَأيْتَ إنْ دَخَلْتُ الجَنَّةَ أتَرى عَيْنايَ ما تَرى عَيْناكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. فَبَكى حَتّى ماتَ»، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو خِطابٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ ”عالِيهِمْ“ بِإسْكانِ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ، أمّا القِراءَةُ الأُولى فالوَجْهُ فِيها أنْ يَكُونَ ”عالِيهِمْ“ مُبْتَدَأً، و”ثِيابُ سُنْدُسٍ“ خَبَرَهُ، والمَعْنى: ما يَعْلُوهم مِن لِباسِهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، فَإنْ قِيلَ: ”عالِيهِمْ“ مُفْرَدٌ، و”ثِيابُ سُنْدُسٍ“ جَماعَةٌ، والمُبْتَدَأُ إذا كانَ مُفْرَدًا لا يَكُونُ خَبَرُهُ جَمْعًا، قُلْنا: المُبْتَدَأُ، وهو قَوْلُهُ: (عالِيهِمْ) وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ، فَهو جَمْعٌ في المَعْنى، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ كَأنَّهُ أُفْرِدَ مِن حَيْثُ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ.

أمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي فَتْحُ الياءِ، فَذَكَرُوا في هَذا النَّصْبِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ”عالِي“ بِمَعْنى فَوْقُ أُجْرِيَ مَجْراهُ في هَذا الإعْرابِ، كَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كَذَلِكَ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، ثُمَّ هَذا أيْضًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: التَّقْدِيرُ: ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ.

وثانِيها: التَّقْدِيرُ: وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَطُوفُ عَلى الأبْرارِ وِلْدانٌ حالَ ما يَكُونُ الأبْرارُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ.

ورابِعُها: حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا حالَ ما يَكُونُ عالِيهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، فَعَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ تَكُونُ الثِّيابُ ثِيابَ الأبْرارِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الرّابِعِ تَكُونُ الثِّيابُ ثِيابَ الوِلْدانِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في سَبَبِ هَذا النَّصْبِ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: رَأيْتَ أهْلَ نَعِيمٍ ومُلْكٍ عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ: ”خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ“ كِلاهُما بِالرَّفْعِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ كِلاهُما بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”خُضْرٍ“ بِالخَفْضِ، و”إسْتَبْرَقٌ“ بِالرَّفْعِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: ”خُضْرٌ“ بِالرَّفْعِ،

صفحة ٢٢٤

و”إسْتَبْرَقٍ“ بِالخَفْضِ، وحاصِلُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ خُضْرًا يَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ والرَّفْعُ، أمّا الرَّفْعُ فَإذا جَعَلْتَها صِفَةً لِثِيابٍ، وذَلِكَ ظاهِرٌ؛ لِأنَّها صِفَةُ مَجْمُوعَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَجْمُوعَةٍ، وأمّا الخَفْضُ فَإذا جَعَلْتَها صِفَةَ سُنْدُسٍ؛ لِأنَّ ”سُنْدُسٍ“ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فَكانَ في مَعْنى الجَمْعِ، وأجازَ الأخْفَشُ وصْفَ اللَّفْظِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِالجَمْعِ، كَما يُقالُ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ، والدِّرْهَمُ البِيضُ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّهُ قَبِيحٌ، والدَّلِيلُ عَلى قُبْحِهِ أنَّ العَرَبَ تَجِيءُ بِالجَمْعِ الَّذِي هو في لَفْظِ الواحِدِ فَيُجْرُونَهُ مُجْرى الواحِدِ، وذَلِكَ قَوْلُهم: حَصًى أبْيَضُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠] و﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] إذْ كانُوا قَدْ أفْرَدُوا صِفاتِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الجَمْعِ، فالواحِدُ الَّذِي في مَعْنى الجَمْعِ أوْلى أنْ تُفْرَدَ صِفَتُهُ. وأمّا ”إسْتَبْرَقٌ“ فَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والخَفْضُ أيْضًا مَعًا، أمّا الرَّفْعُ فَإذا أُرِيدَ بِهِ العَطْفُ عَلى الثِّيابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٌ“ وأمّا الخَفْضُ فَإذا أُرِيدَ إضافَةُ الثِّيابِ إلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ”ثِيابُ سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ“ والمَعْنى ثِيابُهُما، فَأضافَ الثِّيابَ إلى الجِنْسَيْنِ، كَما يُقالُ: ثِيابُ خَزٍّ وكَتّانٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ حَقائِقَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الكَهْفِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السُّنْدُسُ ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في اسْمِ الحَرِيرِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ ثُمَّ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ هَذا لِباسُهم هُمُ الوِلْدانُ المُخَلَّدُونَ، وقِيلَ: هَذا لِباسُ الأبْرارِ، وكَأنَّهم يَلْبَسُونَ عِدَّةً مِنَ الثِّيابِ، فَيَكُونُ الَّذِي يَعْلُوها أفْضَلَها، ولِهَذا قالَ: ﴿عالِيَهُمْ﴾ وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾، ومَعْنى ﴿عالِيَهُمْ﴾ أيْ: فَوْقَ حِجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ عَلَيْهِمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ، والمَعْنى أنَّ حِجالَهم مِنَ الحَرِيرِ والدِّيباجِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾، وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١] فَكَيْفَ جَعَلَ تِلْكَ الأساوِرَ هَهُنا مِن فِضَّةٍ ؟ (والجَوابُ) مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَعَلَّهم يُسَوَّرُونَ بِالجِنْسَيْنِ؛ إمّا عَلى المُعاقَبَةِ أوْ عَلى الجَمْعِ كَما تَفْعَلُ النِّساءُ في الدُّنْيا.

وثانِيها: أنَّ الطِّباعَ مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّ إنْسانٍ يَكُونُ اسْتِحْسانُهُ لِبَياضِ الفِضَّةِ فَوْقَ اسْتِحْسانِهِ لِصُفْرَةِ الذَّهَبِ، فاللَّهُ تَعالى يُعْطِي كُلَّ أحَدٍ ما تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِيهِ أتَمَّ، ومَيْلُهُ إلَيْهِ أشَدَّ.

وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الأسْوِرَةَ مِنَ الفِضَّةِ إنَّما تَكُونُ لَلْوِلْدانِ، الَّذِينَ هُمُ الخَدَمُ، وأسْوِرَةُ الذَّهَبِ لِلنّاسِ.

السُّؤالُ الثّانِي: السُّوارُ إنَّما يَلِيقُ بِالنِّساءِ، وهو عَيْبٌ لِلرِّجالِ، فَكَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ ؟ (الجَوابُ): أهْلُ الجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ شَبابٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُحَلَّوْا ذَهَبًا وفِضَّةً، وإنْ كانُوا رِجالًا، وقِيلَ: هَذِهِ الأسْوِرَةُ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ إنَّما تَكُونُ لِنِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ ولِلصِّبْيانِ فَقَطْ، ثُمَّ غَلَبَ في اللَّفْظِ جانِبُ التَّذْكِيرِ. وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ آلَةَ أكْثَرِ الأعْمالِ هي اليَدُ، وتِلْكَ الأعْمالُ والمُجاهَداتُ هي الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِها إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ الصَّمَدِيَّةِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الأعْمالُ جارِيَةً مَجْرى الذَّهَبِ والفِضَّةِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهِما إلى تَحْصِيلِ المَطالِبِ، فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ صادِرَةً مِنَ اليَدِ كانَتْ تِلْكَ الأعْمالُ جارِيَةً مَجْرى سِوارِ

صفحة ٢٢٥

الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَسُمِّيَتِ الأعْمالُ والمُجاهَداتُ بِسِوارِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأنْوارِ الفائِضَةِ عَنِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فَهَذا احْتِمالٌ خَطَرَ بِالبالِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ الطَّهُورُ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُبالَغَةُ في كَوْنِهِ طاهِرًا، ثُمَّ فِيهِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ احْتِمالاتٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لا يَكُونُ نَجِسًا كَخَمْرِ الدُّنْيا.

وثانِيها: المُبالَغَةُ في البُعْدِ عَنِ الأُمُورِ المُسْتَقْذَرَةِ، يَعْنِي ما مَسَّتْهُ الأيْدِي الوَضِرَةُ، وما داسَتْهُ الأقْدامُ الدَّنِسَةُ.

وثالِثُها: أنَّها لا تَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّها تَرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ.

القَوْلُ الثّانِي في الطَّهُورِ: أنَّهُ المُطَهِّرُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ أيْضًا في الآيَةِ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: قالَ مُقاتِلٌ: هو عَيْنُ ماءٍ عَلى بابِ الجَنَّةِ تَنْبُعُ مِن ساقِ شَجَرَةٍ مَن شَرِبَ مِنها نَزَعَ اللَّهُ ما كانَ في قَلْبِهِ مِن غِلٍّ وغِشٍّ وحَسَدٍ، وما كانَ في جَوْفِهِ مِن قَذَرٍ وأذًى.

وثانِيهِما: قالَ أبُو قِلابَةَ: يُؤْتَوْنَ الطَّعامَ والشَّرابَ، فَإذا كانَ في آخِرِ ذَلِكَ أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ فَتَطْهُرُ بِذَلِكَ بُطُونُهم، ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ الطَّهُورُ مُطَهِّرًا؛ لِأنَّهُ يُطَهِّرُ باطِنَهم عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والأشْياءِ المُؤْذِيَةِ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ هو عَيْنُ ما ذَكَرَ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنَّهم يَشْرَبُونَ مِن عَيْنِ الكافُورِ والزَّنْجَبِيلِ والسَّلْسَبِيلِ، أوْ هَذا نَوْعٌ آخَرُ ؟ قُلْنا: بَلْ هَذا نَوْعٌ آخَرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: دَفْعُ التَّكْرارِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أضافَ هَذا الشَّرابَ إلى نَفْسِهِ، فَقالَ: ﴿وسَقاهم رَبُّهُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَضْلٍ في هَذا دُونَ غَيْرِهِ.

وثالِثُها: ما رُوِّينا أنَّهُ تُقَدَّمُ إلَيْهِمُ الأطْعِمَةُ والأشْرِبَةُ، فَإذا فَرَغُوا مِنها أُتُوا بِالشَّرابِ الطَّهُورِ فَيَشْرَبُونَ، فَيُطَهِّرُ ذَلِكَ بُطُونَهم، ويَفِيضُ عَرَقٌ مِن جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ المِسْكِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الشَّرابَ مُغايِرٌ لِتِلْكَ الأشْرِبَةِ، ولِأنَّ هَذا الشَّرابَ يَهْضِمُ سائِرَ الأشْرِبَةِ، ثُمَّ لَهُ مَعَ هَذا الهَضْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ، وهو أنَّهُ يَجْعَلُ سائِرَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ عَرَقًا يَفُوحُ مِنهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُغايَرَةِ.

ورابِعُها: وهو أنَّ الرُّوحَ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ، والأنْوارُ الفائِضَةُ مِن جَواهِرِ أكابِرِ المَلائِكَةِ وعُظَمائِهِمْ عَلى هَذِهِ الأرْواحِ مُشَبَّهَةٌ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يُزِيلُ العَطَشَ ويُقَوِّي البَدَنَ، وكَما أنَّ العُيُونَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّفاءِ والكَثْرَةِ والقُوَّةِ، فَكَذا يَنابِيعُ الأنْوارِ العُلْوِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها تَكُونُ كافُورِيَّةً عَلى طَبْعِ البَرْدِ واليُبْسِ، ويَكُونُ صاحِبُها في الدُّنْيا في مَقامِ الخَوْفِ والبُكاءِ والِانْقِباضِ، وبَعْضُها تَكُونُ زَنْجَبِيلِيَّةً عَلى طَبْعِ الحَرِّ واليُبْسِ، فَيَكُونُ صاحِبُ هَذِهِ الحالَةِ قَلِيلَ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى، قَلِيلَ المُبالاةِ بِالأجْسامِ والجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ لا تَزالُ الرُّوحُ البَشَرِيَّةُ مُنْتَقِلَةً مِن يَنْبُوعٍ إلى يَنْبُوعٍ، ومِن نُورٍ إلى نُورٍ، ولا شَكَّ أنَّ الأسْبابَ والمُسَبَّباتِ مُتَناهِيَةٌ في ارْتِقائِها إلى واجِبِ الوُجُودِ الَّذِي هو النُّورُ المُطْلَقُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَزَّ كَمالُهُ، فَإذا وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ وشَرِبَ مِن ذَلِكَ الشَّرابِ انْهَضَمَتْ تِلْكَ الأشْرِبَةُ المُتَقَدِّمَةُ، بَلْ فَنِيَتْ؛ لِأنَّ نُورَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى يَضْمَحِلُّ في مُقابَلَةِ نُورِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ، ومُنْتَهى دَرَجاتِهِمْ في الِارْتِقاءِ والكَمالِ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ ثَوابِ الأبْرارِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ .

صفحة ٢٢٦

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَمَّمَ شَرْحَ أحْوالِ السُّعَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِأهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيها، ومُشاهَدَتِهِمْ لِنَعِيمِها: إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً قَدْ أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَكم إلى هَذا الوَقْتِ، فَهو كُلُّهُ لَكم بِأعْمالِكم عَلى قِلَّةِ أعْمالِكم، كَما قالَ حاكِيًا عَنِ المَلائِكَةِ: إنَّهم يَقُولُونَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، وقالَ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ أنْ يَزْدادَ سُرُورُهم، فَإنَّهُ يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمُّهُ وألَمُ قَلْبِهِ، ويُقالُ لِلْمُثابِ: هَذا بِطاعَتِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْنِئَةً لَهُ وزِيادَةً في سُرُورِهِ، والقائِلُ بِهَذا التَّفْسِيرِ جَعَلَ القَوْلَ مُضْمَرًا، أيْ: ويُقالُ لَهم هَذا الكَلامُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ في الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ تَعالى شَرَحَ جَوابَ أهْلِ الجَنَّةِ، أنَّ هَذا كانَ في عِلْمِي وحُكْمِي جَزاءً لَكم يا مَعاشِرَ عِبادِي، لَكم خَلَقْتُها، ولِأجْلِكم أعْدَدْتُها. وبَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا كانَ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ اللَّهِ جَزاءً عَلى فِعْلِ اللَّهِ ؟

(الجَوابُ): الجُزْءُ هو الكافِي، وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ فِعْلًا لِلَّهِ تَعالى.

السُّؤالُ الثّانِي: كَوْنُ سَعْيِ العَبْدِ مَشْكُورًا لِلَّهِ يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ شاكِرًا لَهُ.

(والجَوابُ): كَوْنُ اللَّهِ تَعالى شاكِرًا لِلْعَبْدِ مُحالٌ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ، وهو مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ الثَّوابَ مُقابِلٌ لِعِلْمِهِمْ، كَما أنَّ الشُّكْرَ مُقابِلٌ لِلنِّعَمِ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ: إنَّهُ مَشْهُورٌ في كَلامِ النّاسِ أنْ يَقُولُوا لِلرّاضِي بِالقَلِيلِ والمُثْنِي بِهِ: إنَّهُ شَكُورٌ، فَيُحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شُكْرُ اللَّهِ لِعِبادِهِ هو رِضاهُ عَنْهم بِالقَلِيلِ مِنَ الطّاعاتِ، وإعْطاءَهُ إيّاهم عَلَيْهِ ثَوابًا كَثِيرًا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مُنْتَهى دَرَجَةِ العَبْدِ أنْ يَكُونَ راضِيًا مِن رَبِّهِ مَرْضِيًّا لِرَبِّهِ عَلى ما قالَ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] وكَوْنُها راضِيَةً مِن رَبِّهِ أقَلُّ دَرَجَةً مِن كَوْنِها مَرْضِيَّةً لِرَبِّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً﴾ إشارَةٌ إلى الأمْرِ الَّذِي بِهِ تَصِيرُ النَّفْسُ راضِيَةً مِن رَبِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَرْضِيَّةً لِرَبِّهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحالُ أعْلى المَقاماتِ وآخِرَ الدَّرَجاتِ، لا جَرَمَ وقَعَ الخَتْمُ عَلَيْها في ذِكْرِ مَراتِبِ أحْوالِ الأبْرارِ والصِّدِّيقِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском