Ar-RaziAl‑Insan · 76:23–31

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:23–31

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الإنْسانَ وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ مِن أمْشاجٍ، والمُرادُ مِنهُ إمّا كَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ، أوْ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، أوْ مِن ماءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، أوْ مِنَ الأعْضاءِ والأرْواحِ، أوْ مِنَ البَدَنِ

صفحة ٢٢٧

والنَّفْسِ، أوْ مِن أحْوالٍ مُتَعاقِبَةٍ عَلى ذَلِكَ الجِسْمِ، مِثْلُ كَوْنِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظامًا، وعَلى أيِّ هَذِهِ الوُجُوهِ تُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ، فَلِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الصّانِعِ المُخْتارِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنِّي ما خَلَقْتُهُ ضائِعًا عاطِلًا باطِلًا، بَلْ خَلَقْتُهُ لِأجْلِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] وهَهُنا مَوْضِعُ الخُصُومَةِ العَظِيمَةِ القائِمَةِ بَيْنَ أهْلِ الجَبْرِ والقَدَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنِّي أعْطَيْتُهُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، وهو السَّمْعُ والبَصَرُ والعَقْلُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] ولَمّا كانَ العَقْلُ أشْرَفَ الأُمُورِ المُحْتاجِ إلَيْها في هَذا البابِ أفْرَدَهُ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ، فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الخَلْقَ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ صارُوا قِسْمَيْنِ؛ مِنهم شاكِرٌ، ومِنهم كُفُورٌ، وهَذا الِانْقِسامُ بِاخْتِيارِهِمْ كَما هو تَأْوِيلُ القَدَرِيَّةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَلى ما هو تَأْوِيلُ الجَبْرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَذابَ الكُفّارِ عَلى الِاخْتِصارِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَوابَ المُطِيعِينَ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، وهو إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الِاخْتِصارَ في ذِكْرِ العِقابِ مَعَ الإطْنابِ في شَرْحِ الثَّوابِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ وأقْوى، فَظَهَرَ مِمّا بَيَّنّا أنَّ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى هَذا المَوْضِعِ في بَيانِ أحْوالِ الآخِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى شَرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ في أحْوالِ الدُّنْيا، وقَدَّمَ شَرْحَ أحْوالِ المُطِيعِينَ عَلى شَرْحِ أحْوالِ المُتَمَرِّدِينَ، أمّا المُطِيعُونَ فَهُمُ الرَّسُولُ وأُمَّتُهُ، والرَّسُولُ هو الرَّأْسُ والرَّئِيسُ، فَلِهَذا خُصَّ الرَّسُولُ بِالخِطابِ.

واعْلَمْ أنَّ الخِطابَ إمّا النَّهْيُ وإمّا الأمْرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَبْلَ الخَوْضِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالرَّسُولِ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ، قَدَّمَ مُقَدِّمَةً في تَقْوِيَةِ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ وإزالَةِ الغَمِّ والوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالطّاعَةِ والقِيامَ بِعُهْدَةِ التَّكْلِيفِ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ فَراغِ القَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ ذَكَرَ نَهْيَهُ عَنْ بَعْضِ الأشْياءِ، ثُمَّ بَعْدَ الفَراغِ عَنِ النَّهْيِ ذَكَرَ أمْرَهُ بِبَعْضِ الأشْياءِ، وإنَّما قَدَّمَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ لِأنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ، وإزالَةَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلى تَحْصِيلِ ما يَنْبَغِي، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ المُتَمَرِّدِينَ والكُفّارِ عَلى ما سَيَأْتِي تَفْصِيلُ بَيانِهِ، ومَن تَأمَّلَ فِيما ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وقَعَتْ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ والنِّظامِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَوَّرَ عَقْلَ هَذا المِسْكِينِ الضَّعِيفِ بِهَذِهِ الأنْوارِ، ولَهُ الشُّكْرُ عَلَيْهِ أبَدَ الآبادِ.

ولِنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: أمّا تِلْكَ المُقَدِّمَةُ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَثْبِيتُ الرَّسُولِ وشَرْحُ صَدْرِهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن كِهانَةٍ وسِحْرٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ بالَغَ وكَرَّرَ الضَّمِيرَ بَعْدَ إيقاعِهِ اسْمًا؛ لِأنَّ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ أبْلَغُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنْ كانَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ يَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ كِهانَةٌ، فَأنا اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ أقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ: إنَّ ذَلِكَ وحْيٌ حَقٌّ، وتَنْزِيلٌ صِدْقٌ مِن عِنْدِي. وهَذا فِيهِ فائِدَتانِ:

إحْداهُما: إزالَةُ الوَحْشَةِ المُتَقَدِّمَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ طَعْنِ أُولَئِكَ الكُفّارِ؛ فَإنَّ بَعْضَ الجُهّالِ وإنْ طَعَنُوا فِيهِ إلّا أنَّ جَبّارَ السَّماواتِ عَظَّمَهُ وصَدَّقَهُ.

والثّانِيَةُ: تَقْوِيَتُهُ عَلى تَحَمُّلِ التَّكْلِيفِ المُسْتَقْبَلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يُبالِغُونَ في إيذائِهِ، وهو كانَ يُرِيدُ مُقاتَلَتَهم، فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ وتَرْكِ المُقاتَلَةِ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: إنِّي ما نَزَّلْتُ عَلَيْكَ هَذا القُرْآنَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا إلّا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ كُلِّ شَيْءٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، ولَقَدِ اقْتَضَتْ تِلْكَ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَ الإذْنِ في القِتالِ، فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ

صفحة ٢٢٨

الصّادِرِ عَنِ الحِكْمَةِ المَحْضَةِ المُبَرَّأِ عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ والباطِلِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ ذَكَرَ النَّهْيَ فَقالَ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾

76:24Page 579

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

فَإمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ في تَأْخِيرِ الإذْنِ في القِتالِ، ونَظِيرُهُ ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧] أوْ يَكُونَ المَعْنى عامًّا في جَمِيعِ التَّكالِيفِ، أيْ فاصْبِرْ في كُلِّ ما حَكَمَ بِهِ رَبُّكَ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا خاصًّا بِكَ مِنَ العِباداتِ والطّاعاتِ أوْ مُتَعَلِّقًا بِالغَيْرِ، وهو التَّبْلِيغُ وأداءُ الرِّسالَةِ وتَحَمُّلُ المَشاقِّ النّاشِئَةِ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ دَخَلَ فِيهِ أنْ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ فَكانَ ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذا تَكْرِيرًا.

(الجَوابُ) الأوَّلُ أمْرٌ بِالمَأْمُوراتِ، والثّانِي نَهْيٌ عَنِ المَنهِيّاتِ، ودَلالَةُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ بِالِالتِزامِ لا بِالتَّصْرِيحِ، فَيَكُونُ التَّصْرِيحُ بِهِ مُفِيدًا.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يُطِيعُ أحَدًا مِنهم، فَما الفائِدَةُ في هَذا النَّهْيِ ؟ (الجَوابُ): المَقْصُودُ بَيانُ أنَّ النّاسَ مُحْتاجُونَ إلى مُواصَلَةِ التَّنْبِيهِ والإرْشادِ، لِأجْلِ ما تَرَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ الدّاعِيَةِ إلى الفَسادِ، وأنَّ أحَدًا لَوِ اسْتَغْنى عَنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ وإمْدادِهِ وإرْشادِهِ، لَكانَ أحَقُّ النّاسِ بِهِ هو الرَّسُولَ المَعْصُومَ، ومَتى ظَهَرَ ذَلِكَ عَرَفَ كُلُّ مُسْلِمٍ أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ في أنْ يَصُونَهُ عَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآثِمِ والكَفُورِ ؟ (الجَوابُ): الآثِمُ هو المُقْدِمُ عَلى المَعاصِي، أيَّ مَعْصِيَةٍ كانَتْ، والكَفُورُ هو الجاحِدُ لِلنِّعْمَةِ، فَكُلُّ كَفُورٍ آثِمٌ، ولَيْسَ كُلُّ آثِمٍ كَفُورًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآثِمَ عامٌّ في المَعاصِي كُلِّها؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] فَسَمّى الشِّرْكَ إثْمًا، وقالَ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقالَ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ هَذا الإثْمَ شامِلٌ لِكُلِّ المَعاصِي.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ في حَقِّهِ هَذانِ الوَصْفانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا عَبَدَ غَيْرَهُ، فَقَدْ عَصاهُ وجَحَدَ إنْعامَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: الآثِمُ والكَفُورُ هو شَخْصٌ واحِدٌ، وهو أبُو جَهْلٍ، ومِنهم مَن قالَ: الآثِمُ هو الوَلِيدُ، والكَفُورُ هو عُتْبَةُ، قالَ القَفّالُ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى سَمّى الوَلِيدَ أثِيمًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ الآثِمَ هو عُتْبَةُ، والكَفُورَ هو الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ، مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، والوَلِيدَ كانَ غالِيًا في الكُفْرِ. والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُتَأيِّدٌ بِالقُرْآنِ، يُرْوى أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ حَتّى أُزَوِّجَكَ ولَدِي، فَإنِّي مِن أجْمَلِ قُرَيْشٍ ولَدًا، وقالَ الوَلِيدُ: أنا أُعْطِيكَ مِنَ المالِ حَتّى تَرْضى، فَإنِّي مِن أكْثَرِهِمْ مالًا. فَقَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ حم السَّجْدَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فانْصَرَفا عَنْهُ، وقالَ أحَدُهُما: ظَنَنْتُ أنَّ الكَعْبَةَ سَتَقَعُ عَلَيَّ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآثِمَ

صفحة ٢٢٩

والكَفُورَ مُطْلَقانِ غَيْرُ مُخْتَصَّيْنِ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وهَذا هو الأقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: الآثِمُ هو المُنافِقُ، والكَفُورُ مُشْرِكُو العَرَبِ، وهَذا ضَعِيفٌ، بَلِ الحَقُّ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الآثِمَ عامٌّ، والكُفُورَ خاصٌّ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: كانُوا كُلُّهم كَفَرَةً، فَما مَعْنى القِسْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ ؟ ( الجَوابُ: ( الكَفُورُ أخْبَثُ أنْواعِ الآثِمِ، فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى غايَةِ خُبْثِهِ ونِهايَةِ بُعْدِهِ عَنِ اللَّهِ.

السُّؤالُ الخامِسُ: كَلِمَةُ ”أوْ“ تَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ أحَدِهِما فَلِمَ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ حَتّى يَكُونَ نَهْيًا عَنْ طاعَتِهِما جَمِيعًا ؟ (الجَوابُ): ذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ واخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولا تُطِعْهُما لَجازَ أنْ يُطِيعَ أحَدَهُما؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ مَجْمُوعِ شَخْصَيْنِ لا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وحْدَهُ، أمّا النَّهْيُ عَنْ طاعَةِ أحَدِهِما فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ طاعَةِ مَجْمُوعِهِما؛ لِأنَّ الواحِدَ داخِلٌ في المَجْمُوعِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”لا تُطِعْ هَذا وهَذا“ مَعْناهُ: كُنْ مُخالِفًا لِأحَدِهِما، ولا يَلْزَمُ مِن إيجابِ مُخالَفَةِ أحَدِهِما إيجابُ مُخالَفَتِهِما مَعًا، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إذا أمَرَكَ أحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَخالِفْهُ، أمّا إذا تَوافَقا فَلا تُخالِفْهُما.

والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ لا تُطِعْ مِنهم أحَدًا، سَواءٌ كانَ آثِمًا أوْ كَفُورًا؛ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَسْألُهُ شَيْئًا: لا أُعْطِيكَ، سَواءٌ سَألْتَ أوْ سَكَتَّ.

76:25–26Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا النَّهْيَ عَقَّبَهُ بِالأمْرِ، فَقالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو الصَّلاةُ، قالُوا: لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالبُكْرَةِ والأصِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ الصَّلَواتُ. ثُمَّ قالُوا: البُكْرَةُ هي صَلاةُ الصُّبْحِ، والأصِيلُ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾ المَغْرِبُ والعِشاءُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الكَلِماتُ جامِعَةً الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وقَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ المُرادُ مِنهُ التَّهَجُّدُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: كانَ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ نُسِخَ كَما ذَكَرْنا في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ أمْرٌ، وهو لِلْوُجُوبِ، لا سِيَّما إذا تَكَرَّرَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ التَّطَوُّعُ، وحُكْمُهُ ثابِتٌ.

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لَيْسَ هو الصَّلاةَ، بَلِ المُرادُ التَّسْبِيحُ الَّذِي هو القَوْلُ والِاعْتِقادُ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونَ ذاكِرًا لِلَّهِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لَيْلًا ونَهارًا بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] .

واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ لَطِيفَةً أُخْرى، وهي أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ أيْ: هَدَيْناكَ إلى هَذِهِ الأسْرارِ، وشَرَحْنا صَدْرَكَ بِهَذِهِ الأنْوارِ، وإذْ قَدْ فَعَلْنا بِكَ ذَلِكَ فَكُنْ مُنْقادًا مُطِيعًا لِأمْرِنا، وإيّاكَ وأنْ تَكُونَ مُنْقادًا مُطِيعًا لِغَيْرِنا. ثُمَّ لَمّا أمَرَهُ بِطاعَتِهِ ونَهاهُ عَنْ طاعَةِ غَيْرِهِ قالَ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ لَيْسَ عِنْدَها إلّا مَعْرِفَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، أمّا مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ فَلا، فَتارَةً يُقالُ لَهُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الأسْماءِ، وتارَةً يُقالُ لَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وهو

صفحة ٢٣٠

إشارَةٌ إلى مَقامِ الصِّفاتِ، وأمّا مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي هي المُسْتَلْزِمَةُ لِسائِرِ اللَّوازِمِ السَّلْبِيَّةِ والإضافِيَّةِ، فَلا سَبِيلَ لِشَيْءٍ مِنَ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ إلى الوُصُولِ إلَيْها والِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَسُبْحانَ مَنِ اخْتَفى عَنِ العُقُولِ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، واحْتَجَبَ عَنْها بِكَمالِ نُورِهِ.

76:27–28Page 580

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ رَسُولَهُ بِالتَّعْظِيمِ والنَّهْيِ والأمْرِ عَدَلَ إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ والمُتَمَرِّدِينَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، والمُرادُ أنَّ الَّذِي حَمَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ عَلى الكُفْرِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ والإعْراضِ عَمّا يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ لَيْسَ هو الشُّبْهَةَ؛ حَتّى يَنْتَفِعُوا بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، بَلِ الشَّهْوَةُ والمَحَبَّةُ لِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ والرّاحاتِ الدِّينِيَّةِ. وفي الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: وراءَهم، ولَمْ يَقُلْ: قُدّامَهم ؟ (الجَوابُ) مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ وأعْرَضُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم جَعَلُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ.

وثانِيها: المُرادُ ويَذَرُونَ وراءَهم مَصالِحَ يَوْمٍ ثَقِيلٍ، فَأسْقَطَ المُضافَ.

وثالِثُها: أنَّ ”وراءً“ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى قُدّامٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦]، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] .

السُّؤالُ الثّانِي: ما السَّبَبُ في وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ بِأنَّهُ يَوْمٌ ثَقِيلٌ ؟ (الجَوابُ) اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِشِدَّتِهِ وهَوْلِهِ مِنَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ الَّذِي يَتْعَبُ حامِلُهُ، ونَحْوُهُ ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى هَذا الكُفْرِ حُبُّ العاجِلِ، قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾

والمُرادُ أنَّ حُبَّهم لِلْعاجِلَةِ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَةَ اللَّهِ مِن حَيْثُ الرَّغْبَةُ ومِن حَيْثُ الرَّهْبَةُ، أمّا مِن حَيْثُ الرَّغْبَةُ فَلِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَهم وأعْطاهُمُ الأعْضاءَ السَّلِيمَةَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِاللَّذّاتِ العاجِلَةِ، وخَلَقَ جَمِيعَ ما يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِهِ، فَإذا أحَبُّوا اللَّذّاتِ العاجِلَةَ، وتِلْكَ اللَّذّاتُ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ المُنْتَفِعِ وحُصُولِ المُنْتَفَعِ بِهِ، وهَذانَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، فَهَذا مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِيادَ لِلَّهِ ولِتَكالِيفِهِ، وتَرْكَ التَّمَرُّدِ والإعْراضِ، وأمّا مِن حَيْثُ الرَّهْبَةُ فَلِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُمِيتَهم، وعَلى أنْ يَسْلُبَ النِّعْمَةَ عَنْهم، وعَلى أنْ يُلْقِيَهم في كُلِّ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ، فَلِأجْلِ مِن فَوْتِ هَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْقادُوا لِلَّهِ، وأنْ يَتْرُكُوا هَذا التَّمَرُّدَ. وحاصِلُ الكَلامِ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: هَبْ أنَّ حُبَّكم لِهَذِهِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ طَرِيقَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، إلّا أنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْكُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ والِانْقِيادَ لَهُ، فَلَوْ أنَّكم تَوَسَّلْتُمْ بِهِ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ، والإعْراضِ عَنْ حُكْمِهِ، لَكُنْتُمْ قَدْ تَمَرَّدْتُمْ، وهَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ في السُّؤالِ والجَوابِ، وطَرِيقَةٌ لَطِيفَةٌ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأسْرُ الرَّبْطُ والتَّوْثِيقُ، ومِنهُ أُسِرَ الرَّجُلُ إذا وُثِّقَ بِالقَدِّ، وفَرَسٌ مَأْسُورُ الخَلْقِ وفَرَسٌ مَأْسُورٌ بِالعَقِبِ، والمَعْنى شَدَدْنا تَوْصِيلَ أعْضائِهِمْ بَعْضًا بِبَعْضٍ، وتَوْثِيقَ مَفاصِلِهِمْ بِالأعْصابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ أيْ إذا شِئْنا أهْلَكْناهم وأتَيْنا بِأشْباهِهِمْ فَجَعَلْناهم بَدَلًا مِنهم، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ الِاسْتِغْناءِ التّامِّ عَنْهم، كَأنَّهُ قِيلَ: لا حاجَةَ بِنا إلى

صفحة ٢٣١

أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ ألْبَتَّةَ، وبِتَقْدِيرِ أنْ تَثْبُتَ الحاجَةُ فَلا حاجَةَ إلى هَؤُلاءِ الأقْوامِ؛ فَإنّا قادِرُونَ عَلى إفْنائِهِمْ، وعَلى إيجادِ أمْثالِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]، وقالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] ثُمَّ قِيلَ: ”بَدَّلْنا أمْثالَهم“ أيْ في الخِلْقَةِ، وإنْ كانُوا أضْدادَهم في العَمَلِ، وقِيلَ: أمْثالُهم في الكُفْرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا﴾ إنَّ حَقَّهُ أنْ يَجِيءَ بِـ”أنْ“ لا بِـ”إذا“ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ كَأنَّهُ طَعْنٌ في لَفْظِ القُرْآنِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ”إنْ“ و”إذا“ حَرْفٌ لِلشَّرْطِ، إلّا أنَّ حَرْفَ ”إنْ“ لا يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، فَلا يُقالُ: إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ أكْرَمْتُكَ، أمّا حَرْفُ ”إذا“ فَإنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ، تَقُولُ: آتِيكَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَهَهُنا لَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ سَيَجِيءُ وقْتٌ يُبَدِّلُ اللَّهُ فِيهِ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ بِأمْثالِهِمْ في الخِلْقَةِ وأضْدادِهِمْ في الطّاعَةِ، لا جَرَمَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ حَرْفِ ”إذا“ .

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ وأحْوالَ الأشْقِياءِ قالَ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ والمَعْنى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ بِما فِيها مِنَ التَّرْتِيبِ العَجِيبِ والنَّسَقِ البَعِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَأمِّلِينَ، وتَبْصِرَةٌ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ، فَمَن شاءَ الخِيرَةَ لِنَفْسِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي تَلاطَمَتْ فِيها أمْواجُ الجَبْرِ والقَدَرِ، فالقَدَرِيُّ يَتَمَسَّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ويَقُولُ: إنَّهُ صَرِيحُ مَذْهَبِي، ونَظِيرُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] والجَبْرِيُّ يَقُولُ: مَتى ضُمَّتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها خَرَجَ مِنهُ صَرِيحُ مَذْهَبِ الجَبْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَشِيئَةُ العَبْدِ مَتى كانَتْ خالِصَةً، فَإنَّها تَكُونُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْفِعْلِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَقْتَضِي أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ، ومُسْتَلْزِمُ المُسْتَلْزِمِ مُسْتَلْزِمٌ، فَإذًا مَشِيئَةُ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِفِعْلِ العَبْدِ، وذَلِكَ هو الجَبْرُ، وهَكَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى الجَبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أيْضًا تَقْتَضِي كَوْنَ المَشِيئَةِ مُسْتَلْزِمَةً لِلْفِعْلِ، ثُمَّ التَّقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ.

واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ كَلامُ القاضِي، إلّا أنّا نَذْكُرُهُ ونُنَبِّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، قالَ القاضِي: المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ اتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، ونَحْنُ نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قَدْ شاءَهُ. وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: العَبْدُ لا يَشاءُ إلّا ما قَدْ شاءَهُ اللَّهُ عَلى الإطْلاقِ؛ إذِ المُرادُ بِذَلِكَ الأمْرُ المَخْصُوصُ الَّذِي قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أرادَهُ وشاءَهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأيْضًا فَحاصِلُ ما ذَكَرَهُ القاضِي تَخْصِيصُ هَذا العامِّ بِالصُّورَةِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ خُصُوصَ ما قَبْلَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا العامِّ بِهِ؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذِهِ الآيَةِ وارِدًا بِحَيْثُ يَعُمُّ تِلْكَ الصُّورَةَ وسائِرَ الصُّوَرِ، بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ يَتَعَلَّقُ بِالإعْرابِ، وهو أنْ يُقالَ: ما مَحَلُّ ”أنْ

صفحة ٢٣٢

يَشاءَ اللَّهُ“ ؟ وجَوابُهُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”إلّا ما شاءَ اللَّهُ“؛ لِأنَّ ”ما“ مَعَ الفِعْلِ كِـ”أنْ“ مَعَهُ، وقُرِئَ أيْضًا: ”يَشاءُونَ“ بِالياءِ.

76:30–31Page 580

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠

And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: عَلِيمًا بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم؛ حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ.

ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ فَقالَ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ اعْلَمْ أنَّ خاتِمَةَ هَذِهِ السُّورَةِ عَجِيبَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ عَنِ العَبْدِ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ والنّارِ لَيْسَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ إلّا اللَّهَ، وما هو مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ المُطْلَقُ الَّذِي هو آخِرُ سَيْرِ الصِّدِّيقِينَ ومُنْتَهى مَعارِجِهِمْ في أفْلاكِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ إنْ فَسَّرْنا الرَّحْمَةَ بِالإيمانِ، فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالجَنَّةِ كانَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، لا بِسَبَبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الِاسْتِحْقاقُ لَكانَ تَرْكُهُ يُفْضِي إلى الجَهْلِ والحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ، والمُفْضِي إلى المَحالِ مُحالٌ، فَتَرْكُهُ مُحالٌ، فَوُجُودُهُ واجِبٌ عَقْلًا، وعَدَمُهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلى المَشِيئَةِ ألْبَتَّةَ، وأيْضًا فَلِأنَّ مَن كانَ مَدْيُونًا مِن إنْسانٍ فَأدّى ذَلِكَ الدَّيْنَ إلى مُسْتَحِقِّهِ، لا يُقالُ بِأنَّهُ إنَّما دَفَعَ ذَلِكَ القَدْرَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ والتَّفَضُّلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ؛ لِأنَّ مَعْنى ”أعَدَّ“ أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وقَضى بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ وكَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّغْيِيرَ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ مُحالٌ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما بَيَّنّاهُ وقُلْناهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ ”الظّالِمِينَ“ لِأنَّ قَبْلَهُ مَنصُوبًا، والمَعْنى: يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ. وقَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ كالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”والظّالِمُونَ“، وهَذا لَيْسَ بِاخْتِيارٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”يُدْخِلُ مَن يَشاءُ“، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ غَيْرُ حَسَنٍ، وأمّا قَوْلُهُ في ”حم عسق“ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ﴾ فَإنَّما ارْتَفَعَ لِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيَنْصِبَهُ في المَعْنى، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُعْطَفَ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ، فارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ، وهَهُنا قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ النّاصِبِ المُضْمَرِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском