Ar-RaziAl‑Mursalat · 77:16–28

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Mursalat 77:16–28

77:16–19Page 580

أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٦

Did We not destroy the former peoples?

ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٧

Then We will follow them with the later ones.

كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٨

Thus do We deal with the criminals.

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٩

Woe, that Day, to the deniers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ تَخْوِيفُ الكُفّارِ، وتَحْذِيرُهم عَنِ الكُفْرِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ التَّخْوِيفِ أنَّهُ أقْسَمَ عَلى أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يُوعَدُونَ بِهِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ واقِعٌ، ثُمَّ هَوَّلَ فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الفَصْلِ﴾، ثُمَّ زادَ في التَّهْوِيلِ فَقالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ .

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّخْوِيفِ: ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهُ أهْلَكَ الكَفَرَةَ المُتَقَدِّمِينَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، فَإذا كانَ الكُفْرُ حاصِلًا في هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلا بُدَّ وأنْ يُهْلِكَهم أيْضًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: أمّا الدُّنْيا فَحاصِلُهُمُ الهَلاكُ، وأمّا الآخِرَةُ فالعَذابُ الشَّدِيدُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ [الحج: ١١] وفي الآيَةِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: ما المُرادُ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ؟

الجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أهْلَكَ الأوَّلِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ثُمَّ أتْبَعَهُمُ الآخِرِينَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ولُوطٍ ومُوسى، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ بِلَفْظِ المُضارِعِ فَهو يَتَناوَلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ ولا يَتَناوَلُ الماضِيَ ألْبَتَّةَ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِينَ جَمِيعُ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ عَلى الِاسْتِئْنافِ عَلى مَعْنى سَنَفْعَلُ ذَلِكَ ونُتْبِعُ الأوَّلَ الآخِرَ، ويَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”سَنُتْبِعُهُمُ“، فَإنْ قِيلَ: قَرَأ الأعْرَجُ: ”ثُمَّ نُتْبِعْهُمُ“ بِالجَزْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ في ”ألَمْ“، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِهِ الماضِيَ لا المُسْتَقْبَلَ، قُلْنا: القِراءَةُ الثّابِتَةُ بِالتَّواتُرِ: ”نُتْبِعُهُمُ“ بِحَرَكَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُسْتَقْبَلَ، فَلَوِ اقْتَضَتِ القِراءَةُ بِالجَزْمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الماضِيَ لَوَقَعَ التَّنافِي بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. فَعَلِمْنا أنَّ تَسْكِينَ العَيْنِ لَيْسَ لِلْجَزْمِ، بَلْ لِلتَّخْفِيفِ كَما رُوِيَ في بَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ:

واليَوْمَ أُشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ مِثْلَ ما يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: هَذا الإهْلاكُ إنَّما نَفْعَلُهُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، فَلا جَرَمَ عَمَّ في جَمِيعِ المُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ عُمُومَ

صفحة ٢٤٠

العِلَّةِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ وإنْ أُهْلِكُوا وعُذِّبُوا في الدُّنْيا، فالمُصِيبَةُ العُظْمى والطّامَّةُ الكُبْرى مُعَدَّةٌ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.

السُّؤالُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ هو مُطْلَقُ الإماتَةِ أوِ الإماتَةُ بِالعَذابِ ؟ فَإنْ كانَ ذَلِكَ هو الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ تَخْوِيفًا لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ حاصِلٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يَصْلُحُ تَحْذِيرًا لِلْكافِرِ، وإنْ كانَ المُرادُ هو الثّانِيَ، وهو الإماتَةُ بِالعَذابِ فَقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ فَعَلَ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ مِثْلَ ذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [ الأنْفالِ: ٣٣] الجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإماتَةَ بِالتَّعْذِيبِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في حَقِّ قُرَيْشٍ وهو يَوْمُ بَدْرٍ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإهْلاكِ مَعْنًى ثالِثًا مُغايِرًا لِلْأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرُوهُما، وهو الإماتَةُ المُسْتَعْقِبَةُ لِلذَّمِّ واللَّعْنِ ؟ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا عانَدُوا الأنْبِياءَ وخاصَمُوهم، ثُمَّ ماتُوا، فَقَدْ فاتَتْهُمُ الدُّنْيا وبَقِيَ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، والعُقُوبَةُ الأُخْرَوِيَّةُ دائِمًا سَرْمَدًا، فَهَكَذا يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ المَوْجُودِينَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ مِن أعْظَمِ وُجُوهِ الزَّجْرِ.

77:20–24Page 581

أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٢٠

Did We not create you from a liquid disdained?

فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ ٢١

And We placed it in a firm lodging [i.e., the womb]

إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢٢

For a known extent.

فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣

And We determined [it], and excellent [are We] to determine.

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٢٤

Woe, that Day, to the deniers.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن تَخْوِيفِ الكُفّارِ، ووَجْهُ التَّخْوِيفِ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَّرَهم عَظِيمَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ، وكُلَّما كانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أكْثَرَ كانَتْ جِنايَتُهم في حَقِّهِ أقْبَحَ وأفْحَشَ، وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ كانَ العِقابُ أعْظَمَ، فَلِهَذا قالَ عَقِيبَ ذِكْرِ هَذا الإنْعامِ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَّرَهم كَوْنَهُ قادِرًا عَلى الِابْتِداءِ، وظاهِرٌ في العَقْلِ أنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، فَلَمّا أنْكَرُوا هَذِهِ الدَّلالَةَ الظّاهِرَةَ لا جَرَمَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، وأمّا التَّفْسِيرُ فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ؛ لِأنَّ ما يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ لا بُدَّ وأنْ يَثْبُتَ في الرَّحِمِ ويَتَمَكَّنَ، بِخِلافِ ما لا يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ والمُرادُ كَوْنُهُ في الرَّحِمِ إلى وقْتِ الوِلادَةِ، وذَلِكَ الوَقْتُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤] . ﴿فَقَدَرْنا﴾ قَرَأ نافِعٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أمّا التَّشْدِيدُ فالمَعْنى: إنّا قَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ولِأنَّ إيقاعَ الخَلْقِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّحْدِيدِ نِعْمَةٌ مِنَ المُقَدِّرِ عَلى المَخْلُوقِ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ في مَوْضِعِ ذِكْرِ

صفحة ٢٤١

المِنَّةِ والنِّعْمَةِ، ومَن طَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ قالَ: لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَقَدَّرْنا فَنَعِمَ المُقَدِّرُونَ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَرَبَ قَدْ تَجْمَعُ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فَفِيها وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ القُدْرَةِ، أيْ فَقَدَرْنا عَلى خَلْقِهِ وتَصْوِيرِهِ كَيْفَ شِئْنا، وأرَدْنا ﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ حَيْثُ خَلَقْناهُ في أحْسَنِ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقالُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى مَعْنى قَدَّرْتُهُ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدَرَ عَلَيْهِ المَوْتَ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ المَوْتَ، وقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وقَدَّرَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] .

77:25–28Page 581

أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا ٢٥

Have We not made the earth a container

أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا ٢٦

Of the living and the dead?

وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا ٢٧

And We placed therein lofty, firmly set mountains and have given you to drink sweet water.

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٢٨

Woe, that Day, to the deniers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن تَخْوِيفِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ذَكَّرَهم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَّرَهم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ في الآفاقِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، والسَّبَبُ فِيهِ ما قَدَّمْنا أنَّ النِّعَمَ كُلَّما كانَتْ أكْثَرَ كانَتِ الجِنايَةُ أقْبَحَ، فَكانَ اسْتِحْقاقُ الذَّمِّ عاجِلًا والعِقابِ آجِلًا أشَدَّ، وإنَّما قَدَّمَ تِلْكَ الآيَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ النِّعَمَ الَّتِي في الأنْفُسِ كالأصْلِ لِلنِّعَمِ الَّتِي في الآفاقِ، فَإنَّهُ لَوْلا الحَياةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ والأعْضاءُ السَّلِيمَةُ لَما كانَ الِانْتِفاعُ بِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقِ مُمْكِنًا.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا ثَلاثَةَ أشْياءَ:

أوَّلُها: الأرْضُ، وإنَّما قَدَّمَها لِأنَّ أقْرَبَ الأشْياءِ إلَيْنا مِنَ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ هو الأرْضُ، ومَعْنى الكِفاتِ في اللُّغَةِ الضَّمُّ والجَمْعُ، يُقالُ: كَفَتُّ الشَّيْءَ أيْ ضَمَمْتُهُ، ويُقالُ: جِرابٌ كَفِيتٌ وكِفْتٌ إذا كانَ لا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِمّا يُجْعَلُ فِيهِ، ويُقالُ لِلْقِدْرِ: كِفْتٌ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هو اسْمُ ما يَكْفِتُ، كَقَوْلِهِمْ: الضِّمامُ والجِماعُ لِما يَضُمُّ ويَجْمَعُ، ويُقالُ: هَذا البابُ جِماعُ الأبْوابِ، وتَقُولُ: شَدَدْتُ الشَّيْءَ، ثُمَّ تُسَمِّي الخَيْطَ الَّذِي تَشْدُدُ بِهِ الشَّيْءَ شِدادًا، وبِهِ انْتَصَبَ ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كافِتَةً أحْياءً وأمْواتًا، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو نَكْفِتُ، ويَكُونُ المَعْنى نَكْفِتُكم أحْياءً وأمْواتًا، فَيُنْصَبانِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ، هَذا هو اللُّغَةُ، ثُمَّ في المَعْنى وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها تَكْفِتُ أحْياءً عَلى ظَهْرِها وأمْواتًا في بَطْنِها، والمَعْنى أنَّ الأحْياءَ يَسْكُنُونَ في مَنازِلِهِمْ والأمْواتَ يُدْفَنُونَ في قُبُورِهِمْ، ولِهَذا كانُوا يُسَمُّونَ الأرْضَ أُمًّا؛ لِأنَّها في ضَمِّها لِلنّاسِ كالأُمِّ الَّتِي تَضُمُّ ولَدَها وتَكْفُلُهُ، ولَمّا كانُوا يُضَمُّونَ إلَيْها، جُعِلَتْ كَأنَّها تَضُمُّهم.

وثانِيها: أنَّها كِفاتُ الأحْياءِ، بِمَعْنى أنَّها تَكْفِتُ ما يَنْفَصِلُ عَنِ الأحْياءِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْذَرَةِ، فَأمّا أنَّها تَكْفِتُ [ الأحْياءَ ] حالَ كَوْنِهِمْ عَلى ظَهْرِها فَلا.

وثالِثُها: أنَّها كِفاتُ الأحْياءِ بِمَعْنى أنَّها جامِعَةٌ لِما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلَيْهِ في حاجاتِهِ مِن مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، والأبْنِيَةُ الجامِعَةُ لِلْمَصالِحِ الدّافِعَةُ لِلْمَضارِّ مَبْنِيَّةٌ مِنها.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ مَعْناهُ راجِعٌ إلى الأرْضِ، والحَيُّ ما أُنْبِتَ، والمَيِّتُ ما لَمْ يُنْبَتْ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: لِمَ قِيلَ: ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ عَلى التَّنْكِيرِ، وهي كِفاتُ الأحْياءِ والأمْواتِ جَمِيعًا ؟ الجَوابُ: هو مِن

صفحة ٢٤٢

تَنْكِيرِ التَّفْخِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَكْفِتُ أحْياءً لا يُعَدُّونَ، وأمْواتًا لا يُحْصَرُونَ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ قَطْعِ النَّبّاشِ ؟ الجَوابُ: نَقَلَ القَفّالُ أنَّ رَبِيعَةَ قالَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأرْضَ كِفاتُ المَيِّتِ فَتَكُونُ حِرْزًا لَهُ، والسّارِقُ مِنَ الحِرْزِ يَجِبُ عَلَيْهِ القَطْعُ.

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ: ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ لا تَزُولُ، و﴿شامِخاتٍ﴾ أيْ عالِياتٍ، وكُلُّ عالٍ فَهو شامِخٌ، ويُقالُ لِلْمُتَكَبِّرِ: شامِخٌ بِأنْفِهِ. ومَنافِعُ خِلْقَةِ الجِبالِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في هَذا الكِتابِ.

النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ النِّعَمِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾، الفُراتُ هو الغايَةُ في العُذُوبَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском